فتى في عكّاء
(١٨٦٨ – ١٨٧٠)
بقلم: جاكلين مهرابي
الرّسوم التّوضيحيّة من قبل: مالكوم لي
ترجمة: زين أردكاني
Bahá’í Publishing Trust New Delhi, India
دار الفكر للطّباعة والنّشر – المملكة المتّحدة
الطّبعة الأولى – كانون الثّاني/يناير ٢٠٢٦
© Jacqueline Mehrabi
ISBN: 81-7896-067-8
First Edition : May 2010 Reprint: June 2013
Bahá’í Publishing Trust F-3/6, Okhla Industrial Area, Phase-I New Delhi-110020, India
منذ آلاف السّنين، أطلق أنبياء العهد القديم على عكّاء اسم “باب الأمل”، ولكن في عام ١٨٦٨، في زمن هذه القصّة، عانت عكّاء من مجاعات وأوبئة وحروب كثيرة حتّى إنّ النّاس نادرًا ما فكّروا في هذه النّبوءة بعد ذلك. وأصبحت الآن مدينة-سجن حيث يُرسل إليها أسوأ المجرمين من جميع أنحاء الإمبراطوريّة العثمانيّة.
كانت السّلطات تخشى الأفكار الجديدة، وأحيانًا كان يُزجّ بالنّاس الّذين لم يرتكبوا أيّ خطأ على الإطلاق في السّجن مع القتلة واللّصوص. هذه القصّة تدور حول فتى يُدعى هاني يكتشف شيئًا رائعًا عن أحد هؤلاء السّجناء الأبرياء.
السّجين وعائلته والحجّاج والشّيخ الّذي يزور السّجن كلّهم أشخاص حقيقيّون. الفتى شخصيّة خياليّة، ولكن ما يكتشفه حقيقيّ. في الواقع، إنّه يجد الإجابة عن أعظم وأمجد سرّ على الإطلاق، هنا في عكّاء!
كان هاني جالسًا على السّور العالي ذي اللّون العسلي الّذي يحيط بمدينة عكّاء القديمة وحوله طيور النّورس، وقد أرخى ساقيه من على الحافة، وهو ما يشكّل له خطورة، ثم أخذ يحرّك قدميه ليستمتع بالنّسيم البارد الهابّ من البحر.
كانت موجات البحر الرّقيقة تداعب أسفل الجدار وتتردّد في الابتعاد عنه كما لو أنهّا هي الأخرى تنتظر.
كان الفتى وأصدقاؤه أحيانًا يغامرون ويقفزون في المياه العميقة المظلمة. والأولاد الأكبر سنًّا يصفقون لهم ويشجعونهم، بينما الرّجال الكبار يصيحون غاضبين ومحذرين. لكنّ هاني اليوم لم يكن ينظر إلى الأسفل؛ كانت عيناه تحدّقان في شيء قاتم يتحرّك على سطح البحر من بعيد.
رفع يده لتظلّل عينيه من أشعّة الشّمس السّاطعة فرأى قاربًا مليئًا بالسّجناء يبحر ببطءٍ نحوه.
رآه آخرون أيضًا، وما هي إلا لحظة حتى أخذ العشرات من الأطفال والرّجال يتسلّقون الجدار خلفه وطيور النّورس تتفرّق بينما كانوا يلوّحون بأيديهم غاضبين ويطلقون ألفاظا بذيئة على السّجناء. كانوا يتدافعون فيما بينهم للحصول على رؤية أفضل، ولولا أنّ هاني أمسك بساق أحد الرّجال الذّين دفعوه، لكان قد سقط في البحر دون أن يُلاحظه أحد.
كان هذا الرجل يصيح وهو يضمّ قبضة يده “لا نريد المزيد من اللّصوص والقتلة في عكّاء.” ثم التفت نحو الفتى وبكل غيظ قال له “وأنت يا هاني انزل! هذا خطر عليك وأنت تقف في الأعلى!” وأضاف بضحكة ممزوجة بالغضب “انتبه لئلا يمسك بك أحد هؤلاء القتلة!”، بينما كان هاني ذو العشر سنوات ينزل ويختفي خلف الجدار، وأصابع قدميه تبحث على موطئ قدم له أثناء مغادرته.
قفز وأخذ يركض على طول الممرّ المؤدّي إلى بوّابة البحر على أمل إلقاء نظرة عن قرب على السّجناء الجدد عند وصولهم الشّاطئ.
لم يكن هاني خائفًا من السّجناء. كانت المدينة كلّها عبارة عن سجن كبير، وقد وُلد هنا ولم يعرف أي شيء آخر. كان هناك حرّاس على البوّابة البرّيّة الرّئيسيّة لمراقبة القادمين والمغادرين وإقفال البوّابة عند حلول اللّيل، وأمّا البوّابة البحريّة فكانت أيضًا
تحت الحراسة ولا يتمّ فتحها إلّا عندما يحين موعد وصول سفينة.
كان في البلدة سجن آخر – قلعة قاتمة ورماديّة، حيث كان يُحتجز فيه أسوأ السّجناء، ولم يسبق لأحد منهم أن هرب من هناك.
وبطبيعة الحال، ليس كلّ من عاش في المدينة كان سجينًا. كان هناك العديد من التّجار الّذين يعيشون مع عائلاتهم في منازل صغيرة متناثرة مبنيّة على جانبي الممرّات الضّيقة المُعتمة. وكان وَالِدُ هاني واحدًا منهم ويعمل نجّارًا ويصنع التّوابيت.
رست السّفينة على بُعد مسافة قصيرة من الجدار وأخذ السّجناء وأفراد الطّاقم يمشون بالفعل في المياه الضّحلة. أثار اهتمامَ هاني هدوءُ ووَقارُ السّجناء حيث لم يكن هناك أيّ صراخ بل كانوا يساعدون بعضهم البعض.
كان بينهم بعض النّساء اللّائي كنّ يضعْنَ غطاءً على رؤوسهنّ. اقترح عليهم البحّارة أن يحملوا النّساء على ظهورهم إلى الشّاطئ حتّى لا يتبلّلن. اعترض أحد الشّباب من السّجناء قائلاً بأنّه من غير اللّائق أن يُحملْنَ بهذه الطّريقة. فطلب إحضار كرسيّ خشبيّ لتجلس عليه النّساء ويُحملْن إلى الشّاطئ بكلّ راحة واحترام.
كان الشّاب جميلًا ذا طلعة بهيّة وشَعَرَ هاني بأنّه إنسان لطيف ولكنّه حزين أيضًا. كان لديه إحساس بأنّ هذا الحزن كان بسبب معاناة مَن هم حوله.
من بين السّجناء أيضاً كان عدد من الأطفال والرّضّع. احتار هاني وتساءل ماذا فعل آباؤهم من جرم حتّى أرسلوهم إلى مكان مروّع كهذا.
أخذ الحرّاس يستعجلون السّجناء المرهقين في مشيتهم في الشّوارع القذرة. توقّع هاني أن يكون عددهم سبعين سجينًا تقريبًا. أخذت إحدى الشّابّات تترنّح وكأنّها ستفقد وعيها، فهبّ الشّاب الجميل وآخر أصغر منه سنًا يشبهه وأمسكا بها حتى لا تقع على الأرض. فظنّ هاني أنّها أختهما.
كان هناك مجموعة من الأولاد أخذوا يضحكون باستهزاء ويرمون السّجناء بالفواكه الفاسدة، وهو ما أحزن هاني كثيرًا. لا بد أنّ هناك خطأ ما؛ فالسّجناء لا يبدون مجرمين، فلماذا أرسلوهم كأسرى إلى عكّاء؟
كان على رأس المجموعة شخصيّة مميّزة مهيبة تمشي بخطوات ثابتة رزينة نحو قلعة السّجن. كان شعره الأسود الطّويل يتدلّى من تحت عمامته ويضع عباءة يتدلّى طرفاها خلفه. وعلى الرّغم من بساطة هندامه، إلّا أنّ هاني شعر أنّه كان كالملك. لحق به الأسرى الآخرون وكأنّ كلّ ما يهمّهم هو أن يكونوا بالقرب منه.
هناك شيء جعل هاني يتلفّت حوله مستغربًا؛ فبدلاً من رائحة السّمك البشعة الّتي تنتشر في المدينة كالعادة، كانت تفوح رائحة ورود زكيّة مميّزة.
ضحكت أمّ هاني عندما أخبرها ابنها بما حصل وقالت: “لا أستطيع أن أتذكّر متى كانت آخر مرّة شممتُ فيها رائحة الورد!”. لا ينمو الكثير من الورود في هذه المدينة.
“لا بدّ أنّ هذا من مخيّلتك الواسعة!” قالت أمّه، وهي تضع طبق الفاصوليا المطبوخة على طاولة منخفضة مستديرة، ومحاطة بوسائد ملوّنة ليجلس الجميع عليها. ومع أنّ البيت كان صغيرًا، وفي حيّ فقير من البلدة، إلّا أنّه في الدّاخل كان يشعّ بهجة وترحيبًا بجدرانه البيضاء النّظيفة والسّماور في الزّاوية وفيه الماء المغلي لإعداد الشّاي.
أخذ فؤاد، شقيق هاني الأكبر، يضحك أيضًا، ولكن ليس بسخرية. كان يعلم أنّ هاني يشعر في كثير من الأحيان بأشياء لم يشعر بها هو.
فكّر هاني. ربّما لم تأتِ رائحة الورود من الورد أبدًا، بل من الشّعور الرّوحانيّ الّذي انتابه عندما رأى الأسير الّذي بدا كأنّه ملك! وكأنه شيء مقدّس.
عندما بدأوا بتناول وجبتهم، قال والده: ” سمعت أنّ هؤلاء السّجناء الجدد خطّطوا لقلب نظام الحكم، وأنّهم خطيرون جدًّا وقد حُكم عليهم بالسّجن مدى الحياة.”
“لا يبدو عليهم أنّهم خطيرون.”
قال هاني وهو يقسم قطعة من الرّغيف ويغمسها في صحن الفاصوليا ويضعها في فمه.
“وكيف لك أن تعرف؟” سألت أخته سلمى، وهي تحدّق إليه بِعَيْنَيْهَا السُّودَاوَيْنِ الْكَبِيرَتَيْنِ. سلمى كانت في الثّامنة من عمرها وكونها بنت لم يكن مسموح لها أن تخرج من البيت لوحدها، لذلك كان هاني وسيطها للحرّيّة والمغامرة. أدركت سلمى أنّه بعد عام واحد لن يكون بإمكانها مغادرة المنزل إلّا برفقة أمّها بشرط أن ترتدي الحجاب وقتها. حتّى إنّ واحدة من أبناء عمومتها تزوّجت وهي في التّاسعة من عمرها، ومع أنّ سلمى علمت أنّ هذا لن يحدث لها لأنّ أمّها لم تكن موافقة على عادة الزّواج المُبْكر، لكنها قالت إنّ سنّ الخامسة عشر مبكر بما فيه الكفاية.
“كان السّجناء لطيفين مع بعضهم،” أجاب هاني عن سؤال سلمى. “وكان بينهم أطفال ورضّع.”
لكنّ الأمر لم يقتصر على ذلك الحديث، بل فكّر هاني في نفسه، وقرّر التّحدّث مع والده بالموضوع لاحقًا.
في اليوم التالي، بينما كان هاني يكنُسُ الأرض من نشارة الخشب في ورشة والده خلف المنزل، قال: “اعتقد أنّني رأيت شيئًا ما في تلك اللّيلة.”
تساءل والده قائلاً: “مممم؟” بينما كان مشغولاً بتنعيم قطعة خشب خشنة في التّابوت.
قال هاني: “أضواء في السّماء، وكأنّها رايات.”
تعجّب والده وقال “أووه؟”
ولكنّه كان مشغولاً بالتّأكّد من نعومة أطراف التّابوت.
وأضاف هاني:
“فوق البلدة.”
توقّف والده يونس لوهلة عن العمل ونظر إلى ابنه.
متسائلاً “أكان حلمًا؟” كان النّاس في البلدة يأخذون الأحلام على محمل الجِدّ وخاصّة النّساء، لأن الأحلام كانت تسليتهنّ المفضّلة في محاولة لتفسيرها. فعلى سبيل المثال، في الأسبوع الماضي حلمت زوجته بسمة بأنّها فقدت أحد أسنانها، وفسرّت الحلم بأن أحد أفراد العائلة قد توفّى. وبالطّبع بعد يومين وصلهم خبر وفاة أحد أفراد العائلة في حيفا على الجانب الآخر من خليج عكّاء.
أكّد هاني لوالده بأنّه لم يكن حلمًا وأضاف قائلاً: ” استيقظت في منتصف اللّيل وكانت السّماء مليئة بالنور.”
جلب كلام هاني انتباه والده، فقد كانت عكّاء معروفة بأنّها بلدة قذرة ومليئة بالأوساخ وتنتشر فيها الأمراض، وكان يُقال عنها إنّه إذا حلق طير في سمائها سيسقط ميتًا قبل أن يعبر البلدة. إنّ فكرة رايات من النّور مضيئة في السّماء بدت جميلة له وأعطته شعورًا دافئًا بالأمل.
سأل والده: “إذن، ما هذه الأضواء باعتقادك؟”
أجاب هاني بشيء من عدم اليقين: “أظنّ بأنّها كانت إشارة، وكأنّها ترحّب بشيء أو بشخص جاء إلى بلدتنا. لهذا كنت انتظر عند الجدار. لأرى من يكون.”
وهل تعتقد بأنّ لها علاقة بأولئك السّجناء؟”
أجابه هاني بنعم.
لم يرد والده أن يخيّب آمال هاني، ولكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يشجّعه في حال كان مخطئًا بتوقعاته، فقال له: ” لكن لا يمكن لشخص من عند اللّه أن يكون مجرمًا”
“أعرف يا أبي، ولكنهم كانوا مختلفين عن بقية السّجناء.”
بعدها أخبر هاني والده عن الشخص الّذي رآه يمشي كالملك وعن البقيّة.
وأضاف هاني وهو ينظر إلى والده بتلهُّفٍ متمنّياً من كلّ قلبه أن يشاركه الرأي: ” إذا كانت الأضواء هي رايات ترحب بهم فيعني ذلك أنّهم ليسوا مجرمين، حتى لو قال الآخرون عنهم ذلك.”
هل أنت متأكّد أنك رأيت الأضواء؟” سأل والده.
تردّد هاني وقال: أشعر وكأنّني رأيتها.”
طمأن يونس ابنه وقال:” سأرى ما يمكنني اكتشافه عن الموضوع، لكن عليك أن لا تذكر هذا الموضوع أمام أيّ أحد وإلا سنوضع في السّجن أيضاً.”
اعتقد هاني في قرارة نفسه أنه لا مانع لديه أن يكون في المكان الّذي يجمعه معّ الشّاب الصّغير والشّخص الّذي يبدو أنه هو القائد حتى لو كان السّجن.
كان يونس في إحدى الغرف الصّغيرة في فِناء المسجد حيث كان بعض الشّيوخ يدرّسون تلاميذهم، سأل يونس أحدهم عن الأضواء الّتي ظنّ هاني أنّه رآها.
فأجابه الشّيخ وهو يرفع نظره عن عدة أوراق مبعثرة أمامه على الطّاولة:
“هذا مجرّد خيال
ولد صغير”.
كان الشّيخ مشغولًا جدًا بكتابة
تفسير عن الملائكة
الّذين قيل إنّهم ينزلون على الأرض مع كلّ قطرة مطر.
وأضاف الشّيخ منزعجًا من مقاطعته قائلاً: ” خيالات بلا معنى، انسَ الموضوع!” ثمّ أخبر يونس عن الموضوع المهم الّذي كان يكتبه.
نظر يونس إلى الشّيخ بابتسامة وهو يفكّر، ملائكة تنزل على الأرض مع كلّ قطرة مطر! هذا هو الّذي يُقال عنه خيال! ثم صمت لبضع دقائق احترامًا للشيخ قبل أن يضيف شيئًا آخر. كان من المتوقع أن يتقبّل النّاس أي كلمة يقولها الشّيوخ دون سؤال أو تعليق كونهم المخولين الرسميين في الأمور الدّينية. ومع ذلك، فإنّ ما مرّ به هاني من تجربة قد حرّكت شيئاً في داخل والده يونس ممّا جعله يميل إلى الاعتقاد بأن ما رآه ابنه حقيقي ولن يستطيع البقاء صامتًا للأبد.
ثمّ قال بحذر: “كنت أفكّر في جميع النّبوءات الّتي تقول أشياء رائعة عن عكّاء، وأتساءل عمّا إذا كانت قريبة التحقُّق؟”
على الرّغم من أنّ الشّيخ كان شخصًا طيّبًا أراد أن يعيش بسلام، لكنّه رفع رأسه وحملق في وجه يونس بنظرة رهيبة وعينيْن يعلوهما حاجبان كثيفان مقطّبان. فالشّيخ على دراية بالنّبوءات طبعًا، الجميع يعرف عنها. فقد كانت تقال أشياء مثل “عكّاء هي مدينة … اختصّها اللّه برحمته”، وكلّ من يزورها متلهّفًا سيغفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.” فهي وعود رائعة مدهشة.
قال يونس “وحتّى الأنبياء السابقين تحدّثوا عن عكّاء قبل ثلاثة آلاف سنة، وقالوا إنّها باب الأمل.” مذكّرًا الشّيخ بهذه النبوءات.
كان يونس يعلم أيضًا بأنّ الأنبياء قالوا إنّ المصاعب ستتحوّل إلى فرح واليأس إلى أمل، وأنّه سترتفع ترانيم الفرح في وادي عكّاء. ولكنّ يونس كان يشعر بأنّ الشّيخ غير مهتمّ بكلامه.
في الحقيقة، لم يكن الشّيخ يريد الاعتراف بأنّه ليس لديه إجابات عن أسئلة يونس بخصوص النّبوءات، وفي الوقت نفسه لا يريد الإقرار بأنّ ما رآه فتى في العاشرة من عمره يمكن أخذه على محمل الجِدّ. فبرأيه إذا كان هناك من يرى أشياء فهي له، فكيف بفتى يمشي حافي القدمين في شوارع عكّاء وحتى هو ليس من تلاميذه.
على أي حال، من وجهة نظره أن عكّاء هي مدينة صغيرة وفقيرة، فلم يستطع أن يتخيّل لماذا ميّزها اللّٰه. ولكنّ الشّيخ قرّر أن يقرأ المزيد عن نبوءات عكّاء يومًا ما، ويرى ما يقوله علماء الدّين الآخرون. سيقوم بذلك بعد انتهائه من كتابة موضوع الملائكة وفكرة قطرات المطر.
بدأ الشّيخ يلملم أوراقه المتبعثرة على طاولته مما أشعر يونس أنه وقت مغادرته. لم يذكر يونس أيّ شيء بخصوص اعتقاد هاني أنّ رايات النور لها علاقة بالسّجناء الجدد، لأنّه كان متأكّدًا أنّ الشّيخ سيغض النّظر عن الموضوع أيضًا.
كانت المدينة تملأها الشّائعات عن السّجناء الجدد.
قال باز ابن عمّ هاني وهو يلهث من شدة الرّكض قادمًا من الجانب الآخر للمدينة ليأتي بآخر الاخبار: “يقول النّاس إنّ السّجناء يبدون شرّسين للغاية.” كان عُمْر باز كعُمر هاني وكانا صديقيْن مقرّبيْن.
قال هاني: “هم ليسوا كذلك”.
ردّ باز” ولكنهم حاولوا الاشتباك مع الحرّاس عندما نزلوا للشاطئ.”.
“لا، لم يقوموا بذلك” ردّ عليه هاني.
توقّف باز لثوانٍ ثمّ أضاف: ” لكنّ كل واحد في البلدة يقول هذا الكلام، وحتى المساجد تردّده ”
ردّ عليه هاني معترضًا وقال ” لكن هذا الكلام ليس صحيحًا.”
ثم أجابه باز: ” وكيف لك أن تعرف؟”
ردّ عليه هاني: “لأنّي رأيتهم بعينيّ.”
وصف هاني لباز وقار وهدوء السّجناء.
ثمّ قال: ” لم يكونوا فقط رجالًا، بل كان هناك نساء وأطفال أيضاً.”
لم يقتنع باز بكلام هاني وقال: ” لماذا إذًا هم مسجونون؟”
أجابه هاني: “لا أعلم، ولكنّ أتمنّى لو أستطيع إنقاذهم.”
كان الاثنان يعلمان أنّه من المستحيل إنقاذهم. فالقلعة الّتي كانوا محتجزين فيها كبيرة جدًّا، وجدرانها عالية مبنية من الحجر السميك مع قليل من النوافذ، ولا يزال على الجدران آثار طلقات المدافع نتيجة الهجمات في الماضي، وإحداها كانت من نابليون بونابارت عام 1799، حين حاول الاستيلاء على المدينة قبل سبعين عامًا تقريبًا. كان هاني يتخيّل في كثير من الأحيان مشهد الأسطول الفرنسيّ في البحر، والأشرعة البيضاء تنتفخ مع هبوب الرّيح، وما تنفثه المتفجرات من دخان أسود بينما كانت قذائف المدفع تتطاير في الهواء لتصيب جدران القلعة وترتدّ عنها. وبعد شهرين استسلم نابليون وأبحر إلى الهند.
ظلّ هاني صامتًا لفترة طويلة، ممّا جعل باز يشعر بالملل، فأخذ يرسم دائرة على التّراب بإصبع قدمه.
التفت باز إلى هاني وقال “ما رأيك في الذّهاب لصيد السّمك”.
وافق هاني ودعا أخته ومشى ثلاثتهم إلى أن وصلوا إلى جدار خارجي يحيط بالبلدة وليس بعيدًا عن السّجن.
تسلّقوا الجدار وشقّوا طريقهم فوق الصّخور السّوداء الزّلقة حتّى وصلوا إلى مياه أكثر عمقًا. كان باز يحمل شبكة صيد قديمة قد وجدها على الشّاطئ منذ فترة. وضع هاني حفنة من الحصى في الشّبكة حتّى تنزل تحت سطح الماء قليلاً، وربط قطعة من الخبز القديم في زاوية الشبكة كطُعم للسّمك. ثمّ بدأوا بإنزالها في الماء. تبادلوا الأدوار في إمساك الشّبكة بانتظار أن يدخل فيها سمك.
مرّت ساعة وهم ينتظرون دون جدوى، وعندما كانوا على وشك الاستسلام، شعروا بالشّبكة تتحرّك. كانت سلمى تمسك بالشّبكة وكانت أصابعها باردة جدًّا لدرجة قاربت على إفلاتها. سارع الولدان وأمسكا بالشّبكة وسحباها من الماء على الصخور ليريا ما بداخلها، ولكنّ لمفاجأتهم لم يكن فيها سمكة كما توقّعوا، بل هو صندوق حديديّ قديم يُصدر خشخشة من داخله عندما تحركه.
بينما كان الولدان يحاولان فتح الصّندوق الحديديّ، سألت سلمى: “ما هذا؟”
فتحا الصّندوق وأفرغ باز الماء الّذي تسرّب إلى داخله الصّندوق فوجدا في قعره قطعة معدنيّة.
التقطها هاني ونظر إليها بتمعّن وقال: “هناك شيء محفور عليها.” أمسكها فملأت راحة يده.
هناك على وجهها كلمات محفورة
محيطة بدائرة صغيرة في وسطها
والحروف صغيرة شبه ممسوحة بسبب ماء البحر المالح الّذي كان يضربها. كانت القطعة المعدنيّة محفورة بحروف صغيرة مهترئة من ماء البحر، هذه الحروف كانت محفورة حول دائرة صغيرة بالوسط.
حدّق الجميع فيها طويلًا محاولين معرفة ما تعنيه هذه الحروف.
لمس هاني الدّائرة الّتي في الوسط بكل رفق وشعر بخشونة عليها. نظر إليها عن قُرب
وقال: “أعتقد أنّ هناك حرفًا في الوسط، ولكنّه باهت جداً لمعرفة ما هو. سنحاول معرفة ذلك لاحقًا، الآن يمكننا اعتباره علامة الحظّ.”
وافقه الآخران.
أخذ باز الصّندوق الصّدئ وقال: “سوف أحاول أن أنظّفه وأضع فيه القطعة المعدنيّة، بل وأشياء أخرى.” أضاف ذلك وهو غير متأكّد ممّا قد تكون هذه الأشياء.
ارتفع صراخ من بعيد أخاف الأولاد حتّى كادوا أن يوقعوا الصّندوق والقطعة المعدنيّة، أحد الجنود الّذين يقومون بدوريّات علـى أسوار المدينة لاحظ الأطفال عند الصّخور في الأسفل ولوّح ببندقيّته يأمرهم بالخروج والعودة، في العادة كان الجنود يسمحون للأطفال وسكّان المدينة الآخرين أن يصطادوا السّمك من على الصّخور خارج الجدار، لكن هذا الجنديّ كان جديدًا.
وضع هاني القطعة في جيبه وعاد الأولاد أدراجهم بسرعة.
وعندما وصلوا أسفل الجدار حدّق بهم الجنديّ بعبوس وبدأت سلمى بالبكاء.
فرفع هاني شبكة الصّيد ليراها الجنديّ.
وقال: “كنّا نصطاد”.
كان الجنديّ يشعر بالملل وهو يتجوّل صعودًا ونزولًا على سور المدينة فقرّر إخافة الأولاد على ذهابهم للشاطئ. كان شابًا في الثّامنة عشر من عمره تقريبًا ويشعر بأنّه شخص مهمّ بلباسه الجديد وقبّعته وهو يحمل سلاحه.
صرخ الجنديّ: “لا تتكلّموا.” وأمرهم بتسلّق الجدار والمشي أمامه للبلدة. وبين الحين والآخر كان يدفع الأولاد بفوّهة بندقيته ويحثّهم على المشي.
وبينما كانوا يتعثّرون، ويتعرّضون للنّكز في ظهورهم كلّ بضع خطوات، أدرك الأطفال أنّه من الأفضل التزام الصّمت وعدم الاحتجاج، لذلك لم يقولوا شيئًا. لم يعتقد هاني بأن الجنديّ سوف يطلق النّار عليهم، ومع ذلك شعر بالخوف. كانوا جميعًا خائفين، أمسك هاني بيد أخته سلمى حتّى تشعر بالأمان، وبعد فترة قصيرة مسحت سلمى دموعها بكمّها وتوقفت عن البكاء.
وصلوا الى بناية مظلمة في الشّارع الخلفيّ. كان هذا سجن البلدة، ليس جزءًا من سجن القلعة، ولكنه بناء مختلف مخصص لسَجْن أبناء البلدة.
وعندما اقتربوا من الباب ضحك الجنديّ وكأنّ كلّ ما مرّ به الأولاد كان مزحة. وأخبر الأولاد أنّ بإمكانهم المغادرة.
أثناء عودتهم إلى المنزل، لم يعتقد هاني أنّ الأمر كان مضحكًا على الإطلاق. كان غاضبًا لأنّ الجنديّ أزعج سلمى. كان يعلم أنّه يجب عليهم توخّي الحذر وعدم إعطاء هذا الجنديّ أيّ عذر للسّخرية منهم مرّة أخرى. كما أنّ هذا الموقف جعله يفكّر في مدى معاناة السّجناء الّذين رآهم يصلون قبل بضعة أيّام. فما حدث للتوّ جعله يشعر بأنّه أقرب إليهم، خاصّة وأنّه كان لا يزال متأكّدًا من أنّهم أبرياء.
تذكّر القطعة المعدنيّة ومدّ يده في جيبه حتى يتأكد من وجودها.
عاد هاني بعد ذلك إلى المنزل بأمان، وبعد أن انتهت وجبة العشاء، نظر بدقّة إلى القطعة المعدنيّة الّتي عثروا عليها. كان الصّدأ قد بدأ يظهر عليها في بعض جوانبها، ولكنّ معظمها كان على ما يرام. أخذ يفركها ببضع قطرات من زيت الزّيتون على أمل أن يحميها من الصّدأ لفترة أطول ويساعد أيضًا في إظهار الحروف.
سألته والدته عمّا كان يفعل. فزيت الزّيتون باهظ الثّمن ولم تكن تريد إهداره. قدّم لها القطعة المعدنيّة ثم نظرت إليها وبانت الحيرة على وجهها. كانت أميّة ولم تُتَحْ لها الفرصة أبدًا لتعلّم القراءة، لذا فإنّ الكلمات الصّغيرة الخافتة لم تعنِ لها شيئًا.
“لكنّني رأيت شيئًا مماثلاً في السّوق.” أضافت والدته، “بعض هذه القطع محفور عليها آيات من القرآن الكريم ويعلّقها النّاس في بيوتهم.”
نظر هاني مرة أخرى على الكتابات. كان يستطيع قراءة اللّغة العربية، ولكنّ هذه الكلمات كانت مكتوبة بطريقة مزخرفة جعلت من الصّعب فهمها. وبعد النّظر إليها لفترة طويلة استسلم للأمر وقرّر مناقشته مع باز في اليوم التّالي.
قال باز: “أعتقد أنّ هذه القطعة تقول «ملك»”، مشيرًا إلى إحدى الكلمات ومحدقًا فيها على أمل رؤيتها بشكل أفضل.
كان الأولاد يجلسون على عتبة منزل هاني. وكانت سلمى في مكان قريب تلعب لعبة الخمس أحجار. كانت تعلم أنّه لا جدوى من محاولتها قراءة أي شيء لأنّها لم تذهب إلى المدرسة من قبل. مع أنّ هاني قام بتعليمها الحروف الأبجديّة، وكانت مصمّمة على تمكُّنها من القراءة يومًا ما. كانت تستمع بعناية إلى ما يقوله الأولاد.
ركّز هاني بشكل أكبر على الحروف واستطاع أن يقرأ كلمة “الأقدس” ثمّ تسمّر في مكانه.
قال لباز: “قالت والدتي إن لدى الباعة في السّوق قطعًا مثل هذه”. “دعونا نسأل أحد صُنّاع المعادن.”
تسابقوا راكضين عبر الممرّ، وهم يقفزون فوق المجاري ذات الرّائحة الكريهة الّتي كانت تمتدّ في منتصف المدينة وتفسح المجال للفئران أن تتحرّك في كلّ اتّجاه.
لم تستطع سلمى اللّحاق بهم، فتوقّف هاني عند الزّاوية للنظر إلى الوراء للتأكد من أنّها لا تزال موجودة. كان يعلم أنّ الأمر لن يكون آمنًا إذا كانت بمفردها عند الوصول إلى السّوق. كانت الممرّات المُعتِمة والضّيّقة تتفرّع من الشّارع الرّئيسي للسّوق مما جعلها مكانًا خطيرًا للفتيات لأنّهنّ يتعرّضن للاختطاف في بعض الأحيان. ظلّ الثّلاثة قريبين من بعضهم وهم يشقّون طريقهم بين الأكشاك المتلاصقة الّتي يبيع فيها الرّجال والفتيان كلّ شيء ابتداءً من أعواد القرفة إلى أجراس الجِمال.
لقد سمعوا صوت نقر نقّاش المعادن وتتبّعوه الى أن وصلوا إليه ووجدوه جالسًا على الأرض متربّعًا ويعمل بين أكوام من اللّوحات والصّحون من
جميع الأشكال والأحجام. وكان لبعضهم تصاميم جميلة تحيط بعبارات منقوشة عليها.
راقبه الأطفال بعناية وهو يحفر الحروف بمهارة بأداة خاصّة تعمل على إحداث خطوط عميقة ورفيعة ملتفّة وزخارف رائعة.
بعد فترة سأل الرّجل: ” أتريدون صحنًا؟”
أجابه هاني: “ليس بالضبط ولكننا نفكّر هل بإمكانك مساعدتنا في معرفة ما تعنيه هذه الكتابات، من فضلك”.
أخذ الرّجل القطعة بيده ونظر إليها للحظات ثمّ عاد لمتابعة عمله. مرّت بضع دقائق قبل أن ينهي القسم الّذي كان يعمل عليه، ثم عاد وأعطى اهتمامه الكامل للقطعة.
“نعم، أعرف ما هذا.” قالها الرّجل بعد التّدقيق فيها. ” ولكن لم يسبق لي أن صنعت واحدة مثلها.” قال وهو يمرّر أصابعه الدّقيقة على الحروف.
ثمّ سأل: “من أين لك هذه القطعة؟”
أجابه باز: “من البحر.”
أضاف هاني: “واحدة من الكلمات تقول (الأقدس)، ونعتقد أنّ الأخرى (ملك)”.
قال النّقّاش: “لا أستطيع قراءة كلّ الكلمات”. “إنّها باهتة للغاية. ولكنّها لا تقول “مَلك” فقط، بل تقول “المَلك”.
نظر الرجل إلى الأعلى، وكم أذهل هاني تعبيرُ الإخلاص العميق الّذي بدا على وجه الرّجل النّحيل المنهك من العمل.
فسّر النّقاش بقوله: “يستطيع شخص أن يكون مَلكاً، لكنّ المَلك تعنى فقط اللّٰه. وينطبق هذا على بقيّة الكلمات مثل (القدّوس)”.
نظر الرّجل مرة أخرى للقطعة وهمس “أسماء اللّٰه الحسنى، أسماء اللّٰه الحسنى التّسعة والتّسعون”
أمسك القطعة بوقار وبدأ في تلاوة بعض الأسماء من ذاكرته بصوت غنائي جعل رأس سلمى يدور وشعرت أنّها تحلّق بعيدًا.
قال النّقاش بعد الانتهاء من ذكرهم: “أخبرنا الرّسول محمّد عليه الصّلاة والسّلام بأنّ من يحفظ أسماء اللّٰه الحسنى(99 اسم) يدخل الجنّة”.
قال هاني: “يبدو أنّ هناك شيئًا في الوسط”.
تردّد النّقّاش وكأنّه يعرف شيئًا لا يريد الإفصاح عنه.
قال النّقّاش وهو يُرْجِع القطعة المعدنيّة لهاني: “مقدّس للغاية.”
أخذ النّقاش الصّحن وتابع العمل عليه من حيث توقّف.
لم يعرف هاني وباز من يمكنهم السّؤال عن الحرف في وسط القطعة المعدنيّة. سألوا والد هاني، لكنّه استطاع إخبارهم فقط عن أسماء اللّٰه الحسنى الّتي ذُكرت في القرآن الكريم وأنّ 99 اسمًا كان يطلق عليهم “أسماء اللّٰه الحسنى”.
بعد ذلك أخبرهم يونس بأنّ للّٰه في الحقيقة مائة اسم خاصّ، ولكن لا أحد يعرف ما هو الاسم المائة. كان مخفيًّا ويقال إنه الاسم الأعظم.
نظر هاني وباز لبعضهما بحماس، هل من الممكن أن يكون الاسم المائة في وسط القطعة المعدنيّة؟ ولكن من المستحيل رؤية ما كان مكتوبًا.
كان الأولاد يتساءلون عمّا يجب فعله بعد ذلك. خطرت ببال سلمى فكرة واقترحت عليهم أن يحاولوا حكّ الحرف لمعرفة ما إذا كان ذلك سيجعله أكثر وضوحًا. وجدت قطعة ورق ووضعتها فوق الحرف.
بدأت بفركها بعناية شديدة بقطعة من الفحم المحروق بينما كان الأولاد يضغطون بأصابعهم على زوايا الورقة حتى لا تتحرك.
بدأوا يشاهدون جزءًا من الحرف بالظّهور.
قال باز: “أعتقد أنّه حرف الباء.”
كان هناك أناس يُطلق عليهم الدّراويش يعيشون في عكّاء وما حولها. لقد عاشوا حياة بسيطة وامضوا أيّامهم في الصّلاة والدعاء والتّأمل على أمل التّقرّب إلى اللّٰه. لم يكونوا يعملون مثل الآخرين، ولكنّهم كانوا يأتون بين الحين والآخر إلى المدينة حاملين أوعية التّسوّل الخاصّة بهم وكان النّاس يقدّمون لهم الطّعام.
وكثيرًا ما وعدوا بدورهم بتلاوة الدعاء في المقابل، وأحيانًا كانوا يعطونهم قطعة صغيرة من الورق مكتوب عليها كلمات من القرآن الكريم ومطويّة وموضوعة في قطعة قماش مربوطة بعقدة مثل طرد صغير. وقد اعتزّ بها النّاس الّذين لا يستطيعون القراءة أو الكتابة. وكثيرًا ما كانوا يضعونها في شريط حول أعناقهم لحماية أنفسهم، أو يضعونها على رفّ عالٍ لمباركة منازلهم. لاحظ هاني أنه كلّما جاء درويش إلى المنزل كانت والدته تقدّم له الطّعام دائمًا، حتى عندما كان هناك بالكاد ما يكفي لأنفسهم.
“لماذا لا يقومون بأي عمل؟” سأل هاني والده، الّذي كان دائمًا يؤكّد على أهمية العمل وأنّه يجب ألا يتسوّل أحد.
قال يونس موضّحًا: “حسنًا، يعتقدون أنّهم يجب أن يقضوا كلّ وقتهم في محاولة التّقرّب إلى اللّٰه من خلال الصّلاة والانقطاع عن هذا العالم.”
“ولكن كيف بإمكانهم الاعتناء بأطفالهم؟”. سأل هاني وهو يتخيّل أن الأطفال يموتون من الجوع إذا لم يعمل أهلهم.
“في العادة هم لا يتزوّجون” أجابه يونس.
“إنّها فقط طريقة أخرى للحياة”
رأى يونس علامات القلق على وجه هاني وقال له “أعتقد أنّنا يجب أن نعمل ونصلّي ونتزوّج وننجب أطفالاً إذا كان ذلك مقدّرًا لنا. يؤمن بعض الدّراويش بالسّحر والخرافات، لكنّ البعض الآخر روحانيّون للغاية.”
تأمّل هاني فيما قاله والده. إذا كان هؤلاء الدّراويش يقضون حياتهم بالدّعاء والتفكير باللّٰه، فمن الممكن أن يعرفوا ما يعنيه حرف (الباء) الّذي هو في وسط القطعة المعدنيّة. وقرّر أنّه عندما يرى درويشًا يأتي إلى المنزل لطلب الطّعام في المرّة القادمة سيسأله.
شعر هاني بأنه أساء للشيخ الّذي يدرّسه عندما سأله سؤالاً أغضبه. كان سؤال هاني أو جريمته على ما يبدو هو كيف عرف عليّ (وهو زوج ابنة الرّسول الكريم) أنّ سيّدنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام هو رسول من اللّٰه بينما الكثيرون في ذلك الوقت لم يعلموا.
لنكون منصفين، لقد حاول الشّيخ أن يجيب عن سؤال هاني بقوله:
“لأنّه كان واضحاً! فقد أظهر سيّدنا محمّد كلّ العلامات الّتي تشير بأنّه رسول من اللّٰه.”
ثم سأل هاني:
“ما هي هذه العلامات؟”
أخبره الشّيخ كيف أنّ اللّٰه تحدّث مع سيّدنا محمّد وأعطاه رسالة ليخبرها للنّاس.
بدأ سؤال هاني الثّالث بإزعاج الشّيخ.
“إذا كان واضحًا، لماذا لم يؤمن به العديد من النّاس؟ وإذا كان رسولاً من اللّٰه لماذا اضطهدوه وألحقوا به الأذى؟”
تنهّد الشّيخ.
وقال: “كلّ رسل اللّٰه قد عانوا. النّاس دائمًا يقومون ضدّهم في البداية. حدث الأمر نفسه لسيّدنا إبراهيم والسّيّد المسيح أيضًا. بعض النّاس لديهم تعصّب في قلوبهم فقط لأن رسولاً من اللّٰه قد أتى بطريقة لا يتوقّعونها. من الضّروري أن تملك قلبًا صافيًا حتّى تستطيع التّعرّف على رسول جديد من اللّٰه.”
كان سؤال هاني الرّابع هو الّذي أوقعه في مشكلة.
“إذا كان رسل اللّٰه يعانون دائمًا، فَهَلْ منَ المُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ في سِجْنِنا رسول؟”
نكّزه باز الّذي كان يجلس بجانبه لتحذيره. دُهش طلاب الصّف بأكملهم وهم يشاهدون وجه الشّيخ يتحوّل إلى أرجواني من تحت عمامته.
شعر هاني بتوتّر شديد وأضاف بصوت خافت: “كلّ ما في الأمر أن سيّدنا محمد أخبرنا أنّ الرّوح القدس ستعود يوم القيامة.”
وأخذ نَفَسًا عميقًا وقال: ” وسيّدنا المسيح أيضاً قال أنّه سيعود. والآخرون…” صوت هاني كان ينخفض رويدًا رويدًا وهو يراقب نظرات الشّيخ الحادّة له. لكنّ هاني كان يعلم أنّ هناك آخرون أيضًا مثل كريشنا وبوذا وزرادشت لأنّ والده كان قد أخبره عنهم.
أنهى هاني كلامه هامسًا: “ربّما قد أتى المبعوث الجديد وزعماء الدّين وضعوه بالسّجن بطريق الخطأ، فكيف لنا أن نعرف؟”
لم يعلم هاني ما حصل بالضّبط، سوى أنه وجد نفسه مع معلّمه وهو يمسك بأذنه بشدّة خارج الغرفة ويقوده إلى رئيسه الشّيخ ليتمّ التّعامل معه.
لقد ضربوه خمس مرّات على أسفل قدميه بعصا، وأخبروه أنه محروم من الدّروس لمدّة شهر كامل لأنّه ترك أثرًا سيئًا على بقيّة الطّلبة بأسئلته. ولا يُسمح لأحد بالتّحدّث معه حتّى من أفراد عائلته.
بالطّبع لم تتقيّد عائلة هاني بالأوامر وظلّت تتكلم معه، وكذلك فعل باز. لكنّ معظم النّاس الآخرين لاموه فيما بينهم قائلين إنّه ليس من الصّواب أن يقول طفل مثل هذه الأشياء وأنّ هاني كان دائمًا يطرح أسئلة صعبة، ويقولون إنّ والده كان مثله عندما يتذكرونه.
تألّمت والدة هاني عندما رأته يعود إلى المنزل وهو يعرج بسبب الكدمات الّتي أحدثها الضّرب على قدميه. لم تفهم لماذا كان عليه أن يفكّر كثيرًا في الأشياء. لماذا لا يترك التّفكير للشّيوخ ويكون مثل الآخرين؟ لكنّها كانت فخورة به سرًا لأنّه كان شجاعًا بما يكفي لطرح أسئلته، وقامت بمعانقته.
“عليك أن تكون حذرًا، النّاس دائمًا يخافون من أيّ شيء جديد، فهم يظنون بأنّه يعني أن القديم لم يعد صحيحًا، وهو ليس كذلك بالطّبع. ليس دائماً” أخبرته والدته.
قال له والده وبريق في عينيه وهو يعبث بشعره ويبتسم:
“كان هذا سؤالاً جيدًا يا هاني، ولكنّ والدتك على حقّ، يجب أن تكون حذرًا.”
ثمّ نظر الى عينيه وأضاف:
“وكن حذرًا مما يقودك إليه قلبُك. دائماً قم بالدّعاء واسأل اللّٰه أن يهديك.”
فكّر هاني فيما قاله والده. من المستحيل أن يفعل أيّ شيء لا يُرضي اللّٰه. في الواقع، لقد شعر بالفعل أنّ اللّٰه كان يرشده، وإلّا لماذا كان يشعر بالحماس الشّديد ويُعطَى الكثير من الأدلّة ليتّبعها؟
لم يكن لدى هاني عادةً الكثير من وقت الفراغ خلال الأسبوع، حيث كان يقضي فترة الصّباح في المدرسة، والّتي تستمرّ من السّاعة الّسابعة حتّى الظّهر. خلال هذا الوقت كان يجلس على بساط على الأرض مع ستّين صبيًا يحفظون القرآن عن ظهر قلب ويقومون بتمارين كتابيّة. كان الشّيوخ صارمين للغاية واعتادوا أن يضربوا الأولاد الّذين يغلبهم النّعاس وهم يتمايلون إلى الأمام والخلف مردّدين الآيات ساعة بعد ساعة. كما تعّلم هاني أنّ الأسئلة لم تكن موضع ترحيب دائمًا!
وبعد ذلك، في فترة ما بعد الظّهر، كان عليه عادةً مساعدة والده في ورشة عمله حتّى المساء، ولكنه في بعض الأحيان كان يغادر مبكّرًا إذا لم يكن والده بحاجة إلى مساعدة.
وقت فراغه الوحيد كان يوم الجمعة، وهو يوم لا يعمل فيه أحد. باستثناء الذّهاب إلى المسجد لمدة ساعة عند الظّهر للصلاة وسماع الخطبة الأسبوعية، كان يقضي بقيّة اليوم في زيارة الأصدقاء والأقارب. وكان هذا أيضًا الوقت الّذي يخرج فيه النّاس من أسوار المدينة للتّنزه في الحقول المغطّاة بالزّهور الحمراء الجميلة، خاصّة في فصل الرّبيع.
إنّ عدم ذهاب هاني إلى المدرسة أعطاه المزيد من الوقت ليُكْمِلَ عمليّة البحث.