عباس افندى
عباس افندى

عباس افندى

مقدّمة

كان أعظم عقل شرقي شرح المطالب الرّوحية والمادية المعاصرة بإسهاب، وكانت إبداعاته الفكرية أبرز مناهج التّجديد والإصلاح في نهاية القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين. كان أول شرقي حمل إلى الغرب رسالة الوحدة والاتحاد وبرنامجاً لقيام سلامٍ عالمي دائم. وكان ألمع من تأمل في آيات القرآن والتّوراة والإنجيل وفسرها في عصرنا الحديث بالعقل والمنطق السّديد.

عرفه العالم العربي والإسلامي باسم عبّاس أفندي وعرفه العالم الغربي باسم عبد البهاء، إنّه عبد البهاء عبّاس (1844 – 1921) الذي بهر بضوء فكره الشّرق والغرب على السّواء وخاصة في مصر والعالم العربي; فوصفه أهل الشّرق بأسمى الأوصاف فكان بالنّسبة لهم «العالم العلاّمة» و«الشّيخ الورع العظيم» و«معدن الفضل والكمال»، كما نعتوه بأنّه «أعجوبة عصره، ونادرة دهره» وبأنّه «سيد المصلحين». أمّا أهل الغرب فقد أذهلهم هذا القادم من الشّرق بروحانيته وموضوعية تفكيره وإحاطته بالعلوم والفنون العصرية والاتجاهات الفكرية الغربية، وهو الذي لم يدخل المدارس أو الجامعات وقضى معظم حياته رهن السّجن والاعتقال. فوصفه قادة الفكر في الغرب بأنّه «سفير للإنسانية» و«نبيّ السّلام» و«أحد أعظم علماء الدّين في العالم» وأخيراً وصفوه بأنّه «قطب العلم الذّائع الذّكر في الخافقَين والمحبوب من النّاس جميعاً».

كان عبّاس أفندي «رحالة الرّوح» يجوب الغرب كي يبلّغ أهله رسالة والده الجليل، وهي رسالة الشّرق الخالدة المجتمعة في أديان الشّرق ومذاهبه، ولم يجد حرجاً في أن يبلّغ رسالة كلّ من السّيّد المسيح والنّبي محمّد في معابد اليهود، ويبلّغ رسالة النّبي محمّد في كنائس المسيحيين، ويبلّغ رسالة الدّين في محافل الملحدين.

شرح عبّاس أفندي لأهل عصره أن الأديان كلّها فيض إلهي من ينبوع واحد، وأكد مراراً بأن دين الله واحد. وما هذه الحقيقة إلاّ الظّاهرة الأولية، وليست الأديان المختلفة إلاّ مظاهر متعدّدة لهذه الحقيقة الواحدة. ولأنّ «الحقيقة الأولية» فوق مستوى الإدراك البشري وكلّ ما يمكن أن نتصوره عنها تقريبي ونسبي تبعاً لذلك، ولهذا السّبب تبدو الاختلافات ظاهرية من حيث الرّؤية ولكنّها في جوهرها مظاهر لحقيقة واحدة.

كان اتحاد الشّرق والغرب في نظره هو المدخل إلى عالم جديد يسوده العدل والاتحاد والسّلام، كما أكّد في كلّ ما قال وفعل ضرورة اتحاد الدّين والعلم، وقيام حضارة إنسانية لا شرقية ولا غربية تقوم أساساً على الرّوحانية والأخلاق المدعومة بكلّ الوسائل الدّنيوية للتقدّم والرّقي. ولفت نظر أهل عصره إلى أنّ الماضي والحاضر بمثابة تجربة روحية واحدة وأنّه آن الاوان لينصهر الماضي في الحاضر وينتهي الصّراع بين القديم والحديث وهي النّظرية التي لابد وأن تأثر بها الفيلسوف الفرنسي لوي لافل (1883 – 1951) فأسماها نظرية «الحاضر السّرمدي». وأكّد أخيراً لأهل الشّرق والغرب أنّ المحبّة هي الضّامن الوحيد لتحقيق النّجاح، وذكّر الجميع قائلاً في إحدى خطبه: «حينما ننظر إلى عالم الوجود لا نرى أمراً أعظم من المحبّة. فالمحبّة سبب الحياة والمحبّة سبب النّجاة، والمحبّة سبب ارتباط قلوب البشر، والمحبّة سبب عزّة البشر ورقيّهم، والمحبّة سبب الدّخول في ملكوت الله، والمحبّة سبب الحياة الأبدية».

سرعان ما أطلقت السّلطات العثمانية سراح عبّاس أفندي، عندما تغيّر نظام الحكم في تركيا، حتى بدأ يعدّ العدّة لأسفار له خارج أراضي فلسطين استغرقته ثلاث سنوات من العام 1910 إلى العام 1913. كانت مصر أول بلد يزوره عبّاس أفندي فاتّخذها مركزاً لتنقلاته التي رأته يزور أوروبا وأمريكا، ورغم أسفاره الأوروبية والأمريكية فإنّ فترات أقامته في مصر كانت سنة ونصف تقريباً من الأعوام الثّلاثة التي قضاها خارج عكاء وحيفا.

وصل عبّاس أفندي إلى مصر في آب (أغسطس)/أيلول (سبتمبر) من العام 1910 وبمناسبة الذّكرى المئوية لزيارته تلك، نُقدم هذه الدّراسة المتواضعة إكراماً لهذه الذّكرى التي حاولنا فيها أن نقدم عرضاً مختصراً لسيرة عبّاس أفندي ودراسة موجزة لآثاره الكتابية وعلاقاته الإنسانية وجوانبه الفكرية واتّجاهاته الفلسفية وبيئته الرّوحية والدّينية، واتبعنا هذه الدّراسة بنماذج مختارة من خطبه وأحاديثه وما قيل عنه في الصّحف والمجلاّت، وما دار بينه وبين أهل عصره من التّراسل والحوار.

1 عبّاس أفندي: سيرة مختصرة

«بين ظهرانينا الآن وبمرأى منا ومسمع رجل من نوابغ القرن العشرين بل من نوابغ العالم جميعاً، وبحسبه أنّه زعيم طائفة كبيرة تعد بالملايين منشورة في مصر والفرس والهند وأوروبا وأمريكا وأكثر أنحاء المعمورة تقدسه تقديس الأنبياء والمرسلين، وبحسبه كذلك أنّ الجرائد والمجلاّت في أوروبا وأمريكا… أوقفت له صفحات تنوّه به وتنشر دعوته وتجلّه إجلال الأبطال. ذلكم هو مولانا عبّاس أفندي الملقّب بعبد البهاء زعيم البهائيين وبطل الإصلاح الدّيني في هذا العصر بل سيّد المصلحين.»[1]

بهذه الكلمات قدّم الأستاذ عبد الرّحمن البرقوقي صاحب مجلّة «البيان» عبّاس أفندي إلى القّراء في عدد مجلّته المرموقة الصّادر في شهري أكتوبر ونوفمبر في العام 1913، ولم يكن هذا التّعريف الوحيد من نوعه، فغيره كُثْر في إبداء مظاهر الإجلال والاحترام لشخصية عبّاس أفندي الفذّة الفريدة التي لم يشهد الشّرق أو الغرب مثيلاً لها بالرّغم من الحملة الواسعة المليئة بالقدح والذّم والاتّهامات المغرضة التي أطلقها حاسدوه وقد أذهلهم نجاحه الخارق في الفوز بثقة النّاس وشهرته في الدّعوة إلى الإصلاح الدّيني ليصبح بحق «سيّد المصلحين» في عصره.

وليس من المستغرب أن تنال بعض الأفكار المغرضة حظاً غريباً من الانتشار والذّيوع على الرّغم من مخالفتها للحقائق، بفضل ما تلقاه من التّرويج لها والتّأكيد عليها من قبل فئة جافت الإنصاف لتنسج شتى الاتّهامات الباطلة التي تثير السّخط والاشمئزاز في النّفوس للوهلة الأولى، فتولّد الصّدمة شـللاً في نزعة البحث والاستقصاء، فيسلم الذّهن بها على الفور، دون أن يرى لزاماً للتمعّن فيما يقال أو إثبات صحة ما تذهب إليه، وتبدو التّهم والافتراءات قضايا بديهية لا تحتاج دليلاً أو برهاناً. إنّه الأسلوب الذي كان متّبعاً في النّيل من ذلك النّهج الجديد في مفهوم الدّين الذي كان يمثله عبّاس أفندي ورؤيته ومطالبه في الإصلاح. إلاّ أنّ فئة من أهل الإنصاف كصاحب مجلّة «البيان» وغيره من قادة الرّأي والفكر أَبَوْا إلاّ أن يجاهروا بما لمسوه شخصياً من نزاهة عبّاس أفندي وصدق مساعيه، وآلَوْا على أنفسهم أن يقولوا كلمة حقّ حتى تكون الأمور واضحة جلية بعيداً عن الظّنون فنقتدي بقوله تعالى: ﴿يا أيّها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظَّنِّ إنَّ بعض الظنِّ إثمٌ﴾. (سورة الحجرات، الآية 12) وأيضاً ﴿إنّ الظنَّ لا يُغني من الحقِّ شيئاً إنَّ الله عليم بما يفعلون﴾. (سورة يونس، الآية 36).

ومن جهة أخرى نجد أن صاحب «مجلّة العمران» القاهرية يؤكّد لنا صدق ما ذهب إليه المعجبون بعبّاس أفندي وشخصيته الفذّة فأفرد له مقالاً عدّد فيه أوصافه ومجّد مناقبه، ورسم لنا صورة حية له فكتب يقول:

«… إذ ما كان يرضى أن يعامل النّاس إلاّ بكمال المودّة وخالص المحبة. لا يضنّ بالاقتراب منهم ولا يشير لأحد باحترامه أو إظهار هيئة الخشية منه، بل يدعوهم لملاقاته ومؤانسته ويتمنّى أن يقوم بخدمتهم مباشرة ولو في الشّيء الطّفيف. ولا يضع سدّاً في سبيل الوصول إليه ويعمل في كلّ ما يظهره بين الملأ على منوال الأخوّة كأنّه الأخ الرّشيد الذي ينظر لإخوته الصّغار بعين العطف والحنان والسّهر على مصلحتهم، يواسي الفقراء ويعطف على الضّعفاء، يربي اليتيم ويحضّ على إطعام المسكين، يدعو النّاس دائماً لأن يكونوا أسرى المحبة وخَدَمةً للهيأة الاجتماعية والجمعية البشرية.

وبالجملة فقد كان عظيماً واسع الاطّلاع راقي الأفكار واقفاً على أفق يطّلع من شرفاته العالية على ضعف العالم ومسكنته وقصوره بأسى شديد وشغف يرفعه إلى أسمى درجات الشّعور الإنساني بغير جدال.»[2]

* * *

ولد عبّاس أفندي، الذي اختار لنفسه فيما بعد لقب «عبد البهاء»، في مدينة طهران في 5 جمادى الأولى من العام الهجري 1260 الموافق 23 أيار (مايو) من العام الميلادي 1844، أي نفس اليوم الذي أعلن فيه السّيّد علي محمّد (1819 – 1850) الملقّب بـ«الباب» دعوته في شيراز ببلاد فارس. وكانت الدّعوة البابية دينية إصلاحية هدفها الرّئيس الاعلان عن مجيء رسالة عالمية لتوحيد البشر وإقامة السّلام في العالم، والإعداد لاستقبالها. وشاءت المشيئة الرّبانية أن يكون حامل هذه الرّسالة الإلهية حسين علي النّوري (1817 – 1892) الملقّب بـ«بهاء الله» وهو والد عبّاس أفندي ومثله الأعلى. ورغم عنف وشراسة الاضطهاد الذي تعرّض له بهاء الله وعائلته من سجن ونفي وتعذيب، انتشرت رسالته الإنسانية لتعمّ العالم ويعترف بها ديناً عالمياً سمّي «بالدّين البهائي». ولعلّه من المفيد هنا عرض ملخّص للتّعاليم والمبادئ التي يؤمن بها البهائيون على اختلاف أجناسهم وخلفياتهم الدّينية:

«إن الدّين البهائي – حسبما جاء في الموسوعات العالمية الموثوق بها – دين عالمي مستقل كلّ الاستقلال عن أي دين آخر. وهو ليس طريقة من الطّرق الصّوفية – كما يظنّ البعض – ولا مزيجاً مقتبساً من مبادئ الأديان المختلفة أو شرائعها، كما أنّه ليس شعبة من شعب الدّين الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي. وليس هو إحياء لأي مذهب عقائدي قديم. فللدين البهائي كتبه المنزلة، وشرائعه الخاصة، ونُظمه الإدارية، وأماكنه المقدّسة. أمّا رسالته الحضارية الموجّهة لهذا العصر فتتلخص في المبادئ الرّوحية الاجتماعية التي نصّ عليها لتحقيق نظام عالمي جديد يسـوده السّلام العام وتنصهر فيه أمم العالم وشعوبه في اتحاد يضمن لجميع أفراد الجنس البشري العدل والرّفاهية والاستقرار ويخلق حضارةً إنسانية دائمة التّقدم في ظل هداية إلهية مستمرة.

ينتشر البهائيون اليوم في أكثر من مائتين وخمسة وثلاثين بلداً، وهم يمثلون أصولاً دينية مختلفة وينتمون إلى أجناسَ وأعراقَ وشعوبٍ وقبائلَ وجنسياتٍ متعددة. أمّا الدّين البهائي فمعترف به رسمياً في العديد من الدّول، ومُمَثلٌ تمثيلاً غير حكومي في هيئة الأمم المتحدة والأوساط الدّولية العلمية والاقتصادية. والبهائيون على اختلاف أصولهم يُصدّقون بما بين أيديهم من الكتب السّماوية ويؤمنون بالرّسالات السّابقة دون تفريق، ويعتقدون بأن رسالة بهاء الله – أسوة بغيرها من الرّسالات السّماوية – ما هي إلاّ مرحلة من المراحل المتعاقبة للتطور الرّوحاني الذي يخضع له المجتمع الإنساني.

يحث الدّين البهائي أتباعه على الإيمان بالله الواحد الأحد الذي لا شريك له، ويعترف بوحدة الرّسل والأنبياء دون استثناء، ويؤكّد وحدة الجنس البشري، ويفرض على كلّ مؤمن التّخلي عن كلّ لون من ألوان التّعصب والخرافات، ويجزم بأنّ هدف كلّ دين هو ترويج الألفة والوئام، ويعتبر اتفاق الدّين والعلم أمراً جوهرياً وعاملاً من أهم عوامل تهدئة المجتمع البشري وتقدّمه. ولعلّ من أهم المبادئ التي ينادي بها الدّين البهائي مبدأ المساواة في الحقوق بين البشر بما في ذلك المساواة بين الرّجال والنّساء، فضلاً عن مبدأ التّعليم الإجباري وتوفير الامكانات لخلق مناخ اجتماعي سليم، فيأمر أتباعه بإزالة الهوّة السّحيقة بين الفقير والغني، ويقضي بعدم تعدد الزّوجات، ويقدّس الكيان العائلي معتبراً الأسرة أساس بناء المجتمع الإنساني الصّالح. ويمنع الدّين البهائي أتباعه من الاشتغال بالأمور السّياسية والحزبية ويشجّعهم على الولاء والصّدق والصّفاء في علاقاتهم مع حكوماتهم وعلى خدمة أوطانهم ورفع شأن مواطنيهم. ولا تدع الكتب البهائية مجالاً للشّك في أنّ بهاء الله سنّ لأتباعه منهاجاً للسّلوك ونمطاً للتّعامل الشّريف، فأكّد أنّ حياة الفرد الخاصّة مقياس دقيق لإيمانه، ففرض على أتباعه طهارة القول والفكر والعمل، عفّة وأمانةً وصدقاً وولاء ونزاهة ونقاوة وكرماً، وأمرهم بكلّ معروف، ونهاهم عن كلّ منكر. يقول بهاء الله: «قل يا قوم دعوا الرّذائل وخذوا الفضائل، كونوا قدوة حسنة بين النّاس، وصحيفة يتذّكر بها الأناس… كونوا في الطَّرْف عفيفاً، وفي اليدّ أميناً، وفي اللسان صادقاً، وفي القلب متذكّراً…»[3]

«كن في النّعمة منفقاً، وفي فقدها شاكراً، وفي الحقوق أميناً… وفي الوعد وفياً، وفي الأمور منصفاً… وللهموم فرجاً، وللظّمآن بحراً، وللمكروب ملجأ، وللمظلوم ناصراً… وللغريب وطناً، وللمريض شفاءً، وللمستجير حصناً، وللضّرير بصراً، ولمن ضلّ صراطاً، ولوجه الصّدق جمالاً، ولهيكل الأمانة طرازاً، ولبيت الأخلاق عرشاً.[4]»[5]

* * *

كان عبّاس أفندي سليل عائلة نبيلة كريمة لها اعتبارها في المجتمع الفارسي، إذ كان جدّه الميرزا عبّاس النّوري، الذي سمّي باسمه تيمّناً، يعمل وزيراً في الدّولة، وعندما توفّي عرضوا على ابنه حسين علي (بهاء الله)، الذي كان يبلغ من العمر واحداً وعشرين عاماً، منصب والده، إلاّ أنّه رفضه منصرفاً إلى تدبير شؤون إخوته وأخواته وأملاك العائلة الواسعة وناب عن والده في أعمال الخير والبر وإعانة الفقراء والمحتاجين. ما أن أعلن الباب دعوته حتى قام بهاء الله على ترويجها وإعلانها. وباستشهاد الباب نتيجة الاعتراض وأعمال القمع والاضطهاد أصبح بهاء الله الشّخصية الأولى في الدّعوة البابية والمرجع الرّئيس لأتباع الباب مما جعل صنوف معاناة المؤمنين تنصبّ عليه بالدّرجة الأولى لتتآزر ضده أقوى إمبراطوريتين في الشّرق آنذاك، الفارسية والعثمانية. فارتفعت رايات الإعراض والاعتراض ونزلت قوى الصّد بأتباعه قتلاً وتنكيلاً ونهباً وسلباً إلى أن انتهى الأمر بنفي بهاء الله وعائلته ونفر من أتباعه إلى قلعة السّجن عكّاء، حيث ظنّ مضطهدوه أنّهم بذلك ضمنوا القضاء على دعوته قضاءً مبرماً.

* * *

شبّ عبّاس أفندي وترعرع منذ يومه الأوّل في ظل والده الجليل فشاطره آلام النّفي والاضطهاد والتّعذيب. كان يبلغ من العمر ثماني سنوات عندما زجّ بوالده في سجن «سياه ¼ال» في طهران، فألحّ الصّبي على زيارة والده لشدّة تعلّقه به فكان له ما أراد، إلاّ أنّ والده طلب من مرافقه أن يبتعد بالصّبي حتى لا يراه من قريب في وضعه الذي تعجز الأقلام عن وصفه ويفوق طاقة التّحمل.

آلَ الصّبي الصّغير على نفسه أن يهب حياته ويكرّسها في خدمة والده العظيم، وأن يقف إلى جانبه في كلّ الظّروف والأحيان، فرافقه في نفيه إلى بغداد ثم استانبول فأدرنة، إلى أن انتهى به مطاف النّفي والإبعاد إلى الأراضي المقدّسة في مدينة عكّاء حيث صعد والده الجليل وهو سجين الدّولة العثمانية.

* * *

وهكذا أخذ عبّاس أفندي يتحمّل المسؤوليات الخطيرة في خدمة والده في سنّ مبكرة، إذ كان بهاء الله يعتمد عليه في تصريف العديد من الأمور الدّنيوية والرّوحانية. ونتيجة للاضطهاد والنّفي والحبس المتكرّر، ولهذا الانقطاع التّامّ في خدمة والده، لم يتسنّ لعبّاس أفندي دخول المدارس أو معاهد الدّراسات العليا، بل كان جلّ علمه وثقافته هو ما أفاضه عليه والده وما حقّقه هو بنفسه مع ما تمتّع به من ذكاء خارق وألْمعية نادرة الوجود. من ذلك أن طلب منه والده، وهو لا يزال في الثّالثة عشر من عمره، أن يكتب بحثاً في موضوع تفسير الحديث الشّريف «كنت كنزاً مخفياً…» حتى يكون ردّ والده على رسالة علي شوكت باشا الذي يرجو فيها بهاء الله شرح وتفسير الحديث المشار إليه. فجاء تفسيراً واضحاً جلياً بحيث نال إعجاباً لا حدّ له لدى طالبه. كما أنّ أحاديث عبّاس أفندي في بغداد ومناقشاته مع العلماء قد أثارت الاعجاب بشخصيته المحبّبة وعلمه الغزير لدى كلّ من عرفه من الأصدقاء والمريدين فيما بعد في أدرنة الذي تأثّر به حاكم البلدة خورشيد باشا الخلوق المتواضع لأنّه أفاض حديثاً في بواطن مشكلة حيّرت عقول العلماء الحاضرين.

ومما يروى عن تلك الأيام أنّ بهاء الله دعا إليه في ليلة من الليالي، وقبل اعلان دعوته، ابنه عبد البهاء وأسرّ اليه بأنّ الله تعالى قد أمره بتنفيذ أمر عظيم وخطير، وحال سماع عبد البهاء كلمات والده ركع أمامه قائلاً: «أنا أعرف مقام والدي رغم أنّي صغير السّنّ، وأعتبره صادقاً في دعوته، لأنّ هذا الوجه الذي أراه لا يمكن أن يكون من الكاذبين».

* * *

كما ذكرنا فُرض على بهاء الله النّفي والحبس والإبعاد عن موطنه، فخرج من بلاد فارس تحت الحراسة في رحلة طويلة ذات عدّة مراحل استغرقت خمسة عشر عاماً انتهت به في عكّاء يوم 31 آب (أغسطس) من العام 1868. في كلّ مراحل السّفر كان عبّاس أفندي يتقدّم القافلة ليصل محطّ رَكْب بهاء الله حتى يهيء لوالده أسباب الرّاحة قدر المستطاع، فكان بذلك يشرف على كافّة إجراءات الإقامة والمعيشة. وقد أكّدت هذه المظاهر للأصحاب والأتباع على حدّ سواء تلك المكانة الخاصّة التي كان يتمتّع بها والثّقة المثلى التي كان يوليها إيّاه والده العظيم. أغدق عليه بهاء الله بالألقاب والنّعوت مؤكداً تلك المكانة، كما منحه مقاماً سامياً ميّزه عن كلّ شخصية أخرى من أفراد عائلته أو أتباعه. ولم يترك بهاء الله مجالاً لأي التباس حول مقام عبد البهاء ومركزه فانتخبه بصريح العبارة وبصورة لا لبس فيها ليكون الصّخرة الثّابتة لرسالته الإلهية العالمية التي جاء بها ومدبّراً شؤون استمرارها وازدهارها من بعده.

وهكذا لم يفاجأ أحد من أتباع بهاء الله أو من أفراد عائلته عندما تليت وصية بهاء الله بعد تسعة أيّام من صعوده، معلنة تعيين عبّاس أفندي خليفة له. فقام عبّاس أفندي بكلّ أمانة وإخلاص على إرساء قواعد الوحدة والاتحاد بين جموع الأحبّاء المؤمنين والمنتشرين في إيران وتركيا والهند وشبه الجزيرة العربية ومصر، وعمل على شحذ هممهم بإرشاداته ونصائحه، وحثّ الجميع على القيام من جديد بعزم أكيد على نشر رسالة الوحدة والاتحاد بين البشر والعمل على دعم أسس العدالة والإنصاف والسّعي لبناء صرح السّلام العالمي. من أفق ذلك الإشراق النّوراني تحرّك الحاسدون والحاقدون ليغشوا السّماء بسُحُب الفتنة، وعلى رأسهم ميرزا محمّد علي الأخ غير الشّقيق لعبّاس أفندي، فرفعوا راية التّمرد والفساد وقاموا على مناوأته متهمين إيّاه بشتى الاتهامات والأباطيل، وتحالفوا مع أعدائه خدمة لمصالحهم وأهوائهم الشّخصية.

كان عبّاس أفندي في ذلك الحين يقطن في عكّاء، ولم يجد حوله من عائلته سوى قرينته المخلصة وكريماته الأربع وشقيقته الأمينة بالإضافة إلى أحد أشقّاء بهاء الله هو الميرزا محمّد قلي. في وضع مفاجئ مؤلم كهذا آثر عبّاس أفندي الاعتكاف وحيداً بعيداً عن عكّاء في منطقة الجليل الأعلى على شاطىء بحيرة طبريا، وفي هذا سار على خطى والده العظيم الذي اعتكف أيضاً في جبال السّليمانية بالعراق فترة من الزّمن عندما اشتدّ ظلام الفساد الذي نشره ميرزا يحيى، أخو بهاء الله غير الشّقيق أيضاً، ليمنح الفرصة للامتحان الإلهي أن يأخذ مجراه بين المؤمنين ويقضي الله أمراً كان مفعولاً.

سبّب غياب عبّاس أفندي عن أهل بيته قلقاً وحزناً شديديْن، فقد كان هو المشرف على تدبير كافة الأمور المنزلية والمعيشية منذ أيام بهاء الله، كما كان محطّ اعتماد الكلّ ومرجعهم الرّئيس. سبق وأن وافق بهاء الله على اقتران أكبر كريمات عبّاس أفندي، ضيائية خانم، بالميرزا هادي أفنان من سلالة الباب الشّريفة، فكان على عبّاس أفندي، والحالة هذه، أن يرسل للعائلة رسولاً حاملاً إذنه بإتمام الزّفاف، وهكذا تمّ الزّفاف بغيابه الذي دام فترة وجيزة عاد بعدها إلى عكّاء ليقوم على تنفيذ وصية والده مشحوناً بقوى التّأييد الغيبية ليحقّق رغبات بهاء الله التي عبّر عنها كتابة وشفاهة.

* * *

كان تمرد ميرزا محمّد علي امتحاناً قاسياً للمؤمنين الذين صمدوا أمام الامتحان الرّهيب واجتازوه بجدارة وهم أشدّ تمسّكاً ببنود الميثاق، وأكثر وحدة واتحاداً. وهكذا باءت كلّ المحاولات المغرضة بالفشل، وكان الفضل في ذلك لحكمة عبّاس أفندي ورباطة جأشه، وقيادته الحكيمة المتّزنة في كلّ الأمور، واعتماده الكلّي على تلك القوى الغيبية التي طالما كفلت له الخروج منتصراً من كلّ محنة ألَمّت به في السّابق.

ولَمّا يئس الحاسدون والحاقدون من إحداث صدع في صفوف الأحبّاء الثّابتين، حاولوا بذر بذور الفتنة بشحن الأعداء بالدّسائس وتأليب الموظفين في مدينة عكّاء وبيروت ودمشق، فأخذوا يرسلون عرائض الدّسّ والافتراء إلى السّلطان العثماني وإلى شيخ الإسلام في الآستانة، مما أدّى في النّهاية إلى صدور الأمر السّلطاني بفرض القيود على عبّاس أفندي ومنعه منعاً باتاً من التّنقل والتّرحال. ورغم القيود المفروضة والمراقبة الصّارمة من قبل السّلطات فإنّ جموع الزّائرين من الشّرق والغرب كانت تصل إلى منزله العامر، وجاء محبّوه من كلّ صوب وحدب يعلنون ولاءهم ودعمهم لما يمثله من قيم وأخلاق، حتى إنّ الزّائرات الغربيات كنّ يفدن وهن محجّبات في خضوع وخشوع مراعاة للتّقاليد السّائدة، أمّا الرّجال فكانوا يضعون الطّرابيش ويلبسون العباءات، وكلّهم ينزلون ضيوفاً على عبّاس أفندي يرّحب بهم ويغدق عليهم من خيره وكرمه الشّيء الكثير.

* * *

لفت نظر الأعداء تدفّق وفود المسافرين من الشّرق والغرب لزيارة عبّاس أفندي، وراعهم ما كان له من الاحترام والتّبجيل في بلاد الغرب، وحيّرهم أمر تشييد ضريح الباب على سفح جبل الكرمل، ثم أقلقهم أنّ متصرفاً جديداً في عكّاء أضحى من المعجبين بعبّاس أفندي حتى إنّه خفّف عنه القيود وألحّ عليه بالخروج من المدينة لزيارة ضريح والده خارج أسوار مدينة عكّاء. فاشعل كلّ هذا نار الحسد والبغضاء من جديد في قلوب الأعداء وعادوا يكتبون العرائض والرّسائل إلى السّلطات العثمانية يتّهمون فيها عبّاس أفندي بأنّه يبني قلعة محصّنة فوق جبل الكرمل، وكان يبني وقتها ضريح الباب، وأنّه تحالف مع العرب ضدّ الدّولة العثمانية، ودعا قبائلهم لأن ينضمّوا إليه بغية تأسيس دين جديد وسلطنة جديدة. لأجل ذلك عيّن السّلطان عبد الحميد في سنة 1904 لجنة تفتيشية في الآستانة وأمرها بالتّوجّه إلى عكّاء للتحقيق في التّهم الموجهة إلى عبّاس أفندي، فحضرت واتّخذت قصر عبد الغني باشا بيضون مقراً لها في «البهجة» قرب عكّاء وعلى مقربة من ضريح بهاء الله، وأخذت اللجنة تتصل بمناوئي عبّاس أفندي وبعض ألدّ أعدائه في عكّاء. وسرت الاشاعات تقول بأنّها سوف تقوم بنفي عبّاس أفندي إلى ديار أخرى وأنّها ستلقي به في البحر، الأمر الذي جعل عبّاس أفندي يدعو أصحابه الموجودين في الأراضي المقدّسة ويوضّح لهم خطورة الموقف، واختار أن يكون هو وحده هدف ما يبيّته الأعداء لأتباعه وآثر أن يتحمّل المحن والبلايا دون غيره، فأمرهم بالهجرة والرّحيل إلى بلاد أخرى لينعموا فيها براحة البال بعيدين عما يكيده لهم هؤلاء الأعداء. أطاع هؤلاء أمر عبّاس أفندي فهاجرت مجموعة منهم إلى مصر وأخرى إلى إيران، وتوجّه آخرون إلى تركستان وروسيا وبلدان أخرى. ولكنّ يد الله كانت دائماً فوق يد الظّالمين. فأنهت اللجنة التّفتيشية أعمالها دون أن تتّخذ قراراً أو تنفّذ إجراءً ضد عبّاس أفندي أو أحد من أصحابه أو أتباعه، وعادت أدراجها خاوية الوفاض.

كان عبّاس أفندي خلال هذه المرحلة القاسية من الفتن العاصفة هادىء البال مطمئناً إلى قضاء الله وحكمه، فإذا كان له أن يستشهد في سبيل ما يسعى إليه من خيرٍ للعالمين فمرحباً بالاستشهاد، وإذا كان له أن يخرج من هذه المحنة سليماً معافى ليواصل تأدية واجبه المقدّس الذي أنيط به فهو خاضع خاشع لأمره. وهكذا استمرّ عبّاس أفندي طوال هذه الفترة يوجّه أحباءه ويبعث برسائله ومكاتيبه لأهل الشّرق والغرب يطمئن نفوسهم ويرفع معنوياتهم دون أن يعلم أحد بالأخطار الجسيمة المحدقة به ومدى ما ذهب إليه الأعداء في الخارج والدّاخل من تدابير رهيبة استهدفت حياته الطّاهرة وهدّدت أفراد بيته الذي كان مقصد كلّ فقير وموئل كلّ محتاج. في تلك السّاعات الرّهيبة من التّوتر الشّديد كتب وصيّته التي تعدّ امتداداً لميثاق بهاء الله وعهده، وهي الوثيقة الخالدة التي يعيّن فيها خليفته من بعده ويوضّح معالم النّظام الإداري ويبشر بإقامة النّظام العالمي الذي صاغ مبادئه وأحكامه بهاء الله.

* * *

مرت السّنون لتتآلب خلالها وتنشط قوى الفتنة والفساد بدسائسها ضد عبّاس أفندي وجماعته، فيعود السّلطان عبد الحميد آل عثمان ليعيّن من جديد لجنة تفتيشية في العام 1907 تحت رئاسة عارف بك أحد المقرّبين إليه، واختار أعضاء اللجنة من خواصّه المعروفين بولائهم وإخلاصهم للسلطان شخصياً. قامت اللجنة بتنفيذ ما أوكلت لها من مهامّ; فأمرت الجواسيس بإعداد التّقارير، ووضعت الدّولة العثمانية قوّة عسكرية حول منزل عبّاس أفندي، ومنعت النّاس من التّردد على منزله المعروف بسراي عبد الله باشا، كما اتّصلت اللجنة المذكورة بالأعداء وأخذت تدوّن مقالاتهم واتهاماتهم بكلّ نشاط، وكانت اللجنة تنتظر أن يقوم عبّاس أفندي بزيارتها، ولكنّه لم يفعل مما زاد في حنقها وإصرارها. ومما يروى عن عارف بك رئيسها أنّه كان يقول في كلّ جمع يؤمه أنّه عمّا قريب سوف يصدر أمر تعيينه والياً على بيروت وعندها سوف يحصل من الآستانة على الحكم بإعدام عبّاس أفندي وينفّذه بنفسه في بيروت.

وصلت هذه الأخبار أسماع أحباء عبّاس أفندي وأصدقائه، فهلعوا لسماعها وهرعوا إليه يرجونه أن يغادر البلاد خاصّة وأنّ الأسباب كانت متوفّرة آنذاك لأنّ باخرة نمساوية كانت تتردّد في المياه الاقليمية لعكّاء. فعقد عبّاس أفندي اجتماعاً مع بعض قدماء الأصحاب من أحبّائه وعرض عليهم الأمر شارحاً ملابسات الموقف وشاورهم في موضوع رحيله، فقرر المجتمعون بالإجماع «أن الفرار مما لا يطاق إنما هو من سنن الأنبياء والمرسلين»، وشجّعوه على أن يأخذ بهذا الاقتراح. ولكن عبّاس أفندي بعد التّمعن فيما نصحه به الحاضرون أجاب بكل هدوء ودون أي تردد «أيها الأحبّاء، لقد كان الباب هدفاً للرصاص فهرع إلى ميدان الفداء، وتحمّل بهاء الله الضّرب والحبس والتّعذيب، ولم يفرّ أحد منهما ولم يهرب، فهل من قبيل الوفاء لهما أن أهرب أنا. لن أفر ولن أهرب». وبقي عبّاس أفندي صامداً ثابتاً ظاهراً للعيان والكلّ ينتظر أن تصدر اللجنة التّفتيشية حكماً بإعدامه وشنقه.

ولكنّ المشيئة الإلهية والقوّة الغيبية الكامنة خلف الحُجُب والأستار قلبت الأمور رأساً على عقب، فاندلعت الثّورة في تركيا وأُلقيت قنبلة على موكب السّلطان عبد الحميد وهو في طريقه إلى المسجد للصلاة، وعليه استدعيت اللجنة التّفتيشية من عكّاء على جناح السّرعة ليعود أعضاؤها ورئيسها إلى الآستانة، وتوالت الأحداث في البلاد العثمانية وظهرت جماعة «تركيا الفتاة» فبدأت بالاستيلاء على الحكم وأصدرت أمراً بإطلاق سراح المنفيين والمسجونين الدّينيين. ولم تمض فترة حتى كان السّلطان عبد الحميد نفسه نزيل السّجن فاقداً ملكه وسلطانه. وقد أشار عبّاس أفندي في أحد بياناته بأنّ الله سبحانه وتعالى رفع السّلاسل والأغلال من عنق عبد البهاء ووضعها في عنق عبد الحميد.

* * *

وهكذا تحرر عبّاس أفندي في شهر سبتمبر/ أيلول من العام 1908 من قيود سجن دام أربعين سنة، ليتوجّه فوراً إلى جبل الكرمل حيث البقعة التي نصب فيها بهاء الله خباءً له، وصرّح للحاضرين آنذاك عن أمله في أن يجد جثمان الباب الشّهيد مثواه الأخير في تلك البقعة. كان ذلك التّصريح في العام 1870 ومنذ ذلك التّاريخ سعى عبّاس أفندي إلى تحقيق رغبة والده، فتمكن أخيراً من تشييد صرح جليل وإعداد العدة لدفن رفات الباب في الوقت المناسب. وهكذا كان عيد النّوروز من العام 1909 ليس كغيره مما سبقه. فعلاوة على خروجه من سجنه الطّويل، كان هناك الحفل المهيب الذي دعا إليه عبّاس أفندي وقام هو بنفسه بدفن رفات الباب الشّهيد ليرقد في مثواه الأخير على جبل الكرمل. وكان جثمان الباب من قبلُ محفوظاً في تابوت خاص وينقل سراً من بلد إلى آخر خوفاً من أن ينتهك الأعداء حرمته. استغرقت رحلة الجثمان هذه (59) عاماً قبل أن يصل إلى مقرّه الأخير ليحتضنه «جبل الرّب»[6] بمشيئة الله.

* * *

كان عبّاس أفندي صاحب رؤية عالمية ورسالة إنسانية خيّرة فلم يكن من المستغرب إذاً أن يقوم بالأسفار ويجوب في العالم فيحرّك الضّمائر والعقول في سبيل إيجاد الحلول لقضايا العالم المعقّدة. حملته أسفاره العديدة إلى ثلاث قارّات زار فيها عواصم دول كثيرة وأقطار عديدة. فمنذ إطلاق سراحه من السّجن كان يفكّر بصورة جدّية في السّفر لابلاغ العالم رسالة والده رغم ما يعانيه من ضعف نتيجة سنوات من السّجن أوهنت قواه. خرج وهو يعاني من التهاب مزمن في المفاصل بالإضافة إلى حمّى الملاريا التي كانت تصيبه بين الفيْنة والأخرى، لذلك عكف عبّاس أفندي مدّة سنتين على الاهتمام بصحته ليتمكّن من القيام برحلاته. فكان له أن قام بأوّل رحلة في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 1910 حيث أبحر من الأراضي المقدّسة إلى بورسعيد وأقام في مصر مدّة شهر واحد عزم بعده الإبحار من بورسعيد إلى أوروبا، إلاّ أنّ توعّك صحته من جديد اضطره إلى تأجيل رحلته. فتوقّف بالإسكندرية وأقام فيها مدّة عام كامل مستشفياً زار خلاله القاهرة وضاحية الزّيتون وبعض الضّواحي الأخرى.

وفي آب (أغسطس) من العام 1911 أبحر عبّاس أفندي من الإسكندرية إلى مرسيليا ومنها إلى مدينة «تونون بان» السويسرية ليمكث فيها أيّاماً معدودة، ويصل بعدها مدينة لندن في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 1911 فيقيم فيها شهراً واحداً يغادرها بعد ذلك إلى باريس ويمكث فيها تسعة أسابيع ليعود بعدها إلى مصر في شهر كانون الأوّل (ديسمبر) من العام نفسه ويقضي فصل الشّتاء بمدينة الإسكندرية، ثم يغادرها بعد ذلك في 25 آذار (مارس) من العام 1912 مبحراً إلى نيويورك عن طريق نابولي ليصلها بعد ثمانية عشر يوماً. في الولايات المتحدة قام بجولة واسعة من المحيط إلى المحيط استغرقت ثمانية أشهر، كما زار بعض المدن في كندا. وفي أول أيار (مايو) – أيّام الرّضوان – توجّه إلى شيكاغو ليضع بيده الكريمة حجر الأساس لبناء أول معبد بهائي (مشرق للأذكار) في الغرب ويغادر عبّاس أفندي أمريكا في الخامس من كانون الأوّل (ديسمبر) إلى ليفربول ببريطانيا، فيزور أكسفورد وإدنبره ولندن ثم يصل باريس في أواخر كانون الثّاني (يناير) 1913. وقبل أن يُيَمّم وجهه شطر الإسكندرية قام بزيارة عدة مدن منها شتوتغارت وبودابست وفيَنّا ليعود بعدها إلى مرسيليا في حزيران ويصل إلى بورسعيد في 17 حزيران (يونيو) وينتقل بعد ذلك إلى مدينة الإسكندرية ويقيم فيها مرة أخرى بضاحية الرّملة حتى 2 كانون الاول (ديسمبر) من العام 1913 ويعود بعدها إلى الأراضي المقدّسة قبل نشوب الحرب العالمية الأولى في العام 1914.

لقد قام عبد البهاء ليعلن من على منابر ومنصّات عواصم أوروبا المهمّة، وكبريات المدن في أمريكا الشّمالية تلك الحقائق المميّزة للدّين البهائي، موضحاً في الوقت نفسه أصول أديان الله ورسله والصّلة فيما بينها وأهدافها المتحدة وأصولها الواحدة، ولا عجب أن نراه يوضّح لأتباع موسى عليه السّلام حقيقة نبوّة المسيح له العظمة والمجد، وللمسيحيين في كنائسهم أصل الإسلام وحقيقته الإلهية وصحة رسالة محمّد عليه الصّلاة والسّلام، ويقنع الطّبيعيين والمادّيين بضرورة الرّسالة الإلهية ولزوم الدّين حامياً وحافظاً ومنظماً لشؤون المجتمع الإنساني. كما شرح للعالم عناصر النّظام الإلهي العالمي الجديد وبيّن حقائقه الحيوية التي وضعها بهاء الله ووصفها بأنّها «روح العصر»، وأعلن تحذيره من اندلاع حرب عالمية طاحنة ستلتهم الأخضر واليابس في أوروبا، ونبّه إلى الانحلال الذي يدب في الأنظمة السّياسية مؤكداً أن راية «اتحاد الجنس البشري» سوف ترتفع بعد ظلام دامس من المحن والرّزايا والآلام. نعم، لقد تكلّم وخاطب آلاف العظماء من الفلاسفة والعلماء والأدباء ورجال الدّين والسّياسة والفكر والثّقافة والصّحافة ثم الاقتصاد والاجتماع ممن فازوا بالاستماع إلى محاضراته وخطبه التي كانت ارتجالاً دون تحضير أو كتابةٍ، متدفقةً كالجدول الرّقراق وكالنّسيم المنعش للرّوح والفكر. لقد شكّلت خطبه ونصائحه تراثاً زاخراً غنياً وساطعاً في سماء المبادئ الدّينية والأخلاقية والاجتماعية، ورسمت للإنسان منهجاً سامياً يتيح للبشرية بأكملها أن تقطف ثماره خيراً وصلاحاً.

* * *

بإعلان الحرب العالمية الأولى تغيّرت الأوضاع في الأراضي المقدّسة. كانت تركيا أحد الأطراف الرّئيسة في تلك الحرب، فأعلنت الحكم العسكري في أنحاء الإمبراطورية العثمانية وعُيّن محمّد جمال باشا، المعروف بالسّفاح لبطشه وقسوته، قائداً عاماً للجيش الرّابع في سوريا وفلسطين ما بين العامين 1915 و1917. وهنا وجد الاعداء أرضاً خصبة لزرع بذور الفساد من جديد وقاموا بشتى الطّرق والوسائل والحيل بدسّ الدّسائس والتّهم، وأخذوا ينسبون الشّرك والكفر لعبّاس أفندي وصحبه وأتباعه، فوقع جمال باشا تحت تأثير هؤلاء وامتلأ قلبه بالبغض والعداء. كان يفكر، وهو الدّاهية الأريب، في الوسيلة السّانحة ليقوم بانزال العقوبة النّافذة الصّارمة بحق عبّاس أفندي.

بدأ جمال باشا فترة حكمه بأن قام بزيارة وجهاء القوم يشجّعهم على الدّفاع عن الأوطان، وشرعت المحاكم العرفية بإصدار الأحكام الصّارمة، حتى إنّ مجموعة من الأعيان والرّؤساء في بيروت وفي دمشق حكمت عليهم بالإعدام ونفذّت حكمها علناً تاركة أجسادهم في الميادين العامة عدّة أيّام عبرة للنّاظرين.

قام جمال باشا بزيارة لمدينة النّاصرة في الجليل ودعا وجهاء القوم إلى الاجتماع به للمشاورة في شؤون الدّفاع عن البلاد، كما أرسل دعوة إلى عبّاس أفندي ليقابله في النّاصرة، فاستعدّ عبّاس أفندي لذلك إلاّ أنّ قلوب الأحبّاء المحيطين به وقلوب آل البيت قد أصابها القلق والخوف ذلك لأنّ شهرة هذا القائد قد طبّقت الآفاق وعُرف في كلّ مكان «بالباشا السّفاك». صادف يوم ذلك اللقاء دخول أمريكا الحرب إلى جانب الحلفاء وكانت آخر باخرة راسية في ميناء حيفا تحمل رعايا أمريكا الذين قرّروا مغادرة أراضي الدّولة العثمانية طلباً لسلامتهم. وكانت آنذاك السّيدة لوا كتسنكر أمريكية الجنسية موجودة في حيفا فأمرها عبّاس أفندي بالسّفر ومغادرة البلاد على متن الباخرة الرّاسية في الميناء، فودّعها وهو في طريقه إلى النّاصرة لمقابلة جمال باشا. أبحرت السّيدة لوا إلى بورسعيد وانقطعت الأخبار بعد ذلك بين الأراضي المقدّسة وأحبّاء عبّاس أفندي في الخارج مما فاقم من قلقهم وخوفهم خاصة عند علمهم بالدّعوة التي وجهها جمال باشا إلى عبّاس أفندي دون علمهم بنتيجة ذلك اللقاء.

* * *

وصل عبّاس أفندي إلى النّاصرة وقت الظّهيرة تقريباً تُقلّه عربة حوذيِّهِ الأمين «إسفنديار»، وكان جمال باشا في ضيافة أحد علماء النّاصرة المرموقين يدعى الشّيخ الفاهوم والذي كان من أخلص أصدقاء عبّاس أفندي. فطلب من عبّاس أفندي أن يشرّفه لتناول طعام الغداء على مائدته، فلبّى الدّعوة ووصل منزل الشّيخ الفاهوم ليجد جمال باشا حاضراً الوليمة. وهكذا كان اللقاء الأوّل بين عبّاس أفندي وجمال باشا الذي أظهر تجاهه بالغ الاحترام، وأفسح له مكاناً ليجلس إلى يمينه على مائدة الغداء. وبعد الانتهاء قام جمال باشا بتشييع عبّاس أفندي حتى الباب مودّعاً إيّاه ومظهراً له كامل الإجلال والتّقدير. مكث عبّاس أفندي يومين في النّاصرة ليعود في اليوم الثّالث إلى حيفا سالماً بحماية القوّة الغيبية القاهرة. ومن المعجز المحيّر حقاً أنّه رغم كلّ العداء الذي كان يضمره ذلك القائد تجاه عبّاس أفندي، وجد نفسه بمجرّد التّشرف بلقائه أسير تلك الشّخصية الفذّة وقد بهرته تلك المحبّة العارمة التي كان يفيض بها عبّاس أفندي على الصّديق والعدو على السّواء.

ومما يُحكى عن جمال باشا أنّه كان يردّد القول بأنّه عندما يتم له فتح بلاد مصر، فسيسعى إلى استصدار حكم بإعدام عبّاس أفندي وتعليقه على بوابة القدس الشّريف، ولكنّ المشيئة الإلهية شاءت غير ذلك، فكان أن هُزمت الجيوش وانتهت الحرب وفرّ القادة ومنهم جمال باشا الذي لقي حتفه فيما بعد برصاص أحد الأرمن في بلاد القفقاس في العام 1922.

* * *

كانت مدينة حيفا في فترة الحرب العالمية المشار إليها مهدّدة على الدّوام بمدافع المدرّعات الحربية، لذا بادرت أكثر العائلات إلى مغادرة المدينة ملتجئة بالبلدات الدّاخلية، فأمر عبّاس أفندي أصحابه وأتباعه وأهل بيته بالتّوجّه إلى قرية «أبو سنان» الواقعة على سفح جبلٍ شرقي مدينة عكّاء، وتبعد مسافة ساعة ركوباً على ظهر الخيل. أما عبّاس أفندي فبقي متنقلاً بين حيفا وعكّاء يحرس ضريحي الباب وبهاء الله هو واثنين من أتباعه، وكان أحياناً يقوم بزيارة أحبّائه في «أبو سنان» لمدّة قصيرة يعود بعدها إلى منزله في حيفا.

أمّا «أبو سنان» فهي قرية جبلية أكثر أهلها من الدّروز ويسكنها بعض المسيحيين، وقد كان مشايخ الدّروز يكنّون لعبّاس أفندي كامل الاحترام والتّقدير، ولعلّ أكثر هؤلاء تقرّباً ومحبّةً له كان الشّيخ صالح المعروف بورعه وتقواه.

تأسّست في «أبو سنان» مدرسة ابتدائية بهائية تحت إشراف بديع بشروئي أحد خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت ضمّت بين جدرانها بعض أولاد الدّروز، كما تأسّس مستوصف طبّي تحت إشراف الدّكتور حبيب الله مؤيد الذي نال شهادة الطّبّ في تلك السّنة. وكانت اجتماعات الأحبّاء تعقد ليل نهار، وكلّما زار عبّاس أفندي القرية كانت اجتماعات الأحبّاء تعقد في بيت الشّيخ صالح والكلّ ثملون بما كان يلقي عليهم عبّاس أفندي من البيانات والملاحظات.

* * *

جلبت سنوات الحرب العالمية الأولى (1914 – 1919) صنوف المصائب والبلايا والآلام لعالم فقد صوابه وخاصّة في أوروبا وتخوم الإمبراطورية العثمانية وأراضيها المترامية الأطراف. ففي شهر تشرين الثّاني (نوفمبر) 1914 أعلنت الحكومة العثمانية الحرب على بريطانيا وفرنسا وروسيا وانضمت إلى ألمانيا والنّمسا في ذلك الصّراع الدّموي الذي لم يشهد العالم له مثيلاً. ولعل ما حلّ بأهالي لبنان وسوريا وفلسطين والعراق من تفاقم حالات الفقر والفاقة وانتشار المجاعة على نطاق واسع كان دليلاً على فشل السّلطات القائمة في معالجة تلك الظّروف القاسية التي كانت تتطلّب حلولاً استثنائية هدفها أولاً وآخراً حماية المدنيين وضمان سلامتهم. ولعلّ أشدّ المجاعات هولاً كان ما أصاب لبنان وسوريا وفلسطين. ولقد وصف المأساة التي حاقت بشعوب تلك المنطقة الشّاعر اللبناني جبران خليل جبران في قصيدة نثرية كتبها أيّام المجاعة، وهي صرخة مدوية من الأعماق عبّرت تعبيراً مؤثّراً عن حجم المأساة التي تعرض لها أهل بلاده وبنو وطنه:

«مات أهلي وأنا قيد الحياة أندب أهلي في وحدتي وانفرادي.

مات أحبّائي وقد أصبحت حياتي بعدهم بعض مصابي بهم.

مات أهلي وأحبّائي وغمرت الدّموع والدّماء هضبات بلادي، وأنا ههنا أعيش مثلما كنت عائشاً عندما كان أهلي وأحبّائي جالسين على منكبي الحياة وهضبات بلادي مغمورة بنور الشّمس.

مات أهلي جائعين، ومن لم يمت منهم جوعاً قضى بحدّ السّيف،…

وماذا عسى يقدر المنفي البعيد أن يفعل لأهله الجائعين؟

ليت شعري، ماذا ينفع ندب الشّاعر ونواحه؟

لو كنت سنبلة من القمح نابتة في تربة بلادي لكان الطّفل الجائع يلتقطني ويزيل بحباتي يد الموت عن نفسه.

لو كنت ثمرة يانعة في بساتين بلادي لكانت المرأة الجائعة تتناولني وتقضمني طعاماً.

لو كنت طائراً في فضاء بلادي لكان الرّجل الجائع يصطادني ويزيل بجسدي ظلّ القبر عن جسده.

ولكن، واحرَّ قلباه، لست بسنبلة من القمح في سهول سوريا، ولا بثمرة يانعة في أودية لبنان. وهذه هي نكبتي. هذه نكبتي الصّامتة التي تجعلني حقيراً أمام نفسي وأمام أشباح الليل.

هذه هي المأساة الموجعة التي تعقد لساني وتكبّل يديّ ثم توقفني بلا عزم، ولا إرادة، ولا عمل…

مات أهلي على الصّليب.

ماتوا وأكفهم ممدودة نحو الشّرق والغرب وعيونهم محدقة إلى سواد الفضاء.

ماتوا صامتين لأن آذان البشرية قد أغفلت دون صراخهم.

ماتوا لأنّهم لم يحبّوا أعداءهم كالجبناء، ولم يكرهوا محبّيهم كالجاحدين.

ماتوا لأنّهم لم يكونوا مجرمين.

ماتوا لأنّهم لم يظلموا الظّالمين.

ماتوا لأنّهم كانوا مسالمين.

ماتوا جوعاً في الأرض التي تدرّ لبناً وعسلاً…»

مات أهلي وأهلكم أيّها السّوريون، فماذا نستطيع أن نفعل لمن لم يمت منهم؟

إن نواحنا لا يسدّ رمقهم، ودموعنا لا تروي غليلهم، إذاً ماذا نفعل لننقذهم من الجوع والشّدّة؟

هل نبقى مرتابين، متردّدين، متكاسلين، مشغولين عن المأساة العظمى بتوافه الحياة وصغائرها؟

إن العاطفة التي تجعلك، يا أخي السّوري، تعطي شيئاً من حياتك لمن يكاد يفقد حياته هي هي الأمر الوحيد الذي يجعلك حرياً بنور النّهار وهدوء الليل.

وإن الدّرهم الذي تضعه في اليد الفارغة الممدودة إليك هو هو الحلقة الذّهبية التي تصل ما فيك من البشرية بما فوق البشرية.»[7]

أحسّ عبّاس أفندي في قرارة نفسه عظم المأساة التي يمرّ بها سكّان البلاد وهم جيرانه ومواطنوه. وصدق جبران حين قال «إن الدّرهم الذي تضعه في اليد الفارغة الممدودة إليك هو هو الحلقة الذّهبية التي تصل ما فيك من البشرية بما فوق البشرية».

وكم من يدٍ ممدودة ملأها عبّاس أفندي بالدّراهم وكم من جائع سدّ عبّاس أفندي جوعه وأنقذ حياة عائلته وأطفاله، وإبّان سني الحرب عكف على توزيع الطّحين على الفقراء والمحتاجين وفرض نظام التّقشف الصّارم على آل بيته وصحبه وأتباعه وشهد له أهل فلسطين كباراً وصغاراً بأنّه كان «سيّد المحسنين»، وعبّر الشّاعر الدّكتور قيصر خوري عن مشاعره ملخّصاً مكرمات عبّاس أفندي وعنايته بالفقراء والمساكين بوصفه إيّاه «أبا الجميع» في مرثيّته العصماء حين قال:

عبّاس كان أبا الجميع فكلنا نبكيك يا عبّاس يا مقدام
لك في المشارق والمغارب منزل عالٍ وفي كلّ القلوب مقام
ويرأس حيفا الجميلة مضجعٌ وبذمّة العرب الكرام ذمام[8]

 

ازاء ذلك العمل الإنساني الوضّاء في دياجير ظلمة تلك الأيّام الرّهيبة لم تكن السّلطات البريطانية بطيئة في الافصاح عن تقديرها للدّور الذي قام به عبّاس أفندي في التّخفيف من حدّة الويلات التي عصفت بأهل الأراضي المقدّسة، فمنحته لقب فارس في احتفال مهيب حضره وجوه الطّوائف المختلفة، ذلك لأنّ عبّاس أفندي لم يفرّق في إحسانه بين الأصدقاء والأعداء. وهناك الكثير من القصص والرّوايات عن سماحة عبّاس أفندي وفضله على العدو قبل الصّديق ما فيه عبرة لأولي الألباب.

* * *

وفي 23 أيلول (سبتمبر) من العام 1918 أُعلن إنكسار الجيش التّركي وتم فتح الطّرق إلى حيفا وعكّاء وبدأ المسافرون والزّوار البهائيون يفدون من جميع أقطار العالم لزيارة الأراضي المقدّسة، وأفاض يراع عبّاس أفندي بالرّسائل والألواح، وقام الأحبّاء في الشّرق والغرب على نشر كلمة الله، وبدأ في أمريكا الإعداد فعلياً لبناء «مشرق الأذكار» هناك على شاطئ بحيرة متشيغان قرب شيكاغو (مشرق الأذكار هو الاسم الذي يطلقه البهائيون على أيّ دار للعبادة يخصّهم وهو بمثابة مسجد أو كنيسة أو معبد ولكنّه مفتوح لكلّ إنسان مهما كان مذهبه ليدخله للدّعاء والتّعبد)، ووضعت التّصاميم المختلفة، وحضر «المستر بورجوا»، صاحب التّصميم الذي اتّفق على تنفيذه، إلى حيفا وشرح لعبّاس أفندي تصميمه فوافق عليه ثم عاد إلى الولايات المتحدة لتبدأ عمليات البناء في 20 أيلول (سبتمبر) 1920.

وقبل سنة واحدة، أي في نيسان (أبريل) 1919، كان قد كُشف النّقاب عن ألواح الخطّة الإلهية الأربعة عشر التي خطّها قلم عبد البهاء أيّام اندلاع الحرب الطّاحنة، وفيها يعلن عن برنامج مفصّل لتحقيق أهداف رسالة بهاء الله ونشر مبادئ وحدة العالم الإنساني في القارّتين الشّمالية والجنوبية من أمريكا.

ويأتي يوم الاثنين 28 تشرين الثّاني (نوفمبر) في العام 1921 بفاجعة هزت الأوساط المحلية والخارجية معلنة خبر وفاة عبّاس أفندي عن عمر يناهز السّابعة والسّبعين. لقد غابت تلك الشّمس السّاطعة بنور الفكر واشعاعات الرّوح، وهو الذي نفّذ في حياته عملياً ما نادى به والده الجليل بهاء الله: «تمسّكوا بحبل العبودية»، فاختار لقب «عبد البهاء» وأعلن على الملأ شعاره ومبدأ حياته: «قد تردّى عبد البهاء برداء العبودية لأحبّاء البهاء، وإنّ هذا لَفوز عظيم».

هزّت وفاة عبّاس أفندي مشاعر الجماهير الغفيرة التي عرفته «أبا الجميع»، نعاهُ الصّغير والكبير، الرّفيع والوضيع. ولكنّ أكثر النّاس تأثّراً كان أولئك الفقراء والمساكين الذين عرفوا عبد البهاء عبّاس فوجدوا في رحابه ما يخفّف عنهم آلامهم ويزيل كآبتهم. وبعد ظهر الاثنين أذاعت الجمعية الإسلامية في حيفا نشرة أعلنت فيها ما يلي:

«”إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون” – الجمعية الإسلامية تنعى بمزيد الأسف وفاة العلاّمة المفضال والمحسن الكبير عبد البهاء عبّاس، وسيحتفل بجنازته السّاعة التّاسعة من صباح غد الثّلاثاء، فالرّجاء اعتبار هذا كدعوة خاصّة للاحتفال بجنازة الفقيد، تغمّده الله برحمته ورضوانه. وألهم آله وذويه الصّبر الجميل.»[9]

أعلنت هذه النّشرة بصريح العبارة أنّ عبّاس أفندي لم يكن فقيد البهائيين فقط، بل إنّه كان أيضاً فقيد ذلك الشّعب الذي عاش بينهم ومعهم فأحبّهم وأحبّوه. سار موكب جنازته بصورة لم تشهد الأراضي المقدّسة لها مثيلاً في الألفي عام من تاريخها الطّويل، فلأوّل مرة توحّدت الطّوائف الدّينية واتّحدت أطياف المجتمع المختلفة في أن تؤبّن من كان خادماً مخلصاً لقضية الإخاء الإنساني والسّلام العالمي. وقد كان مشهد الفقيد من العظمة والجلال ما أوحى إلى أحدهم أن يصفه بالكلمات التّالية:

«من السّهل أن يقال، في باب الوصف، أنّ الطّريق من شارع أللنبي إلى سفح جبل الكرمل، حيث مقام مدفن الباب عند السّاعة التّاسعة من صباح يوم الثّلاثاء الموافق 29 تشرين ثاني سنة 1921، كان على طول مداه جسماً بشرياً ممتزجاً مندمجاً مائجاً بالأشباح هائجاً بالأرواح أو كأنّما كان الطّريق على شكله الرّائع الذّاهب بالأبصار يحكي جسراً بالغاً في عرضه وطوله من صنوف الخلائق المتراصّة المكتظّة إذ كنت لا ترى ساعتئذ سوى وجوه شاحبة اضطربت من دونها لفرط الأسى المشاعر. فتنوعت ألوانها وجفّ ماء نضارتها فاعتمدت لهول المصاب في مظهرها على الزّوال واعتصمت برجاء الفناء في روح الفقيد فراراً من هذا الظّلام وخلاصاً من هذا الفساد إلى الطّمأنينة بالسّكون في ظلّ الحقيقة الخالدة.

جسر من الخلائق يحدّ بحسب الاعتبار الإنساني فضاء من الأرض يمتليء بركة وسعادة بجسم طاهر في نعش محمول على العنق، إلاّ أنّ هذا الجسر على اتّساعه وازدحامه لا يسعه أن يحوط نوراً ذاتياً. فإن ظنه ممكناً من جهة أداء واجب التّكريم وحقّ التّعظيم فكيف إذاً به إذا شعر بموقفه إزاء سرٍّ سار في الأسماء والصّفات. لا شكّ في أنّه يحسّ أنّه جسم صغير محدود إزاء ذلك السّرّ البهائي الكبير ما لا حدّ له.

لا نعود فنقول في الوصف إنّه بعد تلك الوجوه الشّاحبة لبلوغ الأسى كنت تحسّ من الوجدان شواظاً من نار وتسمع من تهامس الأرواح مناجاة القلق والحيرة وتصغي إلى أفئدة ألهبها الوجل واشتمل عليها التّفزّع بل يستقي المداد من ماء العيون أجلّ آيات الرّثاء كأنّ أهل ذاك اليوم المشهود كانوا مأخوذين بشيء بلغ من العظمة أن لا يُسمّى ولا يُفسّر بأكثر من كونه:

مصاب جليل حيث جلّ مصاب وخطب به ماء العيون خضاب

حقاً إنّ الإنسان صغير وحقاً إنّه لعظيم، وما الفارق بين المرتبتين إلاّ بقدر ما بين الرّوحين من مسافة العمل ولذا لا يغلو من يقول إنّ نفس عبد البهاء عبّاس أفندي قدّر لها قديماً أن تُشيّع إلى عِلِّيين محمولة على الأرواح محوطة بالأفئدة لمكانة صاحبها من قلوب جميع البشر في كلتا القارّتين القديمة والحديثة.

كان نعش عبّاس أفندي بحيفا كأنّه نعش الحسين بكربلاء. كان نعش عبد البهاء يختال في سيره بين بكاء البائسين والمعوزين وبين حنين اليتامى والأرامل.

نور جاء إلى الوجود وذهب منه ولكن بعد أن أدّى للخالق العظيم ما عليه هو من الحقّ العظيم أداءً، ولكن وا أسفاه قد ترك الفضيلة الحقّة بعده تندب حظّها وإن كان لم يضنّ عليها في حياته بأن جعل لها عماداً لا يبلى. وأنشأ لها بعمله وجهاده وإخلاصه مملكة رفيعة الجانب يفنى على عزّتها الزّمان.

لبث الموكب سائراً مدة ساعة ونصف بلغ في نهايتها مكان الضّريح فوضع النّعش وسط ساحة فسيحة على منصة عالية أقيمت إلى جانب المقام المؤيّد الأركان الشّاهق البنيان فأحاط به فخامة المندوب السّامي ورجال معيّته وحاكم فينيقيا والعلماء والرّؤساء الرّوحانيون وجمع كبير من النّاس كأنّ على رؤوسهم الطّير وقفوا بين تصعيد الزّفرات وترديد الحسرات ودقّات القلوب وذرف الدّموع. ولما أن التأم عقدهم نهض حضرة الشّاب الأديب يوسف أفندي الخطيب وارتجل خطبة أثارت الأشجان وأهاجت العواطف قال:

يا معشر العرب والعجم!

ما لي أراكم مجتمعين؟ وعلامَ تتآمرون وبمَ تفكّرون. أعلى الموت ولأجل الميت الحيّ وفي كلّ يوم تمرّ أمامكم قوافل الموتى فلا تأبهون بها.

على من تبكون؟ أعلى من كان بالأمس عظيماً في حياته فأصبح اليوم أعظم في مماته. أعلى من أجللتموه بأن يلقب فيلسوفاً أو إماماً – إن الذي ينتقل إلى دار البقاء لا يبكى عليه. فابكوا على الفضل والأدب. اندبوا العلم والكرم. ابكوا لأجل أنفسكم لأنّكم أنتم الفاقدون. وما فقيدكم إلاّ راحل كريم من عالمكم الفاني إلى دار الأبد والأزل. ابكوا ساعة لأجل من بكى لأجلكم ثمانين عاماً.

انظروا يميناً وشمالاً، شرقاً وغرباً، واصدقوني الخبر أيّ فراغ في النّبل والوجاهة قد حدث وأيّ ركن من أركان السّلام قد هدم وأيّ لسان حر طلق فصيح قد سكت وصمت، أواه ليس للمصيبة قلب يصدع وعين تدمع فقد تركتكم شباباً تبكون شيخكم وشيوخاً تندبون فتاكم. تبّ المساكين أنّ الخير فارقهم تبّ الأيتام أنّ الأب الشّفوق قد بعد عنهم.

حبّذا لو كان يفتدى السّيّد عبد البهاء عبّاس بالنّفوس العالية لتضحّت لأجله ولكن هو الأجل ولكلّ أجل كتاب فلا مردّ لحكم الله. ماذا عساني أذكر لكم من مآثر رجل الإنسانية وهي أعظم من أن تذكر وأكثر من أن تعدّ فيكفيه أنّ له في كلّ قلب أثراً جليلاً وفي كلّ لسان ذكراً جميلاً ومن ترك حسن الأحدوثة والذّكر الخالد فهو ليس بميّت.

تعزوا آل البهاء بالصّبر والسّلوان فليس بإمكان أحد شرقياً كان أو غربياً أن يعزّيكم إلاّ ويرى نفسه أولى بالتّعزية.»[10]

 

 

[1]  «عبد البهاء عبّاس أفندي زعيم البهائيين»، «مجلة البيان»، شوال وذي القعدة 1331 هجرية [أكتوبر ونوفمبر 1913 ميلادية].

[2]  مقال بعنوان «عبّاس أفندي عبد البهاء»، منشور بمجلة «العمران»، حزيران (يونيه) 1922، ج 6، السّنة 26، المجلد 12، ص361 – 371.

[3]  مقتطف من كتاب «مجموعة من ألواح حضرة بهاء الله»، منشورات دار النّشر البهائية، بلجيكا، 1980، ص117 – 118.

[4]  مقتطف من كتاب «لوح مبارك: خطاب إلى الشّيخ محمّد تقي مجتهد إصفهاني المعروف بالنّجفي»، لجنة آثار أمرى بلسان عربي وفارسي، لانكنهاين، المانيا، 1982، ص62.

[5]  ألقى هذا الحديث مؤلّف هذا الكتاب في «برنامج سؤال وجواب»، والذي أذيع بهيئة الإذاعة البريطانية مساء الخميس الموافق 30 تشرين الثّاني (نوفمبر) 1989. وكان هذا الحديث رداً على سؤال «ما هو الدّين البهائي» ورد إلى البرنامج المذكور وأحيل على مؤلف هذا الكتاب للإجابة عنه.

[6]  «الكتاب المقدّس»، العهد القديم، إشعياء النّبي، الأصحاح 2، الآية 2 – 4.

[7]  مقتطف من كتاب «العواصف» في «المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران، قدّم لها وأشرف عليها ميخائيل نعيمة، بيروت، دار صادر وبيروت، 1961، في «المجموعة العربية». ص418 – 420.

[8]  من كتاب «عبد البهاء والبهائية»، ألّفه وجمعه سليم قبعين، القاهرة، مطبعة العمران، 1922، ص167.

[9]  المصدر السّابق، ص142.

[10]  المصدر السّابق، ص143 – 145. وإلى جانب هذا الوصف نورد وصفاً آخر جاء في المصادر البهائية ونشر في كتاب منتخبات من كتاب بهاء الله والعصر الجديد: مقدّمة لدراسة الدّين البهائي» تأليف الدّكتور جون إسلمنت، بيروت، مؤسسة الرّيحاني، 1972، ص73، والنّص التّالي مأخوذ بدوره من كتاب «صعود عبد البهاء» بقلم شوقي أفندي والليدي بلمفيلد». «موكب لم تر مدينة حيفا ولا أرض فلسطين مثله… وكذلك كان شعور التّأثر الشّديد الذي جمع آلاف المعزّين من أديان مختلفة وأجناس متنوّعة وأَلْسن متعدّدة. وحضر المندوب السّامي… وكبار موظفي الحكومة وقناصل الدّول المختلفة ورؤساء الأديان وجموع من اليهود والمسيحيين والمسلمين والدّروز والمصريين واليونان والأتراك والأكراد وجموع كثيرة من أحبّائه الأمريكيين والأوروبيين ومن المواطنين رجالاً ونساء وأطفالاً… وبلغ عددهم زهاء العشرة آلاف يندبون فقدانهم لمحبوبهمم… ويصرخون بصوت واحد: «يا ربّنا! قد تركنا والدنا! قد تركنا والدنا…» وصعد النّاس جبل الكرمل صعوداً وئيداً… وبعد مسيرة بطيئة وصلوا إلى حديقة مقام الباب… ولما اكتظّت الجماهير حوله في البهو الذي يلي المقام، ارتفعت أصوات نوّاب المذاهب المختلفة… وقلوبهم جميعاً متأجّجة بنيران محبّة عبد البهاء وألسنتهم تلهج بالثّناء والحزن الشّديد في وداعهم الأخير لمحبوبهم، وهم بنهاية الخضوع، وقد اتّحد الكلّ عند تأبينه في أنّه المعلّم الحكيم والمؤلّف للجنس البشري في هذا العصر الحاضر الحائر الكئيب. واسترسلوا في مراثيهم حتى لم يتركوا للبهائيين أنفسهم شيئاً يقولونه».

2 عصر عبّاس أفندي وانبثاق فجر قرن الأنوار في مصر والعالم العربي

سجّل القرن التّاسع عشر، مثل سابق القرون والأعصار بل وأكثر، تحوّلات هامّة وخطيرة في الشّؤون الإنسانية استمرّت في تأثيرها على القرن العشرين لتطال جميع مناحي النّشاطات الإنسانية الرّوحية منها والعلمية والفكرية والصّناعية وغيرها، تمهيداً لمولد عالم جديد تشهد تباشير انبثاق فجره أولى سنوات القرن الواحد والعشرين مع ما يصاحبها من ظلمة مصاعب وويلات وآلام لا بدّ أن تسبق طلوع ذلك الفجر الذي ينبئنا بعالم إنساني ستقوم دعائمه على مبادئ العدالة والإنصاف والوحدة والاتحاد في التّنوع والتّعدد حتى نرى راية السّلام العالمي خفّاقة في كلّ الأرجاء لتنعم البشرية بـ«السّلام العظيم» الذي يشير إليه البيان التّالي المفعم بالآمال:

«إنّ السّلام العظيم الذي اتّجهت نحوه قلوب الخيّرين من البشر عبر القرون، وتغنّى به ذوو البصيرة والشّعراء في رؤاهم جيلاً بعد جيل، ووعدت به الكتب المقدّسة للبشر على الدّوام عصراً بعد عصر، إنّ هذا السّلام العظيم هو الآن وبعد طول وقت في متناول أيدي أمم الأرض وشعوبها. فلأوّل مرّة في التّاريخ أصبح في إمكان كلّ إنسان أن يتطلّع بمنظار واحد إلى هذا الكوكب الأرضي بأسره بكلّ ما يحتوي من شعوب متعدّدة مختلفة الألوان والأجناس. والسّلام العالمي ليس ممكناً وحسب، بل إنّه أمر لا بدّ أن يتحقّق، والدّخول فيه يمثّل المرحلة التّالية من مراحل التّطور التي مرّ بها هذا الكوكب الأرضي، وهي المرحلة التي يصفها أحد عظماء المفكرين بأنّها مرحلة كَوكَبَة الجنس البشري.»[1]

* * *

نعم، شهد القرن التّاسع عشر انهيار الإمبراطوريات الإسبانية والبرتغالية والصّينية والرّومانية المقدّسة، وهذا ما أفسح المجال أمام ازدياد نفوذ الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والألمانية ثم الولايات المتحدة الأمريكية، مما أدار عجلة التّنافس بين القوى الجديدة لتسخّر ما تملكه من قوى عسكرية وأسلحة فتّاكة في بسط نفوذها. وفي الوقت نفسه كان دافعاً لها وغدا ميداناً واسعاً تعمل فيه مواهب الاكتشاف والإبداع العلمي المتطوّر التي كانت تلقى كلّ دعم وتشجيع.

كما شهد القرن التّاسع عشر تقدّماً هائلاً في ميدان العلوم الطّبيعية ووعياً جديداً في الوقاية الصّحية وأثرها على حياة الإنسان، والتي بدأت فعلاً في العام 1800م مما ساعد على رفع معدل عمر الإنسان، وبذلك ارتفعت وتيرة تزايد عدد السّكّان. فمثلاً نرى أن عدد سكّان أوروبا في القرن التّاسع عشر قد تضاعف من مائتي مليون إلى أربعمائة مليون نسمة. ومن أهم التّطورات في هذا القرن تلك الطّفرة الكبيرة التي حصلت في وسائل المواصلات، فما انتشار السّكة الحديد إلاّ مقدّمة لما تبع ذلك من تطوّر في العقد الأوّل من القرن العشرين باختراع هنري فورد للسّيارة، والمحاولات النّاجحة للأخوين رايت في الطّيران.

ومن الطّبيعي أن يكون لتطوّر سبل المواصلات هذه أبعد الأثر في طرق المعيشة وأسلوب مزاولة الأعمال اليومية، فكان لاستخدام السّكة الحديد للتّنقل والاتّصال نتائج عدّة منها ربط أوصال المجتمع الواحد، وازدياد عدد المراكز الحضرية، وبناء المدن الجديدة. وبذلك ازداد عدد القاطنين في المدن الكبرى زيادة هائلة.

في هذا القرن تمّ اكتشاف مناطق العالم المجهولة في أفريقيا واستراليشيا وأمريكا الجنوبية، وفي خاتمته وُضعت الخرائط الجغرافية وتم ترسيمها باستثناء بعض المناطق الجليدية في القطبين الشّمالي والجنوبي. كلّ ذلك أثّر على الفكر الإنساني ليشهد انفتاحاً جديداً ملحوظاً ويتكشّف عن ظهور الحركات الليبرالية الدّاعية إلى التّسامح واحترام حقوق الإنسان لتغدو أهم حركات الإصلاح الاجتماعي في أوروبا حتى ذلك الوقت.

ورغم بقاء نظام الرّق في بعض أنحاء العالم، إلاّ أنّ جذوره البغيضة أخذت تتآكل منذ ثورة الرّقيق في هايتي، وإصدار الملكة فكتوريا حكماً بمنع تجارة الرّقيق وتحريم الرّق في كلّ مستعمراتها، كما سخّرت أسطولها البحري في محاربة وتعقب تجّار الرّقيق والقراصنة المتعاونين معهم والذين اتّخذوا أوكاراً لهم في جيوب ساحلية من المغرب الأقصى، وآلت حكومة الملكة فكتوريا على نفسها القضاء نهائياً على القرصنة البحرية وتجارة الرّقيق في آن معاً. وبالفعل تمّ القضاء على هذه التّجارة البغيضة في العام 1834، ليتبعه بعد ذلك في أمريكا في العام 1865 بعد الحرب الأهلية الأمريكية، وفي البرازيل في العام 1888.

في ذلك القرن بدا وكأنّ العالم قد انفتح على نفسه، حتى إنّه هاجر ما يقارب السّبعين مليوناً من الأوروبيين إلى العالم الجديد لعدة أسباب تراوحت بين الامكانيات المشجّعة هناك لتحقيق حياة أفضل وأكثر رفاهية، أو هرباً من الاضطهاد السّياسي والدّيني والعرقي. فوجد هؤلاء المهاجرون القادمون من أوروبا والشّرق ضالّتهم المنشودة في ذلك العالم.

أمّا ما كان من تلك التّطورات أخطرها شأناً في القرن التّاسع عشر ما تراكم عبر العصور من نضال بين التّطور الطّبيعي الذي أخذ مسيره في الحياة الإنسانية والقوى المناهضة له، وما نجم عنه من نزاع بين أهم قوّتين فاعلتين في حياة الإنسان وتقدّمه، ذلك هو الصّراع المستشري بين العلم والدّين، بين حركات التّحرر الدّينية المطالبة بالاصلاح والتّغيير والقيادات الدّينية الرّافضة رفضاً باتاً إعادة النّظر فيما أدخلته عبر السّنين من بدع وطقوس ليست من صلب الدّين في شيء.

* * *

ولكي ندرك تماماً عمق الهوّة التي بدأت تفصل الدّين عن العلم، وبين مطالب الإنسان الرّوحية والفلسفة المادّية التي أطاحت بمبادئ الأخلاق والقيم الرّوحية التي تخلق التّعاون والتّآلف وتزرع المحبّة والوداد في النّفوس، دعونا نعرض باختصار تلك المراحل المتتابعة التي جلبت هذا التّراكم من التّناقضات والمشكلات التي وجدها العالم ماثلةً أمامه في القرنين التّاسع عشر والعشرين وأنّه لزام عليه حلّها وهو يقف بين مخلّفات قرن مضى بمعاناته وثمار قرن جديد بتطلّعاته. وبحكم موقفه هذا ينتابه إحساس عميق بما سوف تكتفي الأجيال القادمة بقراءته من التّاريخ عن أشد محنة استطاع اجتيازها.

فلو بدأنا بالقرن الرّابع عشر لرأينا كيف أنّ جون ويكلف الإنجليزي قد ترجم الكتاب المقدّس في العام 1382 إلى اللغة الإنجليزية وما أصاب الكنيسة الكاثوليكية آنذاك من هلع وجيس معتبرة ذلك تعدياً فاضحاً على حرمة الكتاب المقدّس الذي لم تسمح بنشره إلاّ باللغة اللاتينية. وفي القرن الخامس عشر اخترع يوهان غوتنبرج الطّباعة بالحروف المعدنية المنفصلة (1436 – 1438) فكان لهذا الاختراع أبعد الأثر في تطوّر الفكر الإنساني ونشر الثّقافة الدّينية بما في ذلك الكتاب المقدّس ليكون في أيدي النّاس بعيداً عن سيطرة الكنيسة، مما أثار سخط الكنيسة الكاثوليكية وغضبها أيضاً. وفي القرن نفسه تم اكتشاف القارّة الأمريكية (1492) مما فتح الباب على مصراعيه أمام عالم جديد بكلّ ما فيه من تحدّيات إيجابية وسلبية. وفي القرن السّادس عشر قام مارتن لوثر (1483 – 1546) وتزعم حركة الإصلاح البروتستاني في ألمانيا، وهي الحركة التي عُرفت باسم حركة التّنوير (التّنوير الفكري والدّيني)، مما أدّى إلى قيام الكنيسة بمحاربة البروتستانت في أعنف حرب دينية عرفها التّاريخ. وفي القرن السّابع عشر اخترع غاليليو غاليلي التّلسكوب (المقراب) فأثبت نظرية عالم الفلك الدّنماركي نيقولاوس كوبرنيكوس (1473 – 1543) بأنّ الأرض وسائر الكواكب السّيارة تدور حول الشّمس وحول نفسها، وبذلك أتى غاليليو بنظرية جديدة قضت على نظرية بطليموس (القرن الثّاني للميلاد) الرّياضي الجغرافي وعالم الفلك اليوناني القائل بأنّ الأرض ثابتة وسط الكون وأنّ الشّمس والقمر والكواكب تدور حولها، وهو الاعتقاد الذي اعتمدته الكنيسة الكاثوليكية آنذاك واتّخذته عقيدة من عقائدها الدّينية الثّابتة، الأمر الذي دفع بالكنيسة أن تعارضه بكل عنف وكادت أن تقضي عليه بالموت حرقاً لولا أنّه اعتذر لها فعوقب بالسّجن ثلاث سنوات. وشهد هذا القرن قيام الحكم الدّستوري في بريطانيا وإندلاع الحرب المعروفة «بحرب الثّلاثين عاماً» (1618 – 1648) وكانت أساساً حرباً أوروبية دينية بين الكاثوليك والبروتستانت إلى جانب تلك الأسباب الاقتصادية والسّياسية التي ساعدت على اندلاع تلك الحرب. أمّا القرن السّابع عشر فشهد بروز نظريات جديدة جاء بها كلّ من فرنسيس بيكون (1561 – 1626) الإنجليزي ورينيه ديكارت (1596 – 1650) الفرنسي واضعا أسس العلم التّجريبي الحديث والفلسفة الحديثة، مما نتج عنه قيام الحركة التي عرفت «بنزعة الشّك» التي افترضت وجوب عدم القبول بالشّيء إلاّ بعد التّجربة وقبول العقل له. وفي القرن الثّامن عشر استقلّت الولايات المتحدة (1776) واشتعلت الثّورة الفرنسية (1789) لتعلن مبادئ الأخوّة والحرّية والمساواة ومطالبة بحرّية الفرد السّياسية والدّينية، وكان لهذه الثّورة أبعد الاثر في بعث حركات الاستقلال وتحرّر الشّعوب وانبعاث الرّوح الوطنية في كلّ أنحاء العالم.

* * *

واجه القرن التّاسع عشر إذاً ما أدّت إليه التّطورات التي ذكرناها وتمثّلت في التّنافس الحاد بين «المدنية المادّية» و«المدنية الإلهية». ففي بداية القرن أعلن عالم الفلك والرّياضي الفرنسي المركيز دي لابلاس (1749 – 1827) عن رأي سقيم وهو أنّ الإنسان يمكنه الاستغناء عن الايمان بالله، وتبعه الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه (1844 – 1900) بتصريحه الأرعن قائلاً «إنّ الله قد مات». وهكذا انتشرت موجة الإلحاد في عالم الغرب وأضعفت على الأقل الحياة الرّوحية وأفسحت المجال أمام الفلسفة المادّية لتسيطر سيطرة كاملة على كلّ نواحي الحياة. وجاء تشارلز روبرت داروين (1809 – 1882) بنظريته عن «أصل الأنواع» (1859) وهي نظرية «النّشوء والإرتقاء» فزعزع أركان المعتقدات الدّينية عن خلق العالم وأصل الإنسان، وسادت نظريته هذه في الأوساط العلمية والفكرية. وكان قد سبقه إلى ذلك مواطنه الإنجليزي هربرت سبنسر (1820 – 1903) الذي آمن قبل داروين بنظرية التّطور وعمّمها على الأخلاق والعادات. أمّا ما ميّز القرن التّاسع عشر فكان حركات الإصلاح الاجتماعي وخاصة الوعي العمّالي، وظهور الحركات العمّالية لحماية حقوق الفرد ضدّ ما يهددها من طغيان الآلات الصّناعية التي جاءت بها «الثّورة الصّناعية». في هذا الجو ظهرت النّظريات الاقتصادية كالاشتراكية والشّيوعية والرّأسمالية الليبرالية وغيرها. واتّسع الوعي الإنساني نتيجة كلّ هذه التّطورات ليشمل كافّة الحقوق الإنسانية; فظهرت الحركات النّسائية في أمريكا وأوروبا، وطالبت النّساء بكامل حقوقهن ومساواتهن بالرّجال، وهي حركات اصطبغت أحياناً بالعنف. ورغم تقدّم الغرب في المجالات الفكرية والعلمية والصّناعية فقد كانت حياته الرّوحية عاجزة عن تنظيم الحرّية الفردية بصورة قادرة على المحافظة على الأخلاق والقيم الإنسانية والحدّ من الصّراعات الفردية والدّولية ووقف الحروب المدمرة وهلاك الملايين من النّاس في متاهات دروب الغيّ والعدوان.

* * *

وقف القرن التّاسع عشر أمام إشكالات النّمو والتّطور، السّياسية منها والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب سباق التّسلّح المحموم للدّول الكبرى واستعداداتها الحربية. ومن جملة تلك الاشكالات; تزايد مطّرد في عدد السّكّان، والنّتائج النّاجمة عن استعمال الآلة في التّصنيع بصورة فاقمت من إنتشار البطالة وأدّت إلى اتّساع الهوّة بين الفقراء والأغنياء. ففي بريطانيا مثلاً تنبّه البرلمان البريطاني إلى الدّروس المستقاة من الثّورة الفرنسية وما جلبته من فوضى وخراب، فاستحثّ ذلك موجةً من الإصلاحات الواسعة النّطاق شملت مجالات عدّة بما فيها قوانين العمل وقضايا التّربية والتّعليم.

وبقي الصّراع المقيت بين العلم والدّين قائماً حيّاً في الفكر الغربي، وهو الصّراع الذي دارت رحاه عبر قرون متعاقبة، وبقي يمثّل أهمّ قضية يواجهها العالم الغربي، وما اعتبره عبّاس أفندي أساس المشكلات جميعها. وفي تعليق له على الدّين والعلم في وصفهما قال:

«… إن الدّين توأم العلم. فإذا وجدت مسألة من مسائل الدّين لا تطابق العقل والعلم كانت هذه المسألة وهماً. لأنّ الجهل ضدّ العلم. فإذا كان الدّين ضدّ العلم فهو جهل. وإذا كانت هناك مسألة تخرج عن طور العقل الكلّي الإلهي فكيف نتوقع أن يقنع بها الإنسان، إذ إنّه لو فعل ذلك لسمّينا ذلك اعتقاد العوام.»[2]

فكانت الحال وكأنّ العالم منقسم إلى فئتين، فئة من النّاس ذات عقل بلا دين، وأخرى ذات دين بلا عقل. فالعقل الرّاجح خادم للدّين في صقل جوهره ليبقى مضيئاً ويعمل على توسيع آفاقه في الفهم والإدراك ويضمن للدّين رقيّه وازدهاره، والدّين يضمن للعقل ملازمة التّصرف بالعدل والإنصاف والرّحمة والإخلاص. فصدق أبو العلاء المعرّي حين قال في أهل زمانه:

«إثنان أهل الأرض ذو عقل بلا دين وآخر دين لا عقل له.»[3]

وتفاقم الصّراع القائم بين العلم والدّين في القرنين التّاسع عشر والعشرين. ففي بلاد الغرب انتصر العلم على الدّين وسيطر عليه، بينما النّتيجة كانت معكوسة في بلاد الشّرق ولكن بسيادة التّعصب والتّزمت الدّيني على العلم ومنطقه في أغلب الأحيان في صراع دموي كان مصدره الفشل في التّوفيق بين مطالب الدّين والعلم أي بين «المدنية الإلهية» و«المدنية المادّية».

فالنّظم الدّينية والأوساط العلمية كلٌّ منها تجاهل الرّوحانية الحقّة بجوهرها الكامن في كلٍّ من الدّين والعلم. ورغم ما يبديه كلٌّ منهما من احترام للآخر فإنّهما باتا على خلاف لا يزال قائماً حتى اليوم. فالنّظم الدّينية والقواعد العلمية قد فقدت يا للأسف ذلك الوعيّ الخلاّق بمعنى الحياة. فالدّين يرزح تحت وطأة عبء ثقيل من التّقاليد الفقهية والمصالح النّفعية والمنافع المكتسبة التي من شأنها أن تحافظ على ما يتمتّع به رجال الدّين من نفوذ وامتيازات وحقوق خاصّة. أمّا العلم من ناحيته فقد حاول اختصار الكون ليبدو كأنّه آلة بالغة التّعقيد، وفي المحصلة نراه وقد ساق لنا افتراضات مادّية بحتة جعلته أسير منهج للدّرس والبحث يختصّ بالمظاهر الطّبيعية المجرّدة التي لا علاقة لها بالقيم الرّوحية والمعنوية.

غربت شمس القرن التّاسع عشر ببزوغ فجر القرن العشرين الذي ورث كلّ الانجازات الخيّرة وكلّ المعضلات المستعصية والمشكلات التي باتت دون حلّ لتتفاقم وتتضاعف في حدّتها وصعوبة حلّها. وبحلول العام 1901 وجد إنسان القرن العشرين نفسه في حالة من الضّياع والقلق رغم كلّ ما حقّقه من انجازات لم يسبق لها مثيل في التّاريخ. لقد فقد إيمانه بنفسه وبالطّبيعة والأخلاق والفضيلة وبالتّقدم والخلاص، وبرز نمط من الفكر المتشائم المتشكك دعا إلى طرح المعايير الأخلاقية المطلقة جانباً في مجالات الأدب والفن ليتمخّض عن ذلك سلوك من الإباحية السّافرة التي كان لها أثرها العميق في جلّ السّلوك الإنساني، وعمّت العالم وظلّلته حالة من اليباس والجفاف الرّوحاني، وتم «تحييّد الطّبيعة»، على حد قول الأديب والنّاقد الإنجليزي ايفور أرمسترونغ ريتشاردز، فتحوّلت تلك الطّبيعة السّاحرة، التي ألهمت الشّعراء والفنانين عبر القرون والأعصار، إلى مُختبرٍ علمي مجرّدة من أيّ علاقة لها بالخيال والإلهام المبدع. فساد مذهب العقلانية العلمية وطغى على ما عداه. ووسّع الباحثون وعلماء الفلك نطاق العالم المادي الملموس، لكنّهم بذلك ضيّقوا العالم الرّوحاني. وتغلغل في الحياة وأجدبها عقم عصري، وهو عقم مستمد من فلسفة كارل ماركس وسيغموند فرويد، ضاعفه عدم الإشفاق والتّراحم الذي ولّدته نظريات تشارلز داروين. فكان ذلك بمثابة ليل الرّوح المظلم، وعمّ الشّعور بالأزمة المحقّقة التي لا مناص منها في كلّ مكان، وانتحب شعراء ذلك الزّمن العظام غاضبين نادبين الرّؤيا التي تبدّدت والغرض الذي ضلّ السّبيل وشعور الأخوّة والزّمالة الذي ضاع والإحساس بالذّات الذي فقد. وفي غمرة كلّ هذا وجد الإنسان المعاصر نفسه حائراً متردداً بين قدرة لا حدود لها لتقرير مصيره أوحتها الاكتشافات العلمية الهامّة الكبرى، وبين شعور بالضّعف واليأس أثارته فيه تجربته السّياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأصبحت كلّ هذه العوامل هي العصاب الذي أصاب العصر بالقلق والاضطراب العصبي وجعله «عصر القلق» الذي سمّي أيضاً «عصر التّنبؤ والرّؤيا التّقني، عصر المتفجرات».

في خضم هذا الجوّ المظلم الكئيب ولد مجتمع متفسخ حدّدت صفاته وخصائصه مشاكله المستعصية وقضاياه المزمنة، لقد كان مجتمعاً ظهرت فيه شتى التّعصبات الدّينية والعرقية والسّياسية والطّبقية، وبرزت فيه النّزعات الوطنية المتّسمة بالغطرسة والكراهية، وازدادت فيه مشاعر الأنانية وانعدام الثّقة والأمانة في المعاملات، وانتشر فيه الإرهاب والخروج على القانون، والإدمان على المخدّرات والمشروبات الرّوحية، كما ارتفع فيه مستوى الجرائم وتفاقم الاندفاع نحو إشباع الغرائز الدّنيوية والجشع المادّي إلى جانب تفكك روابط الأسرة، وانهيار الصّرح العائلي، وتفشّي الطّلاق، والاستهتار بقداسة العلاقة الزّوجية، ناهيك بالانحطاط الشّامل لمستويات الفنّ والموسيقى والآدب وفساد وسائل الإعلام – كانت هذه المواصفات والخصائص عالميةَ الطّابع شاملة تشكَّلَ وانطبع عليها المجتمع الذي ضلّ طريق الرّوح وانقطعت صلته بها فسقط ضحيّة طغيان النّظريات الفكرية الجديدة والمفاهيم والعقائد السّائدة في ذلك الزّمان.

وبحلول عقد الخمسينيات كان العهد الذي عرفناه بالقرن العشرين قد تطوّر وكوّن طبيعة شخصيته. وكلّ ما تبع بعد ذلك إنما أتى ليؤكد تلك الملامح البارزة ويرسّخها بعدما كانت قد تثبتت بالفعل في منتصف مسيرة القرن. وقد عرض جاكوب ايزاكس (1896 – 1973) في كتابه «تقييم أدب القرن العشرين» الصّادر في العام 1951 الملاحظات التّالية:

«يُعرف أيّ عهد من العهود ويستدّل عليه بالكلمات الدّالة التي يتم تداولها وتناقلها فيه سواء كانت تمثّل صورة مصغّرة تجسّد ذلك الزّمن أو علّة من نسج الخيال فقط. فالقرن السّابع عشر كان معنياً بـ«العقلانية» وعني القرن الثّامن عشر بـ«الطّبيعة» وهمّنا في القرن العشرين هو الورطة أو «المأزق الإنساني». وقد ظهر ما كان يشغل بالنا من مشاكل وهموم من مدى تكرار حديثنا عن الإحباط وخيبة الأمل والارتباك والحيرة وعدم الانسجام وسوء التّوافق والتّفكك والحدّة التي نناقش بها الوحشية ونعيها والعنف والسّادية (الانحراف الجنسي) والشّـعور العام المنتشر بالقلق والشّـعور بالذّنب والخطيئة والمهانة واليأس الكامنة في جذور المجتمع. أمّا الإيمان والأمل والمحبّة فأبداً.»[4]

كان هذا الهمّ المقلق تجاه «المأزق الإنساني» مدعاة وسبباً، إلى حدّ كبير، للعلّة النّفسية السّيكولوجية والرّوحية التي استفحلت وتبدّت في حالة من القلق والعصاب وشعور حادّ بعدم الأمن والطّمأنينة. فكان ذلك مرضاً جماعياً اعتلّ به العالم قاطبة والقرن كلّه. بيد أنّ تحليل المعضلة الثّقافية للإنسان المعاصر جاء سابقاً لها قبل أكثر من مئة عام على يد فريدريك شيلر (شاعر القرن الثّامن عشر الألماني) في رسائله «عن الثّقافة الجمالية للإنسان»، وقد لخّص لنا، كاتبا مقدّمة التّرجمة الإنجليزية لكتاب شيلر، علائم هذا «المأزق الانساني» على النّحو الآتي:

«… الشّرور النّاجمة عن التّخصص، سواء كان علماً أو مهارة، أو من إحدى وظائف النّفس على حساب غيرها; وانفصال ما كان متّحداً – من وعي وفكر، وإحساس وخُلق، وجسد وعقل; الانقسام بين فروع العلم والمعرفة المختلفة، وبين العلوم والفنون، وبين تطور الفرد وخير المجتمع، وبين أولئك المتعبين المرهقين بصراع البقاء لا يقدرون على التّفكير بأنفسهم وأولئك المفرطين في التّراخي والكسل لدرجة عدم استطاعتهم الإفادة الخلاّقة من فراغهم; وتصغير الإنسان واختزاله إلى مجرد سنّ في دولاب مجتمع مفرط التّطور; تجريد المواطن من إنسانيته في دولة يتمّ فيها تقييمه طبقاً لما يؤدّي من وظيفة بدلاً من تقديره كالكائن الذي هو، ويعامل كشيء مجرد قابل للتّصنيف والإدارة بموجب القوانين التي تبدو غير ذات صلة به كشخص.»[5]

إننا إذ نلج باب القرن الحادي والعشرين ونبدأ مسيرته بينما يعمل انتشار التّكنولوجيا الجديدة على ضمان استمرار انكماش العالم من حولنا، أصبح التّناقض الظّاهر الذي يستتبع ذلك أكثر حدّة ووضوحاً وإمضاضاً وإثارة للمشاعر. فرغم وجود وسائل الاتّصال المتقدّمة نجد الإنسان الحديث يشعر بالغربة والانعزال في عالم اليوم. فنحن نعيش في عالم تقوّض فيه وسائل الإعلام اللغة وتهدمها باستبدالها بهجمة لا تنقطع من الصّور والمناظر. وفي حين يفترض أنّ تلك الصّور مفهومة عالمياً وبشمول لأنّها تتجاوز حواجز اللغة فهي تحدّ في الواقع من إمكانية التّواصل الفعلي والفهم بقصر الاتّصال على تبادل لا تداول للكلام فيه.

لقد عرف بهاء الله حاجة الإنسانية الرّوحانية الأساسية الملحّة وحدّدها على أنّها ضرورة تحتّم وضع الأسس لمجتمع عالمي قادر على التّأمل يجسّد وحدانية الرّوح الإنسانية ويعزّزها. فهو يقول «إنّ نور الوحدة من القوّة بحيث ينير الأرض كلّها».

«وحدة الرّوح الإنسانية» هذه كانت محور تفكير عبّاس أفندي وجوهر رسالته إلى القرن العشرين، وبذلك اختلفت نظرته إلى هذا القرن المليء بالمتناقضات عن غيره بالكلّية. فبينما رأى الآخرون فيه تلك النّواحي السّلبية والمشاكل المستعصية التي كانت تقضّ مضجع الإنسانية فآل بهم الأمر إلى انعدام الآمال في الخلاص رغم تركيز اهتمامهم بها، فقد رأى عبّاس أفندي النّواحي الإيجابية فيه فأعلن إيمانه بالإنسان وقدرته على الخروج من محنته. لم تكن هذه النّظرة نظرة ساذجة بل كانت نظرة نابعة من رؤية شمولية روحانية الأساس، عالمية النّطاق، بإمكانها تسخير قدرات العصر وانجازاته لكي تخدم أسمى الأهداف الإنسانية وتتفادى المخاطر الهائلة التي تهدد العالم كلّه. وهكذا لم ينظر عبّاس أفندي إلى القرن العشرين على أنّه «قرن القلق» بل عدّه «قرن الأنوار» و«سيّد القرون» بفضل الإمكانيات الهائلة المتاحة أمامه لخلق عالم جديد:

«… إنّ هذا القرن سيّد القرون وإنّ هذا العصر مرآة جميع العصور، وصور جميع ما كان في القرون الأولى تتجلّى اليوم في هذه المرآة. وعلاوة على هذا فإنّ هذا القرن نفسه له كمالات خاصّة به فله اكتشافات عظيمة واختراعات بديعة ومؤسّسات عجيبة وعلوم غريبة ما زالت تتجلّى في نهاية الكمال، أيّ أنّ لهذا القرن فضائل القرون السّابقة، وله صناعات القرون السّابقة، والخصال الحميدة في القرون السّابقة، واكتشافات القرون السّابقة. ومع وجود هذه الفضيلة فيه فإنّ له اختراعاته الخاصّة به واكتشافاته الخاصّة به والتي لم تكن موجودة أبداً في القرون السّابقة، فمثلاً الفن المعماري كان موجوداً في القرون السّابقة ووصل في هذا القرن إلى درجة البلوغ ولكنّ هذه القوة الكهربائية المولّدة لم تكن وهذا البرق (التّلغراف) الذي به تتم المخابرة مع الشّرق والغرب خلال دقيقة واحدة لم يكن وهذا الحاكي لم يكن وهذا التّلفون لم يكن إنّ هذه كلّها من خصائص هذا القرن. ففي هذا القرن فضائل القرون القديمة وفضائل القرون الجديدة ولهذا فإنّ هذا القرن جامع للقرون وممتاز على جميعها وسيّد القرون وشمس جميع العصور. وبما أنّنا موجودون في هذا القرن فعلينا في سبيل الشّكر لهذه المواهب أن نقوم بأعمال تليق بهذا القرن. فمثلاً حينما يبلغ الإنسان سن البلوغ يجب أن يكون على أحوال وأطوار تليق بسنّ البلوغ وكذلك الأمر في عالم الامكان، فبما أنّه قد ترقّى إلى هذه الدّرجة التي أصبح فيها قرن الأنوار وقرن ظهور الأسرار وقرن فضائل العالم الإنساني وقرن يوم الله وقرن الملكوت الأبهى يجب علينا أن نسلك السّلوك الذي يليق بهذا القرن لأنّ العالم وصل إلى درجة البلوغ وإن لم يصل إلى درجة البلوغ فسوف يصلها عن قريب.

لاحظوا كم اتّسعت دائرة العقول والأفكار وكم زادت الاكتشافات الجديدة وكم من مؤسسات عظيمة ظهرت وكم من مخترعات بديعة تجلّت وإلى أيّ مدى انتشرت العلوم النّافعة. فمع وجود هذه المواهب الإلهية هل يليق بالبشر أن يكونوا غرقى في بحر المادّيات وأسرى عالم الطّبيعة؟ إن هذا القرن قرن تجلّت فيه قوى الإنسان المعنوية وظهرت كمالات الإنسان الرّوحانية وبهرت نورانية العالم الإنساني وتجلّت الفيوضات الإلهية غير المتناهية. وبما أنّ الكمالات الجسمانية قد بلغت أعلى درجة فكذلك الكمالات الرّوحانية ينبغي أن تصل إلى أعلى درجة لكي يتنوّر ظاهر الإنسان وباطنه وتتحقّق السّعادة الدّنيوية والملكوتية كلتاهما وتظهر الفضائل الطّبيعية والفضائل الإلهية كلّها.

وكما أنّ العقل البشري مرآة لحقائق الأشياء أعني أنّ في الإنسان قوّة تكشف الحقائق كذلك حقيقة الإنسان مرآة لأنوار الملكوت ولها استعداد لتتجلّى فيها الحقائق الملكوتية وتظهر فيها الأسرار الإلهية وتنطبع فيها صور الملأ الأعلى ولهذا فإذا ارتقى الجانبان – الجانب الجسماني والجانب الرّوحاني – فعند ذلك تظهر الحقيقة الإنسانية في منتهى الجمال والكمال.

إنّ الله له الحمد قد فتح لنا في هذا القرن كلّ باب وأنار لنا كلّ شمع وأحاط غيث رحمته الجميع وهبّ نسيم عنايته وهيّأ لنا من كلّ جهة وسائل الكمال فلا يجوز لنا أن نهدر كلّ هذه المواهب الإلهية ونهدر هذه الفيوضات الرّوحانية ونهدر هذه الأنوار اللاهوتية بل ينبغي لنا أن نسعى روحاً وقلباً حتى تظهر هذه المواهب الإلهية في الحقيقة الإنسانية بمنتهى درجة الكمال حتى تكون البشرية مرآة ملكوت الرّب الجليل ويصبح عالم النّاسوت مرآة الملكوت، وعند ذلك ينال البشر السّعادة الدّنيوية والسّعادة الأخروية والمواهب الإلهية والرّوحانية العظيمة والنّورانية الملكوتية.

إذاً فاجهدوا لكي تفوا حقّ الشّكر لهذه الألطاف وتتلقّوا نفثات الرّوح القدس وتنالوا هذه النّورانية وتشكروا هذا الفضل والموهبة وإذا بذلتم مثل هذه الهمّة فسيتعانق الشّرق والغرب وينهدم بناء العداوة والبغضاء انهداماً كلّياً وتنتشر المحبّة الملكوتية وتحصل الألفة الرّوحانية وتتجلّى وحدة العالم الإنساني ويتحقّق الصّلح الأكبر ويتعاشر البشر فيما بينهم بنهاية الألفة وتحصل السّعادة الأرضية والسّعادة الملكوتية كلتاهما وأرجو أن يفوز الكلّ بهذا المقام وهذه وصيّة منّي.»[6]

* * *

أمّا الشّرق فكان أسوأ حالاً بكثير من الغرب ذلك بأنّ نهضات الشّرق منذ القرون الوسطى زالت واختفت وتغيّرت أحوال العرب بعد أن كانوا سادة العالم المتحضر; فبعد أن كانت بغداد عاصمة العلم والتّقدم شرقاً، وقرطبة عاصمة الفكر والتّسامح الدّيني غرباً، غابت شمس بغداد وشمس قرطبة عن العالم، واختفت روحانية الشّرق التي كانت درعاً يقي شعوب الشّرق غوائل الزّمان. رأينا كيف وصلت الإنسانية في الغرب إلى ذلك المنعطف في الصّراع بين العلم والدّين فأصابها بحالة من الشّلل، وكان إصغاءَها لتلك الأصوات الغاوية التي أضلّتها متمثلة في الفلسفة المادّية التي طغت عليها. أمّا في الشّرق فقد قام صراع من نوع آخر، صراع بين الدّين بجوهره وبين المفاهيم الخاطئة التي تُرَوَّجُ باسمه. فقام نفر من علماء الدّين، متشبثين بآرائهم الخاصّة المتزمّتة متمسّكين بها تمسّكاً أعمى خدمة لمآربهم الشّخصية، وزرعوا في عقول النّاس تفسيراتٍ خاطئة ومفاهيم لا تتّفق وجوهر أقوال أنبياء الله ورسله، ولذلك قامت الحواجز الزّائفة التي فصلت بين الإيمان والعقل، وبين العلم والدّين[7] وفي مثل هذه الأحوال تتبدّى أعراض المرض واضحة المعالم وتتلخص في:

«انحراف الطّبيعة الإنسانية، وانحطاط السّلوك الإنساني، وفساد النُّظُم الإنسانية وانهيارها، تظهر كلّها في مثل هذه الظّروف على أبشع صورة وأكثرها مَدْعَاةً للاشمئزاز. ففي مثل هذه الأحوال ينحطّ الخُلُق الإنساني، وتتزعزع الثّقة، ويتراخى الانتظام، ويَخْرِس الضّمير، ويغيب الخجل والحياء، وتندثر الحشمة والأدب، وتعوجّ مفاهيم الواجب والتّكاتف والوفاء والإخلاص، وتخمد تدريجيّاً مشاعر الأمل والرّجاء، والفرح والسّرور، والأمن والسّلام.»[8]

سقط الشّرق في هوة الجهل والتّخلّف وبسط العثمانيون سيطرتهم على مصر والبلاد العربية مدة ثلاثة قرون:

«ظلت مصر وبلاد العروبة ثلاثة قرون تحت حكم الأتراك، وهي في ظلام دامس، وجهل فاضح، تعاني مرارة الظّلم، وقسوة البغي.

قلِّبْ ما شئت من أسفار التّاريخ فلن ترى إلاّ صفحات سوداء قاتمة، تنبعث منها روائح الاستبداد والبطش، وستسمع صراخ المظلومين يصمّ الآذان، وتلمح دماء الفلاحين في كلّ صقع تسيل تحت سياط الجباة، وتتمثل لك بلاد العروبة تخنقها يد غاشمة أصابعها: الفقر، والمرض، والجهل، والذّلة، والانحلال.»[9]

ووصف بطرس البستاني ذلك العصر، عصر «المأزق الإنساني» الذي وجد الشّرقيون والعرب أنفسهم فيه بقوله إنّه «عصر يصبغه الهول والذّعر والفساد من جميع نواحيه»[10]، ووجد العرب أنفسهم في أسوأ عصر عرفوه في تاريخهم الطّويل إذ استُعبدت فيه «الأفكار، وحُطّمت الأقلام، وخنقت حرية الفرد والجماعة، فذلّ العرب، وتفرّقت كلمتهم. وكان هذا العصر أسوأ العصور عليهم.»[11] وعلق الرّحالة الفرنسي قسطنطين دي فولتي (1792 – 1820) على زيارته إلى مصر وبلاد الشّرق العربي وتركيا في نهاية القرن الثّامن عشر قائلاً: «الجهل عامّ في هذه البلاد، وفي كلّ بلدٍ تابع لتركيا، وقد عمّ كلّ الطّبقات ويتجلّى في كلّ العوالم الأدبية، وفي الفنون الجميلة، حتى الصّناعات اليدوية تراها في حالة بدائية.»[12]

ولعل السّؤال الذي تبادر إلى الأذهان آنذاك كان: كيف الخروج من هذا المأزق؟ لقد تضافرت قوى مختلفة لتساعد عالم الشّرق وخاصة مصر والعالم العربي للنهوض من هذه الكبوة الكبرى وقيام عصر الانبعاث والنّهضة في القرن التّاسع عشر، وها هي مصر عاصمة العالم العربي والإسلامي تصبح رائدة عصر التّقدّم والانفتاح على العالم. أمّا العوامل التي ساهمت في التّمهيد لقيام عصر الانبعاث والنّهضة والتي أيقظت العرب من سباتهم العميق فتتلخّص فيما يلي:

أولاً: غزو نابليون بونابرت في العام 1798 مصر، ولم تكن حملته عسكرية الأهداف بل تعدّت ذلك لتصبح حملة «ثقافية» حملت معها مبادئ الحرية والأخوّة والمساواة وشجعت عوالم العلم والأدب والفن وربطتها بالحياة والمجتمع.

ثانياً: زعزع نابليون، بتحديه الإمبراطورية العثمانية في مصر، الحالة التي كانت تحيط بسطوة العثمانيين وسلطانهم ممّا شجّع حركات الاستقلال الذّاتي التي قام بها الولاة والحكّام والتي أدّت إلى استقلال البلدان الواقعة تحت السّيطرة العثمانية وقيام الحركات الوطنية التي استمرت في المناداة بالاستقلال وخاصّة في مصر التي أصبحت من دون منازع قطب العالم العربي وعاصمته الأولى.

ثالثاً: اهتمام الأمراء والحكّام بالعلم وإرسال البعثات إلى الجامعات الأوروبية للاستفادة مّما حقّقه الأوروبيون من تقدّم وازدهار.

رابعاً: وصول الإرساليات الدّينية الأجنبية وخاصة الفرنسية والبريطانية، وبصورة أقل الإيطالية والألمانية، وقيامها بنشر التّعليم وفتح المدارس في مصر وخاصّة في لبنان.

خامساً: قيام فئة من العلماء بدراسة الشّرق بلغاته وحضاراته ودياناته، وإهتمامهم بصورة خاصّة بكلّ ما يتّصل بالعالم العربي والدّين الإسلامي. وشجّع المستشرقون دراسة اللغة العربية وآدابها وانشأوا الجمعيات والمؤسّسات المختلفة التي تُعنى بعلم الاستشراق.

تحوّل الجوّ الخانق الذي خلقته حالة الجمود تلك فهبّت نسمات الحضارة الغربية لتتنفّسها شعوب الشّرق الأوسط وتستيقظ من سباتها العميق. وكان لاستيلاء محمّد علي الكبير على الحكم في مصر والقضاء نهائياً على حكم المماليك بداية رسم معالم الدّولة الحديثة، ورغم النّفوذ الفرنسي وما تبعه من النّفوذ البريطاني بقيت مصر في ضمير المصريين وطناً واحداً يجمع كلّ مصري بغضّ النّظر عن انتماءاته الدّينية أو العرقية أو الجنسية.

وازداد الوعي بالحرّيات السّياسية والدّينية وبالعدالة الاجتماعية واحترام حقوق النّاس لدى جميع الطّبقات في المجتمع المصري، وكان من أبرز الذين حرّكوا هذا الوعي وحثّ على إيجاد حلول صارمة للقضاء على الظّلم والفساد عبد الرّحمن الكواكبي (1849 – 1904)، وسبقه إلى ذلك الشّيخ رفاعة الطّهطاوي (1801 – 1873) الذي درس في فرنسا وكتب كتابه المشهور «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، الذي نشر فيه رأيه في كيفية استخدام الثّقافة والعلوم الأوروبية في سبيل الإصلاح شريطة أن لا تُمتهن بذلك القيم الإسلامية ومبادئها الأخلاقية. وكان الطّهطاوي قد أرسله محمّد علي الكبير في بعثة حكومية إلى باريس في العام 1826 ليدرس العلوم الأوروبية ومناهج التّربية والتّعليم رغم أنّ إرساله إلى باريس كان القصد منه أن يكون إماماً للطلاب المصريين الملتحقين بأكاديمية باريس العسكرية. رأى الطّهطاوي أنّ مصر والعالم الإسلامي بإمكانهما الاستفادة من الحضارة الأوروبية وإنجازاتها العلمية والتّقنية، ولكنّه اعتقد أيضاً بأنّ كلّ ما يؤخذ عن الغرب يجب أن يلائم الثّقافة الإسلامية. وكان هذا المثال من التّفكير الحديث، المنفتح والواثق ممّا يمتلك من القيم والأخلاق، هو الذي حقق للنّهضة نجاحها آنذاك. وتسبب هذا التّفكير المنفتح التّركيز على المهم «فيما بقي من آثار الحضارة الأوروبية على بلادنا وشعوبنا… ويتلخّص في انتباه الشّرقيين إلى فهم الدّين وفهم الوطنية وفهم العلاقة بين الفرد وبين الله والعلاقة بين الفرد والدّولة فهماً يتحدّى أساطير الجمود ومخلّفات الجهالة في عصور الضّعف والاضمحلال.»[13]

وازداد الأثر الأوروبي في الفكر العربي وخاصة لدى المهاجرين العرب إلى العالم الجديد، حيث نعموا بمناخ من الحرّيات السّياسية والدّينية لم يعرفوه في ديارهم. وتأسّست حركة ثقافية أدبية فكرية في أمريكا عرفت باسم المدرسة المهجرية، وأصبحت من أهم العوامل التي ساعدت على قيام النّهضة. وكتب أقطاب هذه المدرسة بالعربية والإنجليزية، ووجد نفر قليل العدد في باريس فكتب بالعربية والفرنسية. فطور هؤلاء قواعد النّقد في الأدب العربي وانتهجوا أساليب جديدة في الشّـعر المنثور (أو الشّعر الحر)، وطوروا أساليب النّثر واستحدثوا فن المقالة، وكان أبرز هؤلاء أمين الرّيحاني (1876 – 1940) وجبران خليل جبران (1883 – 1931) وميخائيل نعيمة (1889 – 1988).

وازدهرت حركة النّهضة أول ما ازدهرت في مصر فظهر فيها أمير الشّعراء أحمد شوقي (1868 – 1932) الذي كتب الشّعر والمسرحية، وشاعر النّيل حافظ إبرهيم (1872 – 1932)، وخليل مطران (1872 – 1949)، وظهر إلى جانب الشّـعراء والكتّاب، من مؤلفي الرّواية والمسرحية والمقالات، والنّقاد وعلى رأسهم طه حسين (1889 – 1973)، وجرجي زيدان (1861 – 1941)، انبعثت فكرة القومية المصرية في نهاية القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين ومهّد ذلك السّبيل للمناداة بفكرة القومية العربية فيما بعد.

وبدت مظاهر النّهضة واضحة المعالم في فجر القرن العشرين، وتلخّصت التّيارات الرّئيسة فيها بما يلي:

أولاً: تيّار نادى بالحرّية والمساواة في المواطنة، ودعا إلى الإصلاح في كلّ المجالات الاجتماعية والسّياسية والاقتصادية والتّربوية.

ثانياً: تيّار ديني انقسم إلى قسمين، قسم رفض كلّ أنواع التّجديد وأعلن تمسّكه المتزمّت بما لديه من تقاليد موروثة، وقسم نادى بالتّجديد والتّمسّك بالقيم الإسلامية، وكان جمال الدّين الأفغاني (1839 – 1897) من المنادين بالإصلاح الدّيني ولكنّ غرضه الرّئيس كان سياسياً فدعا إلى توحيد كلمة المسلمين وجمع شتاتهم في ظلّ دولة واحدة. كان جلّ همّ جمال الدّين الأفغاني أن يُستبدَل الحكّام في العالم الإسلامي ولكنّه لم يتطرق أبداً إلى الدّعوة إلى إنشاء الحكومة الدّستورية أو الدّفاع عن حقوق المواطن. ورغم دعوته إلى الإصلاح والتّجديد فإنّ اهتمامه انصبّ على إذكاء العداوة بين الشّرق والغرب، ولعلّ ما كان يقلق أهل العصر آنذاك دعم جمال الدّين الأفغاني للخلافة العثمانية رغم تفشّي الفساد والظّلم والاستبداد في ربوع الإمبراطورية العثمانية، ولعلّ أعظم أثر تركه جمال الدّين الأفغاني تمثّل في إحياء الوعي بضرورة التّجديد والإصلاح، وكان أبرز تلاميذه حين جاء مصر في العام 1871 الشّيخ الإمام محمّد عبده الذي صاحب الأفغاني مدّة من الزّمن وأخذ عنه الفلسفة والمنطق، ولكنّه استقلّ عنه واختط لنفسه طريقة في الإصلاح الدّيني تنسب إليه وتُعرف باسمه. ثم إنّ ما قيل من أنّ الأفغاني ومحمّد عبده عملا مبدئياً معاً من أجل تطهير الإسلام من الشّوائب والبدع وإستعادة صفائه الأصلي، فقد اختلف محمّد عبده عن الأفغاني وعلماء زمانه البارزين وراح يصبّ اهتمامه في مفاهيم الحرّية وحقوق الإنسان. واتّسعت الشّقّة بين الأفغاني ومحمّد عبده إلى الحدّ الذي لم يتمكّن محمّد عبده من رثاء أستاذه في الصّحف عندما مات الأفغاني في 9 آذار (مارس) من العام 1897 واكتفى بالحزن عليه وقال: إن «والدي أعطاني حياة يشاركني فيها «علي» و«محروس». والسّيد جمال الدّين أعطاني حياة أشارك بها محمّداً وإبرهيم وموسى وعيسى، والأولياء والقدّيسين ما رثيته بالشّعر لأنّي لست بشاعر، ما رثيته بالنّثر لأنّي لست الآن بناثر، رثيته بالوجدان والشّعور، لأنّني إنسان أشعر وأفكّر.»[14] ولم يكن الخلاف بين الأفغاني والإمام منحصراً في ماهيّة الإصلاحات ونوعيّتها فقط بل كان سببه أيضاً اختلافاً في الأسلوب. فالإمام رقيق الجانب لطيف المعشر على عكس السّيّد جمال الدّين الذي كان حادّ اللهجة قاسياً في كلامه، وانقطعت المراسلات بينهما بعد أن عنّف الأفغاني الإمامَ أكثر من مرّة.

كانت خطّة الشّيخ محمّد عبده الإصلاحية الدّينية اجتماعيةً قصد بها التّوفيق بين الدّين والعلم، أو بمعنى أدق بين الإسـلام والعلوم الحديثة، في ما يتّصل بالتّفسير والفتاوى وغيرها. وتميّزت أفكاره هذه بأنّها دعت إلى التّسامح وأنّ الدّين لله والوطن للجميع[15]. أمّا الآثار التي تركتها آراء عبّاس أفندي في مثل هذه الأمور فكانت عميقة وجذرية، ورغم المحاولات الجهيدة التي بذلها البعض في الإقلال من هذا الأثر الفكري والرّوحي الذي كان لعبّاس أفندي في نفس الإمام محمّد عبده، فإنّ الباحث المدقّق لا بدّ وأن يكتشف أنّ ما اقترحه الإمام من إصلاحات كان إلى حدّ كبير متأثّراً فيها بما كان يدعو إليه عبّاس أفندي.

وجاء من بعد الإمام محمّد عبده طائفةٌ من الذين تأثّروا بآرائه فقاموا على تنفيذها والأخذ عنه، وهم الزّعيم الوطني سعد زغلول، والشّاعر حافظ إبراهيم والكاتب مصطفى صادق الرّافعي وغيرهم في مصر كما تأثّر بتعاليمه إبراهيم اليازجي في لبنان وأحمد المحمصاني بسوريا والعديد ممن جاهدوا في سبيل الإصلاح في أوطانهم وكانوا من رواد النّهضة في تلك الأمصار. كان الشّيخ محمّد عبده صادقاً في دعوته للإصلاح والتّجديد ولكنّ الحواجز المنيعة من «التّقليد» و«الانقياد» قيّدته فوقف في وجهه أهل الجمود من «طلاب علوم الدّين ومَنْ على شاكلتهم… وقد أضفوا «قداسة» «الدّين» على «فكر» العصور المظلمة، فمنعوا التّفكير في التّجديد»[16]، ولكنّه أفلح في التّأثير على مجريات العصر فخذ مثلاً موقفه من المرأة إذ يقول: «الرّجل والمرأة متماثلان في الحقوق والأعمال والذّات والشّعور والعقل… أمّا الرّجال الذين يحاولون بظلم النّساء أن يكونوا سادة في بيوتهم فإنهم إنّما يلدون عبيداً لغيرهم…»[17] وقد شجّع الشّيخ محمّد عبده قاسم أمين (1863 – 1908) في دعوته لإصلاح وضع المرأة، وحين نشر هذا الأخير كتابه «تحرير المرأة» في العام 1899 كان بدعم من الشّيخ محمّد عبده وسعد زغلول وأحمد لطفي السّيّد، فنتج عن كلّ هذه النّشاطات والأفكار ولادة الحركة النّسائية في مصر بقيادة هدى شعراوي.

حققت حركة الانبعاث والنّهضة العديد من الإنجازات والإصلاحات التّاريخية التي طوّرت سبل الحياة والتّفكير وتمّ فعلاً التّجديد في أكثر من ميدان، فعبّر شعراء عصر النّهضة عن هذا الشّعور تعبيراً مليئاً بالأمل في خلق مجتمع متجدّد تسوده الأخوّة الحقّة، فها هو شوقي الشّاعر المسلم الملتزم يصرّح قائلاً:

الدّينُ لله، من شاء الإله هَدى لكلّ نفسٍ هوىَ في الدّين داعيها
ما كان مختلف الأديان داعيةً إلى اختلاف البرايا أو تعاديها
الكتبُ والرُّسلُ والأديان قاطبةً خزائن الحكمة الكبرى لواعيها
محبةُ الله أصلٌ في مراشدها وخشية الله أسٌ في مبانيها
وكلُّ خيرٍ يلقّى في أوامرها وكل شرٍّ يوقّى في نواهيها
تسامح النّفس معنى من مروءتها بل المروءة في أسمى معانيها[18]

ويسأل نقولا الحداد:

فما بال أديان العباد تعدّدت وفرّقهم بالبطل مختلف الكتب؟
أمات ملاك الحبّ إبليس حقدهم يدفعهم من ويل حرب إلى حرب؟[19]

ونجد الجواب عند عبّاس محمود العقاد إذ يؤكّد أنّ جوهر الأديان واحد فلماذا هذا التّنافر والصّراع:

تعددت الأرباب والدّين واحد فآمِنْ به طراً أو أكفُرْ به طراً
لقد عاش فيها آل عيسى وأحمد فهل كرهوا الإيمان أو كرهوا الكفرا؟[20]

ولكن رغم روح التّسامح هذه التي نادى بها شعراء عصر النّهضة بقيت مسألة الإصلاح الدّيني خجولة تتعثّر، وكان أهمّ ما يتطلّبه الموقف هو الرّجوع إلى التّراث والنّظر إليه بعين فاحصة لتتّضح الزّوائد التي أُدخلت عليه خدمة لغايات لا تنتمي إلى جوهر الدّين أو روحه. وقد بيّن الأستاذ هاشم صالح، في كتابه بعنوان «الانسداد التّاريخي: لماذا فشل مشروع التّنوير في العالم العربي»، تلك العوامل العديدة التي منعتنا من أن نحقق لأنفسنا ما حقّقه العالم الأوروبي من تقدّم وازدهار وكيف تمكّن الأوروبيون من التّغلب على الفهم الأصولي للدّين. فكان القرن الثّامن عشر وحده القرن الذي «تجرأ على إحداث القطيعة العلنية الصّريحة مع الرّؤية التّقليدية للعالم وإحلال الرّؤية العلمية أو الفلسفية محلها… لأنّ العقل استطاع أن يشكّل حضارة متماسكة حلّ فيها العالم والفيلسوف محل الكاهن أو المطران…»[21] وأكّد الأستاذ هاشم صالح أنّ مسألة التّراث كانت ولا تزال أخطر المسائل التي كانت تواجهنا في الماضي والحاضر:

«فمسألة التّراث الدّيني خطرة، بل أكثر من خطرة. ولعل تجربة أوروبا مع أصوليتها المتزمّتة تشهد على ذلك. إذ أقول هذا الكلام لا يعني أنّي أعذر المثقّفين العرب لأنّهم ركبوا الموجة الأصولية العارمة وتخلّوا عن مواقعهم التّقدّمية السّابقة وتنكّروا لعصر النّهضة. ولكنّي فقط أريد أن أفهم سبب هذه الظّاهرة المدهشة، إن لم تكن المقلقة. فأنا أتّفق مع جورج طرابيشي على الخاتمة القيمة والرّائعة التي أنهى بها الجزء الأوّل من كتابه تحت عنوان: من التّغريب إلى التّحديث. فقد وضَّح في خمس نقاط مهمة المشروع العام الذي ينبغي أن تتبناه الثّقافة العربية لكي تخرج من مرحلة القصور العقلي الطّفولي وتصل إلى مرحلة البلوغ وسنّ الرّشد كما يقول كانط في تعريفه للتنوير. ثم لكي تكفّ عن استخدام التّراث كأداة فعّالة وفتّاكة لمحاربة الحداثة والحضارة.»[22]

* * *

فإذا كان عصر عبّاس أفندي هو العصر الذي كانت الحاجة فيه على أشدّها للمصالحة بين الإيمان والعقل والفكر الدّيني والفكر العلمي وبين العلوم الفقهية اللاّهوتية والعلوم الفلسفية، وإذا كان السّؤال الملح آنذاك – وهو نفس السّؤال الذي يسأله عالمنا العربي المعاصر – «كيف» ننهض بدل أن نسأل «أين، ماذا ولماذا؟» وما هي آليات تحقيق هذه النّهضة، ثم كيف المحافظة على دور الدّين في المجتمع وعدم زجّه في مهام الدّولة وسلطاتها وتسخيره في العمل السّياسي، وضرورة الالتزام برفض كلّ أنواع العنف والانقسامات الطّائفية والحزبية وكيف يمكن أن تتكافأ صوابية الأهداف مع سلامة آليات التّنفيذ. فلو جاز لنا أن نقول بأنّ العالم العربي عليه أن يسعى لخلق تلك المعادلة شبه المستحيلة التي حققتها أوروبا «ألا وهي السّماح للمؤمنين التّقليديين والمؤمنين العقلانيين واللاأدريين والملاحدة بأن يتعايشوا في نفس المجتمع جنباً إلى جنب من دون أن يعتدي أحد على أحد.»[23]

ففي النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر قام عبّاس أفندي، بأمر صادر من أبيه بهاء الله، بوضع رسالة يوضّح فيها الوسائل التي يمكن لشعوب الشّرق من خلالها أن تنهض من كبوتها وتخرج من ظلام التّخلف والانحطاط الحضاري لتتبوّأ مكانها اللائق بها بين شعوب العالم والخروج من هذا «الانسداد التّاريخي».

عُرفت تلك الرّسالة طبقاً لمحتواها، باسم «الرّسالة المدنية»، وهي تعالج موضوعاً من أهم الموضوعات شأناً في عصرنا الرّاهن ألا وهو موضوع الحضارة الإنسانية، أُسسها وأُصولها، قواعدها وحقيقة كيانها وجوهر نظامها، بأسلوب شائق ونهج جذّاب، ينسجم فيه منطق العلم مع منطق الرّوح والإيمان بالله، فتأتي «الرّسالة المدنية» وثيقة تاريخية هامّة تزيل كثيراً من الغموض الذي يحيط بشؤوننا الإنسانية، وتشير بكلّ وضوح إلى ما يعتري عالم اليوم من مشاكل خطيرة يمكن التّغلّب عليها إن خَلُصت النّوايا وتطهّرت النّفوس من أدران المادّية البحتة والانحراف عن جادّة الحقيقة.

ترسم «الرّسالة المدنية» لنا معالم الحضارة الحقيقية التي وضع أصولها وبيّن هيكلها العام بهاء الله، مؤسّس الدّين البهائي، الذي نادى بوحدة العالم الإنساني وبأنّ الأديان كلّها دين واحد مصدرها واحد، وهدفها واحد، وبأنّ الأقوام جميعاً أوراق شجرة واحدة، وقطرات بحر واحد.

أتمّ عبّاس أفندي هذه الرّسالة في العام 1875 وهو لا زال في سجن قلعة عكّاء في صحبة والده الجليل بهاء الله. الرّسالة موجهة إلى أبناء وطنه من الإيرانيين وإلى حكّامهم، ويؤكّد في رسالته عظمة الأديان السّماوية ودورها الفعّال المؤثّر في تطوّر المجتمع وخدمة العالم الإنساني، وفي هداية أممه عبر الأجيال والقرون، ويبيّن أيضاً قوّة الكلمة الإلهية ونفوذ أثرها في إرشاد البشر إلى سواء السّبيل وفي معالجة الأمراض الاجتماعية في كلّ دور وعصر. ويدحض في رسالته هذه فيما يدحض مزاعم أعداء الإسلام وحركاتهم المشبوهة في التّقليل من قدره وتزييف أهدافه السّامية وتعاليمه السّماوية، فيصبح عبد البهاء أنبل مدافع عن حقيقة الدّين الحنيف في العصر الحديث، فيبرهن بالحجّة المقنعة أنّ الإسلام الصّحيح ما جاء إلاّ لتربية البشر ورفع مستوى الإنسان ونشر روح الخير والتّسامح والسّلام في العالم.

ثم يذكر عبد البهاء في رسالته عِظم الرّسالة المحمّدية وينعتها «بسراج النّبوة الكبرى الوهّاج في زجاجة البطحاء» ويؤكّد بأنّ المجتمع الجاهلي تحوّل «بفضل تربية هذا المربّي العظيم» إلى أمّة نشرت العلم والحضارة في العالم، ونجح العرب بفضل ذلك «المربّي الحقيقي» وهو الرّسول الكريم في:

«… أن يفتحوا ممالك مصر والسّريان والشّام والكلدان والعراق وإيران، ويديروا وحدهم جميع أمور أقاليم العالم الأربعة، وخلاصة القول إنّ العرب فاقوا كلّ الأمم والأقوام في جميع العلوم والفنون والمعارف والحكمة والسّياسة والأخلاق والصّنائع والمخترعات… والواقع إنّ بلوغ [القبائل العربية] إلى أقصى درجات الكمال البشري في مدة قصيرة لأعظم برهان على صحة نبوّة سيّد الكائنات. وكانت جميع طوائف أوروبا تكتسب الفضائل ومبادئ المدنية من المسلمين القاطنين في ممالك الأندلس في عصور الإسلام الأولى. ولو أُمعن النّظر في الكتب التّاريخية لاتّضح أنّ أكبر جانب من تمدّن أوروبا مقتبس من الإسلام، حيث قام علماؤها بجمع كافّة كتب حكماء المسلمين وعلمائهم وفضلائهم شيئاً فشيئاً، وأخذوا يطالعونها في المعاهد والجامعات العلمية ويناقشونها بكمال الدّقّة مطبّقين ما كان مفيداً منها. وإنّنا نرى أنّ نسخاً عديدة من كتب علماء المسلمين المفقودة الآن من الممالك الإسلامية موجودة في مكتبات أوروبا، وأنّ أكثر القوانين السّارية والأصول المعمول بها في كلّ ممالك أوروبا وربّما جميع مسائلها فمقتبسة من الكتب الفقهية الإسلامية وفتاوى علمائها ولولا الخوف من الإطالة لحرّرت المسائل المقتبسة مسألة مسألة.»[24]

كان موضوع ما أسهم به العرب والمسلمون في الحضارة الإنسانية، التي ازدهرت في العالم الغربي، من المواضيع الرّئيسة التي كررها عبّاس أفندي في محاضراته العامة في أوروبا وأمريكا. وكان الغرض من التّأكيد على هذا الموضوع في رسالة يوجهها إلى عالم الشّرق الإسلامي هو تذكير المعارضين للاستفادة من خبرات الغرب أنّ أساس المدنية الغربية إلى حدّ كبير هي المدنية التي جاء بها الإسلام، والحضارة «أخذ» و«عطاء». وقد صرح الأستاذ عبّاس محمود العقاد في العام 1946 بما يدعم هذا الرّأي:

«… إنّ الأمم الشّرقية والغربية جميعها دائنة ومدينة في تراث الحضارة الإنسانية، وإنّه ما من أمّة لها تاريخ مجيد إلاّ وقد أعطت كما أخذت من ذلك… والأمم تستفيد في باب الحضارة على الرّغم منها وعلى الرّغم عمّن يفيدها…»[25]

كان عبّاس أفندي حريصاً على أن يفهم الإيرانيون والشّرقيون وخاصّة العالم الإسلامي بأنّ هناك حضارة واحدة هي الحضارة الإنسانية وأنّنا كلنا، بغضّ النّظر عن أدياننا وأوطاننا وثقافاتنا، شركاء في هذه الحضارة الواحدة. وهذا ما وصل إليه اليوم أحد أبرز المفكرين العرب المتعاطين مع قضايا التّنمية والعولمة والحداثة إذ يقول:

«إنّ العالم يتّجه اليوم أكثر فأكثر إلى أن يكون موحّد الحضارة، متعدّد الثّقافات. فبالأمس كانت هناك حضارات، وفي جملتها أو حتى في مقدمتها، الحضارة العربية الإسلامية. أمّا اليوم فلم يعد ثمة وجود الإّ لحضارة واحدة الحضارة العالمية، على أنّ صفة التّعدّد ما عاد يمكن إطلاقها إلاّ على الثّقافات التي هي بالضّرورة قومية.»[26]

وتسترسل الرّسالة المدنية في إنارة السّبيل أمام الإيرانيين حكومةً وشعباً، فتدلّهم على مناهج خلاصهم من دوامة الجهل والفساد والتّعصب التي سلبتهم الحضارة الغنية التي كانت من نصيبهم وسمحت لهم بأن يكونوا سادة الخير في العالم، فيدعوهم إلى إقامة السّلم العامّ الدّائم بين الشّعوب والقبائل والأمم مستوحياً ذلك من آثار والده بهاء الله في «سورة الملوك» وفي الألواح الخاصّة الموجّهة إلى الرّؤساء والملوك وقادة الدّين في العالم، ويؤكّد مرّة أخرى ما أكّده بهاء الله من قبله أنّ التّسلّح والتّسابق في تطويره، يقوّض أسس السّلام في العالم وليس كما يزعم السّياسيون بأنّ التّسلّح يكون رادعاً لوقوع الحروب بين دول العالم. وأخيراً تتطرّق الرّسالة إلى ما يجب على العلماء أن يتحلّوا به من صفات ومزايا على ما جاء في القرآن الكريم والأحاديث النّبوية الشّريفة. فالعلماء الذين يصفهم عبّاس أفندي بأنهم «سرج الهداية بين ملأ العالم» على كلٍّ منهم أن يكون ذلك العالم الرّبّاني الذي عليه أن يكون حائزاً على الكمالات المعنوية والظّاهرية، «كما ينبغي له أن يتحلّى بحسن الأخلاق ونورانية الفطرة وصدق النّيّة والفطنة والذّكاء والفراسة والنّهى والعقل والحجى والزّهد والتّقوى الحقيقية وخشية الله القلبية…»[27]

ورغم تجاهل بني وطنه لهذه الرّسالة الرّائعة ومعالجتها للمشاكل الاجتماعية والسّياسية والثّقافية والدّينية، فإنّ فحوى الرّسالة وجوهرها لا يقتصر على حضارة إيران فحسب بل يتعدّاها ليصبح معالجة شاملة لمشاكل الحضارة الإنسانية المعاصرة، التي تمرّ اليوم بأخطر مراحل تاريخها ويثقلها تشابك المصالح والنّزاعات والصّراعات والتّعصبات، وترزح تحت عبء موجات العنف والتّدمير والظّلم والتّفرقة العنصرية والعرقية والمادّية والطّائفية، فيردّد عبد البهاء الانذارات التي سبق وأن جاءت في كافّة الكتب السّماوية للأديان المختلفة، داعياً أهل الأرض إلى العودة إلى حظيرة الإيمان بالله، وإلى تنفيذ مشيئته السّامية في توحيد النّاس وجمع شمل الأمم ورفع راية السّلام والأمن والعدل والمحبّة.

فحضرة عبد البهاء في كتابه «الرّسالة المدنية» يضع أمام العالم دراسة مستفيضة للحضارة الإنسانية وللعوامل التي تهدّدها بالزّوال والأخرى التي تحييها وتغنيها. إنّها تحليل دقيق لمولد الحضارة وموتها ثم بعثها من جديد. فهي رسالة تهم كلّ الدّارسين للمجتمعات الإنسانية وتذهب بعيداً إلى سدّ فراغ هائل في المجالات التي تقع بين التّقنية السّياسية الحديثة والعلوم الاقتصادية من جهة، والهدف الإلهي الذي من أجله خُلق الإنسان من جهة أخرى، وهو نشر الخير والتّقوى والصّلاح في كلّ مجالات الحياة ليستقرّ العالم ويصبح واحة للأمن والعدل والسّلام. ففي الصّفحات النّيّرة التي تحملها هذه الرّسالة يبدع عبد البهاء في ترجمة الحقائق الرّوحانية السّامية إلى ثوابت اجتماعية وسياسية عامّة تشكّل أساساً متيناً لكلّ بناء حضاري يستحقّ أن يدوم، فمفتاح الحضارة الإنسانية وطنية كانت أم عالمية هو «السّلام الأعظم» وضمان هذا السّلام هو في «اتحاد أمم العالم وشعوبه».

بكلماته التّالية يؤكد لنا عبد البهاء إذاً بأنّ هدف المدنية الحقيقي هو «السّلام الأعظم» وهو القَدَر الذي يسعى الجنس البشري إلى تحقيقه وآن له أن يتحقّق الآن:

«نعم إنّ التّمدّن الحقيقي لينشر أعلامه في قطب العالم عندما يتقدّم ذوو الهمّة العالية من أعاظم الملوك الذين هم مشرقون كالشّمس في عالم الغيرة والحمية، ويعملون بالعزم الأكيد والرّأي السّديد على خير البشر وسعادته، فيطرحون مسألة السّلام العامّ في مجال المشورة، ويتشبثون بجميع الوسائل والوسائط ويعقدون مؤتمراً عالمياً، ويبرمون معاهدة قويّة، ويؤسّسون ميثاقاً بشروط محكمة ثابتة فيعلنونها، ثم يؤكّدونها بالاتّفاق مع الهيئة البشرية بأسرها، فيعتبر كلّ سكان الأرض هذا الأمر الأتمّ الأقوم الذي هو في الحقيقة سبب اطمئنان الخليقة أمراً مقدّساً، ويهتم جميع قوى العالم لثبات هذا العهد الأعظم وبقائه، ثم تعيّن حدود كلّ دولة وتحدّد ثغورها في هذه المعاهدة العامّة، ويعلن بوضوح عن مسلك كلّ حكومة ونهجها، وتتقرّر جميع المعاهدات والاتفاقات الدّولية وتتحددّ الرّوابط والضّوابط بين هيئة الحكومة البشرية. وكذلك يجب أن تكون الطّاقة الحربية لكلّ حكومة معلومة ومحدّدة، ذلك لأنّه إذا ازدادت الاستعدادات الحربية والقوى العسكرية لدى إحدى الدّول، كان ذلك سبباً لتخوّف الدّول الأخرى. وقصارى القول يجب أن يبنى هذا العهد القويم على أساس أنّه إذا أخلّت دولة ما بشرط من الشّروط من بعد إبرامه قام كلّ دول العالم على اضمحلالها، بل هبّت الهيئة البشرية جميعاً لتدميرها بكلّ قوّتها.

فإن فاز جسم العالم المريض بهذا الدّواء الأعظم لاكتسب بلا ريب الاعتدال الكامل ونال شفاءً دائماً. فلاحظوا أنّه لو تيسّرت هذه النّعمة للعالم لما احتاجت أيّة حكومة إلى تهيئة المهمّات الحربية، ولما اضطرت إلى اصطناع الآلات الحربية الجديدة لقهر الجنس البشري، بل لاحتاجت فقط إلى عسكر قليل يكون سبب أمن المملكة وتأديب أهل الفساد والشّغب وقمع الفتن الدّاخلية. وبهذا يستريح الأهلون من عباد الله من تحمل أعباء نفقات الدّول الحربية الباهظة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إنّ الكثير من النّاس لا يقضون أوقاتهم دائماً في اصطناع الآلات المضرّة التي تدلّ على الوحشية والتّعطش للدّماء، وتنافي موهبة العالم الإنساني الكلّية، بل يسعون في تحصيل ما فيه راحة العالمين وحياتهم، ويكونون بذلك سبب فلاح البشرية ونجاحها، وتستقرّ جميع دول العالم على سرير الملك بكمال العزّة، وتخلد القبائل عامة والأمم كافّة إلى الرّاحة في مهاد الطّمأنينة.

ويعتبر بعض من لا علم لهم بعلو همّة الإنسان أنّ هذا الأمر في غاية التّعقيد والإشكال بل من ضروب المحال، وليس الأمر كذلك، فما من أمر في الوجود مستحيل تحقيقه بفضل الله وعناية مقرّبي عتبته وهمّة الأنفس الكاملة الماهرة الفريدة وأفكارهم الفذّة وآرائهم السّديدة، فالهمّة الهمّة! والغيرة الغيرة! فكم من أمر كان في الأزمنة السّابقة يعتبر من قبيل الممتنعات حيث أنّ العقول لم تكن تتصوّر وقوعه قط، أمّا اليوم فقد أصبح كما نرى سهلاً متيسّراً، وكيف إذاً يمكننا أن نفترض إستحالة هذا الأمر الأعظم الأقوم الذي هو في الحقيقة شمس عالم المدنية النّوراء، وسبب الفوز والفلاح والرّاحة والنّجاح؟ فلا بدّ من أن يتجلّى شاهد هذه السّعادة في مجمع العالم آخر الأمر، ذلك لأنّ الآلات والأدوات الحربية ستبلغ مبلغاً يجعل الحرب فوق طاقة الهيئة البشرية.»[28]

يبيّن عبد البهاء أنّ الحضارة الإنسانية بمثابة جسم متكامل تملأه روح تقوده وترشده، وتتحرّك أعضاء هذا الجسم رغم اختلافها فتتعاون وتنسجم في نشاطها لإغناء هذا الجسم واضفاء الحياة عليه. فالمساواة المطلقة المبهمة – التي يذهب إليها البعض – إنّما هي تفسير خاطئ لمفهوم العدالة، ففي الوحدة والاتحاد فقط تتمثّل القوّة الفعّالة لجمع شمل بني البشر، فالاتحاد يملأ قلوب النّاس جميعاً وعلى اختلاف أنواعهم ومراتبهم بتلك الدّوافع الخيّرة التي يمكن عن طريقها تحقيق أسمى مراتب العدل والإنصاف، وصهر كلّ الاختلافات في بوتقة واحدة تزول فيها الفوارق، ويستتبّ عن طريقها تأسيس مجتمع إنساني يقوم على العدل والمحبّة والسّلام.

ولكنّ هذه «الرّوح الكلّية» لا يمكن أن تنشط فاعلةً نتيجة أيّ تأثير خارجي ضاغط، ولا يمكن أن تسعى إلى محاباة فريق على حساب فريق آخر، ولا أن تسعى إلى إفساح المجال أمام أيّ فئة لاستغلال فئة أخرى، إنّها الرّوح التي طالما أشرقت على العالم متمثلة في «روح الإيمان» التي جاء بها الأنبياء والرّسل، وجاهد من أجلها الأتباع والصّحابة والتّلاميذ والحواريون والأحبّاء المخلصون في سبيل محبّة الله. إنّها بالفعل الرّوح التي تحيي محبّة الله في قلوب البشر ونفوسهم من جديد. فروح الإيمان هذه – وبهذا المفهوم القدسي الرّحب – يبدو أنّها اليوم قد غابت عن قلوب البشر لتحتلّ مكانها تلك الأهواء الفانية والأنانيات المدمّرة والأغراض الزّائفة التي تفرّق النّاس وتزرع فيما بينهم زؤان الخصومة وعوامل الاختلاف والنّزاع والصّراع.

ترعرع عبد البهاء ونشأ في رحاب تلك «الرّوح الكلّية» – محبّة الله ورحمته للعالمين – فصاغت تلك الرّوح عقله وقلبه، فتوحّدت في ذاته قوى مختلفة ومعان متعدّدة ومفاهيم متنوّعة نجدها منفردة في العلوم والفنون والفلسفة والصّناعة والتّجارة والسّياسة. وهكذا كان بإمكانه أن يدرك كنه الحضارة الحقيقية – الحضارة الإلهية – الحضارة التي توحّد وتجمع وتوثّق، وليس تلك التي تفرّق وتبعد وتزرع الخصام والشّقاق، فكان عبد البهاء تبعاً لذلك أول مواطن في «الدّولة الموحدة لبني البشر» – إنّها مملكة الله على الأرض. وفي نظر عبد البهاء يستطيع كلّ واحد منّا أن يكتشف هذه المملكة في ذاته وبذاته، وهو بذلك يعيد إلينا الحقيقة السّامية التي جاء بها الأنبياء والرّسل من قبل ويترجم هذه الحقيقة منارات ترشدنا السّبيل في حياتنا الدّنيوية المعاصرة.

ولكي ندرك تمام الإدراك أهمية «الرّسالة المدنية» في الزّمن الذي نشرت فيه، كان ضرورياً أن نرجع إلى التّاريخ وخاصة تاريخنا في الفترة ما بين القرن التّاسع عشر والقرن العشرين. كانت القضايا الرّئيسة التي واجهت عالم الشّرق آنذاك – كما سبق وأن ذكرنا – هي: قضية العلم والدّين، وقضية السّلام واستتبابه في المجتمع الواحد وفي العالم الإنساني بأسره، مما يتطلب نزع السّلاح وانهاء الحروب والصّراعات الدّموية بين الأمم والشّعوب، ثم قضية الهوّة الفاغرة القائمة بين الفقراء والأغنياء، وقضية نشر التّربية والتّعليم، وأخيراً قضية الأخلاق بصورة عامّة. ورغم ما تقدّمه «الرّسالة المدنية» من حلول عملية لعدد من المشكلات فإنّها تؤكّد أنّ غاية الله العليا من الدّين تنظيم شؤون العالم، وقد قام الدّين في مراحل متتابعة بتنظيم شؤون العالم، فجاءت الأديان السّماوية الواحدة بعد الأخرى تصلح ما فسد وتُبقي على جوهر الدّين. وعلى هذا الأساس تؤكّد «الرّسالة المدنية» أنّ دين الله واحد وإنْ اتّخذ أسماءً مختلفة، والعقيدة الدّينية تَبقَى أعزّ ما عند الفرد والجماعة مهما شاب تلك العقيدة من شوائب الأوهام والأعمال التي لا تليق بالدّين. فتجديد الدّين لا يعني المساس بجوهره بل يُطهّره من الشّوائب وما دخلت عليه من بدع على مرّ الزّمان. وهنا يقترن الدّين بالعلم فكلاهما يتطور ويتقدم مما يعني أنّ الهداية الإلهية والاكتشافات العلمية تتجدد عبر القرون والأزمان لتخدم أسمى الأغراض الإنسانية، وبتضافر وتعاون الدّين والعلم يقوم نظام عالمي أساسه التّعادل والتّوازن والانسجام وثماره الأمان والاطمئنان مما يضمن تحقيق الإندماج والتّكامل. و«الرّسالة المدنية» تبلور رؤية بهاء الله لقيام مدنية حقيقية قائمة على أساس عالمي ديني وعلمي تتحدد بموجبه مفاهيم الحداثة، والتّنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومناهج التّعليم، ومتطلبات العولمة، ورغم أنّ لكلٍّ من هذه مظاهرها المادّية فإنّ لها أيضاً صلاتها الرّوحية والأخلاقية، فالأرضية الفكرية التي يجب أن تتوفر هنا هي التّوفيق بين التّنفيذ العملي والنّتائج المعنوية الخيّرة النّابعة من الالتزام بالمبادئ والقيم الأخلاقية.

ومن هنا نجد أهمية الإنذار الذي يوجّهه عبد البهاء إلى أهل الشّرق عامّة من فُرس وعرب بعد أن ذكّرهم بماضيهم العظيم وبانجازاتهم الحضارية، إذ ينبّههم إلى ضرورة الاعتماد على أنفسهم، ويضع دعائم رقيّهم بذاتهم والمحافظة على استقلالهم وعدم خداع أنفسهم بأنّ كلّ ما في الحضارة الغربية يصلح الأخذ به لإصلاح مجتمعاتهم مع أنّه لا ضير من الاقتباس والأخذ بما عند الأوروبيين، وأشاد بما حقّقته الحضارة الغربية في المجالات العلمية والفكرية، ولكنّه نبّههم أيضاً إلى ربط ما حقّقه أهل الغرب بروحانية الشّرق، وطالبهم بالنّظر إلى الأمور الخاصّة بتنمية المجتمع وبقضايا الحداثة برؤية إنسانية خلاّقة فريدة من نوعها، وذات أبعاد متعدّدة حيث تضاف إلى الانجازات المادّية إنجازات روحية تميّزها المحبّة والوحدة والتّعاون. وطلب أخيراً من أهل الشّرق أن لا يكون تمدّنهم تمدّناً صوريّاً بل أن يكون تمدّناً حقيقيّاً فقال:

«مجمل القول لقد هلكت كلّ طوائف أوروبا في بحر الهوى الهائل هذا واستغرقت فيه رغم بلوغها كلّ هذا التّمدن والصّيت، ولذلك بات كلّ قضاياها الحضارية دون جدوى، فلا يستغرب بعض النّاس من هذه الكلمة أو ينفر منها، لأنّ المقصد الأصلي من بسط القوانين العظمى، والمطلب الكلّي لوضع أصول التّمدّن القويمة وأساسه المتين هو السّعادة البشرية، وما السعادة البشرية إلاّ في التّقرب إلى الله، والعمل من أجل راحة عموم بني الإنسان واطمئنانهم من أعلاهم حتى أدناهم. ووسائل هذين المقصدين العظيمين هي الأخلاق الإنسانية الحسنة، فالتّمدّن الخلقي لهو أضغاث أحلام، كما يعدّ الصّفاء الظّاهر من دون الكمال الباطن «كسراب بقيعة يحسبه الظّمآن ماء». ذلك لأنّ النّتيجة المتوخّاة – وهي رضاء الباري وراحة النّاس واطمئنانهم – لم تتمّ من هذا التّمدّن الظّاهر الصّوري. وأمّا أهل أوروبا فلم يرتقوا في معارج التّمدّن الخلقي العالية كما هو واضح بيّن من أفكار مللها وأحوالها العامّة. تأملوا مثلاً كيف أنّ أعظم آمال دولها وأممها اليوم هو تغلّب بعضها على بعض، والسّعي في إضعاف بعضها البعض، وهي رغم كراهيتها القصوى الباطنة، تتظاهر بأقصى درجة من الألفة والمحبّة والاتحاد، ويؤيّد هذا ما اشتهر عن ذلك الملك المحبّ للسّلام والأمن ومروّجهما والذي يبذل جهداً حثيثاً في جمع الذّخائر الحربية وازدياد القوّة العسكرية أكثر ممّا بصدده الملوك الذين يحبّذون الحرب، ومردّ هذا أنّه برأيهم لا يمكن حصول السّلم والوفاق إلاّ عن طريق القوّة الشّديدة، فتذرعوا بذلك على الظّاهر لكي ينهمكوا ليل نهار وبكلّ ما في وسعهم من قوّة وجهد لجمع الآلات الحربية، وأنّ الأهلين المساكين عليهم أن ينفقوا في هذا السّبيل جلّ ما اكتسبوه بعرق الجبين، فكم من أقوام يتجاوز عددهم الألوف تركوا صنائعهم النّافعة واشتغلوا ليلاً ونهاراً بكمال الهمّة في اختراع آلة مضرّة جديدة تكون أقوى مما سبقها تؤدّي إلى سفك دماء أبناء الجنس البشري، وطفقوا يصنعون كلّ يوم آلة حارقة حديثة مما تدفع بالدّول إلى ترك الآلات الحربية القديمة والسّعي في الحصول على الآلات الجديدة، ذلك لأنّ الآلات الحربية القديمة لا تقاوم الآلات الحربية الحديثة… أنصفوا الآن، أهذا التّمدن الصّوري بدون التّمدن الخلقي الحقيقي سبب راحة النّاس واطمئنانهم ووسيلة اجتذاب مرضاة الله أم أنّه مخرب لبنيان الإنسانية ومدمر لأركان الطّمأنينة والسّعادة؟»[29]

* * *

وفي نهاية المطاف يبقى السّؤال الذي أجاب عنه عبد البهاء إجابة تستدعي التّوقف عندها لأهميّتها لأنّها تتعلّق بالتّراث، وماذا يجب أن يكون عليه موقفنا من موضوع الإقتباس إمّا من الأسلاف أو مِنْ مَنْ سبقنا من الأمم والشّعوب الأخرى. فالإقتباس ضروري في كلّ ما ثبتت فوائده ومنافعه وذلك توفيراً للوقت في إجراء الإصلاحات والقيام بتطوير المجتمع بشكل لا يؤخّر مواكبتنا لمسيرة التّقدم والرّقيّ في العالم. أمّا بالنّسبة للقديم والحديث، أو الماضي والحاضر، فقد بيّن عبد البهاء بأنّ هناك دروباً عديدة متداخلة ترتبط بتلك القوّة الرّوحية الخلاّقة التي تغمر كلّ شيء فتصل الماضي بالحاضر وتربط القديم بالحديث. ففي عالم اختلّت فيه كلّ الموازين وغمره العنف والإضطراب، هناك حاجة ماسّة إلى وجود معادلة بين الثّابت المألوف اللامتغيّر والضّروري بالنّسبة لسلامة الأخلاق، وبين الطّارئ والمستحدث الضّروري بالنّسبة لتقدّمنا ورقيّنا حتى لا نفقد ذلك الإرث الخالد من الحكمة والوقار والجمال والانسجام الذي تركه لنا الأسلاف والأجداد. وبناء عليه فالمجتمع التّوّاق إلى التّقدّم والرّقي عليه أن يأخذ على عاتقه وضع برنامج للإصلاح نابعٍ من بيئته الخاصّة ولكنّه أيضاً عالمي في مفاهيمه وأهدافه، وعليه أن يأخذ بأفضل ما في القديم والمألوف ويضمّه إلى أفضل ما يستحدثه العقل والتّبصر والحكمة والمنطق السّديد ليتمكّن من بناء الحضارة الإنسانية القائمة على الأخلاق:

«إنّما شرف الأخلاف ومزيّتهم على الأسلاف هو في أن يقتبس الأخلاف من الأسلاف تلك الأمور التي امتحنتها التّجربة في الزّمن الماضي فثبّتت فوائدها العظيمة، وأن يقتدوا بهم، وفضلاً عن ذلك يقوموا هم بدورهم باكتشاف قضايا أخرى تُضمّ إلى مجموعة تلك الأمور المفيدة. اتّضح إذاً أنّ معلومات السّلف وأمورهم المجرّبة حاضرة بين أيدى الخلف على حين أنّ الكشفيّات المختّصة بالأخلاف مجهولة لدى الأسلاف، هذا كلّه على شرط أن يكون الخلف من أهل الكمال، وإلاّ فكم من أخلاف لم يكن لهم نصيب مقدار قطرة واحدة من بحر معارف الأسلاف اللّجّيّ.»[30]

فيمكن وصف «الرّسالة المدنية» بأنّها بحث في علم الأخلاق، أي المبادئ والقيم والمثل التي على المجتمع أن يتخذها دستوراً في المعاملة. إنّها الأخلاقيات بالنّسبة للفرد والجماعة، وبالنّسبة للحاكم ورعيّته. إنّها الأخلاقيات بالنّسبة لأيّ مشروع إنمائي أو إصلاحي أو حضاري. كذلك الأمر في رسالته التي نشرت بعنوان «الرّسالة السّياسية» ما بين العامين 1892 و1893، كانت بحثاً في اخلاقيات الحكم والإدارة والعلاقات بين الحاكم والمحكوم، وفيها بيّن عبد البهاء الحقوق المقدّسة للرّاعي ورعيّته والعلاقات التي يجب أن تربط الرّئيس بالمرؤوس، وأكّد بأنّ الأخلاق هي أساس كلّ هذه العلاقات. فالحاكم عليه باتّباع العدل والإنصاف وأن يتّصف بمكارم الأخلاق. فقد قيل إنّ ثلاثة تصون الملك: الرّأفة، والعدل، والجود. أمّا أفراد الشّعب فعليهم احترام الوليّ على أمورهم وإطاعته والتّعاون معه بالأمانة والإخلاص ليقوموا بإداء واجباتهم كمواطنين شرفاء.

 

 

 

[1]  مقتطف من «السّلام العالمي وعدٌ حق»: ترجمة البيان الصّادر عن بيت العدل الأعظم، والموجّه إلى شعوب العالم»، أكتوبر/تشرين الأول 1985، ص1.

[2]  مقتطف من كتاب «خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، بيروت، دار الرّيحاني، 1972، ص160.

[3]  أبو العلاء المعرّي. «لزوم ما لا يلزم»، اعتناء كامل كيلاني، مصر، مطبعة توفيق الأدبية، 1924، الجزء 1، ص235.

[4]  مقتطف من J. Isaacs, An Assessment of Twentieth-Century Literature (London: Secker and Warburg, 1951), 45.

[5]  مقتطف من Elizabeth M. Wilkinson and L.A. Willoughby, introduction to On the Aesthetic Education of Man: In a Series of Letters by Friedrich von Schiller (Oxford: The Clarendon Press, 1985), xii.

[6]  مقتطف من كتاب «خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص344 – 346.

[7]  انظر «السّلام العالمي وعدٌ حق: ترجمة البيان الصّادر عن بيت العدل الأعظم والموجه إلى شعوب العالم» سنة 1985، ص7.

[8]  مقتطف من المصدر السّابق أعلاه، ص7، ورد أصلاً بالإنجليزية في كتاب Shoghi Effendi, The World Order of Bahá’u’lláh: Selected Letters (Wilmette, IL: Bahá’í Publishing Trust), 187.

[9]  مقتطف من كتاب الأستاذ عمر الدّسوقي بعنوان «في الأدب الحديث»، بيروت، دار الكتاب العربي، 1966 (الطّبعة السّادسة)، ص15 – 16.

[10]   مقتطف من كتاب «أدباء العرب في الأندلس وعصر الانبعاث»، حريصا، لبنان، المطبعة البولسية، 1937 ص117.

[11]  المصدر السّابق نفسه.

[12]  مقتطف من كتاب الأستاذ عمر الدّسوقي «في الأدب الحديث»، ص16. فولني Constantine de Volney الرّحالة والفيلسوف الفرنسي المشهور الذي زار سوريا ومصر في السّنوات 1783، 1784. وفي 1785 كتب كتاباً عن رحلته نشر بالإنجليزية عام 1787.

[13]  مقتطف من كتاب عبّاس محمود العقاد بعنوان: «أثر العرب في الحضارة الأوروبية»، القاهرة، مصر، دار المعارف، 1946، ص174.

[14]  مقتطف من كتاب محمّد عماره بعنوان: «الإمام محمّد عبده: مجدد الدّنيا بتجديد الدّين»، القاهرة وبيروت، دار الشّروق، 1988، ص41 – 42.

[15]  راجع المصدر السّابق نفسه، ص99: «… ففي المادّة الخامسة من برنامج الحزب الوطني المصري الذي صاغه الشّيخ محمّد عبده في ديسمبر/ كانون الأوّل سنة 1881 م يتّخذ هذا الموقف الفكري، وحتى يؤكّد أنّه موقفه هو الخاصّ وزملاؤه من علماء الأزهر، وليس فقط موقف الحزب ينصّ في هذه المادّة على أنّ هذا الأمر «مسلم به عند أخصّ مشايخ الأزهر الذين يعضدون هذا الحزب»… أمّا نصّ هذه المادّة الهامّة من برنامج الحزب فيقول: «الحزب الوطني حزب سياسي، لا ديني [أي ليس بطائفي، وليس بمعنى أنّه ضد الدّين]، فإنّه مؤلّف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب، وجميع النّصارى واليهود، وكلّ من يحرث أرض مصر ويتكلّم لغتها منضمّ إليه، لأنّه لا ينظر لاختلاف المعتقدات، ويعلّم أن الجميع إخوان، وأنّ حقوقهم في السّياسة والشّرائع متساوية، وهذا مسلّم به عند أخصّ مشايخ الأزهر الذين يعضدون هذا الحزب ويعتقدون أنّ الشّريعة المحمّدية الحقّة تنهى عن البغضاء، وتعتبر النّاس في المعاملة سواء…»

[16]  المصدر السّابق نفسه، ص51.

[17]  المصدر السّابق نفسه، ص237.

[18]  من قصيدة أحمد شوقي بعنوان «عيد الدّهر» في «ديوان شوقي» الجزء الأوّل، وردت هذه الأبيات في كتاب حلمي علي مرزوق بعنوان «شوقي: وقضايا العصر والحضارة»، بيروت، دار النّهضة العربية، 1979.

[19]  نقولا الحداد، «السّيّدات والرّجال» (السّنة الحادية عشرة)، الجزء 7، ص426.

[20]  عبّاس محمود العقّاد، «ديوان العقّاد»، مصر، مطبعة المقتطف والمقطّم، 1928، ص26.

[21]  مقتطف من كتاب هاشم صالح بعنوان «الانسداد التّاريخي: لماذا فشل مشروع التّنوير في العالم العربي،» بيروت، دار السّاقي بالاشتراك مع رابطة العقلانيين العرب، 2007، ص44.

[22]  المصدر السّابق نفسه، ص262.

[23]  المصدر السّابق نفسه، ص43.

[24]  مقتطف من «الرّسالة المدنية: من آثار قلم حضرة عبد البهاء»، ترجمة بهيّة فرج الله كيوليك، من منشورات دار النّشر البهائية في البرازيل، 1986، ص57 – 58.

[25]  مقتطف من كتاب عبّاس محمود العقّاد بعنوان «أثر العرب في الحضارة الأوروبية»، ص174 – 175.

[26]  مقتطف من كتاب صالح هاشم بعنوان «الانسداد التّاريخي: لماذا فشل مشروع التّنوير في العالم العربي»، والمقتطف مأخوذ من كتاب جورج طرابيشي بعنوان «المرض بالغرب:التّحليل النّفسي لعصاب جماعي عربي» دمشق، دار بترا، 2005، الجزء الأوّل، ص174.

[27]  مقتطف من كتاب «الرّسالة المدنية: من آثار قلم حضرة عبد البهاء»، ص25.

[28]  المصدر السّابق نفسه، ص42 – 43.

[29]  المصدر السّابق نفسه، ص40 – 41.

[30]  المصدر السّابق نفسه، ص69 – 70.

3 آثاره الكتابية وخطبه وأحاديثه

لا شك أنّ الآثار الكتابية التي زخرت بها حياته الحافلة وتركها لنا عبّاس أفندي تُعتبر ميراثاً غنياً لأتباعه وهدايةً وإرشاداً للبشر أجمعين، يضاف إليها ما جاد به من الخطب والأحاديث. شمل هذا التّراث الفكري والرّوحي كلّ ما خطّه قلمه ونطق به لسانه في حقبة من الزّمان إمتدت عبر أكثر من نصف قرن. بدأت عبقريته الفذّة تبدع الكتابة والخطابة وهو في سنّ مبكّرة، واستمرّ يتحفنا بالرّسائل والمقالات والأحاديث والخطب والمواعظ حتى آخر يومٍ من أيّام حياته التي بلغ فيها السّابعة والسّبعين.

كان عبّاس أفندي يكتب ويتحدّث بلغات ثلاث هي الفارسية والعربية والتّركية، ومعظم ما كتبه كان باللغة الفارسية، ورغم أن آثاره باللغة العربية أقل عدداً من الفارسية فإنّها تساوي في أهميتها والمواضيع التي تطرق إليها كلّ ما كتبه بالفارسية، وأما آثاره باللغة التّركية فلا تتعدّى بعض الرّسائل ومجموعة من الأدعية والمناجاة.

بلغت هذه الآثار باللغات الثّلاث قمّة الأدب وتميّزت بسلاسة اللفظ، وقوّة المبنى، وبلاغة المعنى، وأدهش عبّاس أفندي الفارسي اللسان أدباء العربية بأسلوبه وبيانه، وشهد له أدباء العربية في عصره بأنّه «فصيح اللهجة»[1] يتمتّع بمناقب «قلّ أن ينال أحد منها مناله أو يبلغ كماله… سرعة الخاطر وسداد المنطق وسعة العلم ووفور الحكمة»[2]، وفي كلّ من القاهرة وبيروت مركزَيْ الإعلام في العالم العربي لم يتوانَ كبار الصّحافيين في الإشادة بما تمتّع به عبّاس أفندي من القدرات اللغوية إذ وصفته مجلة العمران القاهرية بأنّه كان «… فصيح اللسان عذب البيان.»[3] فكان إبداعه اللغوي هذا معجزة من المعجزات وهو الذي لم يدخل المدارس ولا تلقّى علوم اللغة والبلاغة، بل كان ملهماً في إبداعه اللغوي هذا، فلم يترك أسلوباً من الأساليب لم يتقنه، وجاء كلّ ما كتبه وتفوّه به دليلاً على سعة أفقه، وعلو همّته، وسموّ أفكاره. أمّا أسلوبه الأدبي، كما هو ظاهر في آثاره الكتابية ثم في خطبه وأحاديثه، فإنّه يحتفظ بطابع خاصّ يميّزه عن غيره، وهو أسلوب جديد يمكن وصفه بأنّه «أسلوب روحاني». ومن خصائص هذا الأسلوب الدّقة والإيجاز في معالجة مواضيع علمية وروحية أُسُس الفكر فيها حافلة بكلام الحكمة والموعظة. ولعلّ مجموعة آثاره الكتابية بالعربية يميّزها عنصر خفيّ من الرّوحانية يدعمها إبداع في استخدام المحسّنات اللفظية والتّراكيب اللغوية المستحدثة، ولكنّه أيضاً حريص على استخدام الأساليب الأدبية الأصيلة في آثاره الكتابية واستخدام لغة الحديث العادية المهذّبة في خطبه وأحاديثه المرتجلة وتعليقاته الخاصّة والعامّة. مجمل القول أنّ آثار عبّاس أفندي الكتابية والخطابية تدلّ على بصيرة ثاقبة وعلم لدّني وضعه الله سبحانه وتعالى في قلب وفكر من لقّب نفسه بعبد البهاء. وعندما يلاحظ القارئ السّهولة التي يعرض بها عبّاس أفندي الأفكار والأراء الفلسفية والرّوحانية العميقة والتي يصعب على المتخصّصين فيها عرضها، يدرك تماماً المقدرة الفريدة التي تمتع بها عبّاس أفندي وبأنّها كانت مقدرة خارقة من النّادر أن تتوفر في أيّ إنسان.

كان عبّاس أفندي شخصية فذّة عديمة المثال، فإلى جانب دوره الفعّال في قيادة جماهير المؤمنين بالدّين البهائي في الشّرق والغرب لبناء عالم تسوده الأخوّة الحقّة والسّلام العامّ، فقد تبوّأ مكانة فريدة متميّزة بين أهل عصره كرسول لمبادئ الإنسانية وحامل لواء وحدة العالم الإنساني والعامل على لقاء الشّرق والغرب، والدّاعي إلى خلق عالم جديد متجدّد خالٍ من التّعصّب بكلّ أنواعه. وبناءً عليه كان لهذه الشّخصية الفذّة أسلوبها الأدبي الخاصّ المتميز عن كلّ أسلوب آخر بل وَفاقَ الأساليب في استخدامه «لغة مقدّسة» ليعبّر بها عن أسمى معاني الرّوح وأصدق مبادئ العقل والمنطق، حتى يمكن القول عن اللغة العربية التي استخدمها عبّاس أفندي كانت تلك اللغة المثلى التي وصفها الخليفة عمر بن الخطّاب قائلاً «بالعربية يثبت العقل وتزداد المروءة». والحقّ يقال أنّ اللغة العربية كانت بالنّسبة لبهاء الله اللغة الغالبة التي اختارها الله سبحانه وتعالى لرسالته وشريعته في «الكتاب الأقدس» الذي نزّل بالعربية وهي اللغة التي تشكّل ستّين بالمائة من بياناته وألواحه المباركة. فاعتبر بهاء الله اللغة العربية أسمى اللغات شأناً في تعابيرها، وأغناها في كلماتها ومرادفاتها فمجّدها بقوله:

«كم من النّفوس تجدها وهي تصرف الوقت كلّه في تعلّم شتى اللغات. إنّه حقاً من دواعي الأسف الشّديد أن يصرف الإنسان عمره الذي هو أعزّ ما في العالم في مثل هذه الأمور، والقصد من تحمل هذه المشقّات هو الإلمام باللغات المختلفة ليعرف الواحد غايات الآخر ومطالبه. والآن لو نفّذ النّاس ما أُمروا به لاكتفوا وتخلّصوا من تحمّل هذه المشقّات التي لا حصر لها. إنّ ما هو محبوب لدى العرش هو أن يتكلّم الجميع اللغة العربية. فهي أغنى اللغات وأوسعها. ولو اطّلع أحد على غنى هذه اللغة الفصحى واتّساعها فلا بدّ أن يختارها لغة للتّداول. الفارسية لغة جميلة، وقد تكلّم لسان الله في هذا الظّهور الأعظم باللغتين العربية والفارسية، غير أنّ الفارسية ليست غنية كالعربية، بل إنّ جميع لغات الأرض محدودة إذا ما قورنت باللغة العربية. إن ما ذكرناه هنا هو مقام التّفضيل، ولكنّ الهدف هو أن يختار أهل الأرض لغة من اللغات ليتكلّم بها النّاس أجمعون. هذا ما حكم به الله، فلينتفع به النّاس، لو هم يعرفون.»[4]

وهكذا شبّ عبّاس أفندي في رحاب والده يجلّ اللغة العربية ويقدّسها علاوة عن أنّه كان يحيط إحاطة تامّة بالتّراث العربي الأدبي والفكري والتّراث الدّيني الإسلامي وأصوله الأساسية. ويعتقد البهائيون على اختلاف لغاتهم وأجناسهم وثقافاتهم بأنّ اللغة العربية لغة فضّلها الله على غيرها من اللغات إذ اختارها لغة الوحي في ظهورين عظيمين، فنزّل القرآن الكريم «قرآناً عربياً» فخلّدت به اللغة وشرّفت، ثم جاء وعد الحقّ فظهر بهاء الله رسول هذا العصر ونزّل «الكتاب الأقدس» باللغة العربية يحمل مبادئ حضارة إنسانية جديدة.

ويؤكّد البيان المقتطف أعلاه هذا الولاء اللغوي الرّوحاني عند البهائيين تجاه اللغة العربية، ويؤكد مكانة لغة الضّاد بين لغات البشر، كما تشير إلى مبدأ من أهم المبادئ التي نادى بها عبّاس أفندي ألا وهو مبدأ اعتماد لغة عالمية كلغة عامّة للتّخاطب والتّعامل بين شعوب العالم. وقد تُرك أمر اختيار هذه اللغة إلى شعوب العالم ودوله، فمثل هذا الأمر ينبغي أن يتّفق عليه الكلّ ليكون سبباً في تقوية أسباب الوحدة والاتحاد بين البشر، وفي تقريب عصر السّلام بين أمم العالم دولاً وشعوباً.

استرسل عبّاس أفندي في التّعبير عن أنبل المشاعر الإنسانية العالمية بصورة لم يسبقه إليها أحد إلاّ الرّسل والأنبياء. وخلت آثاره الكتابية من الإعادة والتّكرار لأنّه كان يملك فيضاً زاخراً بالكلمات والمترادفات والصّيغ اللفظية والأفكار المتعدّدة ما من شأنه أن يمنح القارئ وعياً عميقاً وإحساساً رهيفاً بعوالم الله غير المتناهية. ففي كلّ ما خطّه قلمه ونطق به لسانه نجد نفحات القدس ونسمات الرّحمن التي تسري في كلّ كلمة من كلماته. وهكذا يصبح أسلوبه أسلوباً خاصّاً به ينفرد هو وحده باستخدامه في خطابه الإنساني العالمي النّطاق وفي التّعبير عن رسالة المحبّة الشّاملة التي نادى بها. أليس هو القائل:

«… اعلم حقّ اليقين أنّ المحبّة سرُّ البعث الإلهيّ والمحبّة هي التّجلّي الرّحمانيُّ، المحبّة هي الفيض الرّوحاني، المحبّة هي النّور الملكوتيّ، المحبّة هي نفثات روح القدس في الرّوح الإنساني، المحبّة هي سبب ظهور الحقِّ في العالم الإمكاني، المحبّة هي الرّوابط الضّرورية المنبعثة من حقائق الأشياء بايجاد إلهيّ، المحبّة هي وسيلة السّعادة الكبرى في العالم الرّوحاني والجسماني، المحبّة هي نور يُهتدى به في الغياهب الظّلماني، المحبّة هي الرّابطة بين الحقّ والخلق في العالم الوجداني، المحبّة هي سبب التّرقي لكلّ إنسان نوراني، المحبّة هي النّاموس الأعظم في هذا الكور العظيم الإلهي، المحبّة هي النّظام الوحيد بين الجواهر الفردية بالتّركيب والتّدبير في التّحقق المادّي، المحبّة هي القوّة الكلّية المغناطيسية بين هذه السّيارات والنّجوم السّاطعة في الأوج العالي، المحبّة هي سبب انكشافات الأسرار المودعة في الكون بفكرٍ ثاقبٍ غير متناهٍ، المحبّة هي روح الحياة لجسم الكون المتباهي، المحبّة هي سبب تمدُّن الأمم في هذا الحياة الفاني، المحبّة هي الشّرف الأعلى لكلّ شعب متعالي، وإذا وفَّق الله قوماً بها يصلّيُنَّ عليهم أهل ملأ الأعلى وملائكة السّماء وأهل ملكوت الأبهى، وإذا خلت قلوب قوم من هذه السّنوحات الرّحمانية المحبّة الإلهية سقطوا في أسفل درك من الهلاك وتاهوا في بيداء الضّلال ووقعوا في وهدة الخيبة وليس لهم خلاص…»[5]

في مثل هذا العرض المختصر لا يمكن أن نسترسل في تحليل دقيق لأسلوب عبّاس أفندي الغني في اللغة العربية، ولا مجال لعرض تفصيلي يمكّننا من الإطّلاع على إبداعه اللغوي بالفارسية والعربية. فقد استخدم شتى ضروب البلاغة والمحسّنات اللفظية استخداماً جمع بين التّقليد والتّجديد مما يجعل عبد البهاء صاحب أسلوب جديد في الأدب الدّيني، لا بل في الأدب الرّوحي كلّه[6]. وإذا جاز لنا أن نبوّب ما خطّه قلم عبد البهاء وما جادت به قريحته فيمكن أن نقول بأنّ آثاره يمكن حصرها في اثني عشر باباً هي:

1) خُطَب عبد البهاء:

إنّ مجموعة خطب عبد البهاء، أو ما يمكن أن يسمّى بالخطب والمواعظ، فهي متنوعة بحيث تشكّل مع مراسلاته الخاصّة الجزء الأكبر من آثاره. فقد تحدّث عبد البهاء خطيباً في المساجد والكنائس والمعابد، وألقى المحاضرات في الجامعات العلمية والهيئات الفكرية والمجتمعات الدّولية في كلا الشّرق والغرب. وكان عبد البهاء خطيباً مفوّهاً له حضور جليل مهيب، حاضر البديهة، سلس البيان. إذا تحدّث جمع وأوجز فكان أسلوبه بحقّ «السّهل الممتنع»، وكان بيانه هو السّحر الحلال بعينه.

2) محادثات عبد البهاء (حديث على المائدة):

جُمعت محادثات عبد البهاء فشكّلت مجلّدات مختلفة بعد تدوينها تدويناً مفصّلاً. ولعلّ من أهمّ أمثلة هذا الباب الكتاب المعروف باللغة العربية بعنوان «كتاب المفاوضات» أو «مفاوضات عبد البهاء». وهي تمثّل في مجموعها أحاديث على المائدة أجاب فيها عبد البهاء باللغة الفارسية عن أسئلة وجّهتها إليه سيّدة أمريكية تدعى السّيدة لورا كليفورد بارني حيث تطرّق فيها عبد البهاء إلى مواضيع شتى منها شروح للمبادئ الأمرية للدّين البهائي، ومنها تفاسير فقهية لآيات الإنجيل والتّوراة، ومنها آراء في مسائل علمية وفلسفية ودينية عامّة. وقد تمّ نشر أول ترجمة لهذا الكتاب بالإنجليزية عام 1907.

وكتاب آخر جُمعت مواده وكان بعنوان «تذكِرة الوفاء»، وفيه تكلّم عبد البهاء عن مجمل ذكرياته عن سبعين شخصاً من المؤمنين الأوائل مشيداً بطيب فعالهم وتضحياتهم، وقد فعل ذلك في حلقات ليلية ضمّت مجموعة من البهائيين القاطنين في محيط الأراضي المقدّسة في فترة شهدت أوائل الحرب العالمية الأولى. وقد دُونت تلك الذّكريات كما عرضت باللغة الفارسية، وجمعت في كتاب تمّ نشر أصله الفارسي بتصويب ولي أمر الله شوقي أفندي في عام 1924. ونشرت أوّل ترجمة له بالعربية عام 2004.

3) مؤلّفاته وكتبه الموضوعة:

ترك عبد البهاء ثلاثة كتب رئيسة هي: «الرّسالة المدنية» (1875) باللغة الفارسية ونقلتها إلى العربية السّيّدة بهيّة فرج الله كوليك (تعريف بقلم سهيل بشروئي) ونشرت تحت عنوان «سرّ المدنية الإلهية»، وهي رسالة وجّهها إلى بني وطنه والحكّام الأفاضل وفيها يعالج موضوعاً من أهم الموضوعات شأناً في عصرنا الرّاهن وهو «الحضارة الإنسانية» – أُسُسها وحقيقة كيانها وجوهر نظامها – بأسلوب ينسجم فيه منطق العلم مع الرّوح والإيمان. يشير فيها عبد البهاء إلى ما يعتري عالم اليوم بكلّ شؤونه من مشكلات خطيرة يمكن التّغلّب عليها بخلوص النّيّة وتطهير النّفس من أدران المادّية المقيتة وانحرافها عن الحقيقة. ثم كتاب بعنوان «مقالة سائح» (1886) وقد عرض فيه عبد البهاء تاريخ دعوة الباب ورسالته الخطيرة الشّأن، موجّهاً مضمون الكتاب خاصّة للمستفسرين والباحثين. وأخيراً كتاب «الرّسالة السّياسية» (1893).

4) الرّسائل والبيانات الموجّهة إلى الهيئات والمجتمعات الدّولية:

وأهمهما رسالته التّاريخية حول موضوع السّلام العالمي التي وجّهها إلى مؤتمر لاهاي للسّلام المنعقد عام 1919 تحت رعاية المنظمة المركزية لإقامة سلام دائم.

5) الرّسائل الموجّهة إلى أفراد حول موضوعات علمية أو فلسفية أو دينية:

ولعلّ أشهر هذه الرّسائل هو اللوح الذي وجّهه عبد البهاء في شهر أيلول (سبتمبر) 1921 إلى العالِم السويسري المعروف البروفسور أوغست فورال أجاب فيه عبد البهاء عن أسئلة وجّهها إليه ذلك العالِم المرموق. يضاف إلى هذا تلك الرّسائل التي وجّهها إلى السّيّد جبران ساسي الذي كان يراسل الفيلسوف والكاتب الرّوسي العظيم تولستوي، وقد كتب جبران ساسي إلى عبّاس أفندي يطلب النّصح في اختيار مواضيع البحث مع تولستوي، فوضّح عبّاس أفندي لجبران ساسي المواضيع المهمّة وخاصّة مسألة الشّرق والغرب.

6) الرّسائل العامّة أو الألواح الموجّهة إلى مجموعات المؤمنين أكانوا في الشّرق أم الغرب:

أهم آثار عبد البهاء في هذا المجال الألواح الموجّهة إلى أحبّاء إيران ومصر بالإضافة إلى الألواح التي بعث بها إلى أكثر من خمسة وثلاثين قطراً من أقطار العالم. أمّا ألواحه المعروفة «بألواح الخطّة الإلهية» فقد وجّهها إلى العالم الجديد وبعث بها إلى أحبّاء كندا والولايات المتحدة في السّنوات الختامية للحرب العالمية الأولى.

7) الرّسائل الخاصّة (أو ما يمكن وصفه بالألواح الخاصّة الموجّهة إلى الأفراد أو العائلات):

تمثل هذه المجموعة جزءاً لا يستهان به من آثار عبد البهاء، ولكن يا للأسف فُقِدَ عدد كبير منها نسبة لتفرق من استلمها من النّاس، بالإضافة إلى عامل الزّمن وكونها كانت في حوزة أفراد متعدّدين وأشخاص من غير البهائيين. ولعلّ ما يميّز هذه الرّسائل تلك الصّراحة المطلقة، والعاطفة الدّافئة، والمحبّة الوارفة، وما تخلّلها من اللّطائف والنّوادر والفكاهات بينما تمتلئ كلها بروح التّسامح والتّآخي والاحترام.

8) ألواح الوصايا:

تتضمن هذه الألواح وصيّة عبد البهاء المكتوبة بخطّ يده في فترات ثلاث، وتمثّل وصيّته الصّريحة الممهورة، والتي يعيّن بموجبها حفيده شوقي أفندي وليّاً لأمر الله وراعياً لشؤون الدّين البهائي.

يقدّم لنا عبد البهاء في ألواح الوصايا هذه شرحاً وافياً لهيكل النّظام البديع وهو النّظام الإداري الذي أشار إليه بهاء الله فوضع مبادئه العامّة وترك لعبد البهاء أمر شرح تلك المبادئ وتفصيلها ثم ترجمتها إلى مؤسسات تخدم مصالح الوحدة والاتحاد بين البشر أجمعين. وهكذا تصبح الوصيّة الكاملة هذه وثيقة تاريخية من حيث تطور النّظام الإداري لدين بهاء الله إلى جانب أهمّيّتها القصوى كجزء لا يتجزّأ من ميثاق بهاء الله المبرم النّافذ.

9) الأدعية والمناجاة والصّلوات الخاصّة:

طوّر عبد البهاء كتابة «المناجاة» بقصد الدّعاء والابتهال فأبدع نمطاً من المناجاة تسمو بالإنسان إلى درجة من التّجلّي الرّوحاني يشعر فيها بأنّه يقف أمام عرش الله العليّ العظيم. وتسجّل كلمات كلّ مناجاة نزلت من يراعه تعبيراً بليغاً عن أحاسيس ومشاعر روحية عميقة بلغة شعرية، وبأسلوب مجازي فريد من نوعه يستخدم فيه الرّمز أداة للتّوفيق بين الإيحاء وتزاحم الأحاسيس اللامحدودة والمعاني اللامتناهية من جهة، وبين الإيجاز الدّقيق لفظاً وتحويه قُمُص الكلمات ببراعة أخّاذة من جهة أخرى.

10) الصّلوات والأدعية الخاصّة بالمناسبات:

وتشمل هذه الأدعية التي تتلى في اجتماعات المحافل الرّوحانية من قبل أعضائها مبتهلين بكلّ تواضع أن يلهمهم الصّواب في كلّ ما يقررون، أو يتلوها المهاجرون في سبيل الله طلباً للتّأييد والتّوفيق، وأدعية التّقرب إلى الله حتى تساعدنا في التّغلب على النّفس الأمّارة بالسّوء، أو أدعية التّوكل على الله والاعتماد عليه والتّوجّه إليه في كلّ الأحوال، وأدعية أخرى تتناول مختلف أوجه الحياة.

11) ألواح الزّيارة:

كُتبت هذه الألواح كلّها بالعربية، هدفها إحياء ذكرى الشّهداء الذين ماتوا في سبيل دين الله. وتتلى هذه الأدعية في المقابر في حفلات التّأبين أو التّذكّر، وقد كتبت معظمها في السّنوات الختامية من حياة عبد البهاء وفاءً منه لذكرى أولئك الذين ضحّوا بحياتهم وأرزاقهم وأموالهم في سبيل وحدة الجنس البشري وسلامته. ولعلّ أكثر تلك الألواح شهرةً وتأثيراً لوح الزّيارة الذي نزل من يراع عبد البهاء وقد أصبح لوح الزيارة هذا الدّعاء الخاصّ الذي يتلوه ملايين المؤمنين من أتباع بهاء الله في المناسبات الخاصّة المتعلّقة بذكرى عبد البهاء، وخاصّة عند زيارة ضريحه المبارك على سفح جبل الكرمل في رحاب المقام الأعلى الذي شيّده عبد البهاء ليكون ضريحاً لائقاً يضمّ رفات الباب الشّهيد، المبشر بهذا الدّين والمظهر التّوأم لظهور بهاء الله.

12) القصائد الشّعرية:

قصائد عبد البهاء الشّعرية قليلة العدد، معظمها إن لم يكن كلّها بالفارسية. اختار عبد البهاء «المثنوي» نموذجاً تقوم عليه بُنية قصائده، وكان إعجابه بشعر جلال الدّين الرّومي حافزاً لاستعمال «البيتين» وحدةً للقصيدة، كما إنّه استشهد أحياناً ببعض أبيات من شعر جلال الدّين الرّومي. والمعروف أنّ كتاب «المثنوي» (وهو عنوان كتاب الرّومي الشّعري) أبلغ تفسير للقرآن الكريم ويعتبر أسمى التّفاسير الإسلامية على الإطلاق، علاوة عن وجود نفحة صوفية شفّافة تبعث الحياة في هذا المؤلف الأدبي الدّيني الرّائع.

 

 

[1]  محمّد عبده، «جريدة الأهرام»، 18 يونيو/حزيران 1896.

[2]  شكيب أرسلان في «حاضر العالم الإسلامي»، تأليف لوثروب ستدودارد، القاهرة 1351 هجرية المجلّد 2، الجزء 3، ص358.

[3]  عبد المسيح أنطاكي بك، «مجلّة العمران،»، الجزء السّادس، المجلّد 12، يونيو سنة 1922، ص361 – 371.

[4]  بيان معرّب عن الفارسية مقتطف من كتاب «نفحات القدس»، منشورات دار النّشر البهائية في الهند، 1956، ص3.

[5]  مقتطف من «مكاتيب عبد البهاء»، الجزء 1، من منشورات دار النّشر البهائية في البرازيل، 1982، ص121 – 122.

[6]  انظر عبد الرّحمن بدوي، «ملحق موسوعة الفلسفة»، بيروت، المؤسّسة العربية للدّراسات والنّشر، 1996، ص271، حيث يلخّص البحث المطوّل عن اللغة بالنّتيجة التّالية: «إنّ قيمة اللغة هي في قدرتها على التّعبير المحكم الدّقيق عن المعاني والأفكار، وليست في كثرة مترادفاتها، ولا في وجود أضدادها، ولا في تأبيها على القواعد المحكمة الثّابتة. واللغة أداة، والأداة ينبغي ألاّ تتحوّل إلى غاية، ولا تتعارض مع سيّدها – وهو الفكر والمنطق».

4 عبّاس أفندي في نظر أعلام عصره من أهل الدّين والفكر والعلم والفن في عالَمَيْ الشّرق والغرب

بفضل ما تحلّى به عبّاس أفندي من سماحة الأخلاق ونُبل السّجايا وسموّ المناقب ووفرة المعارف أقام علاقات وطيدة مع العديد من أعلام عصره وشخصيات زمانه، كما كانت له علاقاته الطّيبة مع الرّسميين من أعضاء الحكومة العثمانية والمسؤولين المحليين، حتى أولئك المسؤولين عن سجنه وحبسه. وعليه يمكن القول بأنّ عبّاس أفندي كان محطّ بالغ الاحترام من قبل رجال السّلطة في عكّاء وحيفا، وغالباً ما كان هؤلاء يلجأون إليه مستنجدين بحكمته وخبرته الواسعة لحلّ بعض القضايا المستعصية، وما كان لهذا الإجلال والاحترام أن يقتصر على المسؤولين فحسب، بل تعدّاهم إلى عامّة النّاس ومريديه الذين عرفوه محسناً كبيراً يعاملهم بكمال المودّة وخالص المحبّة وخاصّة الفقراء والمحتاجين الذين لقّبوه بـ«أبو الفقراء». فكان بحق مثالاً في أعمال البِرّ وخصال الخير وقدوة حسنة يتذكّر بها الأناس.

في رحلاته التي قام بها إلى لبنان ومصر وأوروبا وأمريكا كانت لعبّاس أفندي فرص الالتقاء والاتصال بنفر غير قليل من أعلام العصر اللامعين. ففي الشّرق، وخاصّة في العالم العربي بين بيروت وعكّاء وحيفا والإسكندرية والقاهرة، امتدّت صلاته لتشمل الشّيخ الإمام محمّد عبده، والأمير شكيب أرسلان والمؤرخ محمّد جميل بيهم، والشّيخ يوسف علي، وسليم قبعين، ومحمود عبّاس العقاد، والشّيخ محمّد بخيت، ومفتي حيفا الشّيخ محمّد مراد، والأمير محمّد علي ابن الخديوي توفيق، والخديوي إسماعيل، والشّاعر وديع البستاني، والكاتب إميل زيدان، وجبران خليل جبران. كما تأثّر بشخصية عبّاس أفندي بصورة غير مباشرة كلٌّ من الكاتب اللبناني أمين الرّيحاني وزميله ميخائيل نعيمة، وهناك الذين راسلوه وطلبوا نصحه مثل الكاتب جبران ساسي المهاجر من سوريا إلى مصر.

أما في بلاد الغرب فقد قوبل في كلّ مكان بالتّبجيل والاحترام واستضافه العلماء وكبار رجال الدّين من كلّ الطّوائف، فبهرتهم مبادئُه وخلبت لبّهم تعاليمه. دعته الجامعات الكبرى ليتحدّث إلى أساتذتها وطلابها، وخطب في المحافل والكنائس والمعابد، وتسابق الصّحفيون في نشر أحاديثه وخطبه، كما تخاطف القرّاء الصّحف لمطالعتها فكانت بحقّ تنعش النّفوس بما حوته من درر نفيسة. وفي بريطانيا زار المسجد الوحيد آنذاك، وهو مسجد مدينة واكينغ بمقاطعة صَري، ولما كان المسجد غاصّاً لا يتّسع لعدد الذين حضروا في ذلك اليوم، وقف عبّاس أفندي في باحته ليتحدّث أمام جمّ غفير ضمّ مسلمين ومسيحيين من الأتراك والمصريين والهنود والإنجليز. رأى كبار القوم في أوروبا وأمريكا في تعاليمه مبادئ عصرية واضحة سليمة سهلة الإدراك تدخل الآذان والقلوب دون عناء، ووجدوا في كلماته ما يروي ظمأ أرواحهم وقلوبهم لمعين حياة إنسانية حقّة ترنو إليها أبصارهم وبصائرهم. فسعوا إلى استضافته ودعوته ليحدّثهم عن رسالته الإنسانية المنادية بأنّ الأديان كلّها من أصل واحد وما وجدت إلاّ للاتّفاق والاتحاد وتوطيد دعائم السّلام والاطمئنان بين البشرية جمعاء، وفي ذلك دعى بل وشدّد على ضرورة القضاء على الضّغائن والأحقاد من جذورها والاتّفاق المخلص على نبذ كلّ أنواع الصّراعات والحروب في العالم.

كانت لزيارة عبّاس أفندي لمسجد مدينة واكينغ، تلبية لدعوة الجالية الإسلامية في بريطانيا، ذلك المغزى الكبير. فقد جاء إلى الغرب يحمل رسالة خاصة تقول إنّ الوقت قد حان ليلتقي أهل الشّرق والغرب على معين واحد في جهودهم الرّوحية والفكرية والمادّية لخدمة السّلام العامّ، ولهذا كان من الطّبيعي أن تلقى دعوته تلك الآذان الصّاغية. وأنّه من الضّروري والحيوي أن ينضم الجميع إلى مسيرة السّلام هذه دون استثناء ليغدو هذا الكوكب حديقة غنّاء لأهل العالم. ولو كان في بريطانيا مسجد آخر في ذلك الوقت لزاره أيضاً أسوة بزياراته لعدّة كنائس ومعابد. اجتذبت زيارة عبّاس أفندي لمسجد واكينغ اهتمام الصّحافة فنشرت صحيفة «الصَّرى أدفيرتايزر» في عددها الصّادر في 25 يناير (كانون الثّاني) 1913 الخبر التّالي:

«اجتمع في مسجد واكينغ ممثلون عن الشّرق والغرب، وذلك بعد ظهر يوم الجمعة من الأسبوع الماضي، وكانت المناسبة هي زيارة عبد البهاء (صاحب السّعادة عبّاس أفندي) حامل الرّسالة البهائية التي تدعو إلى وحدة الأمم واتحادها، والذي عاد إلينا بعد جولة في أمريكا. ولدى وصوله إلى المسجد كان في استقباله جمهور غفير من المسيحيين والمسلمين واليهود، وكان صاحب الضّيافة (نيابة عن أسرة المسجد) هو السّيّد هنري لايتنر ابن المرحوم الدّكتور غوتليب ولهلم لايتنر الذي بنى المسجد بالاشتراك مع البيغوم أميرة بوبال قبل ثلاثين سنة.»[1]

ومن جملة الشّخصيات التي زارت عبّاس أفندي أو التقى بهم; رئيس كنيسة وستمنستر القس ولبرفورس، والدّكتور توماس كلي تشين أستاذ دراسات الكتاب المقدّس بجامعة أكسفورد، ورئيس كلية مانشستر بجامعة أكسفورد الدّكتور جوزيف استلين كاربنتر أستاذ الدّراسات المقارنة للأديان، والسّيدة اميلين بانكهرست زعيمة الحركة النّسائية في بريطانيا، وألكسندر غراهام بِلْ مخترع آلة الهاتف، ورئيس جامعة ستانفورد الأمريكية الدّكتور دافيد ستار غوردان، والفيلسوف الفرنسي هنري برجسون، والكاتب اللبناني جبران خليل جبران حيث كان يعيش في أمريكا، والمستشرق الإنجليزي المشهور إدوارد جرانفيل براون، والأستاذ إرمينياس فامبري المستشرق الهنغاري المتخصص في العلوم الإسلامية. وإضافة إلى كلّ هؤلاء التقى عبّاس أفندي بعدد من السّفراء والمبعوثين الدّبلوماسيين ولكن بصفتهم الشّخصية، كما التقى به عدد آخر من المغتربين من أهل الشّرق وخاصّة من العرب والإيرانيين فاعجبوا بدماثة خلقه وترفّعه عن الصّغائر وإغضاء الطّرف عمّن يعاديه حتى بات كلّ هؤلاء أصدقاء له وللدّعوة التي كان ينادي بها. وتناقلت الصّحف الأوروبية والأمريكية أخباره ووصفته إحدى الجرائد بأنّه «نبي من أنبياء الشّرق.»[2] وكان هناك آخرون تأثّروا بشخصية عبد البهاء ورسالته السّمحاء عن بُعد دون أن يلتقوا به أو يستمعوا إلى أحاديثه ومنهم الفيلسوف الرّوسي تولستوي، الذي سبق ذكره، وعالم الحشرات السويسري الجهبذ ذو الشّهرة العالمية الدّكتور أوغست فورال الذي وجّه إلى عبد البهاء رسالة شخصية أجاب عنها عبد البهاء بلوح خاصّ يعتبر من أهمّ ما كتب، وبواسطته اعتنق الدّكتور فورال الدّين البهائي[3].

وحتى أولئك المجاهرين بعدائهم تجاه عبّاس أفندي والدّين البهائي، من أهل الشّرق أو الغرب، نراهم كلّما اجتمعوا به وجدوا أنفسهم مأسورين بما يغدقه عليهم من محبّة خالصة وإخاء صادق فيتحوّل عداؤهم إلى صداقة واحترام. فهناك مثلاً الميرزا عبد الحميد أراني الصّحفي الإيراني الذي رفع لواء العداء لعبّاس أفندي ورسالته الرّوحية، وكذلك الشّيخ علي يوسف الصّحفي المصري، مؤسس الصّحافة الإسلامية العصرية بمصر وصاحب جريدة المؤيّد، نرى أن عداءهما قد تحوّل أخيراً إلى اعجاب وتقدير لما يمثّله عبّاس أفندي من المثل والأخلاق. وها هو القس ج. ت. بيكسلي الذي هاجم عبّاس أفندي والدّين البهائي هجوماً شرساً في الولايات المتحدة، نجده يغيّر موقفه هو أيضاً في النّهاية معترفاً بأنّ عبّاس أفندي هو المثل الأعلى للخير ومقراً بصدق رسالته الرّوحية الدّاعية للوحدة والاتحاد والسّلام.

لم يلتقِ عبّاس أفندي في بلاد الغرب بأيٍّ من الملوك أو الحكّام، بل اقتصرت مقابلاته المتعدّدة على أهل الدّين والعلم والفكر والفن. فلم يشجع مَن كان يقوم على ترتيب زياراته في الغرب أن يسعى إلى تنظيم لقاء له مع أيّ من الملوك والحكّام. فعندما كان عبّاس أفندي في زيارته إلى لندن اقترحت عليه الليدي بلومفيلد، أبرز أعضاء الجامعة البهائية في بريطانيا، أن تبعث بخطاب إلى الملك جورج الخامس تعلمه فيه عن رسالة عبّاس أفندي وعن زيارته إلى لندن، واستأذنته في فعل ذلك، إلاّ أنّ عبّاس أفندي لم يوافق وأثنى على اقتراحها وأخبرها بأنّه قدِم إلى الغرب ليلتقي بعامة النّاس لا بالملوك والحكّام رغم أنّه يرحب بكلّ مستفسر باحث عن الحقيقة أيّاً كان[4]، أمّا بالنّسبة لأولي الأمر والحكّام في مصر والدّولة العثمانية فكان الأمر مختلفاً تماماً، إذ التقى عبّاس أفندي بأعضاء من الحكومة العثمانية، وفي مصر التقى بالخديوي عبّاس حلمي باشا للمرّة الثّالثة في 17 آب (أغسطس) من العام 1913 وبعد شهر زاره الأمير محمّد علي باشا، الشّقيق الأصغر للخديوي عبّاس حلمي. ومن أبرز المعجبين بعبّاس أفندي كان عثمان باشا مرتضى الياور الخاص للخديوي ورئيس التّشريفات، وهو الذي اعتاد أن ينظم تلك اللقاءات. لم يكن عبّاس أفندي عالماً ورائداً فكرياً ومعلماً روحياً فحسب بل كان أيضاً واسع العلم محيطاً بمطالب الدّنيا والحياة الاجتماعية والرّسمية، لم يلتقِ أو يجتمع بالحكّام أو الملوك أو السّياسيين الغربيين لأنّه كان مواطناً عربياً عثمانياً ومن غير المناسب واللائق، في الظّروف السّياسية العالمية آنذاك والعداوة بين العثمانيين والدّول الأوروبية على أشدّها، أن يتم أيّ اتّصال بينه وبين أولئك المسؤولين. ومع ذلك اتُّهم عبّاس أفندي بأنّه حليف أعداء الدّولة العثمانية دون أيّ دليل أو شاهد على ذلك في الماضي القريب أو الحاضر، واتّضح بعد ذلك بطلان كلّ هذه الافتراءات والتّهم المغرضة النّابعة من الحقد والحسد. ومن الجدير بالذّكر والمعلوم جيداً لدى الجميع أنّ الدّين البهائي يحرّم تحريماً قاطعاً الاشتغال بالأمور السّياسية، ويحثّ أتباعه على الإخلاص للوطن وإطاعة قوانين البلاد والعزوف كليّاً عن أيّ مظهر من مظاهر العنف. فقد صرّح بهاء الله في أحد ألواحه ودعا قائلاً: «إيّاكم أن لا تجادلوا في أمر الله مع أحد لأنّا رفعنا حكم السّيف وقدّرنا النّصر بالحكمة والبيان فضلاً من لدنّا على الخلائق أجمعين، أن اشتغلوا يا قوم بحرارة حبّ الله لتشتعل منكم أفئدة النّاس وإنّ هذا حقّ النّصر لو أنتم من العارفين.»[5]

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى موضوع الاتّهامات الباطلة التي تُكال للدّين البهائي مدّعية بأنّه يخدم أغراضاً سياسية، وأنّه مرتبط بأجهزة سياسية مشبوهة وما إلى ذلك من ادّعاءات. والسّؤال الذي لا بد أن يُطرح: ما هي أصول هذه التّهم والادّعاءات؟

لقد رزح العالم الشّرقي وشعوبه تحت نير الاستعمار الأجنبي مدّة طويلة، فكانت تداعيات ما تحمّلته تلك الشّعوب من ظلم واعتساف أن كره الشّرق المستعمرين وقاموا على محاربتهم ومحاربة أتباعهم. وهكذا اغتنم أعداء الدّين البهائي ومناوئوه هذه الفرصة – فرصة كراهية الشّرق للمستعمر ومن منطلق ديني بحت – فاستغلّوا العاطفة المتأجّجة في صدور النّاس ضدّ الأجنبي والظّالم الذي يمثلّه حكمه، ليبتدعوا باطلاً وزوراً علاقةً بالمستعمرين ألصقوها بهذا الدّين ولم يستطيعوا إثبات ادّعاءاتهم حتى يومنا هذا لبعدها عن الصّحة من جذورها.

لم يكن الهدف الأساس، الذي سعى إليه مضطهدو هذا الدّين، في زعمهم أنّه مرتبط بالاستعمار، إلاّ زرع الكراهية والبغضاء في النّفوس تجاه الدّين البهائي. وما يبعث على الحيرة والدّهشة في هذا الأمر أنّ هذا الزّعم لم يقتصر على ربط هذا الدّين بمستعمر واحد بل تعداه إلى عدد من المستعمرين ذوى الاتجاهات المتباينة والمصالح المتضاربة. وما يزيدنا دهشة إنّه كلّما ظهر مستعمر جديد سارع أعداء هذا الدّين إلى تلفيق تهمة جديدة تربطه بوجه ذلك الاستعمار، وكأنّ الحيل لا تعيهم في شأوهم هذا. وليس هذا الاتهام بجديد في تاريخ الأديان السّماوية، فالإسلام دين الله الحنيف اتهم في بداية أمره بمثل ما يتّهم به الدّين البهائي وزعم أعداء الإسلام بمثل هذا الزّعم بأنّ دين الله مرتبط بالأجنبي الغريب. قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلاّ إفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾ (سورة الفرقان: 4) ورداً على هذا الاتهام الذي وجه للرسول الكريم يقول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (سورة النّحل: 103).

في الماضي كان أعداء الدّين البهائي يتهمونه تارةً أنّه مرتبط بالنّفوذ الرّوسي في إيران وأخرى بالنّفوذ البريطاني، ثم بعد أن بسط انتشاره الكبير في الولايات المتحدة نجدهم اليوم يتهمونه بارتباطه بعجلة الاستعمار الغربي والأمريكي خاصّة، وبالتّالي بالصّهيونية، وهذا هو بيت القصيد، فلو لم تكن الصّهيونية مكروهة لما تبنّوْا مثل هذا الادعاء. أمّا في المناطق التي يسودها كره للشيوعية فنراهم يوجهون للدّين البهائي تهمة الارتباط بها. وهكذا دواليك إذ لا نهاية للارتباطات التي يخترعها المدّعون[6].

خلاصة القول، وبغضّ النّظر عن الموقف السّلبي الذي اتّخذه بعض معاصري عبد البهاء تجاه الدّين الذي كان يعتنقه ويدعو إليه، فإنّ غالبيتهم السّاحقة أجَلَّتْه واحترمته بالغ الاحترام واعتبرته إنساناً كامل الفضائل من النّادر أن يجود الزّمان بمثله. وفيما يلي مختارات مما قيل فيه وعنه.

الأستاذ الإمام الشّيخ محمّد عبده

ولد الأستاذ الإمام الشّيخ محمّد عبده (1849 – 1905) في قرية من قرى مصر وتعلّم في مدارسها ثم انتقل إلى الأزهر الشّريف لدراسة العلوم الدّينية، وكان بفطرته ميالاً إلى الأبحاث الفكرية والفلسفية ومهتماً بعلوم المنطق، فلمّا جاء السّيّد جمال الدّين الأفغاني إلى مصر أخذ عنه أصول الفلسفة والمنطق ففتحت له هذه الدّراسة أفاقاً جديدة وانخرط في نشاط الحركات الإسلامية الشّاملة التي تزعّمها جمال الدّين الأفغاني. ولم يطل الوقت حتى بدأ محمّد عبده في الابتعاد بالتّدريج عن الأفغاني والتّخلّي عن الأفكار والنّظريات التي اعتنقها عن طريقه أيّام كان في شبابه، مفضلاً «فتح باب النّقاش الإسلامي لأفكار جديدة». كان وطنياً غيوراً أيّد الحركة الوطنية في عهد عرابي، ولما احتل الإنجليز مصر حُكم عليه بالنّفي في العام 1882 فأقام في بيروت ردحاً من الزّمن، سافر إلى باريس حيث التقى بالأفغاني هناك، وزار لندن بدعوة من السّير ويلفرد سكوين بلنت صديق مصر العظيم ودعا إلى وجوب جلاء الإنجليز عن مصر، والتقى هناك بوجوه البرلمان والصّحافة والرّأي العامّ. وعاد أخيراً إلى مصر في العام 1889 ليحتلّ مناصب مرموقة حيث تولّى الإفتاء إلى نهاية حياته.

في بيروت وفي العام 1887 تمّت عدّة لقاءات بين الإمام وعبّاس أفندي ونشأت بين الاثنين صداقة روحية وفكرية، وأعجب الإمام ليس فقط بشخصية عبّاس أفندي بل أيضاً بآرائه وأفكاره النّيّرة وبرنامجه الإصلاحي الدّيني العالمي النّطاق. ولا شكّ في أنّ الإمام كان يعرف تماماً من هو عبّاس أفندي ومَنْ يمثّل، وسمع من صديقه أمير البيان شكيب أرسلان عن أراء عبّاس أفندي في مجالات «التّجديد الدّيني والثّقافي» والعوامل الضّرورية لاصلاح المجتمع العالمي كلّه.

لقد كُتب الوَفْر وقيل الكُثْر في ما ربط بين الإمام محمّد عبده وعبّاس أفندي وألّف بينهما. ومع كلّ ذلك ظلّ هناك قدر من عدم القدرة على تحديد طبيعة الصّداقة التي نشأت بينهما والصّعوبة في تعريف الصّلة التي توطدت واستقصاء سلوك محمّد عبده تجاه البهائيين وكشف موقفه من الدّين البهائي وخاصة في الشّطر المتأخر من حياتهما. ولاستكشاف ذلك وجلائه اختاض العديد من الباحثين في ماضي الشّخصيتين منقبين في كلّ جوانب حياتهما.

أورد الشّيخ رضا في مذكراته عن الإمام محمّد عبده وسيرة حياته نقاشاً كان له معه وضّح فيه بجلاء «تعاطف عبده مع الرّسالة البهائية ومُثُلها في ذلك الوقت» وهناك عدّة رسائل كتبها عبده إلى عبد البهاء تكشف عن مديح يرقى إلى مستوى أرفع بكثير عمّا جرت عادة محمّد عبده في الكتابة إلى الشّخصيات الدّينية آنذاك. ثم إنّ عبده، رغم ما حمل معلمه الأفغاني من آراء واعتبارات سلبية تجاه الدّين البهائي، لم تراوده أفكار أو مشاعر مماثلة تجاه البهائيين أو الدّين البهائي. والواقع هو أنّه رفض مبدأ معلمه الثّوري مفضلاً عليه المبدأ التّطوري للتغيير المفروض لإصلاح التّعليم. أمّا الشّيخ رضا فقد بدا أنّه اتّبع سبيل الأفغاني ونهجه السّلبي ودأب على نقد الدّين البهائي والحطّ من قدره في مجلّته «المنار» بينما استمرّ عبده في الدّفاع عنه.

ورغم إصرار رضا على ادعائه أنّ محمّد عبده تأثّر واستجاب معجباً بمقالاته المنشورة في مجلّة «المنار» والتي حاول أن يثبت فيها بطلان الدّين البهائي وتعاليمه، لم يقم أيّ دليل يسند تلك المزاعم ويدعم دعواها. والحقيقة الثّابتة التي لا تزال قائمة حتى اليوم هي أن الدّليل الوحيد الذي يكشف موقف محمّد عبده من الدّين البهائي هو ما ورد في رسائله التي خطّها لعبد البهاء والتي أظهر فيها بكلّ وضوح وصراحة ما حمل له من إعجاب. وقد أورد هذا الشّعور الشّيخ رضا نفسه في ما كتبه عن سيرة حياة عبده والذي عبّر عنه الإمام عبده (في حديثه مع رضا) ووصف فيه عبّاس أفندي بأنّه «رجل كبير»:

«ثم سألته عن عبّاس أفندي وقلتُ أسمعُ أنّه بارع في العلم والسّياسة، وأنّه عاقل يرضي كلّ مجالس… قال نعم إنّ عبّاس أفندي فوق هذا، إنّه رجل كبير، هو الرّجل الذي يصح إطلاق هذا اللقب (كبير) عليه.»[7]

ولعلّ ما يثير العجب والدّهشة، في ضوء ما كان يضمر رضا من عداء للدّين البهائي، أنّه نقل هذه المعلومة عن مشاعر الإمام التي كان رضا سيخفيها ولا ينشرها لو أنّ الإمام أعرب عن شعور مغاير أو سلبي تجاه عبد البهاء أو الدّين البهائي.

كانت الصّداقة القائمة بين الإمام محمّد عبده وعبّاس أفندي أعمق بكثير مما صوّرها رشيد رضا لأنّ الإعجاب كان متبادلاً والمحبة الرّوحانية متأصلة، ومهما اختلفت المعتقدات الدّينية في الظّاهر فإنّ «الإيمان بالله الواحد الأحد ورسله وأنبيائه» كان الأساس المتين لهذه الصّداقة الفريدة من نوعها في ذلك الزّمان. وقد وجد بين الاثنين اهتمامهما بالوسائل التي يمكن إستخدامها في تطوير المجتمع وإصلاحه وخاصّة في مجال التّربية والتّعليم. وفي حواره مع رشيد رضا يتحاشي الإمام الدّخول في نقاش حول عقيدة البهائيين ويصفهم بقوله:

«إنّ هذه الطّائفة هي الطّائفة الوحيدة التي تجتهد في تحصيل العلوم والفنون بين المسلمين، وفيها العلماء والعقلاء، ولا أعلم حقيقة مذهبهم، ولا أدري هل ما يقال عنهم عن الحلول ونحوه صحيح أم لا؟ بل استغربه جداً.»[8]

ولا أدّل على إعجاب الإمام محمّد عبده بعبّاس أفندي من تلك الرّسالة العصماء التي وجهها إلى مَنْ وصفه بحضرة «المولى الكامل والسّيد العالم حجّة الأواخر على الأوائل». ولا أدلّ على أنّ الإمام فهم رسالة عبّاس أفندي فيصفه بأنّه «روح السّلام»، ثم يعبّر الإمام عن شوقه ويصفه بأنّه «شوق النّفوس إلى كمالها» ويؤكّد أمله في أن يزور عكّاء وهي حاجته للوصول إلى مراده حيث يقول «وحاجتي للاستضاءة بنوركم… ويوفر عليّ النّعمة في ودّكم». وها هي الرّسالة التي بعث بها الإمام محمّد عبده من بيروت إلى عبّاس أفندي في عكّاء بتاريخ 17 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1887:

حضرة المولى الكامل والسّيّد العالم حجّة الأواخر على الأوائل أيّده الله،

الحمد لله مبدأ الكمال ومنتهاه، والصّلاة والسّلام على لبّ الوجود ونُهاه، وآله ورثة علاه، وأصحابه حفظة هديه ونجوم هداه، أمّا بعد فإلى مقامك يا روح السّلام يرفع السّلام، ودون جلالك أيها الهمام تُطاطئ الهام، ولو جعل الله لأشباح المباني أن تحدد أرواح المعاني أو أذن للتعبير أن يمثّل أحوال الضّمير لقصصت أحسن القصص، ورويت لك أطول القصص لبثّ أشواقي إليك وشكاية لهفي عليك، ولكن ما لك في نفسي لا تمثّله حكاية، وما ضمن لك قلبي لا توديه رواية، فوكّلت بيان ذلك إلى نور بصيرتك، وغنيت عن كشف بعضه بإشراق سريرتك، وشوقي إليك شوق النّفوس إلى كمالها، وشغلي بك شغل القلوب بآمالها، ولكن ما الحيلة والموانع قائمة والقواسر بالبعد حاتمة، جئت إلى بيروت فاستقبلني منك كتاب، فيه للفضل فصول وأبواب، كسوتني فيه من حسن ظنك، وطوقتني من منزل فضلك أطواق منك، وما أنا في شيء مما ذكرت وإنّما تجلّت لك صفاتك مذ ذكرت ما ذكرت، وهكذا الكمّل يرفعهم الله فيعلون، ويعرفهم من جلاله فيدنون، زادكم الله علاء ورفعة، وزاد علاكم عصمة ومنعة، أمّا مجيئي إلى عكّا فشوقي إليكم يهزني إليه، وحاجتي للاستضاءة بنوركم تحثني عليه، وسأبذل في ذلك جهدي وأستفرغ فيه وسعي وجدي، وأسأل الله التّيسير، وأن يغنينا بالتّقدير من التّدبير، وأن يوفّر علي النّعمة في ودّكم، وأن يزيل بالقرب وحشتي لبعدكم، وهو ولي الصّادقين، والحفيُّ بالمخلصين، والسّلام.

الدّاعي

محمّد عبده

29 محرم 1305 [9]

 

بعد مرور ثلاثين عاماً على هذه الرّسالة واللقاء الذي تمّ بين عبّاس أفندي والإمام محمّد عبده شرح عبّاس أفندي جوانب من علاقته بالإمام لمجموعة من مؤيديه وأحبّائه [المعلومات مأخوذة من كتاب «ظهور حقّ» مخطوطة موجودة بمحفظة الآثار البهائية.] وذكر عبّاس أفندي بأنّه التقى عدّة مرّات بالإمام في بيروت، وحدث أن جاءته برقية من عكّاء تدعوه بالعودة. ولما علم الإمام بالأمر أراد أن يكون صاحب سفره. ولكنّ عبّاس أفندي رأى أنّ من باب الحكمة ألاّ يصطحب الإمام معه حتى «لا يقول أهل عكّاء بأنّ «مفسداً» قد جلب معه «مفسداً» آخر. وبما أنّ عبّاس أفندي لم يُرِدْ أن يرفض رغبة الإمام كلّية، اقترح على الإمام الحجّ إلى البيت المقدس ومن هناك يأتي إلى عكّاء حيث يستضيفه عبّاس أفندي ويؤمّن له مسكناً ومكاناً ليدرس دروسه. ويكرّر الإمام رغبته في زيارة عكّاء في رسالته المنشورة أعلاه والمؤرخة في شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) 1887. ولم يتمكّن الإمام من تحقيق رغبته إذ عاد إلى مصر بعد أشهر قليلة في العام 1888. وعلق عبّاس أفندي في حديثه هذا كيف فترت العلاقات بينهما فيما بعد. ولقد أزعج عبّاس أفندي مقال غفل إمضاء صاحبه بعنوان «الفرقة البابية» نشرته جريدة «الأهرام» بتاريخ 18 حزيران (يونيه) 1896. وقد قيل أنّ محمّد عبده كان كاتب المقال الذي كان من جملة المقالات الصّحفية التي حملت أخبار اغتيال ناصر الدّين شاه في اليوم الأوّل من أيار (مايو) من العام 1896، وقد اتُّهم البهائيون بأنّهم هم المسؤولون عن اغتيال الشّاه والحقيقة التي أثبتها التّحقيق بأن الشّاه قتله رضا الكرماني أحد تلامذة السّيّد جمال الدّين الأفغاني.

مهما يكن من أمر فإنّ الإمام كان يجابه ضغوطاً هائلة وخاصة بالنّسبة للعلاقة الرّوحية والفكرية التي ربطته بعبّاس أفندي. ويا حبّذا لو كانت كلّ الرّسائل المتداولة بين عبّاس أفندي والإمام في متناول اليد، وكما رأينا من رسالة الإمام كيف احتلّ عبّاس أفندي مكان الصّدارة في ضمير الإمام، وبالمقابل أفاض عبد البهاء في رسائله إلى الإمام من معين الرّوح والقلب احتراماً وإكباراً لا يليق إلاّ بأهل المكارم من الأولياء.

وصف العالم الدّكتور أوليفر شاربرودت، في كتاب[10] له ضمّنه دراسة مقارنة للأديان، عبد البهاء ومحمّد عبده بأنّهما شخصيتان نشأتا وبرزتا من «وسط فكري وديني وسياسي متشابه» وفي وقت كان فيه الشّرق الأوسط يمرّ بمرحلة من الحداثة والعصرنة وتقصٍّ و«تساؤل حول التّديّن الإسلامي التّقليدي»، على حدّ قول شاربرودت. إلاّ أنّه يضيف أنّهما سلكا سبيلين مختلفين في اتّجاهين مختلفين: «عبد البهاء كان حكيماً شرقياً متمتعاً بمزايا القيادة الآسرة للجماهير ينادي بسلام العالم ووحدة العالم المتأصّلة» بينما كان «محمّد عبده العالم المصلح المتشدّد الذي دافع ونادى بتفوّق الإسلام على المسيحية ووقف ضدّ المنتقدين العلمانيين». ورغم اختلاف حركات الإصلاح البهائية والمسلمة في القرن التّاسع عشر قامت علاقة متطوّرة بين حركات الإصلاح البهائية والمسلمة آنذاك مما أدّى بالتّالي إلى التّصنيف والفصل بين تيارين; الأصولي الملتزم والتّجديدي المجتهد[11].

الأمير محمّد علي توفيق

من المعلوم أنّ الأمير محمّد علي توفيق، المعروف باسم الأمير محمّد علي باشا هو ابن الخديوي توفيق حفيد الأمير محمّد علي الكبير (1769 – 1849) الذي كان والي مصر (1805 – 1848) ومؤسس الأسرة العلوية التي حكمت مصر حتى العام 1952، وهو العام الذي شهِد تغيير نظام الحكم الملكي ليصبح حكماً جمهورياً. وكان الأمير محمّد علي توفيق الشّقيق الأصغر للخديوي عبّاس حلمي (عبّاس الثّاني) الذي حكم مصر من العام 1892 إلى العام 1914 والذي عزله الإنجليز لنزعاته الوطنية وسعيه للحصول على الاستقلال الكامل لمصر.

كان الأمير محمّد علي توفيق إنساناً عصرياً وصاحب ثقافة واسعة ويهتمّ بكلّ ما يمكن أن يفيد بلاده إلى جانب اهتمامه بالآداب والفنون. كتب الأمير محمّد علي باشا في مذكراته عن رحلته إلى أمريكا الشّمالية التي صادفت زيارة عبّاس أفندي إلى تلك البلاد أيضاً فقال:

«… حضر بعد ذلك عبّاس أفندي فقابلته مرحّباً به معظّماً له. ولم تؤثر الشّيخوخة في ذكائه المفرط فإنّه مكث معي نحو ساعة من الزّمان وهو يحدّثني في موضوعات شتى مفيدة جداً دلّت على سعة اطّلاعه وكثرة اختباره. فهو إذاً رجل العلم وعظيم من عظماء الشّرق. ثم قال دولته أمّا خطاباته الكثيرة المؤثرة فإنّها أخذت دوراً عظيماً في أمريكا، وقد كانت إذ ذاك حديث الجرائد ينشرونها ويعلقون عليها أراء علمائهم الدّينيين. وبالجملة قد توصّل باقتداره إلى بلوغ الدّرجة التي يحسده عليها الحاسدون وقد مكثتُ معه زمناً أحادثه ويحادثني فيطربني بلذيذ كلامه. ثم انصرفت من عنده وأنا أحفظ له في قلبي المودّة والاحترام.»[12]

ذكرت السّيدة مارثا روت، إحدى أبرز السّيّدات البهائيات في أمريكا، بأنّ لقاءً تمّ بينها وبين الأمير محمّد علي في العام 1930 تلخّصه بالتّالي، وأنّ الأمير تحدّث باسهاب عن تشرّفه بزيارة عبّاس أفندي في نيويورك في 22 يونيو/حزيران من العام 1912 وذلك قبل إبحار عبّاس أفندي من العالم الجديد عائداً إلى أوروبا ومنها إلى مصر ثم فلسطين:

«صافحني سمو الأمير بدماثته المعهودة ودعاني إلى الجلوس على أحد مقاعد الحديقة حيث وُضِعت مائدة صغيرة تحت شجرة تين، ولسوف تجلس معنا أيّها القارئ لأنّك أنت أيضاً ستكون معنا في هذه الحديقة الرّائعة لتسمع ما يقوله أميرٌ عالم وفيلسوف في حقّ عبد البهاء. وكان الأمير يذكره باسم «عبّاس بابا» أو «عبّاس أبو الجميع».

بدأ الأمير حديثه بأن قال: «نعم لقد عرفت «عبّاس بابا» فقد كان صديقاً عزيزاً لشقيقي الخديوي السّابق عبّاس حلمي الثّاني. وأيضاً كانت هناك روابط صداقة وثيقة بينه وبين عثمان مرتضى رئيس التّشريفات عند أخي الخديوي. فلقد التقيت «بمعلمكم» الحبيب لأوّل مرّة في باكورة العام 1912 وأنا في طريقي إلى باريس. والتقيته أيضاً عندما كنت في نيويورك في العام 1912 وكان عبد البهاء يسكن منزلاً قريباً من «سنترال بارك»، وهو المنزل الذي أعدّه أصدقاؤه (أو كما تقولون أتباعه) لسكناه. كنت آنذاك أنزل في «اوتيل بلمونت» في الجادّة الخامسة من أحياء نيويورك، وكان «عبّاس بابا» يتفضّل متكرّماً ليزورني هناك، وكم كان تقديري لزيارته تلك تقديراً عظيماً».

وشرح سموّه الملكي كم كان فخوراً أن يرى رجلاً من الشّرق يصوغ لأمريكا فكرها الرّوحي. واستمرّ مضيفي الأمير قائلاً: «ورغم ما نشعر به من أسف أن نرى تخلّف الشّرقيين في العلوم، علينا أن لا ننسى أنّ الأديان كلّها ظهرت في الشّرق وكذلك ظهر من هناك بعض من القادة العظام ومن كبار قادة الرّأي. لقد برهن «عبّاس بابا» للأوروبيين ولكلّ أهل الغرب أنّ قادة الرّوح العظام لا زالوا يولدون في الشّرق. وبما أنّني أحبّ الشّرق، وأنا شرقي، فقد شعرت بمزيد من الفخر للمكانة العظيمة التي يتمتّع بها عبد البهاء في الولايات المتحدة، ومظاهر الاعتزاز بوجوده. إنّ بلادكم هي بلاد الرّوائع العظيمة، المليئة بالاختراعات المرموقة، والمتميّزة بخطوات التّقدم والرّقي الرّائعة، وإنّكم أيضاً قد أدركتم عظمة عبد البهاء».

وكان هذا الأمير الصّادق القول يتحدّث بكلّ إخلاص وكانت هذه كلماته: «لقد أحببت «عبّاس بابا» وأعجبت به، وشعرت بأنّه يحبّني وأنّه خير صديق لي».

واسترسل الأمير في حديثه قائلاً: «وبعد رحلتي تلك إلى نيويورك، اجتمعت بـ«عبّاس بابا» في باريس. وأخبرني آنذاك عن محاضرته العظيمة التي ألقاها في جامعة أكسفورد. وأخبرني أيضاً عن أصدقائه في ألمانيا، وبعد ذلك سافرنا سوياً على متن نفس الباخرة عائدين إلى مصر. ولمدّة أربعة أيّام كنّا دائماً معاً. ولقد حزنت كثيراً عندما سمعت بوفاته، فقد كنت أعتبره أعظم شخصية في هذا القرن. إنّ شخصاً مثل «عبّاس بابا» لا يمكن أن نجد له مثيلاً – وهذا رأيي. لقد كانت روحه من العظمة بمكان، وكان يتمتّع بعقل راجح إلى أبعد حدّ، وإدراك للحقائق إدراكاً عظيماً.»[13]

الشّيخ علي يوسف

الشّيخ علي يوسف المصري والمتوفى في العام 1913 هو مؤسس الصّحافة الإسلامية العصرية بمصر. أسس جريدة المؤيّد التي كانت أشهر الجرائد الإسلامية في مصر والعالمين العربي والإسلامي. انشأ مجلّة الآداب سنة 1885 بالاشتراك مع الشّيخ أحمد ماضي، وبازدياد الحاجة إلى صحيفة تنادي بإنقاذ مصر من الاحتلال شجّعه الوطنيون على إصدار مجلّة المؤيّد. وإلى جانب المناداة بالاستقلال دأب الشّيخ علي يوسف على الدّفاع عن الإسلام وحقوق المسلمين حيثما كانوا، وسبق أن شنّ هجوماً عنيفاً على البهائيين والدّين البهائي ودعى إلى مناهضتهم بشدّة، إلاّ أنّ موقفه قد تغيّر بعد زيارته لعبّاس أفندي إذ كتب يقول:

«وصل إلى ثغر الإسكندرية حضرة العالم المجتهد ميرزا عبّاس أفندي كبير البهائية في عكّاء بل مرجعها في العالم أجمع. وقد نزل أولاً في نزل فكتوريا بالرّمل بضعة أيام ثم اتّخذ له منزلاً بالقرب من شتس (صفر) وهو شيخ عالم وقور متضلع من العلوم الشّرعية ومحيط بتاريخ الإسلام وتقلّباته ومذاهبه يبلغ السّبعين من العمر أو يزيد على ذلك.

ومع كونه اتّخذ عكّاء مقاماً له فإنّ له أتباعه الذين يعدّون بالملايين في بلاد الفرس والهند بل وفي أوربا وأمريكا. وأتباعه يحترمونه إلى حدّ العبادة والتّقديس حتى أشاع عنه خصومه ما أشاعوا ولكن كلّ من جلس إليه يرى رجلاً عظيم الاطّلاع، حلو الحديث، جذاباً للنفوس والأرواح يميل بكلّيته إلى مذهب (وحدة الإنسان) وهو مذهب في السّياسة يقابل مذهب (وحدة الوجود) في الاعتقاد الدّيني. تدور تعاليمه وإرشاداته حول محور إزالة فروق التّعصب للدّين أو للجنس أو للوطن أو لمرفق من مرافق الحياة الدّنيوية.

جلسنا إليه مرّتين فأذكرنا بحديثه وآرائه سيرة المرحوم جمال الدّين الأفغاني في إحاطته بالمواضيع التي يتكلّم فيها وفي جاذبيته لنفوس محدّثيه إلاّ أنّ هذا يتّسع حلماً ويلين كنفه لحديث مخاطبيه ويسمع منهم أكثر مما يسمع السّيّد جمال الدّين.»[14]

أرمينياس فامبري

نشرت جريدة الاجبسيان غازيت، التي تصدر في الإسكندرية عدد 24 سبتمبر سنة 1914 تحت عنوان (الأستاذ فامبري والبهائية)، مقالاً للسيدة ستنارد العالمة الإنكليزية المشهورة التي كانت تلقي محاضرات جليلة حول علم النّفس في دار الجريدة هذا نصّه:

لما كانت وفاة ذلك البحّاثة المشهور والمستشرق الكبير الأستاذ ارمينياس فامبري (1832 – 1913)، لم يمض عليها إلاّ أيّام قلائل، رأيت أنّ خطابه الذي بعث به قبل وفاته ببضعة أسابيع إلى عبد البهاء عبّاس أفندي قد أصبح رسالة تدوّن في التّاريخ، وكتاباً مأثوراً ذا مكانة عظيمة وأثر كبير. ويسرني أن قد أذن لي في نشر ذلكم الخطاب ولم يكن قد نشر بعد للنّاس…

وكان اللقاء المأثور الذي جرى بين عبد البهاء والأستاذ فامبري في بودابست في أبريل الماضي، وقد لقي الزّعيم البهائي العظيم من عصبة العلماء والبحّاثة المستشرقين والمصلحين الاجتماعيين حفاوة وترحيباً. فلمّا عاد عبد البهاء إلى مصر كتب إلى فامبري كتاباً وبعث إليه بهدية، فكان جوابها الخطاب الآتي. ولكي يعلم من لم يسبق له علم بالأساليب الكتابية في الشّرق أقول إن أسلوب الخطاب لا يكتب به في الإسلام إلاّ عالم الدّين. ولا يستعمل إلاّ في مراسلة معلم عظيم المكانة أو زعيم جليل القدر.

وإلى القراء ما كتب فامبري إلى عبد البهاء:

«أرفع هذا العرض الحقير إلى حضرة عبد البهاء عبّاس أفندي. وسدّته الطّاهرة المقدّسة. إلى قطب العلم الذّائع الذّكر في الخافقَين والمحبوب من النّاس جميعاً.

أي صديقي الكريم، وهادي النّاس إلى سواء السّبيل، لو أنّ حياتي تروح لك فدى.

إن الرّسالة التي تنزّلت لكتابتها إلى خادمك، والبساط الذي حبوته به قد وصلا إليَّ سالمين، فعاودتني ذكري لقائي بفضيلتك، وتبرّكي بحضرتك، وإنّي لأحنّ إلى لقائك، وأشتاق إلى رؤيتك. وقد جبت كثيراً من ممالك الإسلام وبلدانه، فما رأيت خلقاً سامياً مثل خلقك ولا شخصية عالية مثل شخصيتك، وإنّي لأشهد أنّ ليس من الممكنات أن يقع المرء على نظيرك، وأؤمل أن تكون مبادؤك الكمالية وأعمالك قد توّجت بالفوز والنّصر، أثمرت على أيّة حال، فإنّي ألمح من وراء مراميك الكمالية وأفعالك الخير الأبدي والنّعيم المقيم لعالم الإنسانية.

إنّ خادمك أراد أن يجتني العلم والخبرة من مصدرهما فدخل في أديان كثيرة فصار في مظهره يهودياً ومسيحياً وزرادشتياً، على أنّي رأيت أنّ المتمسّكين بهذه الأديان لا همَّ لهم إلاّ التّباغض والتّنافر والتّباهل والتّلاعن، وإنّ هذه الأديان قد أصبحت آلات للظلم والطّغيان في أيدي الولاة والحكّام، وأنّها أسباب تعمل على خراب العالم الإسلامي وفنائه. وتفادياً من شر هذه النّتائج كان حقاً على كلّ انسان أن يكتب اسمه في سجل أنصارك. ويرضى مبتهجاً بمقصدك، إلى تأسيس قاعدة ينهض عليها دين عام. وكنت أنت واضع أساسه بمجهوداتك وأعمالك. لقد رأيت عن بعد أبا فضيلتك. ثم شهدت كرم نفس ابنه وشجاعته وتضحيته فرحت بكما معجباً.

وإنّي أقدم احترامي الأكبر وإخلاصي الأشدّ إلى مبادئك ومراميك وإذا مدّ الله تعالى في عمري وتنفّست بي السّنّ استطعت أن أخدمك على كلّ حال. وإنّي أدعو الله وأضرع إليه من أعماق فؤادي أن يحقق أمنيتي.

خادمك فامبري.»[15]     

محمّد جميل بيهم

المؤرّخ محمّد جميل بيهم يصف لقاءه مع عبّاس أفندي وتوفيق بك طارق يرسم صورة

«كنت زرت في حيفا عبّاس أفندي البهائي زعيم البهائيين في العالم، وأعجبت بمواهبه وبما يتمتع به من عمق التّفكير وقوة الحجّة، ووددت لو أحصل على رسم من رسومه، ولكن معرفتي القصيرة به لم تسمح لي بأن أطلب رسمه. فبدا لي أن استعين بتوفيق بك طارق للحصول على هذا الرّسم ليكون واحداً من الرّسوم الكثيرة المهداة لي من مشاهير العالم ولا سيما العرب والمسلمين التي أُزيّن بها بَهْوَ داري. لذلك وقبل ختام الجلسة اقترحت على الأمير سعيد[16] الذّهاب لزيارة عبّاس أفندي البهائي في اليوم التّالي بصحبة توفيق بك طارق، فوافقا على هذا الاقتراح دون أن يعلم أحد منهما الغاية التي أتوخاها.

وكان عبّاس أفندي يسكن داراً فخمة محاطة بحديقة نضرة، ومع ذلك فكان كثيراً ما يختار استقبال زائريه في شبه عرزال أقامه في زاوية من زوايا الحديقة كان يقضي أكثر نهاره فيه. فاستقبلنا في ذلك العرزال، وبينما كان الحديث بيني وبينه يدور حول ما وراء الطّبيعة، وحول الأديان، وبينما كانت أكواب الشّاي الفارسي تدار علينا، كان توفيق بك يطيل التّفرس والتّعمق في وجه عبّاس أفندي وجسمه ملتزماً السّكوت، وكأنّه في عالم آخر.

وبعد الوداع اقترح الأمير سعيد علينا أن نذهب إلى جبل الكرمل للنزهة بدلاً من العودة إلى الأوتيل مباشرة. وهناك في الجبل قلت لتوفيق بك أود أن أرى بعيني موهبتك التي تحدّث عنها الأمير سعيد ليطمئن قلبي بالإضافة إلى إيماني بما وصفك به، وذلك بأن تصوّر لنا عبّاس أفندي الذي زرناه فقال حبّاً وكرامة، ولكن أين الورق؟ وكنت قد أعددته، ولما أبرزت له واحدة منه سحب من جيبه أقلام الرّسم الملونة وراح يدير الأقلام فوق الورقة، ويرسم خطوطاً مبهمة لم تلبث في النّهاية أن اسفرت عن صورة كاملة ملونة لزعيم البهائيين لا ينقصها إلاّ الكلام.

ولقد كان سروري العظيم بهذا الرّسم سروراً لا يضاهيه إلاّ إعجابي بالرّسام. ومع ذلك فلم أقنع بالموجود، بل أردته أوفر قيمة فيما إذا ازدان الرّسم بكلمة من صاحبه وتوقيعه. وازدان أيضاً بخطّه الجميل. وانتظرت اليوم التّالي بفارغ صبر، ولما حان الموعد المناسب للزيارات، قصدت سريعاً بيت عبّاس أفندي. وبعد أن استقرّ بي المقام أعربت له عن تقديري له، وعمّا أتمناه من حصولي على رسمه، وقبل أن أسترسل في الحديث قاطعني سيادته بالشّكر لي على حسن ظنّي، وبإظهار أسفه على إمكانه تلبية طلبي لأنّه لم يتصور قط في حياته، ولم يسمح لأحد بأخذ رسمه. وكان ذلك قبل سفره إلى أمريكا حيث أمعن المصورون في تصويره في كلّ مكان.

فقلت له بعد أن أسديت له الشّكر: «فهل تسمح بكتابة كلمة إذا جئتك برسم لك؟»

ولما حدثته عن توفيق بك طارق والرّسم أظهر تعجّبه وإعجابه وقال: «إذا كان الرّسم مطابقا فحبّاً وكرامة. وإلاّ فإنك تسمح لي بتمزيقه».

فرضيت بهذا الشّرط، وفتحت رسمه الذي كنت أحمله بيدي ملفوفاً، ولما شاهده أظهر إعجابه به وبموهبة واضعه، وأخذ القلم الأحمر وكتب عليه هذه العبارة قبالة فمه: «الحب هو النّور السّاطع يتزين به العالم الإنساني» ثم وضع توقيعه في أسفل الرّسم. وهو لا يزال موجوداً عندي معروضاً مع رسالة منه موجهة لي بين رسوم الإعلام بخطّه الفارسي الرّائع.[17]

أمير البيان الأمير شكيب أرسلان

كان شكيب أرسلان (1869 – 1946) أميراً من أمراء دروز لبنان ولقّب بأمير البيان لبلاغته وفصاحته. إلاّ أنّ أهميته كانت في كونه مؤرّخاً وكاتباً اشتهر بدفاعه عن الوحدة العربية والعديد من القضايا الوطنية الإسلامية، إضافة إلى كونه مترجماً ومفكراً وكاتباً نثرياً مبدعاً. وقد تركت أفكار الإمام الشّيخ محمّد عبده أثراً عظيماً في نفس الأمير شكيب أرسلان ونمت بين الاثنين صداقة فكرية وشخصية خاصةً في السّنوات التي قضاها الإمام الشّيخ محمّد عبده منفياً في بيروت بين العامين 1882 – 1889. وفي تلك الأثناء أيضاً تمّ اللقاء بين الإمام والأمير وعبّاس أفندي. ويترك لنا الأمير صورة مشرقة لعبّاس أفندي لم يصوّرها الأمير بخياله ولكن صوّرها صادقاً بروحه وفكره، فكتب يقول:

«… في العام الماضي 1922 انتقل إلى الدّار الآخرة عبد البهاء عبّاس، وقد ذرّف على الثّمانين. وكان آية من آيات الله بما جمع الله فيه من معاني النّبالة، ومنازع الأصالة والمناقب العديدة، التي قلّ أن ينال منها أحد مناله، أو يبلغ فيها كماله، من كرم عريض وخلق سجيح، وشغف بالخير، وولوع باسداء المعروف، وإغاثة الملهوف، وتعاهد المساكين بالرّفد بدون ملل، وقضاء حاجات القاصدين بدون برم، هذا مع علو النّفس، وشغوف الطّبع، ومضاء الهمّة، ونفاذ العزيمة، وسرعة الخاطر وسداد المنطق، وسعة العلم ووفور الحكمة، وبلاغة العبارة، حتى كأنّ فصاحته صوب الصّواب، وأقواله فصل الخطاب; وكتاباته الدّيباج المحبّر، وفصوله الوشى المنمنم، يفيض بيانه جوامع كلم، وتسيل عارضته سيل عارض منسجم، ويود اللبيب لو أقام العمر بمجلسه يجني من زهر أدبه البارع، ويرد من منهل حكمته الطّيبة المشارع استولى من المعقول على الأمد الأقصى، وأصبح في الإلهيات المثل الأعلى، وبلغ من قوة الحجّة، واصالة الرّأي، وبعد النّظر; الغاية التي تفنى دونها المنى حتى لو قال الإنسان إنّه كان أعجوبة عصره، ونادرة دهره، لما كان مبالغاً ولو حكم بأنّه من الأفذاذ الذين قلّما يلدهم الدّهر إلاّ في الحقب الطّوال، لكان قوله سائغاً، ولقد كان يمكن أن يكون محيط فضله أوسع، وافق علمه أنأى، لو عاش في إحدى العواصم الكبرى التي يتّسع فيها المجال لمثله، ويكون فيها المحيط على نسبة نباهة قدره، وسراوة نبله، ولكن ضاق الميدان على الفارس، وصغر الكرسي عن الجالس، واعتاض من سعة المحيط وعظمة المقرّ، بحسن أخلاق أهالي عكّاء وكرم طبائعهم وكونهم قدروه وأهله قدرهم، وعرفوا نبلهم وأحلّوهم المحل اللائق بهم، فرفه بذلك عيشهم، ووفرت حرمتهم وذهبت حرشة غربتهم، ولانت خشونة نبوتهم، ورافقهم إلى منفاهم هذا نحو مائة وخمسين شخصاً من أتباع طريقتهم من الإيرانيين، ليس فيهم إلاّ صاحب صنعة أو عمل، وهم جميعاً قائمون على خدمة هذا البيت الكريم، قد هجروا أوطانهم حبّاً بجواره. وكان عبّاس أفندي يكنفهم بظلّه ويتعاهد جميعهم بفضله، وكان أحسن الله منقلبه مستوفياً شروط الرّئاسة، ذا وقار في رسوخ الجبال ومهابة يقف عندها الرّئبال، وحشمة لا تُرى إلاّ في الملوك أو في صناديد الرّجال، ومع هذا كلّه فكانت مجالس حكمته مطرزة باللطائف، ومحاضر جده مهلهلةً بالرّقائق، وكانت رسائله على كثرتها تتلى وتؤثّر، وتحفظ حفظ النّفائس في الخزائن وتُدّخر، وإنّني لأحفظ له كلمات من كتاب مداعبة بعث به إلى أحد أصحابه من شعراء بيروت وهي ومن صيدك في صيدا، وحيفك في حيفا، ونفخك في الصّور، ونقرك في النّاقور، تعلم من هذه الكلمات المعدودة ملكته الأدبية، وقدرته على التّصرف بزمام العربية، مع إنّها ليست لغته الأصلية. ولو وسع المكان لأوردنا له كثيراً من بدائع التّراسل الدّالة على تمام ملكته، وسموّ طبقته. وكانت له مع هذا العاجز مراسلات متّصلة باتّصال حبل المودّة، وعمران جانب الصّداقة، ومراراً قصدت عكّاء ولا غرض لي فيها سوى الاستمتاع بأدبه الغضّ والاغتراف من علمه الجمّ، وداورته مرّة على الكلام في موضوع العقيدة البابية بدون أن أسأله عن ذلك رأساً، بل كنت أجىء إليه من باب المعاريض استطراقاً، وأحاول أن أحمله على هذا البيان استطراداً، فسألته عما إذا كان من الممكن تمثيل الصّفات الإلهية في أحد البشر إشارة بدون تصريح، إلى ما يقال من كون الباب أو البهاء هو مجلى الصّفات الرّبانية على الأرض، فأجابني بأنّ الصّفات معان، والمعاني لا تتجسم ولا تتشخص، وأنّ المجردات لا تتجسّد، وأفاض في هذا الموضوع بالنّفي وتبيين وجوه الاستحالة. فأجبته: «فلماذا يقال إذاً أنّ بعض البشر يمثلون الصّفات الإلهية على الأرض، أو أنّهم مظهر الألوهية في الخلق؟» فقال لي: «ليس الأمر كذلك ولكنّ الحديث يستفيض من القديم بقدر استعداده». وكررها: «بقدر استعداده، بقدر استعداده». ففهمت من هذا أنّ مقصودهم هو كون بعض النّفوس هي مستعدّة للكمال أكثر من سواها، فهي تقتبس من النّور القدسي بقدر صفاتها. وإن هذا مبلغ عقيدتهم في الباب أو البهاء، أو مبلغ عقيدة عبّاس أفندي نفسه، الذي كان فيلسوفاً متكلّماً فلا يمكن أن تكون عقيدته عقيدة العوام من البابيين. وإنّني أتذكّر أنّه كان يشرح مرّة عقيدة القضاء والقدر فقلت له: «إلاّ أنّ هناك من يقول في التّعريف ما هو كذا وكذا». فقال «هؤلاء هم العوام». قلت له: «كلا بل من العلماء من يقول هذا». فقال: «والعلماء فيهم عوام أيضاً».

ولسنا نعرف بالتّدقيق عدد الفرقة البابية، فمنهم من يقول أنّهم زهاء مائة ألف نسمة في العجم، ومنهم من يقول بل 150 ألفاً. ويقال أنّ منهم بالهند، وبمصر، بين الإيرانيين المقيمين بهذه الحاضرة. ومنذ نحو 20 سنة أخذنا نسمع أنّ هذا المذهب انتشر بأمريكا، وإنها قد ترجمت عقيدته إلى الإنكليزية، وأخذ بها ناس كثيرون. وأن من جملة دعاة هذا المذهب رجلاً مسيحياً من أدباء لبنان من قرية بحمدون. وقيل أنّ هؤلاء الذين اتبّعوا الطّريقة البابية بأمريكا كانوا يراسلون دائماً عبد البهاء عبّاس أفندي، ويستفتونه في المسائل، ويستوضحون رأيه في المشكلات الدّينية، ومنهم من جاء من أمريكا حاجّاً إليه ليفوز برؤيته. ومما نعلمه أنّ عبّاس أفندي بعد إعلان الدّستور العثماني وانطلاق حرّيته أن يذهب أين شاء، سافر إلى أمريكا، وتعاهد المريدين الذين له هناك، وبعد أن أقام بها مدّة يخطب ويعظ ويبثّ الدّعوة، جاء إلى أوربا وطاف على المريدين الذين فيها، ثم قفل إلى عكّاء، وبقي فيها إلى أن لبّى دعوة باريه في حيفا سنة 1922.»[18]

سليم قبعين

ولد الأستاذ سليم قبعين، الكاتب الأديب والصّحفي اللامع والمترجم البارع، بمدينة النّاصرة في فلسطين في العام 1870 وتوفّي في مصر في العام 1951. التحق بدار المعلمين الرّوسية في النّاصرة وهي نفس المؤسّسة العلمية التي تخرّج منها الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة. بدأ حياته العملية بالدّخول في سلك التّعليم وكان يحب المطالعة والقراءة ومال إلى الكتابة والصّحافة، فصار ينشر مقالاته في مجلّة «الجامعة» لمؤسّسها أنطون فرح اللبناني المهاجر إلى مصر. كان سليم قبعين من أنصار الحركة الوطنية العربية التي كانت تعرف آنذاك بحركة المعارضة العربية، فلجأ إلى مصر كما لجأ غيره من المواطنين اللبنانيين والسّوريين بسبب نشاطاتهم السّياسية. وانخرط في السّلك التّعليمي هناك يدرّس اللغة العربية ومستمراً في نشر مقالاته في كبرى الصّحف المصرية كالمقطّم، والأخبار، والمؤيّد والمحروسة، كما دأب أيضاً على ترجمة بعض آثار الأديب والفيلسوف الرّوسي ليو تولستوي وخاصة مسرحيّته المشهورة «قوّة الظّلام» التي نشرها في العام 1905. وكان أوّل من ترجم منتخبات من الأدب الرّوسي إلى اللغة العربية. أصدر في القاهرة عدداً من الصّحف والكتب وأهم مؤلفاته العربية: «الدّستور والأحرار»، «السّلطان حسين»، «الدّعوة البهائية ومؤسّسوها»، «تاريخ الحرب العثمانية الإيطالية».

ويحتل كتابه «عبد البهاء والبهائية» مكاناً بارزاً في ميدان الدّراسات الدّينية المتسّمة بالموضوعية والأمانة العلمية إذ يركز المؤلّف بحثه على ما يرد في كتب البهائيين من الأفكار والعقائد، وينظر إلى الجامعة البهائية من الدّاخل وكأنّه يقول لقارئ كتابه، هكذا يرى البهائيون دينهم وأنفسهم وهذا مسلكهم ومنهجهم في العمل والحياة. وعَرَفَ سليم قبعين عبد البهاء عبّاس عن كثب ودرس أفكاره وتتبع أخباره واتصل بأحباره وصحابته، وهزته وفاة عبّاس أفندي وحركت مشاعره فكتب كتابه «عبد البهاء والبهائية»، كما قال في الصّفحة الأولى من كتابه، «قياماً بواجب الإخلاص وإعترافاً بفضل فقيد الإنسانية الطّيب الذّكر السّيّد عبد البهاء.»[19]

يورد لنا الأستاذ سليم قبعين في كتابه، إضافة إلى عدّة مواضيع تتعلّق بشخصية عبد البهاء ورسالته الرّوحية، اراء نخبة ممتازة من روّاد الفكر العربي وأعلامه في مجالات الدّين والعلم والفكر والفن والأدب شهدوا فيها لعبّاس أفندي شهادة حقّ وعبّروا فيها عن إجلالهم لشخص عبد البهاء وضمناً بتأييد دعوته إلى الإخاء والتّسامح والسّلام. ويمكننا أن نعتبر كتابه وثيقة تاريخية للأجيال القادمة لرد الشّكوك والاتّهامات التي حاكها الحسّاد والأعداء، ويحذّرنا الدّكتور محسن عنايت في مقدمته للطبعة الجديدة للكتاب «عبد البهاء والبهائية» كما يلي:

«فحذار أن يحمل القارئ الأوصاف السّامية التي تكررت على ألسن نخبة من أئمة الفكر على محمل التّمجيد لشخص عبّاس أفندي – فمقامه أرفع من هذه النّعوت – ولكن قَصْد أولئك القادة انصرف إلى أبعد من ذلك: لقد تكاتفوا لردّ البهتان الذي اصطنعه أولو الرّيب حول أهداف عبد البهاء، فأدلوا بشهادة ينطق كلّ حرف فيها بأنّ ذاك الذي حاكت سجيّته كمال الأنبياء، جانستها أيضاً بواعثه ونواياه، فمن بلغ مبلغ قدره يكون ظاهره وباطنه صنوان. حرص الأستاذ قبعين كلّ الحرص على أن يأتى هذا التّأييد من رجال تنزّهوا عن الشّبهات، لكي تقطع كلماتهم دابر الشّك، وتبعث الثّقة في وجدان أجيال غلب عليها التّوجّس لكثرة ما أصابها من خيبة الأمل.

فغاية الكتاب إذاً ليست مجرد الاستدلال على علياء عبد البهاء، بل – بالأحرى – غايته تركيز الانتباه على الرّسالة التي شخّص عبد البهاء تعاليمها، وصان وحدتها، وأرسى مؤسساتها، وشرح فحواها، وأوضح أهدافها، ورفع ذكرها في أقطاب الأرض. وهي رسالة لبّها ولبابها التّوحيد: توحيد الله، وتوحيد الأديان، وتوحيد البشرية. وأقصد التّوحيد بمعنى الإقرار بالوَحْدة أو كون المضاف إليه واحداً.»[20]

قدم سليم قبعين كتابه «بكلمة المؤلّف» بعنوان «تهافت الفهماء على مذهب البهاء» سنأتي على ذكرها كاملة في موضع متقدّم من هذا الكتاب. ولعلّ شهادته وهو الذي لم يكن يوماً من أتباع الدّين البهائي شهادة الباحث المنصف والمخبر الأمين.

جبران خليل جبران

كان جبران خليل جبران رائد المدرسة المهجرية في الأدب ومؤسّس المدرسة الرّومانسية في الشّعر العربي الحديث إضافةً إلى كونه من أهم روّاد عصر النّهضة في العالم العربي. ولد في العام 1883 في لبنان وهاجر إلى أمريكا مع والدته عام 1895 عاد بعد ذلك لمدة عامين ليدرس اللغة العربية وآدابها بمدرسة الحكمة في بيروت ثم رجع إلى الولايات المتحدة وتوفّي هناك في العام 1931. كتب جبران باللغتين العربية والإنجليزية، وكان شاعراً في المرتبة الأولى، فآثاره العربية صاغت تيّارات مختلفة في الشّعر الحديث، وأمّا آثاره في الإنجليزية، وخاصّة كتابه «النّبي»، فقد انتشرت ليس في العالم النّاطق باللغة الإنجليزية فحسب، بل في أكثر من خمسة وثلاثين لغة من اللغات في العالم أيضاً. احتلّ كتاب «النّبي» المرتبة الأولى بعد الكتاب المقدّس في انتشاره بين النّاس في أمريكا. كان جبران في آثاره العربية والإنجليزية يُعبّر عن تلك الرّؤية الوحدوية المتغلغلة في كيانه الرّوحي والفكري، وهي الرّؤية التي كانت متجسّدة في شخص عبد البهاء عبّاس وفي جوهر التّعاليم التي كان ينادي بها. التقى جبران بعبد البهاء عام 1912 إبّان زيارة كان يقوم بها عبد البهاء عبّاس إلى أمريكا حاملاً رسالة الدّين البهائي وهي رسالة الوحدة والسّلام التي أوحي بها إلى بهاء الله في منتصف القرن التّاسع عشر. تأثّر جبران بالغ الأثر بما قرأه من آثار بهاء الله العربية حتى إنّه صرح لجولييت طومسون بأنّ كتابات بهاء الله بالعربية هي «أسمى أنواع الآدب المحيّر للألباب.»[21]

التقى عبّاس أفندي بجبران في نيويورك في 19 نيسان (أبريل) من العام 1912 لرسم لوحة له، وسبق ذلك أن حضر جبران إلى ثلاث من اجتماعات عبّاس أفندي وقام أحياناً بترجمة الحديث الدّائر إلى الإنجلزية لجمهور الحاضرين[22]. وتعرّف جبران على عبّاس أفندي عن كثب حين جلس ليرسمه ولخّص لنا انطباعاته الدّفينة حين أسرّ إلى جوليت طومسون بعد أن أتمّ الرّسم الذي أبدعه، واصفاً عبد البهاء بقوله: «لأوّل مرّة أشاهد هيكل إنسان على قدرٍ من النُّبل يجعله أهلاً ليحلّ فيه الرّوح القدس.»[23] وفي معرض آخر صرّح جبران لجوليت طومسون قائلاً بأنّ شخصية السّيّد المسيح الذي صاغها في كتابه «يسوع ابن الإنسان» قد تأثّرت تأثّراً عظيماً بشخصية عبد البهاء التي عرفها عن كثب.[24] وقال عنه لماري هسكل: «إنّه رجلٌ عظيم جداً. إنّه رجلٌ كامل. ففي أعماق روحه عوالم. وما أروع صفحة وجهه، وما أجمل ذلك الوجه، الصّادق كلّ الصّدق، المليح كلّ الملاحة.»[25]

تابع جبران رحلةَ عبد البهاء في أمريكا واستمع إلى بياناته وخُطَبِه، وكان على صلة وثيقة مع بعض أتباع الدّين البهائي مثل جوليت طومسون وشارلوت تلر، وتجاوب مع مبادئ ذلك الدّين وتعاليمه، كما فعل أمين الرّيحاني وميخائيل نعيمة، وخاصة دعوته إلى السّلام العالمي وتأكيده وَحدة العالم الإنساني، انطلاقاً من أنّ الأديان كلّها دينٌ واحدٌ هدفها أن تكون سبب الألفة والمحبّة بين النّاس جميعاً. وأُعجب جبران بما سمعه من عبد البهاء عن ضرورة نبذ كلّ أنواع التّعصُّبات الدّينية والعنصرية والسّياسية والاقتصادية والوطنية، وضرورة تطابق الدّين مع العلم والعقل، وتحقيق المساواة بين الرّجال والنّساء، ونزع السّلاح، بالإضافة إلى اقتراحات تتعلّق بخلق عالم يقوم على العدل والوحدة والسّلام. ولا بدّ للباحث المدقّق في الفكر الجبراني أن يكتشف صدى هذه الأفكار في معظم ما كتبه جبران في اللغتين العربية والإنجليزية.

أمين الرّيحاني

كان أمين الرّيحاني (1876 – 1940) من أبرز المفكرين العرب في التّاريخ الحديث. وكان شخصية فذّة متعدّدة الجوانب، سابقاً لعصره في تفكيره وحدسه. قضى معظم حياته متنقلاً بين الشّرق والغرب، وإن خصَّ لبنان، موطنه الأوّل، ونيويورك موطنه الثّاني، بمعظم أسفاره ورحله وترحاله في غير أوقات تجواله الواسع في أقطار العالم العربي. ولا تقتصر ذكرى أمين الرّيحاني على الرّيحاني الفيلسوف والمؤلّف وكاتب المقالة والشّاعر، ولا ينحصر ذكره في استرجاع روعة مواهبه المتنوّعة وتعدّد ملكاته الفائقة التي جعلت منه أستاذاً متميزاً وملتزماً في الوسط الفكري. ورغم عمق إدراك الرّيحاني وتفهّمه الغرب الحديث، ونشره ثقافته، فإنّه لم يفقد حسّه العميق بالتّراث الغنيّ الذي ولد فيه، والذي أورثته الحضارة العربية العالم. كان شريك جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة في إقامة صرح الأدب المهجري والأدب العربي المكتوب باللغة الإنجليزية. وشارك الرّيحاني جبران ونعيمة إيمانهما بوحدة أديان العالم وبأخوّة البشر وأجناسهم الأمر الذي يفسّر وهبه حياته كلّها لهدف التّفاهم بين الشّرق والغرب. كان يؤمن بأنّ الأوان قد حان لبناء عالم عربي حرّ قائم على العدل والمساواة. رأى بثاقب بصيرته ملامح المستقبل فنبّه إلى الأخطار التي تهدّد مجتمعاتنا وحثّ بني وطنه وإخوانه العرب على نبذ التّعصّب الأعمى والتّطرّف والعصبية بكلّ أشكالها، ولكنّه ظلّ أيضاً على احترامه للتّقاليد السّليمة والأعراف السّامية. ألّف الرّيحاني كتباً عديدة وترجم لأبي العلاء المعرّي وترك لنا إرثاً قيّماً من الشّعر والمقالات النّثرية في السّياسة والأدب والاجتماع. ليس هناك ما يدل أنّ الرّيحاني التقى بعبّاس أفندي أو اجتمع به ولكنّه من غير الممكن أن لا يسمع أخباره أو يقرأ عنه في الصّحف والجرائد الأمريكية. تأثر الرّيحاني بشخصية عبد البهاء ورسالته بصورة غير مباشرة; ففي كتاب خالد – وهو رواية خيالية، ولكنّه ككتاب «النّبي» لجبران يحمل رسالة روحية تسعى لتخليص التّراث الدّيني من كلّ ما دخله من التّعصّب وعزل الآخر – ها هو خالد يصرخ:

«… ولكنّني سوف أمسح عناكب التّفسير والسّفسطة عن عمل القلب هذا… سوف أطلب إليكم، يا إخواني، تنظيف ثياب الدّين. وحتى الأغطية المهترئة والطّارئة، سوف أرمي بها بعيداً. أدعوكم للعودة عن تديّن اليوم ونفاقه إلى ديانة القلب الصّافية…»[26]

في هذا الكتاب يَرِد اسم عبّاس أفندي والبهائية وكأنّما الرّيحاني يلفت النّظر إلى هذا الدّين الجديد: «الحبّ، بهاء الله عجباً، الباب والبهاء هو بهاء الله والبهاء يعني Splendour، فالبهاء هو الحبّ، إذاً. والحبّ هو الدّيانة الجديدة والدّيانة الوحيدة.»[27] ورغم أنّ الرّواية هي من صنع الخيال، وقد يفسر القارئ هذه العبارات كما يحلو له، إلاّ أنّ الأصداء الصّادرة من صفحات الكتاب المقدّس جلية واضحة وتنبعث من تلك الآية الخالدة: «الله محبّة»[28] وها هو الرّيحاني الباحث عن الله ليس في «أديان النّاس» بل في «دين الله الواحد الجامع للأديان كلّها» يرفع المناجاة إلى الله:

«عَبَثاً طلبتك في أديان النّاس

عبثاً بحثت عنك في سرادب عقائد النّاس

ولكنّي لقيت في كتب العالم المقدّسة

بعض آثار سماوية طامسة

فلقد توضّح لي حرف ساكن من اسمك في «الفيدا»

وحرف في «الزند آفستا»

وحرف في الإنجيل

وحرف في القرآن

بعض الحركات التي لا يحسن الطّفل البشري

أن يحرّك بها الأحرف السّاكنة من اسمك

وأن لأمم الأرض وهي في طفولة الحياة

أن تحسن النّطق به

من يهدينا إلى تلك الهمزات

همزات الوصل الإلهية

التي تجمع بين الكواكب البعيدة المتقابلة

في أطراف الأفلاك السّماوية

فلقد خَطَّت على نقاب السّرّ الأبدي

كلمات، وامّحت ثم خُطّت وأمّحت

كل أمّة من أمم الأرض أدركت حرفاً

من هذا الطّلسم العظيم

لكنّ الحركات وهمزات الوصل لا بدّ أن يأتي بها

علماء المستقبل لتحيي جموداً

في أحرف الكتب المقدّسة السّاكنة

وتبعث فيها سلاسة الماء والهواء

وتزيل اللّكنة من لسان

هذا البشري الطّفل ومن قلبه.»[29]

وفي الوصيّة التي كتبها في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 1931 قبل وفاته بتسع سنوات يعلن أمين الرّيحاني أنّ دينه هو وحدة كلّ الأديان:

«… إنِّي مؤمنٌ بالله، وبالعلم الكشَّافِ لأسرار الوجود، الممهِّدِ السُّبل البشرية والكونية إلى الإدراك الأعلى. إنّي مؤمنٌ بالسّرِّ الذي يغدو اكتشافاً فيُذلِّلُ عقبةً من عقباتِ الحياة، أو اقتراحاً فيُشعلُ في جادّاتها نوراً جديداً.

أُوصيكم بتعهّد كلّ نورٍ جديد. واعلموا أنّ قلباً كثيرَ الأنوار خيرٌ من عقلٍ كثير العرفان. إنَّ في كلّ دينٍ من أديان العالم نوراً يُضيءُ إلى حين – وقد يبلغُ «الحينُ» ثلاثة أو أربعة أو خمسة آلاف سنة – ولكنّه لا ينطفئُ نورٌ قبلَ أن يسطعَ نورٌ آخرُ مكانه.

إنّ أنوار العالم القديمة على وشك الانطفاء كلّها. فتيقّظوا، وراقبوا المصابيح الجديدة، وسيروا في مقدّمةِ المستنيرينَ بأنوارها.

لو ماتَ بوذا على دين أجداده لكان برهميّاً، ولو ماتَ محمّدُ بنُ عبد الله على دين آلهِ، آل قُريش، لظلّ وثنيّاً. وليس الأنبياءُ أحقَّ من غيرهم في تقرير مصيرهم الرّوحانيّ.

إنّي أتخيَّلُ نفسي – وقد أكون حقيقةً في ما تخيّلت ساعة تُقرأ عليكم هذه الكلمات – إنّي أتخيَّلُ نفسي أمام صاحب السّجلّ السّماويِّ وهو يسأل ويكتب. فأجيب على سؤاله الأخير: إنّي من قوم في جبل لبنان يعبدونَ راهباً سوريّاً أو سريانيّاً يُدعى مارون، فيهزُّ رأسه جاهلاً. لا لبنان يعرف ولا مارون. ثم يبتسمُ لمسيحيّتي الشّاملة، ويطأطئُ رأسه عندما أنطق بكلمةِ «التّوحيد».

إنّي من الموحِّدين، وإنّ في مرآة توحيدي لتنعكسُ وجوهُ الأنبياء والرُّسل أجمعين – كنفوشيوس وبوذا وزرادشت وسقراط وموسى ويسوع ومحمّد وبهاء الله وماري بيكر إدي وما بينهم غيرهم كثيرون – إنّهم كلّهم لَمن ينبوع واحد، وإنَّ وجوههم كلها لتتآلفُ وتتمازجُ ثم تنعكسُ وجهاً واحداً هو الرّمزُ الأقدسُ لوجه الله.

أوصيكُم إذَنْ بالتّوحيد. فالدّينُ نظريّاً هو الصِّلةُ الحيّةُ النّيّرةُ بين الإنسان وربّه الأوحد. والدّين روحيّاً، هو الاستمتاع بما يكشفه الاجتهادُ، دون واسطةٍ البتّة، من مُخبئاتِ هذه الصّلة الفريدة الخفية. والدّين عمليّاً هو أوّلا إدراك الحقيقة الإلهية في كلّ من علّم النّاس صفحةً، بل حرفاً في كتاب الحُبِّ والبِرِّ والتّقوى. ثم هو الأخذُ عنهم والاقتداء بهم، فكراً وقولاً وعملاً، كلٌّ على قدر طاقته. وما يُحمِّلُ الله نفساً فوق طاقتها.»[30]

يوحي إيمان الرّيحاني بتواصل الوحي واستمرار الهداية الرّبانية بأنّه كان على اطلاع وصلة بتعاليم عبّاس أفندي والدّين البهائي الذي لقي إشارات مختلفة في «كتاب خالد». ويعزز هذا الاعتقاد الدّكتور فكتور الكك بإثارة هذه النّقطة في كتابه بعنوان «أمين الرّيحاني، داعية وحدة الأديان ووحدة العوالم»، ويقول إنّ الرّيحاني تأثّر كثيراً بتعاليم عبد البهاء عبّاس ابن مؤسس الدّين البهائي الذي لقيت زيارته إلى الولايات المتحدة بين عامي 1911 و1912 اهتماماً كبيراً في الصّحف الأمريكية. وجديرٌ بالذّكر أنّ عبد البهاء أستُقبل استقبالاً حاراً في أوساط الجاليتين السّورية واللبنانية في أمريكا، حيث اعتُبر المعلّم الكبير القادم من الشّرق.

الأمير جورج بك لطف الله

حدثنا الأديب المفضال سليم قبعين فقال:

«في صيف عام 1921 سافر حضرة النّبيل الجليل الأمير جورج بك لطف الله إلى سوريا، فما وصل حيفا حتى كان في استقباله وُجوهُها وعيونها على اختلاف أجناسهم وأديانهم وفي مقدمتهم فضيلة مفتي حيفا ورؤساء الدّين المسيحي على اختلاف مللهم بما يليق بمقامه السّامي إقراراً منهم بفضله وتقديراً لخدماته الجلّى لشرف الوطن وعزّه. فمن ضمن ذلك أن أقام له حضرتا صاحبي العزّة ابراهيم بك وتوفيق بك، نجلَيْ المرحوم الطّيب الذّكر مصطفى باشا خليل، حفلة عامّة شائقة دعوا إليها أعيان المدينة.

وكان حضرة الطّيب الذّكر عبّاس أفندي عبد البهاء عازماً على السّفر في ذلك اليوم إلى مدينة عكّاء، فلمّا بلغه خبر قدوم الأمير وأمْر ذلك الاحتفال آثر التّخلّف عن السّفر لحضور الاحتفال والتّعرّف بالأمير المحتفل به. وإذ مُدّت موائد الطّعام جلس الأمير على المائدة في الصّدر وإلى شماله الجنرال جاك فوستر نيولند وعن يمينه حضرة عبّاس أفندي عبد البهاء وجلس أمامه فضيلة مفتي حيفا.

ويضيف سليم قبعين قوله: وكنت قد طالعت خبر ذلك الاحتفال وقتئذٍ في جرائد حيفا وبمناسبة تدوين كتابي «عبد البهاء والبهائية» رأيت، لوجوب إحقاق الحقائق باستقصائها من مصادرها، أن أقصد إلى الأمير جورج لطف الله وعرضت عليه السّؤال التّالي:

«أيّ تأثير يا ترى أبقت في نفس الأمير مقابلة حضرة عبّاس أفندي عبد البهاء؟»

فكان جواب الأمير ما يلي:

«قلّما وقعت عيني على رجل جليل بهيّ الطّلعة وضّاح الجبين حادّ البصر يحفّه الوقار وتكسوه المهابة والجلال مثل عبّاس أفندي، وإنّ الشّيخوخة لم تؤثّر على ذكائه المفرط فكأنّه شعلة ذكاء، وقد حدّثني طويلاً بشأن موضوعات شتى كبيرة الفائدة جزيلة العائدة دلّت على واسع اطّلاعه وعظيم اختباره. فهو عالم كبير يفيض حديثه الطّلي الشّهي علماً وحكمة وفلسفة تستأثر لبّ السّامع ويأخذ على حواسّه أخْذاً ببيانه السّاحر بعذوبة ألفاظه، بل إنّ السّامع بما يملك على نفسه من جاذبية الحديث تراه يهيم بالاستكثار منه، فكلّما طال حديثه زاد طلاوة وحلاوة.»[31]

إدوارد غرانفيل براون

لم ينصرف أيّ باحث من دارسي الآداب الشّرقية كما انصرف إدوارد غرانفيل براون (1862 – 1926) إلى دراسة الفرس وآدابهم وتاريخهم وسائر أحوالهم، رغم كونه مؤسّس معهد دراسات اللغات الشّرقية الحية الذي كان يؤهّل الطّلاب الإنجليز للخدمة في الإدارة الحكومية في مصر والسّودان إبّان الحكم البريطاني، أو للخدمة في السّلك القنصلي في السّفارات البريطانية في البلاد التي يتحدث أهلها بتلك اللغات. من أهم الكتب التي ألّفها كتاب «تاريخ الفرس الأدبي»[32] في أربعة أجزاء صدرت تباعاً في الأعوام 1902، 1906، 1920 و1924. ولا يزال هذا الكتاب مرجعاً أساسياً في الأدب الفارسي إلى يومنا الحاضر. ألّف الكتب والمقالات العديدة وله كتاب بعنوان «الطّب عند العرب» إلاّ إنّه اشتهر أيضاً بدراساته وأبحاثه في التّاريخ البابي والبهائي. كان من المؤرخين القلائل أو لعلّه الوحيد الذي تشرّف بزيارة بهاء الله في سجنه بعكّاء في العام 1890 ودوّن حيثيات تلك الزّيارة في مقدّمة كتابه المترجم عن الفارسية بعنوان «مقالة سائح» فذكر ما قاله بهاء الله له:

«الحمد لله إذ وصلتَ… جئتَ لترى مسجوناً ومنفياً… نحن لا نريد إلاّ إصلاح العالم وسعادة الأمم، وهم مع ذلك، يعتبروننا مثيرين للفتنة والعصيان، ومستحقين للحبس والنّفي… فأيّ ضرر أن يتّحد العالم على دين واحد وأن يكون الجميع إخواناً، وأن تستحكم روابط المحبّة والاتحاد بين البشر، وأن تزول الاختلافات الدّينية وتمحى الاختلافات العرقية؟… ولا بدَّ من حصول هذا كلّه، فستنقضي هذه الحروب المدمّرة والمشاحنات العقيمة… وسيأتي الصّلح الأعظم… ألستم تحتاجون إلى ذلك في أوروبا أيضاً؟ أليس ذلك ما تنبّأ به السّيّد المسيح؟… ومع ذلك فإنّا نرى ملوككم وحكامكم ينفقون خزائنهم على وسائل تدمير الجنس البشري، بدلاً من إنفاقها على ما يؤدّي إلى سعادته… ولا بد من زوال هذه المشاحنات والبغضاء وهذا السّفك للدّماء وهذا الاختلاف، حتى يكون جميع النّاس جنساً واحداً وأسرةً واحدة… فلا يفتخر الإنسان أنّه يحبّ وطنه، بل يفتخر بأنّه يحبّ جنسه..»[33]

حضر عبّاس أفندي هذا اللقاء وكانت العادة أن ينوب عن والده الجليل في التّرحيب بالضّيوف والزّوار والإجابة عن الأسئلة التي يوجهها أولئك إما استفساراً عن أحوال السّجين العظيم أو عن هدف رسالته التي من أجلها نفي وسجن. عرف الأستاذ بروان عبد البهاء عبّاس شخصياً وتمكن من إدراك عظمته وألْمعيته حين قام بترجمة الكتاب الذي ألّفه عبد البهاء تاريخاً للباب وأصحابه الأخيار وعنوانه بالعربية «مقالة سائح.»[34] كتب براون في مقدّمة ترجمته للكتاب وصفاً لشخصية عبّاس أفندي فقال:

«قلّما شاهدت أحداً كان لمظهره وقع مؤثر في نفسي أكثر من هذا الإنسان. كان رجلاً قويّ البنيان، منتصب القامة كالسّهم، يعتمر عمامة بيضاء ويلبس هنداماً أبيض، وتتدلّى خصلات شعره الأسود لتصل تقريباً إلى منكبيه، وكانت له جبهة عريضة تنضح بالقوة وتدل على عقل راجح، تقترن على إرادة قوية، وكان أيضاً صاقر البصر وله ملامح متميزة بارزة دقيقة تبعث على الرّضا والارتياح. لقد كان هذا هو أوّل أثر تركه في نفسي لقائي عبّاس أفندي أو «آغا» بالفارسية – وهو اللقب الذي كان يدعى به من قبل البابيين متميزاً بذلك على غيره. وقد ازداد الاحترام الذي بعثه مظهره في نفسي لأوّل مرة وذلك بفضل ما دار بيني وبينه من الحديث. وأظن أنّه من النّادر أن تجد بين مواطنيه من أبناء ذلك الشّعب المتّسم بالبلاغة وسرعة الخاطر، ودقّة التّفكير، من يفوقه في الفصاحة والبيان، أو يمتاز عليه في سرعة المقارعة بالحجّة، أو من كان أكثر قدرة على الاستشهاد بالأمثلة والدّلائل، أو أكثر إحاطة بالكتب المقدّسة لليهود والمسيحيين و[المسلمين]. فهذه المزايا، علاوة على ما يتمتّع به من جلال الهيبة واللطف والبشاشة، أزالت دهشتي لما لمسته من النّفوذ والاحترام اللذين يحظى بهما حتى خارج نطاق ذلك الرّهط من أتباع والده. ولا يمكن لأحدٍ من النّاس حظي بمشاهدته أن يخالجه شكّ في عظمة هذا الرّجل وقوة نفوذه.»[35]

الدّكتور أوغست هنري فوريل

أوغست هنري فوريل (1848 – 1931) من أبرز علماء النّصف الأوّل من القرن العشرين. ولد في سويسرا وتخصّص في طبّ الأمراض النّفسانية وفي الدّماغ والنّخاع الشّوكي، بالإضافة إلى كونه عالماً للحشرات له مكانته العلمية المرموقة في هذا المجال أيضاً. درس في كلية الطّب بزوريخ واعترافاً بانجازاته العلمية الكبرى كرّمته الحكومة السويسرية بأن قرّرت أن تطبع صورته على العملة السويسرية من فئة الألف فرنك وذلك من العام 1978 حتى العام 2000. كان اشتراكي النّزعة عنصري النّظرة إلاّ إنّه عندما علم بأنّ صهره انضمّ إلى الجامعة البهائية في سويسرا في العام 1920، بدأ يبحث في أمور الدّين البهائي وكتب رسالة شخصية خاصّة إلى عبد البهاء عبّاس مؤرخة في 28 تموز (يوليو) من العام 1921 ردّ عليها عبد البهاء عبّاس برسالته المؤرخة في 21 أيلول (سبتمبر) من العام نفسه مخاطباً إيّاه بقوله:

«جناب البرفسور المحترم الدّكتور فورال المعظّم عليه بهاء الأبهى،

أيّها الشّخص المحترم المفتون بالحقيقة،

وصلت رسالتك المؤرخة في الثّامن والعشرين من تموز 1921 وكانت مضامينها الطّيبة دليلاً على أنّك ما زلت شاباً تتحرّى الحقيقة وأنّ قواك الفكرية شديدة واكتشافاتك العقلية ظاهرة..»[36]

واستمرّ في رسالته هذه (المنشورة بكاملها في القسم الثّاني من هذا الكتاب) يشرح مسألة الألوهية وموقف الطّبيعيين منها وطبيعة الإنسان الرّوحية ثم بيّن الفوارق القائمة بين عوالم الجماد والنّبات والحيوان وعالم الإنسان. مجمل القول أنّ الدّكتور فوريل بعد استلامه هذه الرّسالة التي كانت علمية بقدر ما هي روحانية، قرّر الانضمام إلى جامعة المؤمنين بالدّين البهائي وظلّ ثابتاً على الإيمان حتى خاتمة حياته كما تدلّ على ذلك وصيّته التي كتبها قبل وفاته والتي جاء فيها:

«في العام 1920 في مدينة كارلسرو كانت أول معرفتي بالدّين العالمي الموحِّد لكلّ الطّوائف وهو الدّين البهائي، والذي أظهره بهاء الله في الشّرق قبل سبعين عاماً. إنّه دين يخدم مصالح المجتمع الإنساني ورفاهه بكلّ حقّ، وهو يخلو من رجال الدّين [العلماء والقساوسة] ومن مبادئ التّزمّت والتّعصّب، ويسعى إلى جمع شمل البشر الذين يعيشون على هذه الكرة الأرضية الصّغيرة. لقد أصبحتُ بهائياً، وأتمنى لهذا الدّين الاستمرار ويتوّج بالنّجاح، وإنّ هذه لهي أحرّ الأماني عندي.»[37]

توماس كلي تشين

الدّكتور الأستاذ توماس كلي تشين (1841 – 1915) صاحب كرسي الأستاذية في تفسير آيات الكتاب المقدّس وبنصوص التّوراة والإنجيل المقدّسة، وصاحب العديد من المؤلّفات العلمية وأبرز العاملين في حقل الدّراسات اللاهوتية وجامع مواد أهم موسوعة دينية مسيحية إضافة إلى مؤلّفاته في الدّراسة الدّينية العامّة وخاصّة كتابه بعنوان «التّوفيق بين الأعراق والأديان.»[38] وقد خصّص الأستاذ تشين في كتابه الأخير هذا فصلاً خاصاً عن عبد البهاء بعنوان «سفيرٌ إلى الإنسانية».

بعد عودة عبّاس أفندي من أمريكا نظّم له الأستاذ البرفسور توماس تشين في 31 كانون الأوّل (ديسمبر) من العام 1912 زيارة إلى جامعة أكسفورد. فبعد تناول طعام الغداء في منزل مضيفه الدّكتور تشين، توجه عبّاس أفندي مع مضيفه وزوجته إلى كلية مانشستر بجامعة أكسفورد حيث استقبلهم الدّكتور أسلين كاربنتر عميد كلية مانشستر. تحدّث هناك عبد البهاء عن «المظاهر الطّبيعية والفلسفة الإلهية» باللغة العربية وبأسلوب أدبي روحاني وعلمي، وأعجب جمهور الحاضرين ليس فقط بما احتواه الحديث من معلومات علمية ثابتة بل أيضاً بروح المحبّة والاحترام التي أبداها المحاضر تجاه جمهور الحاضرين، حيث قامت الصّحافة المحلية بتغطية واسعة للحديث وخاصة في عدد الثّالث من كانون الثّاني (يناير) 1913 من مجلة أكسفورد الأولى «أكسفورد كرونيكل». وبعد شهر من زيارة عبد البهاء لأكسفورد صرّح الأستاذ تشين بقوله:

«لماذا أنا بهائي سؤال كبير، ولعلّ عظم الخُلُق وكماله الذي يتمتع به كلٌ من بهاء الله وعبد البهاء هو السّبب الرّئيس في ذلك… وأنا أحد البهائيين الذين لا يزالون أعضاء في كنيسته الأم…»[39]

وفي كتابه الذي نشره في العام 1914 بعنوان «التّوفيق بين الأعراق والأديان» ذكّر قُرّاءه بالأهمية الكبرى لرحلات عبد البهاء إلى عالم الغرب فقال:

«إنّ ذلك اليوم الذي سنعرف فيه بالأهمية التّاريخية المتّصلة بتفاصيل رحلات عبد البهاء التّبليغية، إنّ ذلك اليوم ليس ببعيد.

إنّ المئات من النّاس بإمكانهم أن يشهدوا شخصياً عن مدى حكمته ولطف معشره، وأنا أيضاً بإمكاني أن أقول شيئاً بهذا الصّدد… ولكنّي سوف أكتفي بأن أرسم إطاراً خارجياً لحياة عبد البهاء ورحلاته التي حمل فيها رسالته إلى البشر… فقد زار أكسفورد إبّان إقامته في لندن كما زار إدنبره وكليفتون وواكينغ، وما يجدر بنا ذكره هنا أنّ المستمعين إليه في أكسفورد رغم كونهم من كبار الأكاديميين استمعوا إليه باهتمام بالغ وأنّ الدّكتور كاربنتر ألقى كلمة رائعة في حقّه…»[40]

الدّكتور دافيد ستار جوردان – رئيس جامعة ستانفورد

لا ينافس جامعتي أكسفورد وكمبريدج في المركز الذي تحلتهما في الغرب إلاّ بعض الجامعات الأمريكية كهارفارد وستانفورد ويال وبرنستون، وخاصة جامعة ستانفورد التي أسّسها السناتور لايلاند ستانفورد وزوجته، وكان الوقف الذي تبرّع به السناتور ستانفورد يربو على الثّلاثين مليوناً من الدّولارات (وهو مبلغ هائل بالنّسبة لذلك الزّمان) فجعل الجامعة في مركزها من بين أهمّ الجامعات في العالم. وكان نمو الجامعة واحتلالها مركزها المرموق بفضل الأساتذة الممتازين ورؤسائها المرموقين الذين طوروها وأغنوا تراثها. في العام 1912 كان رئيس جامعة ستانفورد هو الدّكتور دافيد ستار جوردان (1851 – 1931)، ورغم كونه عالماً مرموقاً من علماء الأسماك، فقد كان مشهوراً بدعمه قضية السّلام في العالم وضرورة وقف الحروب والصّراعات، فانتخب فيما بين العامين 1910 و1914 رئيساً لمؤسّسة السّلام العالمي، ثم رئيساً لمؤتمر السّلام العالمي في العام 1914 وكان من أكبر المعارضين لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى. فلم يكن مستغرباً أن توجّه جامعة ستانفورد ورئيسها الدّعوة إلى عبّاس أفندي، وهو داعية السّلام العالمي الأمثل، لزيارة الجامعة والتّحدّث إلى أساتذتها وطلابها. أشادت الصّحف بهذه الزّيارة الميمونة فخرجت صحيفة «ذه بالو التان» بتاريخ الأوّل من تشرين الثّاني (نوفمبر) 1912 تحمل أخبار تلك الزّيارة التي قام بها عبد البهاء عبّاس والحديث الذي ألقاه فكتبت تقول:

«إنّ عبد البهاء يحمل رسالة الدّين والدّكتور جوردن رسالة العلم، وكلاهما يسعى للحصول على نتيجة واحدة عظيمة. وبما أنّ البشر جميعهم قد خلقهم إله واحد فهم اخوانٌ بعضُهم لبعض، وما نحن الآن إلاّ على وشك رؤية فجر يوم جديد يوم تسود الأخوّة العالمية فنشاهدها ونعترف بوجودها.»[41]

أمّا كلمة الدّكتور جوردان فقد كانت تعبيراً عن ما يكنّه لعبّاس أفندي من احترام بالغ، وتقديراً لخدماته لقضية السّلام والأخوّة العالمية. فقدّمه للجمهور بهذه الكلمات:

«إنّه من حظنا أن يكون معنا اليوم، بفضل أصدقائنا الإيرانيين، أحد أعظم علماء الدّين في العالم، الذي يوصف أحياناً بأنّه مؤسس دين جديد. إنّ هناك أكثر من ثلاثة ملايين من البشر يتبعون السّبيل الذي يقودهم فيه. ولكن ذلك ليس بدين جديد، إنّه دين الأخوة والسّعي إلى الخير وهو دين الصّداقة بين الدّول والشّعوب، ولعل هذه المبادئ قديمة قدم التّفكير السّليم والحياة الصّالحة. ولعلّه يمكن لنا القول إلى حدّ ما أنّ هذا هو أقدم الأديان… ويسرني جداً ولي عظيم الشّرف أن أقدّم لكم عبد البهاء.»[42]

ليو تولستوي

يعتبر ليو تولستوي (1828 – 1910) من أهم الرّوائيين وكتّاب القصة في العالم. ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات وخاصة رائعتيه «الحرب والسّلم» و«أنَّا كارنينا»، اللتين بلغ فيهما قمّة الفن القصصي الواقعي، فصوّر فيهما الحياة الاجتماعية والفكرية والسّياسية في روسيا في القرن التّاسع عشر. كان تولستوي أيضاً كاتباً مسرحياً ومصلحاً اجتماعياً وخاصّة فيما يتعلّق بالتّربية والتّعليم. جذبته تعاليم السّيّد المسيح وخاصة تلك التّعاليم الأخلاقية التي جاء ذكرها في «موعظة الجبل» وهي أولى مواعظ السّيّد المسيح، وأدّى ذلك إلى تمسّكه حرفياً بما أنزله السّيّد المسيح من التّعاليم فآمن بمبدأ المحبّة وترجم كلمات «موعظة الجبل» إلى حقيقة واقعة فرفض كلّ أنواع العنف والاقتتال وآمن إيماناً قاطعاً بقضية السّلام العالمي، وعبّر عن ذلك كلّه في كتابه بعنوان «مملكة الله بداخلك» وهو الكتاب الذي كان له أبعد الأثر في الحركات السّلمية لكلّ من المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ.

كانت العلاقة بين تولستوي وعبّاس أفندي علاقة غير مباشرة تمّت بواسطة أشخاص معدودين راسلوا الفيلسوف الرّوسي وناقشوه في مواضيع مختلفة. فتصريحات تولستوي العديدة عن الدّين البابي ثم البهائي كانت معروفة لدى الجميع في ذلك الوقت، فصدرت صحيفة الـ «ويكلي بادجت» في عددها الصّادر في الثّامن من كانون الأوّل (ديسمبر) من العام 1912 تحمل أخبار عبد البهاء حين كان عائداً من أمريكا إلى أوروبا على ظهر السّفينة «سِلتيك». وصفت الصّحيفة رسالة عبد البهاء السّمحة على أنّها أهم حركة دينية في هذا العصر، وذكرت عن علاقة تولستوي بعبد البهاء فقالت:

«يشير تولستوي إلى بهاء الله في أحد مؤلّفاته وذلك في مجال حديثه عن ذلك اللغز الأبدي الذي هو «الحياة»، ويبدي تولستوي أسفه في أنّنا نصرف جلّ ما هو نصيبنا من الوقت على هذه الأرض محاولين أن نجد الحلّ لهذا اللغز، ولكنه يعود فيضيف: «ولكن هناك نبيّ فارسي بيده مفتاح الحل». وقد كان تولستوي عند وفاته لا يزال يراسل عبد البهاء ليساعده في جمع المواد لكتابه عن بهاء الله.»[43]

كانت توجيهات عبّاس أفندي للذين التجأوا إليه يدلّهم على أنجع الطّرق لمحاورة الكونت تولستوي والذي أشار إليه عبّاس أفندي في إحدى رسائله «بالرّجل الجليل المحترم»[44] وهي أهم الرّسائل التي بعث بها عبد البهاء إلى أحد الذين كانوا يراسلون تولستوي والتي يفتتحها بقوله:

«أيّها المطّلع بأسرار الكتاب المقدّس إنّي قرأت مكتوبك المسهب واطّلعت بالمحاورة التي جرت بينك وبين ذلك الرّجل الجليل المحترم..»[45]

ويسترسل عبّاس أفندي في ارشاد كاتب الرّسالة بالمبادئ الأساسية التي يجب أن يعتمد عليها في حواره، حتى يؤكّد له أهميّة لفت نظر الفيلسوف العظيم إلى حقائق طُمست في علاقات الشّرق والغرب ثم يقول:

«… لعمرك إنَّ القوم في غمرات النّوم لا يدركون ولا يشعرون ذرهم في خوضهم يلعبون إنّ ربَّك غنيٌّ عن العالمين، ثم قل لذلك الرّجل المحترم إنّ الغرب منذ عدّة قرونٍ قد سطا على الشّرق برجله وخيله وإلى الآن مستمرّاً، وسيجري الهجوم بجميع قوّاته مستمرّاً إلى يوم النّشور حيث ترى جيوشاً عرمرمةً تصول صولة الأسود من غابات الغرب إلى ميادين الشّرق، منها جيشٌ من الثّروة وجيشٌ من الصّنعة وجيشٌ من التّجارة وجيشٌ من السّياسة وجيشٌ من المعارفِ وجيشٌ من الاكتشافات وجنودٌ جرَّارةٌ تصول من الغرب بسلاح قاطع وتفتح فتوحاتٍ في كلّ جهات الشّرق، ومن جملة فتوحاتها الجديدة في الأقاليم الصِّينية، والشّرق ليس له مقاومة لهذه الجيوش الصّائلة والجنود الجرّارة القاهرة أبداً، فالرّجل الحكيم يدرك عواقب هذا الأمر العظيم ولا يحتاج إلى دليلٍ في هذا السّبيل، إذاً أيّها الرّجل الجليل تمعّن في عواقب الأمور هل تتصوّر المحافظة للشرق من سطوات الغرب في مستقبل الزّمان بوسائل التّدبير والتّرتيب والتّعديل ولو كان بكل إتقان؟ لا وربِّي الرّحمن بل إنّ الأمور في خطرٍ عظيمٍ، فبناءً على ذلك يقتضي أنّ أهل الشّرق يتمعّنون في اكتشاف وسائط فعّالةٍ يحافظون بها على عزِّهم وشرفهم واستقلالهم وذِمارهم من الأيادي العابثة من الغرب، فلا شكَّ أنَّ كلّ الوسائط معدومة والوسائل مفقودة إلاّ القوّة الإلهية والقدرة الرَّبانية والسّطوة الملكوتية والصّولة اللاهوتية، إنّما هذه قوّةٌ تقاوم كلّ هجومٍ وتشرِّد كلّ جنودٍ وتشتِّت شمل كلِّ عنودٍ وتهزم كلّ جيوشٍ كما سبق في القرون الأُولى..»[46]

 

 

[1]  “An Interesting Gathering,” The Surrey Advertiser, 25 January 1913, p. 6. المسجد المذكور هو أول مسجد يتم بناؤه في غرب أوروبا، شيّده المستشرق الهنغاري الأصل غوتليب ولهلم لايتنر (1840 – 1899) في العام 1889، الذي كان ضليعاً في اللغات الشّرقية ومنها اللغة العربية واهتم بالدّراسات الإسلامية، وسبق بناءه للمسجد تأسيسه «المعهد الشّرقي» في البناء الذي احتلته الكلية الملكية للدراسات المسرحية عام 1883. وهكذا تمّ اختيار موقع البناء على أرض تقع في مقابلة المعهد. يُعرَفُ المسجد اليوم باسم مسجد «شاه جهان» (Shah Jahan Mosque) وعنوانه: Oriental Road, W. King, Surrey, GU 22 7BA.

[2]  انظر صحيفة: “The Bahai prophet speaks at Stanford,”The Palo Altan, 1 November 1912, p. 1.

[3]  شوقي أفندي، «كتاب القرن البديع»، من منشورات دار النّشر البهائية في البرازيل، 1986، ص376.

[4]  انظر H.M. Balyuzi, ’Abdu’l-Bahá: The Centre of the Covenant of Bahá’u’lláh (London: George Ronald, 1971), 370.

[5] بهاء الله، «آثار قلم أعلى»، المجلد 4، طهران، مؤسسة مطبوعات أمري، 133 بديع (1977)، ص218.

[6]  راجع كتيب «الموجز في دحض التّهم الموجهة للدّين البهائي»، أديس أبابا – الحبشة، المحفل الرّوحاني المركزي للبهائيين بشمال شرق أفريقيا، 1974.

[7]  مقتطف من كتاب السّيّد محمّد رشيد رضا بعنوان «تاريخ الأستاذ الإمام الشّيخ محمّد عبده»، القاهرة، مطبعة المنار، 1931، ص931.

[8]  المصدر السّابق نفسه، ص930.

[9]  محفظة الآثار البهائية.

[10]  كتاب اوليفر شاربرودت: Oliver Scharbrodt, Islam and the Baháí: Faith: A Comparative Study of Muhammad ’Abduh and ’Abdul-Baha ’Abbas (New York: Routledge, 2008).

[11]  المصدر السّابق نفسه، ص171.

[12]  مقتطف من كتاب سليم قبعين، «عبد البهاء والبهائية»، ص117.

[13]  مقتطف من مقال لمارثا رووت في: Martha Root, “A great prince speaks of ’Abdu’l-Bahá,” The Baháí Magazine (Star of the West), January 1930, XX, 301 – 305.

[14]  جريدة «المؤيّد»، عدد 6194، الأحد 16 أكتوبر 1910.

[15]  مقتطف من كتاب سليم قبعين «عبد البهاء والبهائية»، ص119 – 121. رسالة الأستاذ فامبري إلى عبّاس أفندي كتبها أصلاً بالفارسية والنّصّ أعلاه هو التّرجمة العربية كما ظهرت في كتاب سليم قبعين المذكور.

[16]  هو الأمير سعيد الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر الكبير الذي اقترن اسمه بدخول الجيش العربي سوريا فاتحاً.

[17]  مقتطف من كتاب «العهد المخضرم في سوريا ولبنان: 1918 – 1922، تأليف محمّد جميل بيهم. دار الطّليعة للطباعة والنّشر، بيروت، 1968، ص14 – 19.

[18]  مقتطف من كتاب «حاضر العالم الإسلامي» تأليف لوثروب ستودارد، وفيه فصول وتعليقات وحواشي مستفيضة عن دقائق أحوال الأمم الإسلامية وتطورها الحديث وضعها الأمير شكيب ارسلان، نقله إلى العربية عجاج نويهض، المطبعة السّلفية، القاهرة، 1343 هـ، ج 2، ص375 – 474. في هذا المقتطف يذكر الأمير شكيب أرسلان أنّ عبّاس أفندي صعد إلى بارئه في العام 1922، والصّحيح أنّه صعد في 28 تشرين الثّاني (نوفمبر) 1921.

[19]  مقتطف من كتاب سليم قبعين، «عبد البهاء والبهائية»، القاهرة، مطبعة العمران، 1922، ص1.

[20]  مقتطف من مقدّمة الدّكتور محسن عنايت لكتاب سليم قبعين بعنوان «عبد البهاء والبهائية» (قيد الطّبع).

[21]  Marzieh Gail, Other People, Other Places (Oxford: George Ronald, 1982), 229.

[22]  Kahlil Gibran to Mary Haskell, April 16, 1912, Chapel Hill papers.

[23]  Annamarie Honnold (ed.), Vignettes from the Life of ’Abdu’l-Bahá (Oxford: George Ronald, 1991), 178.

[24]  Gail, Other People, Other Places, 228.

[25]  Kahlil Gibran to Mary Haskell, April 16, 1912, Chapel Hill papers.

[26]  مقتطف من «كتاب خالد» لأمين الرّيحاني، ترجمه إلى العربية الدّكتور أسعد رزوق، بيروت، المؤسسة العربية للدّراسات والنّشر، 1986، 323. نشر الرّيحاني كتاب خالد بالإنجليزية عام 1911.

[27]  «كتاب خالد»، ص300.

[28]  رسالة يوحنا الرّسول الأولى، الأصحاح 4، الآية 8.

[29]  «كتاب خالد» ص300.

[30]  «وصيَّتي»، 1931 مخطوطة محفوظة في متحف آل الرّيحاني نشرت مؤخراً.

[31]  مقتطف من كتاب سليم قبعين بعنوان «عبد البهاء والبهائية»، ص138 – 140.

[32]  نشر بعنوان: E.G. Browne (ed.), A Literary History of Persia (New York: Charles Scribner’s Sons, 1902).

[33]  مقتطف من كتاب «منتخبات من كتاب بهاء الله والعصر الجديد» للدكتور جون إسلمنت، ص45 – 46. والمقتطف أعلاه هو ترجمة مقدّمة براون لـ«مقالة سائح».

[34]  E.G. Browne. A Traveller’s Narrative: Written to Illustrate the Episode of the Báb (Volume 2) (Cambridge: Cambridge University Press, 1891).

[35]  المصدر السّابق نفسه، Ibid., xxxvii.

[36]  مقتطف من كتاب «خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، أديس أبابا – الحبشة، المحفل الرّوحاني المركزي للبهائيين لشمال شرق أفريقيا، [1979]، ص11.

[37]  مقتطف من كتاب Balyuzi, ’Abdu’l-Bahá, 448-449.

[38]  نشر تحت عنوانه الإنجليزي كالآتي: T.K. Cheyne, The Reconciliation of Races and Religions (London: Adams and Charles Black, 1914).

[39]  http://www.oxfordbahais.com/history/

 

[40]  Cheyne, The Reconciliation of Races and Religions, 125-126.

[41]  مقتطف من صحيفة The Palo Altan, 1 November 1912, p. 1.

[42]  المصدر السّابق نفسه، ص2.

[43]  “Weekly Budget,” 8 December 1912, quoted in Balyuzi, ’Abdu’l-Bahá, 350.

 

[44]  «من مكاتيب عبد البهاء»، من منشورات دار النّشر البهائية في البرازيل، 1982، ص78.

[45]  المصدر السّابق نفسه، ص77.

[46]  المصدر السّابق نفسه، ص79.

5 رحلات عبّاس أفندي إلى مصر وأوروبا وأمريكا ورسالته التي حملها إلى عالم الشّرق والغرب

«ولا يشكّ أحد أنّ مصر وطن شريف، إن لم نقل: إنها أشرف الأمكنة، فهي أرض الشّرف والمجد في القديم والحديث، وكم ورد في فضلها من آيات بيّنات، وآثار وحديث، فكأنّها على صورة جنّة الخلد، منقوشة في عرض الأرض، بيد الحكمة الإلهية التي جمعت محاسن الدّنيا فيها، حتى تكاد أن تكون صورتها في أرجائها ونواحيها. بلدة معشوقة السّكنى، رحبة المثوى..»[1]

بهذه الكلمات وصف رفاعة الطّهطاوي، إمام النّهضة العلمية الحديثة، وطنه مصر. ذلك القطر الرّحيب الذي استقبل عبّاس أفندي في أوائل شهر أيلول (سبتمبر) من العام 1910 بعد أربعين عاماً قضاها سجين الدّولة العثمانية في عكّاء وحيفا. ولعلّ التّاريخ الطّويل الذي عاشته مصر جعلها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحرّية ومعانيها النّبيلة. فهي التي شهدت الدّول والحضارات وهي تنهض على أرضها وتزول لتبقى مصر ويبقى شعبها الكريم المضياف وقد عجنته الأحداث التّاريخية لتزرع في قلوب أبنائه محبّة الحرّية والتّطلع إليها، وأنّه من لزوم الأصالة في الفكر والمعتقد احترام الإنسان وحقوقه. وصدق أحمد شوقي، أمير الشّعراء، حين قال في «سينيته الكبرى» واصفاً أبناء مصر البررة:

هم بنو مصر لا الجميل لديهم        بمضاعٍ ولا الصّنيع بمنسى[2]

لم تكن أرض مصر منذ منتصف القرن التّاسع عشر بالنّسبة للبهائيين منفىً وسجناً كما كانت لهم تلك الأراضي الواقعة تحت سيطرة الدّولة العثمانية آنذاك، بل مستقراً ومُقاماً لهم بكل حرّية. فلمصر شخصيتها الخاصّة وضميرها اليقظ، أمّا إرتباطها بالدّولة العثمانية فكان إرتباطاً فرضه وفاء مصر للإسلام، ذلك لأنّ الخلافة العثمانية ارتبطت معنوياً بالإسلام، بغضّ النّظر عما ساد عهدها من تحكّم واستبداد وما ارتكبته من ظلم واعتساف، ولهذا وجب احترامها إن لم يكن الرّضوخ لها.

ورغم أنّ البهائيين في مصر لم يَسْلموا كلّيّاً من موجات ظلم واضطهاد في فترات متعاقبة، إلاّ أنّهم كانوا أسعد حظاً إذا ما قورنت أوضاعهم بما كانت عليه في إيران وفي المناطق الأخرى الواقعة تحت السّيطرة العثمانية. ولعلّ ما تعرّضوا له مؤخراً من أحداث مؤلمة في أعمال شغب واضطهاد في بداية القرن الحادي والعشرين، يرفضها معظم المصريين لأنّها تتنافى والقيم التي جُبِلوا عليها. فالدّستور المصري يؤمّن للإنسان حقوقه ويحميها، يشهد بذلك القضاء المصري الذي كان في أغلب الأحيان منصفاً في أحكامه وقراراته بالنّسبة لقضايا البهائيين.

وللدين البهائي تاريخ طويل في مصر[3]، إذ يمكن القول بأنّ هجرة البهائيين إليها قد بدأت في السّتينيات من القرن التّاسع عشر في فترة نفي بهاء الله من الآستانة، التي قضى فيها فترة من الزّمن، إلى أدرنة بأمر من السّلطات العثمانية بقصد إبعاده عن العاصمة إثر تعاظم نفوذه والاحترام البالغ الذي أظهره كبار المسؤولين في الدّولة تجاهه وما كان لتقاطرهم في زيارته والاستماع إلى بياناته. فإبّان وجوده في منفاه الجديد في أدرنة كان أن وصل إلى مصر السّيّد حسين الكاشاني والحاج باقر الكاشاني، وفي وقت لاحق أرسل إليها بهاء الله كلاً من الحاج الملاّ علي التبريزي والميرزا حيدر علي الإصفهاني. سكن هؤلاء وآخرون وفدوا إلى مصر في مدينتي القاهرة والمنصورة، وأخذوا يعملون في التّجارة بالاستيراد من الهند وأشهرهم كان الحاج ميرزا أبو القاسم الشّيرازي. في ذلك الوقت كان قنصل الدّولة الفارسية في مصر هو الميرزا حسين خان أحد ألدّ أعداء البهائيين، فأخذ يسعى لدى إسماعيل باشا خديوي مصر متّهماً إيّاهم بأنّهم كفّار يعملون على خلق الاضطراب في البلاد، فتمكّن في النّهاية من نفي بعض البهائيين من مصر إلى السّودان. ولم يكتف قنصل إيران العام هذا بالادّعاءات الكاذبة ضدّ الأبرياء الصّالحين وما نتج عنها، بل تمكّن من اغتصاب ما لا يقل عن ألف تومان من أحد المؤمنين الإيرانيين الأثرياء، وهو الحاج أبو القاسم الشّيرازي[4].

وطبقاً لمسلسل فرمانات النّفي والإبعاد كان صدور قرار الخليفة عبد العزيز آل عثمان، بمساعي رئيس وزرائه أمين عالي باشا، بنفي بهاء الله وابنه عبّاس أفندي إلى مدينة السّجن عكّاء. ففي 21 آب (أغسطس) من العام 1868 استقلّ بهاء الله وعائلته ونفر من أصحابه سفينة تابعة لشركة اللويد النّمساوية متجهة إلى ميناء الإسكندرية، وقد تمّ كلّ ذلك بايعاز وتدبير الحكومة العثمانية وتحت الحراسة المشدّدة. ولما بلغت السّفينة الإسكندرية انتقل المسجونون إلى باخرة أخرى تابعة للشركة نفسها متّجهة إلى حيفا حيث توقّفت السّفينة وقفتين قصيرتين في بورسعيد وحيفا، فوصل بهاء الله وآل بيته ومرافقوه إلى عكّاء في 31 آب (أغسطس) من العام نفسه.

أخذ عدد كبير من البهائيين الإيرانيين يهاجرون إلى مصر بعد العام 1890. ففي العام 1894 تقريباً قدم إليها العالم الجليل الشّيخ أبو الفضل محمّد بن محمّد رضا الجرفادقاني (الكلبايكاني). وأثناء وجوده في مصر اعتاد أبو الفضل «أن يلتقي بكثير من علماء مصر وأفاضلها في قهوة ستاتيا بالعتبة الخضراء، وكانت صالوناً أدبياً يجتمع فيه نخبة من المصريين: أمثال الشّيخ عبد العزيز جاويش، والشّيخ علي يوسف صاحب جريدة «المؤيّد»، وأمير الشّعراء أحمد شوقي وشاعر النّيل حافظ إبراهيم والأستاذ أحمد لطفي السّيّد صاحب جريدة «الجريدة»، والكاتب والمؤرخ والوزير فيما بعد محمّد حسين هيكل، وخليل مطران الشّاعر الذي التقى بحضرة بهاء الله حسب ما يشير الشّيخ أبو الفضل في كتاب «الفرائد»، والأديب الشّاعر والمترجم السّيّد قدري.»[5]

ولفترة قصيرة عمل أبو الفضل في الأزهر الشّريف واجتذب إليه مجموعة من المصريين أعجبوا بعلمه الغزير وأدبه وسموّ أخلاقه، ولكن إثر اغتيال ناصر الدّين شاه في العام 1896، بيد ميرزا رضا الكرماني أحد أتباع السّيّد جمال الدّين الأفغاني، اتُّهم البهائيون باطلاً بأنّهم المسؤولون عن هذه الجريمة وحملت بعض الصّحف المصرية أخبار اغتيال الشّاه وكرّرت اتّهام البهائيين، فكان ذلك سبباً جعل أبو الفضل ينبري مدافعاً عن البهائيين، وأعلن مؤكّداً بأنّه من أتباع هذا الدّين ونشر في مجلّة «المقتطف» المصرية بتاريخ الأوّل من أيلول (سبتمبر) 1896 مقالاً بعنوان «الباب والبابية.»[6] وجاء هذا المقال بعد شهرين ونصف من المقال الذي كتبه الشّيخ محمّد عبده في جريدة «الأهرام» بتاريخ 18 حزيران (يونيه) 1896 تحت عنوان «الفرقة البابية»، والذي عبّر فيه الشّيخ عن عظيم الاحترام تجاه بهاء الله وابنه عبد البهاء عبّاس إذ قال:

«وإنّما الذي شهد به العيان من تعظيم أتباعه[7] له الذين بصحبته منهم في عكّاء نحو 150 رجلاً هو أقصى ما يقدر من تعظيم تابع لمتبوع فلهم من مرورهم تجاه قصره من خشوع الأبصار وعنوّ الوجوه ما يقضي بالعجب ويلجّ بالمشاهد في معرفة السّبب. ويقال أن اعتقادهم فيه أنّه ركن الباب وأنّ الباب ما فتح إلاّ لأجله ولا جاء إلاّ مبشراً به ولا كان ظهوره إلاّ إرهاصاً بين يدي مظهره. على أنّ المعروف من أحوال البهاء وبنيه الشّخصية والمأثور عنهم من خلال التّرف ومزايا الكرم والتّحقق بصفات التّهذيب والأدب هو غير متنازع فيه ولا ينكره إلاّ كلّ مكابر. وحضرة ولده الأكبر عبّاس أفندي أشهر من أن يعرّف بفضله وينبه عن نبله وهو المعروف عند أعيان البلاد وأولياء الأمور وقد عرفناه رجلاً ظاهر النّجابة، بادي السّراوة، فصيح اللهجة، مهيب الطّلعة، كثير الوقار والحشمة، ذا أدب في غاية الغضاضة، وخلق على جانب عظيم من الرّياضة.»[8]

وما ساعد على إعطاء صورة حقيقية عن الدّين البهائي وأتباعه كان ما نشره أبو الفضل من الكتب في مصر أهمها كتاب «الفرائد» (1898)، الذي دحض فيه التّهم الموجهة للدّين البهائي وما قيل هجوماً على كتاب «الإيقان» لبهاء الله. وقد نُشر كتاب الفرائد في مصر إضافةً إلى كتابه «الدّرر البهية» (1900) وهو مجموعة من المقالات عن الدّين البهائي – تاريخه وتعاليمه وأهداف رسالته. وبعد ذلك، خلال الأعوام من 1900 و1910، صدر العديد من الكتب البهائية طبعت كلّها في مصر وشكّلت أساس المكتبة البهائية هناك. وازداد عدد المواطنين المصريين الذين أعلنوا انتمائهم للدّين البهائي ومنهم السّيّد إبرهيم أفندي علي منصور الذي كان يعمل موظفاً حكومياً في جمرك ميناء بورسعيد البحري.

وبحلول العام 1910 يمكن القول بأنّ مصر كانت مهيّأة لاستقبال عبّاس أفندي مبتدئاً أولى خطوات رحلاته إلى عالم الغرب ليحمل معه رسالة المحبة والسّلام. ولنا عود للحديث عن زيارة عبّاس أفندي بعد أن نعرض لتاريخ الدّين البهائي في مصر باختصار.

* * *

إزدهرت الجامعة البهائية في مصر في الفترة بين عامي 1920 و1930 فدخلها بالإيمان جمهرة من الأفراد المتميزين المنتمين إلى أصول سنية وشيعية ومسيحية ويهودية ومن الأكراد الشّيخ محي الدّين صبري الكردي والشّيخ فرج الله الكردي وكلاهما من العلماء النّابهين. إلاّ أنّه من جهة أخرى ازداد المناوئون في هجماتهم على الدّين وأتباعه، وأخذت تَبِينُ في الأفق مظاهر من الاضطهاد يضرم نارها ويزيدها اشتعالاً ما ينشره الأعداء من دسائس ومفتريات ولم يجدوا رذيلة إلاّ ونسبوها إليهم، فروّجوا الإشاعات المغرضة وكالوا الإتهامات الكاذبة، وعملوا بذلك على تشويش أفكار النّاس الذين أخذت أغلبهم الحيرة والذّهول. ومع ذلك تأسّس المحفل الرّوحاني المحلي للبهائيين في الإسكندرية عام 1924، ثم المحفل الرّوحاني المركزي للبهائيين في القطر المصري والسّودان في العام 1928.

ولعلّ أهمّ حدث وقع في هذه الأثناء كان في العام 1925 حين أصدرت المحكمة الشّرعية في بِـبَا قرارها التّاريخي بلغة واضحة لا لبس فيها ولا إبهام، إذ أعلنت رسمياً وشرعياً استقلال الدّين البهائي عن الإسلام. وقصة ذلك يرويها الأستاذ أمين أبو الفتوح بطاح كما يلي:

«كان لإيمان المرحوم الشّيخ حسن مرعي طنطاوي واشتعاله وحماسه وكذلك إيمان الشّيخ حافظ محمّد زيدان ومحمّد أحمد عبده وآخرين من قرية كوم الصّعايدة مركز ببا مديرية بني سويف أثرٌ في إشعال غضب الشّيخ عبد العظيم علاّم عمدة القرية مما دفعه إلى رفع قضية حسبة طالباً فيها تطليق زوجاتهم منهم كونهم خرجوا عن الإسلام. وتم إصدار الحكم الفعلي بتطليق زوجاتهم بقرار من محكمة بني سويف الشّرعية ثم تأيّد الحكم الإبتدائي. وكان أهم ما جاء في حيثيات الحكم النّص الآتي:

… ومن جميع ما تقدّم يثبت قطعاً أنّ البهائية دين جديد قائم بذاته له عقائد وأصول وأحكام خاصّة به تغاير وتناقض عقائد وأصول وأحكام الدّين الإسلامي تناقضاً تاماً فلا يقال مسلم بهائي ولا العكس كما لا يقال بوذي أو برهمي أو مسيحي مسلم ولا العكس…

صدر الحكم يوم الأحد 17 شوال 1343 هجرية الموافق 10 مايو 1925. وهكذا لأوّل مرة في قلب العالم العربي والإسلامي كان لمصر قصب السّبق في فصل الدّين البهائي عن الدّين الإسلامي وما سبقه من أديان باعتراف أكبر هيئة دينية شرعية في مصر. ولم يعترض عليه مفتي الدّيار المصرية ولا وزارة العدل ولا مشيخة الأزهر.»[9]

وبعد مرور أربعة عشر عاماً على قرار محكمة ببا الشّرعية، والذي وصفه شوقي أفندي بأنّه الإعلان «الفاتح لعهد جديد» صدرت فتوى رسمية، لا تقل أهمية عن قرار المحكمة الشّرعية، أصدرها مفتي الدّيار المصرية استجابة لطلب وزير العدل حول مسألة دفن البهائيين في مقابر المسلمين واعتراض بعض المسلمين على ذلك. صدرت هذه الفتوى في 11 آذار (مارس) من العام 1939 وكان من أثارها أن خُصصت لجامعة البهائيين في القاهرة وجامعة البهائيين في الإسماعيلية قطعتان من الأرض لاستعمالهما مدافن لموتاهم. واعتبر شوقي أفندي هذا القرار بأنّه «عمل تاريخي الدّلالة رحّب به أفراد الجامعات التي طال بها الضّنك والعذاب، فقد وضح استقلال الدّين توضيحاً أبعد مدى، ووسّع نطاق المؤسّسات التي تمثّله.»[10]

وهكذا اكّد أعلى ناطق باسم الشّريعة الإسلامية في مصر استقلال هذا الدّين في جوابه بتاريخ 11 آذار (مارس) 1939 رداً على إستفسار وُجّه إليه من وزارة العدل فقال:

«نحن… لدى تسلمنا لخطابكم… المؤرّخ 21 شباط سنة 1939 مع ما أرفق معه… المستفسر عمّا إذا ورد في خطاب فضيلة المفتي إشارة إلى أحكام المرتدّ المقرّرة في الدّين الإسلامي والحقيقة أنّه لا يوجد هناك حدّ للمرتدّ في الإسلام، رغم الاعتقاد الجازم بوجوده.

كان من المشروع دفن موتى البهائيين في مقابر المسلمين. نعلن أنّ هذه الطّائفة ليست من المسلمين كما هو واضح من المعتقدات التي تؤمن بها. وإن تصفّح ما يسمونه بالأحكام البهائية في الأحوال الشّخصية المرفق مع الأوراق ليعد شاهداً كافياً. ومن كان منهم في الأصل مسلماً وأصبح باعتقاده لمزاعم هذه الطّائفة مرتدّاً عن دين الإسلام وخارجاً عنه تجري عليه أحكام المرتدّ المقرّرة في الدّين الإسلامي القويم. ولما كانت هذه الطّائفة ليست من المسلمين لا يجوز شرعاً دفن موتاهم في مقابر المسلمين سواء منهم من كان في الأصل مسلماً ومن لم يكن كذلك..»[11]

وهكذا شهدت الأعوام التّالية فترة زاهرة من نموّ الجامعات البهائية في القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية وبورسعيد وفي بعض المراكز مثل كفر الزّيات وطنطا وشبين الكوم ودمياط ورشيد وسمنود وبلقاس ومنشاة بطاح والسّويس ومرسى مطروح ودسوق وبني سويف وأسيوط، ونشطت حركة الكتابة في الصّحافة خاصّة في توضيح حقيقة الرّسالة البهائية في الجرائد والمجلاّت مثل «الأهرام» و«البلاغ» و«الجهاد» و«كوكب الشّرق» و«الوفاق» ومجلّة «المصوّر» و«اللطائف المصوّرة» و«جريدة المصير التّجارية». وبحلول العام 1950 كانت الجامعة البهائية في مصر قد حقّقت لنفسها مكانة مرموقة ونالت احترام معظم النّاس، ودليل ذلك أنّ الاحتفال بمرور قرن على استشهاد الباب، والذي نظّمه المحفل الرّوحاني المركزي ببرنامجه وضيوفه، قد أكّد لجميع الحاضرين مكانة الجامعة البهائية في المجتمع المصري:

«أعدّ المحفل المركزي كتيبا أسماه «صفحة النّور» للاحتفال بهذه الذّكري العطرة وأقيم حفل فخم يوم 10 مايو 1950 حضره كثير من رجال الفن والأدب والصّحافة والاجتماع ومن الجمعيات النّسائية. وحضر الصّحفي محمّد حسنين هيكل الشّهير وأحمد زين وكمال الملاخ من الأهرام وسعد مكاوي من جريدة المصري ومصطفى غيث من جريدة الزّمان ومحمّد عبد المنعم من الجورنال دي جيبت وعماد الدّين عبد الحميد مدير الشّئون القانونية بمصلحة الآثار والكاتب الصّحفي محمّد علي كاميو أستاذ الفلسفة كما حضر سفراء بعض الدّول الآسيوية وكثيرون ممن لا تعيهم الذّاكرة. ونشرت مقالة بالمانشيت الأحمر الكبير: «الباب أول شهداء الفيدرالية العالمية» وعنوان آخر «الله أبهىَ في كلّ مكان» وصورة لحضرة عبد البهاء «بالأهرام» تحت باب من غير عنوان لكمال الملاخ.»[12]

والجدير بالذّكر أيضاً أنّ مجموعة من الشّخصيات البهائية قامت بإنجازات فكرية وفنية وعلى رأسهم القاضي النّزيه عبد الجليل بك سعد والفنان الكاتب والرّسام حسين بيكار الذي حمل مصر في قلبه وعقله وصوّر جمالها وروحها ورحابة صدرها بريشته في لوحاته ورسوماته الخالدة.

إلاّ أنّ الأمور في مصر قد تبدّلت، فسرعان ما رأينا غيوم التّهم والافتراءات تتجمّع من جديد لتلبّد سماء الحقيقة فتحجبها; فها هو مشروع القانون 263 لسنة 1960 يصدر، وبموجبه حُلّت كلّ المحافل الرّوحانية البهائية، وأوقفت كافّة نشاطاتها، وتصاعدت الاتّهامات ضدّ البهائيين ليأتي أخطرها بزعم التّآمر ضدّ الدّولة والاتصال بإسرائيل وربط البهائية بالصّهيونية، مما حدا بنيابة أمن الدّولة أن تحقق في كافّة التّهم في العام 1965 وكانت النّتيجة أن بُرّئ البهائيون من كلّ التّهم الموجّهة إليهم. والجدير بالذّكر هنا، وهو ما أكّدناه سابقاً، بأنّ البهائيين ممنوعون من التّدخل في الشّؤون السّياسية والحزبية ومأمورون بإطاعة قوانين الدّولة والإخلاص لها، وأنّ العلاقة الوحيدة التي تربطهم بالأراضي المقدّسة ما هي إلاّ كونها المثوى الأخير للباب وبهاء الله وعبد البهاء وحيث المراقد المقدّسة لهم وبالتّالي أصبحت هذه البقعة المباركة بالنّسبة لهم مركزاً روحياً ومقراً إدارياً للجامعة البهائية العالمية. وعلينا ألاّ ننسى أنّ بهاء الله لم يأت إلى الأراضي المقدّسة بمحض اختياره بل أجبر على ذلك وجاء إلى الأرض المقدّسة وإلى عكّاء وحيفا بأمر من السّلطات الإيرانية والعثمانية مُبعداً ومنفياً عن وطنه ثم سجيناً مقيداً بالسّلاسل والأغلال ومحاطاً بحراسة قوية ومراقبة شديدة.

وتتابعت القضايا المرفوعة ضدّ البهائيين وهي: قضية 1965، وقضية 1967، وقضية 1970 في سوهاج، وقضية 1972 في طنطا، وقضية 1985 (القضية الكبرى)، وقضية 2001 في سوهاج. وفي كلّ هذه القضايا لم يتمكن أعداء البهائيين من إثبات أيّ من التّهم الباطلة وفشلوا في النّيل من سمعتهم الطّيبة بين بني جلدتهم. وفي كلّ مرّة كان يتمّ القبض على الرّجال منهم والنّساء، وبعد تحقيق مستفيض يطلق سراحهم دون قيد أو شرط إلى أن توقّفت الأمور أخيراً عند مطالبة البهائيين بحقّهم في الحصول على شهادات الميلاد والرّقم الوطني الخاصّ بهم.

ونشط البهائيون رجالاً وشبيبةً وسيدات بالحضور إلى مجالس حقوق الإنسان التي تنظمها الهيئات والجمعيات التي تعمل في هذا المجال، وسجلوا عدّة مقابلات في عديد من الفضائيات، كما نشرت الجرائد والمجلاّت الكثير من المقالات عن وضع البهائيين وحقوقهم كمصريين. ودُعِي البهائيون رسمياً لحضور الاجتماعات الهامّة التي عقدها المجلس القومي لحقوق الإنسان، وقام عدد من أبرز الشّخصيات المرموقة في الدّفاع عن حقوق البهائيين كمواطنين ومنهم الدّكتور بطرس بطرس غالي، والدّكتور رياض فؤاد عبد المنعم رياض القاضي الأوّل الذي رفع صوته وقال إنّ البهائيين لا بدّ وأن يحصلوا على حقوقهم كاملةً لا فرق بين مصري ومصري، كما أبدى عدد من الصّحفيين وأساتذة الجامعات والوزراء السّابقين تعاطفهم ودعمهم لهذه الحقوق[13].

وفي السّادس عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام 2006 نقضت المحكمة الإدارية العليا في القاهرة قرار إحدى المحاكم الإدارية الصّغرى التي أكدّت على حقّ البهائيين في الحصول على البطاقات الشّخصية التي تصدرها السّلطات الرّسمية في البلاد. ورغم الصّدمة التي فاجأت الجامعة البهائية في مصر إضافة إلى العالم البهائي بأسره، فإنّ موقف البهائيين لخّصتها الرّسالة التي بعث بها المرجع الأعلى للدّين البهائي – بيت العدل الأعظم – في 21 كانون الأول (ديسمبر) من العام 2006 إلى الجامعة البهائية في مصر، ونورد الرّسالة هنا بكاملها لأهميتها ولأنّها تؤكّد من جديد بأنّ البهائيين يخضعون للقوانين ويتصرفون حسب أسمى قواعد الأخلاق وأنّهم مواطنون مخلصون لمصر يدعون إلى الخير والمحبّة والإخاء. وفيما يلي نص الرّسالة مترجمة:

«إلى البهائيين في مصر

أيها الأحبّاء الأعزاء،

لقد وصلت إلينا الأنباء الباعثة على الحزن والأسى معلنة أنّ المحكمة الإدارية العليا في القاهرة نقضت في السّادس عشر من شهر ديسمبر الحالي قرار إحدى المحاكم الإدارية الصّغرى التي أكّدت حقّ البهائيين في الحصول على البطاقات الشّخصية التي تصدرها السّلطات الرّسمية في البلاد. نشاطركم مشاعر خيبة الأمل في أنّ قرار المحكمة الإدارية العليا لم يخدم العدالة لأنّه حرم أعضاء جامعتكم البهائية حقّاً من أهم الحقوق التي يتمتّع بها المواطنون المصريون – ولم يكن قرار النّقض هذا إلاّ بسبب معتقداتكم. عليكم بالصّمود والمثابرة في بذل جهودكم لاكتساب هذا الحقّ. فإذا لم تؤدّوا ذلك كاملاً سوف تحرمون السّلطات في مصر من رفع ظلم قد تكون له آثار سلبية بالنّسبة لكثير من النّاس غيركم، وأيّ تهاون في مثل هذا الأمر سيكون بمثابة إنكار لتلك الشّجاعة الأدبية التي أبداها دعماً لكم أصحاب النّوايا الخيّرة – أشخاصاً كانوا أم أعضاء في هيئات ومنظمات مدنية أو من العاملين في حقل الإعلام، فقد ضم هؤلاء أصواتهم إلى أصواتكم في المطالبة بحلّ عادل لمعضلة تحمل مظلمة خطيرة.

وفي تفسير لحيثيات الحكم أصدر القاضي الذي رأس الجلسة تصريحاً للصّحفيين قال فيه بأنّ الدّستور المصري لا يعترف إلاّ بأديان ثلاثة هي الإسلام والمسيحية واليهودية. فكان هذا التّصريح بمثابة تجاهل لجوهر القضية وتمويه لها. فمن المؤكّد أنّكم لم تتقدّموا في هذا المجال بطلب الإعتراف بالدّين البهائي. وكانت رغبتكم بكلّ بساطة أن تكونوا أحراراً كغيركم من المواطنين المصريين لتنفيذ متطلبات القانون المدني للحصول على البطاقات الشّخصية دون اللجوء إلى عدم الصّدق في الإفصاح عن هويتكم الدّينية. فإقتناء البطاقة الشّخصية حقّ من الحقوق التي يشترك في التّمتّع بها كلّ مواطن مصري المولد. وإنّه لأمر غريب أن يفرض عليكم حماة القانون أنفسهم مخالفة السّياسة الإدارية للدولة التي يفترض أن يتقيد بتنفيذها كلّ مواطن دون استثناء. ولعلّ ما يستحقّ الثّناء والتّقدير طبعاً، هو أنّ القضاة المعنيين أكّدوا بصورة علنية إعترافهم بحقيقة ثلاثة من الأديان السّماوية. فنحن كجامعة دينية نؤمن بأنّ كلّ الرّسل الذين اختارهم الله «يجلسون على بساط واحد، وينطقون بكلام واحد، وينادون بأمر واحد». وتبعاً لذلك لن يجد البهائيون في مصر أيّة صعوبة في الإقرار بحقيقة كلّ دين من الأديان الثّلاثة المذكورة. ولكن لنا أن نسأل ما الغرض من ذكر هذه الأديان الثّلاثة فقط؟ وهل كان ذلك بقصد تبرير حرمان نفر من المواطنين التّمتّع بحقوقهم المدنية؟ أليس هذا الموقف بمثابة سوء فهم لما أمرت به تلك الأديان مما يبعث على انتشار الظّلم والإجحاف ويمثل إنتهاكاً لحرمة مستوى العدالة الرّفيع الذي أمرت تلك الأديان أَتْباعها التّمسّك به والقيام على تنفيذه؟ إنّ ما يهمّكم الآن ليس إجراء مشادّة فقهية بينكم وبين القضاء المصري، رغم ما ذهب إليه ذلك القضاء من المبالغة في إظهار الدّين البهائي على غير حقيقته، بل ما يهمّكم فعلاً هو أن تقوموا على تنفيذ مبادئ العدالة والإنصاف والتّحلّي بقيم الأمانة والصّدق، وهي مبادئ وقيم حيوية بالنّسبة لأتباع كلّ دين من الأديان ولأولئك الذين لا يدينون بأيّ دين. إنّ الحكم الصّادر ضدّكم كان حكماً مجحفاً ليس فقط لأنّه جاء مخالفاً للقواعد التي سنّها الميثاق الدّولي للحقوق المدنية والسّياسية الذي وقّعته مصر ملتزمة بتنفيذه، بل لأنّه لم يأخذ بعين الاعتبار أيضاً ما ورد بصورة خاصّة في الآثار الإسلامية المقدّسة من تمجيد للتسامح كمبدأ أساسي في بناء الاستقرار الاجتماعي.

تعيد هذه القضية إلى الأذهان ما حدث قبل أكثر من ثمانية عقود من الزّمان حين نظرت السّلطات القضائية والدّينية في أمر دعوتنا الدّينية. ولم يكن هدف تلك السّلطات التّعاطف معنا بل كان الغرض من ذلك المناوأة والمعارضة. فقد لفت نظر تلك السّلطات أنّ ثلاثة رجال مسلمين أعلنوا إيمانهم بالدّين البهائي في قرية من قرى مصر. وكان نتيجة ذلك أن أصدرت المحكمة الشّرعية للإستئناف بمدينة ببا في العاشر من شهر مايو من العام 1925 حكماً شجبت فيه الدّين البهائي وأمرت بفسخ عقود زواج الرّجال الثّلاثة وفصلهم عن زوجاتهم. وعلى الرّغم من ذلك فإنّ الدّراسة الدّقيقة للكتب البهائية المقدّسة والتي أجراها القضاة آنذاك أفضت بهم إلى نتيجة صحيحة وهي أنّ الدّين البهائي «دين جديد» و«قائم بذاته» وله «عقائد وأصول وأحكام خاصّة» ونال هذا الحكم آنذاك موافقة أعلى السّلطات الدّينية في مصر. فإذا كان بإمكان القضاة المصريين في ذلك الزّمان إدراك هذا الأمر إدراكاً صحيحاً، ثم أدركه مؤخراً قضاة محكمة محلية، يبدو من المعقول أيضاً أن نأمل واثقين في عودة هذه القدرة على إدراك حقيقة هذا الدّين فتؤكّد وجودها بصورة إيجابية لدى أعلى سلطة في بلادكم.

فمنذ مضي أكثر من قرن من الزّمان، وذلك إبّان حياة حضرة بهاء الله، رسخت جذور الدّين الذي جاء به في تربة وطنكم، ورغم ضروب المعارضة التي جابهت هذا الدّين فقد ازدهر في جوّ من اختمار الفكر وانفتاحه. ففي زمن مبكّر في العام 1934 تمّ تسجيل محفكم الرّوحاني المركزي رسمياً، فأصبح يتمتّع بصفة الشّخصية الاعتبارية القانونية، ومكّنه ذلك من القيام بوظائفه طبقاً لما نصّت عليه الإجراءات البهائية، فكان له حقّ تملّك العقارات، بما في ذلك حظيرة قدس مركزية وروضة أبدية لدفن الموتى من البهائيين. وعلى حين غرّة ومن دون سابق إنذار صدر في العام 1960 القرار الجمهوري رقم 263 بحلّ هيئاتكم المركزية والمحلية، وصودرت ممتلكاتكم وغيرها من الأموال. ولمدّة خمسة عقود من الزّمان تقريباً بات أعضاء جامعتكم يعانون ألواناً من الذّلّ والهوان، ومن جملة ذلك مضايقات الشّرطة في رصد تحركات البهائيين ومراقبتهم، بالإضافة إلى إلقاء القبض عليهم دون أيّ مسوغ قانوني. وحتى هذه اللحظة لم يعثر على أيّ دليل يثير الشّكّ في النّفوس بأنّكم لستم أهلاً للتّمتّع بثقة عموم النّاس، بل إنّ هناك الكثير من الدّلائل التي تؤكّد على أنّكم قد أسهمتم إسهاماً ملحوظاً في دعم الصّفات الرّوحية والفكرية والثّقافية للشعب المصري. وفي هذا المجال نشعر بالفخر والإعتزاز وتخالجنا مشاعر عميقة حين نتذكر مواطنكم البهائي الرّاحل حسين بيكار، فرغم التّكريم الذي أغدق عليه بمنحه جائزة رئيس الجمهورية تقديراً لإنجازاته الفنية الفذّة، بقي حسين بيكار حتى يوم وفاته محروماً من الحصول على بطاقته الشّخصية المصرية.

ليس هذا وقت نتوقّف فيه للخوض في سرد مطوّل لما تحمّلته جامعتكم البهائية من المعاناة لمدّة من الزّمن جدّ طويلة. ولعلّ الوقت مناسب الآن لنمعن الفكر في الإطار الواسع لما اتّخذته أخيراً المحكمة الإدارية العليا من قرارات كي تتمكّنوا عن طريق ذلك من تفهّم أوسع لما تدلّ عليه هذه القرارات من معان وأهداف.

إن الظّلم منتشر في كلّ مكان. فنجده عبر العالم وقد أصاب كلّ مجال من مجالات الحياة، أكان ذلك في المنزل، أو في مكان العمل، أو في المجتمع العامّ، وما هذه الحال إلاّ نتيجة سوء تصرّف الأفراد والجماعات والحكومات. وها هو بهاء الله يبدي أسفه البالغ على ما يخلفه الظّلم من المآسي فيعلّق على ذلك تعليقاً مؤثّراً إذ يتفضل قائلاً: «لقد ارتفع في هذا اليوم عويل العدل، وتفاقم حنين الإنصاف، وتلبّدت وجه الأرض بغيوم الطّغيان فأحاطت الشّعوب والأمم». فقيام ظروف على هذه الدّرجة من الخطورة نشهدها في مراحل من التّحول والتّغيير التي لم يعرف العالم لها مثيلاً، حيث تتفاعل التّيارات المضادة للفوضى والنّظام وتدخل في حلقة من الاضطرابات باعثة الإشارات بأنّ هناك تحوّلاً وتغييراً في المنهاج الرّوحي والاجتماعي للعالم بأسره.

لقد بلغ المجتمع الإنساني مرحلة من مراحل تطوّره أصبحت فيها وحدة الجنس البشري أمراً لا مفرّ منه. وإذا لم يتمّ تقدير هذه الحقيقة حقّ قدرها لن يكون من الممكن إدراك معنى الأزمة الرّاهنة في ميدان الشّؤون العالمية. فمبدأ وحدة العالم الإنساني هو بمثابة مفتاح لحلّ القضايا المستشرية حالياً. ولا بد أنّكم كبهائيين تدركون بأنّ هذا المبدأ – مبدأ وحدة العالم الإنساني – لا ينطوي فقط على هدف تحقيق سلام نهائي، بل يتضمن أيضاً الإسهام في القيام بتلك المهام المؤلمة التي يجب تنفيذها للوصول إلى ذلك الهدف. وبناء عليه لابدّ أنّكم تقدّرون ما تنطوي عليها شواهد الاضطهاد في الوطن وخارجه من معان خفية عالمية النّطاق. فعليكم والأمر كذلك تحمّل مسؤولية بذل الجهد الجهيد لتقفوا في وجه الظّلم من أجل الخير العامّ، متعاونين مع الآخرين كلّما أمكن ذلك، يهديكم في سعيكم هذا مبادئ ديننا الكريم.

إنّ تلك الجماعات التي قامت لتؤيّدكم في مسعاكم الرّاهن تتمتّع برؤية عالمية النّطاق والبعد، وهي مستعدّة أيضاً للوقوف صامدة أمام المقاومة العنيفة الموجّهة ضدّ مهامها الخالصة، متحمّلة في ذلك السّياق ضربات الظّلم والاعتساف. وبما أنّ ظهور العدل وقيامه في العالم يضمن وحدته واتحاده، فإنّ كلّ الذين يأخذون على عواتقهم مجابهة التّحديات الهائلة في الكفاح لإقامة العدل والإنصاف قد تشبّعوا بروح العصر التي تلخّصت في مبدأ الوحدة والاتحاد. فإلى الحدّ الذي يفضي فيه الكفاح من أجل العدل إلى النّجاح في وضع قاعدة عالمية واحدة لحقوق الإنسان، فإنّ المنظمات التي تنشط في مصر في هذا الحقل تعمل على تحقيق الوحدة والاتحاد لشعب مصر. وبناءً على ذلك قد نذرت هذه المنظمات أنفسها إلى حدّ كبير لتنفيذ مهمة حيوية في بعث روح التّصالح لإزالة التّوتر الذي أفسد مجتمعهم وأخّر تحقيق وحدته. إنّ مثل هذا التّصالح ليس بمستحيل على الشّعب المصري، الذي له أن يفخر بأنّه كان صاحب حضارة مستنيرة ضمنت في ماضٍ مجيد وحدة ذلك الشّعب في مجتمع اتّسم بالازدهار والنّموّ. ولا شكّ أنّ مصر اليوم سوف تنهض لتسهم من جديد بصورة تليق بمكانتها في تحقيق ذلك السّلام العالمي الموعود وتلك الرّفاهية التي تحلم بها أمم الأرض جميعها.

تأكّدوا بأنّنا سوف نتقدّم بالدّعاء لدى العتبات المقدّسة بالنّيابة عن كلّ فرد من أفراد جامعتكم، وسنتقدّم بالدّعاء أيضاً لتقدّم كلّ مواطنيكم من أهل تلك الدّيار المتألّقة بسناء مجد أثيل».

[التّوقيع: بيت العدل الأعظم].

استمرّت بعد ذلك مساعي أفراد الجامعة البهائية في مصر مطالبين بحصولهم على بطاقات الرّقم الوطني لتتمخّض المساعي أخيراً عن صدور قرار وزير الدّاخلية رقم 250 لسنة 2009 بتعديل القرار رقم 1121 لسنة 1995 بإصدار اللاّئحة التّنفيذية لقانون الأحوال الشّخصية، وذلك بوضع علامة (ــ) أمام خانة الدّيانة بدل كلمة «بهائي». ومن الملاحظ تجنّب ذكر كلمة «بهائي» في القرار كما هو واضح في نصه الآتي:

«ويتم إثبات علامة (ــ) قرين خانة الدّيانة للمواطنين المصريين الذين سبق قيدهم أو حصولهم أو آبائهم على وثائق ثبوتية غير مثبت بها إحدى الدّيانات السّماوية الثّلاثة أو مثبت بها علامة (ــ) أمام خانة الدّيانة، أو إنفاذاً لأحكام قضائية واجبة النّفاذ. ويسرى ذلك على كافة النّماذج والإصدارات الأخرى المرفقة باللاّئحة، شريطة أن يقدّم طلب بذلك من ذوى الشّأن إلى مساعد وزير الدّاخلية لقطاع مصلحة الأحوال المدنية أو من يُنيبه، ويتم إيداعه بالسّجل المعدّ لذلك.»[14]

وبناءً عليه تم إصدار شهادات ميلاد وشهادات إثبات الشّخصية أو بطاقات الرّقم الوطني للأرامل وغير المتزوجين فقط وبقيت المشكلة قائمة أمام المتزوجين والمطلقين في عدم السّماح لهم بالحصول على بطاقات الرّقم الوطني. والبهائيون في مصر هم أحرص ما يكونون على إطاعة القانون ولهم ثقة في مواطنيهم ويحبّون مصر من كلّ قلوبهم وقد عبّر عن هذا الحبّ لمصر بالنّيابة عنهم حسين بيكار، الرّسام والكاتب المصري العالمي الشّهرة إذ قال بلغته العامّية: «أنا بَحب مصر بِعَبَلْها».

* * *

في العام 1908 أطلقت الحركة الوطنية التّركية المسمّاة بـ«تركيا الفتاة» سراح معظم المعتقلين الدّينيين والسّياسيين القابعين آنذاك في سجون الإمبراطورية العثمانية، ولم يمض عام آخر حتى أُزيح السّلطان الرّابع والثّلاثون من سلاطين الدّولة العثمانية، عبد الحميد الثّاني، عن سدّة الحكم بتهمة الرّجعية وفرضت الإقامة الجبرية عليه حتى وفاته في 10 شباط (فبراير) من العام 1918.

إنّها المشيئة الإلهية التي قضت برفع الحظر الذي طال على عبّاس أفندي وقيّد تحرّكاته ضمن مدينة السّجن عكّاء وما جاورها من الضّواحي، فوجد نفسه وقد شمله ذلك العفو العامّ حرّاً طليقاً بعد أربعين سنة من السّجن والاضطهاد وقد شارف على السّبعين واعتلّت صحته. ولكنّ عبّاس أفندي آل على نفسه إلاّ أن يكرس باقي سني حياته من أجل تنفيذ رغبة والده الجليل في وصيّته بأن يستمرّ بالنّيابة عنه في حمل رسالة السّلام العالمي ورسالة الوحدة والاتحاد والتّآخي بين الأديان وأن يبلّغها عالياً لأهل الشّرق والغرب. وعليه قام عبّاس أفندي بقيام رجل كأنّه في مقتبل العمر رغم كبر سنّه، فبدأ رحلته التّاريخية في 29 آب (أغسطس) من العام 1910 متوجهاً إلى بورسعيد ليصلها بعد يومين في الأوّل من شهر أيلول (سبتمبر). قضى فيها شهراً أبحر بعده قاصداً أوروبا، إلاّ أن حالته الصّحية اضطرته إلى العودة والتّوقّف في الإسكندرية للاستشفاء والاستجمام واستعادة القوى، فكان أن مكث في مصر مدة عام تقريباً حتى 11 آب (أغسطس) من العام 1911.

هيأت تلك الإقامة المؤقتة ظروفاً خاصة دبّرتها المشيئة الإلهية حيث استطاع فيها عبّاس أفندي أن يعلن رسالة السّلام العالمي ورسالة الوحدة والاتحاد والتّآخي بين الأديان في مصر عاصمة العالم العربي والإسلامي ودُرّة الشّرق ورائدة الفكر فيه، فقد وجد عبّاس أفندي في مصر مناخاً فكرياً متحرّراً، وانفتاحاً نسبياً وخاصة في القاهرة والإسكندرية وقد أسرّ لأحد أتباعه المخلصين وهو يسير في أحد شوارع بورسعيد بأنّ هناك حكمة خفيّة في توعّك صحّته والأعراض التي يشكو منها لأنّها توفّر له الفرص والامكانات لخدمة الرّسالة الإنسانية التي نذر على نفسه نشرها[15]. ولم يكن من الممكن أن يبدأ ذلك الحوار الصّادق الصّريح بين عبد البهاء عبّاس وأبرز شخصيات العالم الإسلامي والسّنّي من أهل الفكر لولا وجوده بينهم يتحدّث إليهم وجهاً لوجه وبلغة عربية فصيحة وبليغة. وكان ضمن هؤلاء «رجال الدّين، ونواب البرلمان، والرّسميون، وأبناء الطّبقة العليا في البلاد، إضافة إلى محرّري الجرائد والمجلاّت الذين كانوا يمثّلون الصّحف العربية ذات النّفوذ في وقت كانت فيه تلك الصّحف متأثّرة بالتّقارير المغرضة الصّادرة من بلاد فارس ومن إسطنبول حاضرة الدّولة العثمانية. فأتيحت لهم الآن الفرصة ليكتشفوا بأنفسهم حقيقة الأمر الواقع.»[16]

من قلب الإسكندرية ينتقل عبّاس أفندي إلى ضاحية الرّملة ويتّخذ منزلاً يقصده الأتباع الإيرانيون وأصدقاؤهم من المصريين فيجلسون اليه يستمعون إلى أحاديثه وبياناته. في تلك الفترة جاء لزيارة عبّاس أفندي في شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) من العام 1910 الشّيخ علي يوسف، مؤسّس الصّحافة الإسلامية العصرية بمصر، وصاحب جريدة «المؤيّد»، وقد سبق أن ذكرنا كيف تغيّر موقف الشّيخ علي يوسف بعد لقائه بعبّاس أفندي فكتب في جريدة «المؤيّد» بتاريخ 16 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1910 مرحِّباً بوصوله إلى الإسكندرية ومعبرّاً عن احترامه البالغ لمكانته وعلمه، ثم رفض المزاعم والتّهم التي قالت بأنّ لزيارة عبّاس أفندي أغراضاً سياسية فقال مؤكّداً:

«وهو [أي عبّاس أفندي] ينفي نفياً باتّاً أنّ هناك باعثاً سياسياً حمله إلى الوفود على مصر قائلاً: «إنّني لا شأن لي بأمور السّياسة من قبل ومن بعد»، فلا داعي لأن يكون هناك باعث سياسي على مبارحة البلد الذي اتّخذه وطناً له. فنحن نرحّب بحضرة هذا العالِم الحكيم، ونسأل الله أن يجعل مقامه في مصر محموداً عائداً عليه بالصّحّة والعافية.»[17]

اقتصرت الاجتماعات العامّة، التي عقدها عبّاس أفندي في المنزل الذي استأجره في رملة الإسكندرية، على البهائيين المقيمين في الإسكندرية ونفر من البهائيين الغربيين الذين كانوا يزورون مصر في تلك الأثناء وعلى رأسهم لويس غريغوري أوّل الأمريكيين من أصل أفريقي يزور عبّاس أفندي. وعلينا أن لا ننسى بأنّ التّفرقة العنصرية كانت آنذاك على أشدّها إذ لم تضمحل تلك الفوارق في أمريكا إلاّ في السّتينيات. ورحّب عبّاس أفندي بضيفه معلناً أنّ الوقت قد حان لإزالة كافّة الفوارق العنصرية والتّعصبات الجنسية والتي كانت على أشدّها في أمريكا وبأشكالٍ متفاوتة في بقاع أخرى من بقاع العالم بما فيها بلاد الشّرق.

وصل لويس غريغوري الإسكندرية قاصداً زيارة من لقّبه أهل الغرب بكلمة «Master» أي «المعلّم»، وترك لنا وصفاً لوصوله ولقائه التّاريخي فسجّل ذكرياته عن تلك الزّيارة كما يلي مترجماً:

«وصل كاتب هذه السّطور إلى ميناء الإسكندرية عصارى اليوم العاشر من شهر نيسان (أبريل) من العام 1911. وبأسرع ما يكون يمّمتُ شطر متجر الميرزا حسن خراساني الكائن بشارع شريف باشا. فالتقيت هناك بعدد من الأحباء الذين استقبلوني باللطف والتّرحاب فأستأنست بهم واسترحت إلى صحبتهم. وسلّمت السّيّدمحمّد يزدي، وهو رجل شرقي دمث الأخلاق سمح المحيا، رسالة تعريف من الدّكتور إي. سي. غتسينغر مكتوبة بالفارسية…

وهكذا سِرتُ في صحبة صديقي المفضال إلى فندقي أوّلاً، ومن هناك توجّهنا إلى منزل تبدو عليه مظاهر البساطة ولكنّه يوحي بالرّاحة والطّمأنينة، وكان هذا هو المنزل الذي اتّخذه عبد البهاء منزلاً مؤقّتاً، وأمام المنزل انبسطت حديقة اجتزتها لأجد نفسي واقفاً عند أحد المداخل الجانبية الذي كان يفضي إلى درج يقود الدّاخل إلى الطّابق العلوي. وبعد أن غاب صديقي لحظات عاد وأشار عليّ بأن أتبعه. فصعدتُ لأدخل غرفة الاستقبال في الطّابق العلوي فكان فيها عدد من الأشخاص إلاّ أنّه كان من السّهل أن يميز النّاظر شخص عبد البهاء من بين هؤلاء. فهو يتحلّى بالجلال والجمال، ووجدت نفسي مدفوعاً بدافع طبيعي أن أنحني له إجلالاً، ولكنّني شعرت وهو ينحني نحوي أنّه قبّل رأسي، ثم أنهضني وقادني إلى مقعد لأجلس عليه. وكان في الغرفة كلّ من نور الدّين زين ودين الملك من الإيرانيين، ونيفيل ميكين والآنسة لويزا ماثيو… من الإنجليز. ثم استفسر عبد البهاء عن صحّتي فأجبته بأنّني بخير. ففي محضره نسيت كلّ ما تعلّق بمتاعب السّفر الطّويل، والمشاعر التي تثيرها أيّ زيارة أولى لمرفأ في الشّرق من القلق والانتظار. وشعرت بما لم أشعر به في حياتي من الهدوء والطّمأنينة وأنا في محضر عبد البهاء، فأضفت بأنّني سعيد لأنّني حظيت بهذا اللقاء. فأجاب قائلاً: «وأنا سعيدٌ بوجودك معنا هنا…»[18]

وسأل عبّاس أفندي ضيفه أثناء إحدى زياراته قائلاً: «هل هناك اتحاد تامّ بين المؤمنين البيض والملونين؟» فأجاب لويس غريغوري بقوله إنّه ليس هناك من اتحاد تامّ ولكنّ هناك نفوس من أصحاب النّوايا الصّادقة من البيض والملونين يريدون أن يكون هناك اتحاد أوثق ويأملون أن ينصحهم عبد البهاء كيف يمكنهم تحقيق ذلك، فأجاب عبد البهاء قائلاً: «إنّ أفضل وسيلة هي الاعتراف بهذا الأمر. فعلى كافة الفوارق أن تزول فيما بين الأحبّاء. فالخطر يهدّد جميع الأطراف في هذا الصّراع العنصري. فالتّزاوج خير وسيلة للقضاء على التّفرقة العنصرية، ومثل هذا الزّواج ينتج عنه ذرية تتّصف بالجمال والذّكاء وحضور البديهة.»[19] وفي لقاء آخر سُئل عبد البهاء ما إذا كان على الأحباء الملونين أن ينظّموا اجتماعات خاصّة بهم للاحتفال بالأعياد التّسع عشرية نظراً للصعوبات التي تواجه الاجتماعات التي تضم الجميع، فأجاب قائلاً: «على الملونين أن يحضروا كلّ الاجتماعات التي تدعو للوحدة والاتحاد. فالجميع متساوون. وإذا كان بإمكانك [مخاطباً لويس غريغوري] أن يكون لك أثر في تشجيع التّزاوج بين البيض والملونين فسيكون ذلك مفيداً جداً». ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتطرّق فيها الحديث إلى هذا الموضوع وبمثل هذه الحماسة[20].

ومن الملاحظ أنّ ثمرة ذلك الحديث عن فوائد مثل هذا التّزاوج قد أينعت بزواج الآنسة لويزا ماثيو السّيدة الإنجليزية البيضاء فيما بعد بالسّيّد لويس غريغوري أسود البشرة من أصل أفريقي والذي باركه عبّاس أفندي أثناء زيارته لأمريكا فيما بعد ليكون أوّل زواج من نوعه في أمريكا. فرغم القوانين الصّارمة التي كانت تدعم التّفرقة العنصرية، تمّ هذا الزّواج بفضل بركات عبّاس أفندي وإرشادته الحكيمة. والجدير بالذّكر أن لويس غريغوري الأفريقي الأصل عاد إلى مصر التي كانت عاصمة أفريقيا أيضاً، ولا يخفى على أحد ذلك المعنى الرّمزي لهذا الحدث الفريد من نوعه، فقد عاد لويس غريغوري إلى مصر ليستعيد «إنسانيته» ويصبح شريكاً في نشر رسالة السّلام العالمي ورسالة الوحدة والاتحاد التي حملها عبّاس أفندي إلى الشّرق والغرب.

ولم ينس عبّاس أفندي موضوع «السّود والبيض» عندما زار أمريكا فتحدّث في الموضوع في جامعة هوارد وهي من أهمّ الجامعات الأمريكية وأبرزها في 22 نيسان (أبريل) من العام 1912 فأكّد على أهمية زوال التّفرقة العنصرية بكلّ مظاهرها مصرّحاً بقوله:

«… ليس لدى الله بيض وسود وكل الألوان لديه لون واحد وهو لون العبودية الإلهية… إنّ البيض والسّود من سلالة آدم ومن عائلة واحدة… إذاً فالأصل واحد وهذه الألوان ظهرت فيما بعد بسبب الماء والمناخ… إنّني اليوم مسرور جداً لاجتماع البيض والسّود معاً في هذا الحفل. وأملي أن يصل هذا الاجتماع وهذه الألفة إلى الحدّ الذي لا يبقى معه امتياز بين الألوان ويكون الجميع في منتهى الألفة والمحبّة فيما بينهم..»[21]

امتلأت حياة عبّاس أفندي في الإسكندرية بالهمّة والنّشاط مدفوعاً بقلبه الكبير ومحبّته لأخيه الإنسان التي لا تعرف الحدود، فكنتَ تراه يدخل الحوانيت ويزور المساجد والكنائس والمدارس، ويتحدث بمنتهى الرّأفة والاحترام إلى كلّ إنسان مهما كانت منزلته أو مقامه، إذ يتساوى في نظره الفقير والغني والضّعيف والقوي، والوضيع والرّفيع، فتجده بين النّاس والأبصار شاخصة إليه لا فرق بين العالِم والجاهل فالكلّ يأمل بأن ينال بركةً من عنده. وتمكّن عبّاس أفندي أثناء وجوده بين أحبّائه ومريديه من أن يرفع معنوياتهم ويجدّد هممهم ويبعث فيهم وعياً جديداً بمسؤوليتهم ليعيشوا حياةً هدفها الخير للبشر جميعاً، وبوجوده بينهم لم يعودوا منسيين بل طبقت شهرتهم الآفاق فقد كانت الأنظار في الشّرق وفي الغرب متوجّهة إلى حيث كان عبد البهاء وإلى أولئك الذين حظوا بوجوده بينهم من البهائيين وأهل مصر الكرام الذين رحّبوا به وأكرموا وفادته[22].

وفي أوائل شهر أيار (مايو) من العام 1911 نرى عبّاس أفندي يقرّر زيارة القاهرة فيقيم بضاحية الزّيتون، وفي تلك الأثناء تتم لقاءات هامّة بين الخديوي عبّاس حلمي الثّاني (1892 – 1914) وبين عبّاس أفندي الذي يلتقي أيضاً، ولأكثر من مرّة، بمفتي الدّيار المصرية الشّيخ بكري الصّدفي ومفتي الخديوي الشّيخ محمّد رشاد، كما يلتقي أيضاً بالشّيخ محمّد بخيت الذي يصبح فيما بعد (في العام 1915) مفتي الدّيار المصرية ويتبادل معه الرّسائل. وفي ردّ لعبّاس أفندي على كتاب بعث به الشّيخ محمّد بخيت تتّضح لنا معالم الحوار الذي أجراه عبّاس أفندي مع أهل الدّين والفكر في مصر آنذاك. ففي رسالة خاصّة وجّهها عبّاس أفندي إلى الشّيخ محمّد بخيت كتب يقول:

«… وبعد أيّها النّحرير الجليل والفاضل النّبيل، إنّي رتّلت آيات حبّك في كتابك المبين وذقت حلاوة تلك العبارات بأدقّ المعاني النّاطقة بما يختلج في القلوب من عواطف الوفاء وصدق الولاء، فانشرح بها صدور المخلصين وانجذب بها قلوب الموحّدين فاستحكم بها روابط الوثوق التي لا انفصام لها، وتلك الرّوابط هو استغراق القلوب في عين اليقين والخلوص في الدّين والتّعطّش إلى حقّ اليقين في زمن أحاط الغبار المثار البصائر والأبصار، ولم يبق من الدّين الا التّقاليد التي ما أنزل الله بها من سلطان وزلزلت الارض زلزالها وتزعزعت أركان الشّريعة السّمحة البيضاء واتخذوا هذا القرآن مهجوراً..»[23]

وبغضّ النّظر عن موقف الشّيخ محمّد بخيت من الدّين البهائي فيما بعد، فقد بقى إعجابه بعبد البهاء على حاله دون تغيير. ويجب أن لا ننسى أنّ الشّيخ كان يعارض حركة الإصلاح التي نادى بها الشّيخ محمّد عبده معارضةً قوية[24]، ودار بينه وبين الشّيخ رشيد رضا، تلميذ محمّد عبده وكاتب سيرته، نزاع عنيف على صفحات الصّحف مثل الصّراع القائم بين الدّاعين إلى الإصلاح والتّجديد وأولئك المتمسّكين بالاجتهاد والتّقليد.

وكان من أكثر المعجبين بعبّاس أفندي من الذين التقوا به في القاهرة عثمان باشا مرتضى «حاجب» الخديوي وناظر خاصّته، واكتشف عبّاس أفندي بثاقب بصيرته أنّ لعثمان باشا ضميراً حيّاً وإحساساً صادقاً بالحقائق التي قد لا يدركها الآخرون إذ يقول عبّاس أفندي في رسالته إليه بتاريخ 17 تشرين الأوّل من العام 1919، بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة، «ما كنت أجد نفوساً يفقهون القول ولا يضلون عن المعنى إلاّ حضرتكم المتّصفة بدقّة النّظر والخوض في العمق الأكبر…» واستمرّ عبّاس أفندي بلهجة الأخوّة الحقّة فشاطر عثمان باشا مشاعره وقلقه بالنّسبة للآلام التي واجهها العالم في الحرب وأكّد مرّة أخرى هدف سفراته إلى الغرب. ولا بدّ للباحث المدقّق في أسلوب عبّاس أفندي في الكتابة أن يلاحظ بأنّ كلّ رسالة كتبها كانت بأسلوب ولهجة تناسب قارئها، ولعل هذه الرّسالة الموجهة لعثمان باشا يمكن وصفها بأنّها رسالة الأخ لأخيه يشاطره فيها أحزانه وآلامه وأحلامه، وها هو كامل الرّسالة:

«أيّها الشّهم الجليل أمير الوفاء وشهير الولاء أيّدك الله،

لا أكاد أشرح ما تخلّل في خلدي من بشائر الانشراح عندما تلوت نميقتك الغرّاء جواباً على التّحرير المتقدَّم منّي، والآن بما هاج نسيم الوفاء وماج بحر الولاء باشرت بتنميق هذه الذّريعة لعلّي أبثُّ ما يختلج في قلبي من عواطف الاشتياق لمشاهدة ذلك الحبيب الثّابت على الميثاق، وإنّني لا أكاد أنسى الأيّام التي قضيتها مع شهامتكم في تلك العُدوة القصوى بكلّ سرور وفرح لا يتناهى، وما كنت أجد نفوساً يفقهون القول ولا يضلّون عن المعنى إلاّ حضرتكم المتّصفة بدقّة النّظر والخوض في العمق الأكبر، إنّني تركت راحتي وسكوني وقراري في هذه البقعة النّوراء وهجرت ذوي القربى وخضت البحار وطويت القِفار، حال كوني ابْيَضَّ الشّعر منّي واشتعل الرّأس شيباً لأرفع ضجيجي في المحافل الكبرى والمجامع العظمى في قارّة أمريكا وأقاليم أوروبا، وأخاطب النّاس بما في ضميري بأعلى الصّوت وأقول أيّها العقلاء أيّها الفضلاء أيّها الفلاسفة وأساطين الحكمة، إنّ براكين النّار من المواد الملتهبة مدفونة تحت أطباق أوروبا وستنفجر بأدنى شرارة وتجعل عاليها سافلها وتتجاوز إلى قارّات أخرى، فيصبح وجه الأرض سعيراً وجحيماً، والقوم كانوا يسمعون لهذا الخطاب بأذن صاغيةٍ ويدرجونه في بطون الجرائد ويعدّونها خرائد ويذيّلون الخطاب بالتّقاريظ المعجبة ويقولون هذا هو الحقّ وما بعد الحقّ إلاّ الضّلال، والأوراق المطبوعة منشورة في تلك الأنحاء وموجودة معنا، فأصبح في أمريكا بهمّة بعض الأغنياء تتشكّل محافل عظمى ترويجاً للصّلح العمومي ومنعاً للحرب الطّاحن والسّيل الجارف، مع ذلك كان الحرب قدراً مقدوراً فوقع ما وقع وأصبحت كلّ معمورةٍ مطمورةً، كم من مدائن قلبت عاليها سافلها، وكم من أطفال يتِّمت وكم من نساء أُيّمت وكم من أمهاتٍ ارتفع منهنّ النّياح وشققن جيوبهنّ بقلوبٍ مضطرمة ودموع منسجمة، وكم من آباء أنُّوا أنين الثّكلاء من المساء إلى الصّباح، فظهر ظهور الشّمس في رابعة النّهار، وتحقق ما أنبأ به بهاء الله منذ خمسين سنة وفي الكتب المطبوعة المنتشرة في سائر الدّيار منذ ثلاثين أو خمسٍ وعشرين سنة، بناء على ذلك نرسل لحضرتكم بعض ما أنبأ به ضمن هذا المكتوب لتطّلع به وفي كتاب الملوك فيه أنباء أخرى ستطّلع بها وفي ذلك لعبرةٌ لأولي الألباب فانظر إلى آثار رحمة الله وعليك التّحية والثّناء.»[25]

ويغتنم عدد من الكتّاب والمفكرين والصّحافيين زيارة عبّاس أفندي إلى القاهرة فيزورونه ويستأنسون بمجلسه الشّائق ومن أولئك الكاتب والمؤرخ جرجي زيدان صاحب مجلة «الهلال». وتستغرق إقامة عبّاس أفندي في القاهرة وضواحيها ثلاثة أشهر يعود بعدها إلى الإسكندرية ليبحر في 11 آب (أغسطس) من العام 1911 إلى أوروبا على ظهر الباخرة «كورسيكا» متجهاً نحو المرفأ الفرنسي مرسيليا. وهكذا تبدأ رحلته الأولى إلى الغرب فيزور باريس ولندن ثم يعود إلى مصر في 2 كانون الأوّل (ديسمبر) من العام 1911 ويقيم بضاحية الرّملة مرة أخرى حيث يقضي الشّتاء قبل أن يقوم برحلته الثّانية إلى الغرب.

كانت الفترة الثّانية التي قضاها عبّاس أفندي في الإسكندرية حافلةً بالاجتماعات والمقابلات كالفترة الأولى وفضّل أن يقضي الشّتاء في مصر ليستجمع قواه كليةً ويستعيد صحته استعداداً لتحمل مشقّات ذلك السّفر الطّويل المرهق الذي سوف يأخذه إلى أمريكا. واستمرّ، كما كانت الحال عليه في الفترة السّابقة، يعتبر مصر مركزه المؤقّت وحلقة الاتّصال بالجامعات البهائية المترامية الأطراف، وخاصة في الهند وإيران والعواصم الأوروبية، وبالأعداد الغفيرة من محبّيه في الولايات المتحدة الأمريكية. ولم يتوقّف يوماً عن الإجابة على الرّسائل والبرقيات التي كانت ترسل إليه، كما قام نفر من أحبائه بتزويد العالم البهائي بأخبار قائدهم الرّوحي والمثل الأعلى لمبادئهم وتعاليمهم الأخلاقية. لم يتحدث عبّاس أفندي إلى النّاس عامّة في مصر مثلما كانت خطاباته وأحاديثه في أوروبا وأمريكا، فكانت أحاديثه في مصر خاصّة بمستمعيه البهائيين وأصدقائهم ولم تكن عامّة حتّى لا يكون هناك مجال يستغلّه المغرضون في إشعال نائرة الفتنة والاضطراب بين النّاس بتشويه مقاصد تلك الأحاديث. شهد شهر آذار (مارس) من العام 1912 نشاطاً ملحوظاً حيث تحدّث عبّاس أفندي إلى مجموعة من الإيرانيين وأصدقائهم في ثلاث مناسبات جرت في فندق فكتوريا في منطقة الرّملة بالإسكندرية، أُولاها كانت في 4 آذار (مارس) تحدّث فيها عن النّبي زرادشت، وثانيها في 6 آذار (مارس) ليلة المولد النّبوي الشّريف، أمّا حديثه الثّالث فكان في 20 آذار (مارس) بمناسبة عيد النّيروز.

لقد جمع بين أحاديثه الثّلاثة رباط فكري وثيق تمثّل بارتباط الأديان بعضها ببعض، وأنّ مصدرها واحد، وأنّ عدم معرفتنا ببعض الأديان لا يعني انتفاء وجودها أو أنّها أديان كاذبة. ويوضّح عبّاس أفندي هذه المسألة بقوله: «من العجيب أن يعترف النّاس بنبوّة موسى عليه السّلام وينكروا زرادشت عليه السّلام. إذ لمّا لم يُذكر اسم زرادشت عليه السّلام بصورة صريحة في القرآن فقد أنكره أهل الفرقان واعترضوا عليه. والحقيقة إنّ بعض الأنبياء فقط ذُكرت أسماؤهم في الفرقان ومعظمهم ذكرت صفاتهم ولم تذكر أسماؤهم ما عدا ثمانية وعشرين نبياً…»[26] أمّا الآخرون فقد ذكر أكثرهم بالتّلويح دون التّصريح بأسمائهم…»[27] كان الحديث هذا موجهاً إلى جمع أغلبهم من الإيرانيين بينهم قِلّة من الزّرادشتيين، وقد آن الأوان أن تتّضح أمامهم الحقائق ويثبت لهم أنّ دين الله دين واحد وأنّ الدّين الزّرادشتي دين إلهي معترف به كما جاء في القرآن الكريم، فيعود عبّاس أفندي ليؤكّد على تلك الحقيقة بقوله:

«… وأمّا بخصوص زرادشت عليه السّلام فيذكره القرآن كنبي بعث على سواحل نهر (آراس) وبهذا العنوان ذكر زرادشت عليه السّلام في القرآن بأنّه نبي «أصحاب الرّس» ولما لم يفهم حضرات المفسرين كلمة «الرّس» فقد فسروها بمعنى البئر. ولما كان شعيب عليه السّلام قد ظهر في مَدْيَن وكان أهل مدين يشربون الماء من الآبار لذا ظنّ المفسرون أنّ النّبي الذي بعث في الرّس كان شعيباً عليه السّلام. وقد ذكر بعض المفسرين أنّ المقصود بالرّس هو نهر آراس وأنّه بُعث عدد من الأنبياء هناك ولم تُذكر أسماؤهم في القرآن وهكذا كان قولهم.

وخلاصة القول إنّ زرادشت عليه السّلام ذُكر في القرآن باسم «نبي الرّسّ»، وإنّ عظمته واضحة كالشّمس…»[28]

وهكذا لم يتوقّف عبّاس أفندي عند ذكر الرّسالات الإلهية الثّلاث اليهودية والمسيحية والإسلام بل استرسل إلى ربط هذه الرّسالات في كلّ أحاديثه بالرّسالات الدّينية الأخرى كالدّين الهندوسي والبوذي، كما ربطها أيضاً بالتّراث الرّوحي للإنسانية الذي رفعها جيلاً بعد جيل وعصراً بعد عصر لينقل الإنسان على مدى التّاريخ من دياجير الجهالة إلى رحاب النّور والخيرات. فرسالة موسى في واقع الأمر ما جاءت إلاّ من رحم رسالة نوح وإبرهيم، ورسالة عيسى من رحم رسالة موسى، كما كانت رسالة محمّد نابعة من رحم رسالة عيسى عليهم جميعاً أفضل الصّلاة والسّلام، من هنا جاء تأكيد عبّاس أفندي بأنّ رسالة بهاء الله كانت نابعة من رحم رسالة محمّد. فالرّحم في جوهره واحد والمنبع الإلهي واحد وإن اختلف المظهر شكلاً وزماناً. هذا هو الوعي اللازم لإنسانية مزقها التّشيُّع والانقسام بضرورة النّظر إلى الأديان التي عرفها الإنسان على أنّها مظاهر مختلفة في أوقات متباينة لمواجهة تطورات هي من لوازم الحياة أساسها الرّوحي ثابت واحد. وما الهداية الإلهية إلاّ فيض دافق مستمرّ متطوّر لا انقطاع له بمصدره المتوحّد وأصله الواحد. وقد وجد عبّاس أفندي أنّ من الضّروري التّحدّث إلى إخوانه من المسلمين عن أصول دينهم وجذوره في الوقت الذي بدأ رحلاته إلى الغرب حاملاً رسالة والده الجليل التي تدعو العالم أيضاً إلى أن يفهم عظمة الرّسول الكريم وحقيقة رسالته. والمقتطف التّالي نموذج يوضّح الأسلوب الذي انتهجه عبّاس أفندي في حديثه عن الإسلام في الشّرق:

«… إنّ هذه الليلة ليلة ميلاد حضرة الرّسول، ولقد احتفل حضرات المسلمين بالمولد وإنّ احتفال حضراتهم هو عادة من عادات ألف سنة يسيرون وفق طقوسها وقواعدها وآدابها ولكنّ لهذا المولد في الحقيقة آثار جديدة ظهرت في العالم ونتائج مفيدة حصلت ولقد كان هذا المولد سبباً في تغيير وتبديل الوضع في قارة آسيا من حال إلى حال أخرى وأنتج تأثيرات عجيبة في ذلك الحين ولكنّ حضراتهم لم يعرفوا ماذا يصنعون بعد حضرته فظهر في كلّ رأس من الرّؤوس ميل من الميول وارتفعت من كلّ حنجرة من الحناجر نغمة خاصّة، وخلاصة القول لم يتركوا ذلك النّور السّاطع يتألق بل شُغلوا بالنّزاع والجدال وحمل كلّ واحد على الآخر حملة الحيوانات الكاسرة. لقد كانت ليلة المولد في الحقيقة ليلة مباركة للقارّة الآسيوية ولكنّ القوم لم يسمحوا لها أن تبقى كذلك بل قاموا بالنّهب والسّلب والنّزاع والجدال…»[29]

وإن كان الحديث الثّالث خاصاً بعيد النّيروز فإنّ عبّاس أفندي اعتبره عيداً ليس فقط لمن يبجّله ويحتفل به بل هو يوم مبارك يجب ألاّ «يُقضى عبثاً وسدى دون نتيجة بحيث تنحصر ثمرة ذلك اليوم بالسّرور والحبور»:

«وفي يوم كهذا يجب تأسيس مشروع تبقى فوائده دائمة لتلك الأمّة حتى يبقى مشهوداً معروفاً على الألسن ويكتب في التّاريخ أنّ المشروع الفلاني قد تأسّس في نوروز السّنة الفلانية، إذاً يجب على العقلاء أن يتحرّوا ويحقّقوا في ذلك اليوم في ما تحتاج الأمّة من الإصلاحات، وأيّ أمر خيري يلزمها وأي أساس من أسس السّعادة يجب وضعه حتى يتأسّس ذلك الإصلاح وذلك الأمر الخيري وذلك الأساس في ذلك اليوم… وخلاصة القول إنّ يوم النّيروز يوم مبارك جداً في هذا الدّور البديع أيضاً ويجب على أحبّاء الله في هذا اليوم أن يتفّقوا في الخدمة والعبودية ويجب أن يتكاتفوا في منتهى الألفة والمحبّة والاتحاد… وأن تتّجه أفكارهم إلى إيجاد نتائج عظيمة في مثل هذا اليوم المبارك وليس هناك اليوم نتيجة أو ثمرة أعظم من هداية الخلق لأنّ البشر المساكين محرومون من جميع المواهب الإلهية وبصورة خاصّة إيران والإيرانيون فيجب على أحبّاء الله ولا شكّ في هذا اليوم أن يتركوا لهم آثاراً خيرية مادّية أو آثاراً خيرية معنوية بحيث تشمل هذه الآثار الخيرية جميع النّوع البشري. لأنّ كلّ عمل خيري في هذا الدّور البديع يجب أن يكون عمومياً أي أن يشمل جميع البشر ولا يقتصر على البهائيين وحدهم. ففي جميع أدوار الأنبياء كانت المشاريع الخيرية مقصورة على الملّة وحدها ما عدا المسائل الجزئية كالصّدقة فقد أجازوا شمولها العموم أمّا في هذا الدّور البديع فحيث أنّه دور ظهور الرّحمانية الإلهية فإنّ جميع المشاريع الخيرية تشمل جميع البشر من دون استثناء لهذا فكلّ مشروع عمومي يتعلّق بعموم العالم الإنساني هو مشروع إلهي وكلّ أمر خصوصي ومشروع لا يتعلّق بالعموم فإنّه محدود. لهذا أتمنى أن يكون كلّ واحد من أحبّاء الله رحمة إلهية لعموم البشر.»[30]

وتتأصّل الوحدة والاتحاد وتضرب جذورها عميقاً في النّفوس والقلوب كلّما ازداد عدد المحتفلين من مختلف الملل والأقوام بمشاركتهم الوجدانية بأعياد بعضهم البعض، فيؤسّسون في ذلك اليوم المبارك مشاريع تصيب بخيرها عموم النّاس دون استثناء ولا شكّ أنّ «كلّ مشروع عمومي يتعلّق بعموم العالم الإنساني هو مشروع الهي».

بعد عيد النّيروز بأربعة أيّام، أي في 25 آذار (مارس) 1912 استقلّ عبّاس أفندي وعدد من أصحابه الباخرة «سيدريك» متوجّهين إلى نيويورك والعالم الجديد. فبعد أن يمضي ثمانية أشهر في الولايات المتحدة وكندا نراه يعود ثانية إلى أوروبا في كانون الأوّل (ديسمبر) 1912 ليمكث فيها ستّة أشهر تقريباً ليعود بعدها إلى مصر مرّة ثالثة في 17 حزيران (يونيه) من العام 1913 قبل عودته أخيراً إلى أرض فلسطين مكان انطلاق بداية رحلاته.

* * *

كانت تلك الفترة الثّالثة لإقامة عبّاس أفندي في مصر حافلة بالنّشاط والحركة; فإلى جانب الأحباء الإيرانيين والمصريين المقيمين وفد إلى بورسعيد لاستقباله عدد غفير من الإيرانيين والغربيين. وبعد يومين من وصوله نصبت خيمة كبيرة على سطح الفندق الذي نزل فيه معظم الزّائرين من خارج البلاد لعدم وجود قاعة تتّسع لمثل ذلك العدد الغفير. حضر عبّاس أفندي إلى «خيمة المسافرين في بورسعيد» في 19 حزيران (يونيه) 1913 وتحدّث إلى جمهور الحاضرين قائلاً:

«عجيب جداً أن يعقد في بورسعيد مثل هذا المجلس العظيم.

حبّذا لو يرفع الملوك رؤوسهم من تحت التّراب ويرون كيف ارتفعت رايات آيات الحقّ وكيف نكست أعلام الظّالمين.

ففي بغداد كان الشّيخ عبد الحسين المجتهد يدسّ الشّبهات بصورة خفية كلّما وجد فرصة مناسبة ولكنّ الجمال المبارك كان يردّ بالجواب على هذه الشّبهات.

فمن إحدى الشّبهات التي كان يدسّها هو إنّه قال ذات ليلة لأصحابه الذين كان يخصّهم بأسراره: «لقد شاهدت في عالم الرّؤيا شاه إيران جالساً تحت قبّته وخاطبني قائلاً يا جناب الشّيخ اطمئن فإن سيفي سيقتلع البهائيين ويمحيهم وقد كتبت حول هذه القبة آية الكرسي باللغة الإنكليزية».

فتفضّل الجمال المبارك بالجواب على قوله برسالة شفهية أرسلها بواسطة زين العابدين خان فخر الدّولة فقال:

«إنّ هذا الحلم رؤيا صادقة لأنّ آية الكرسي هي نفس آية الكرسي تلك ولو أنّ الخط خط إنكليزي وهذا يعني أنّ الأمر البهائي هو نفس الأمر الإلهي الإسلامي ولكنّ الخط قد تبدّل وهذا يعني أنّ اللفظ قد تغيّر ولكنّ حقيقته هي نفس تلك الحقيقة ونفس ذلك الفحوى. وأمّا تلك القبّة فهي أمر الله وهو غالب على الشّاه ومحيط بالشّاه والشّاه في ظلها ولا شكّ أنّها هي الغالبة».

فالآن أين الشّاه وأين الشّيخ لِيَرَيا في بورسعيد في مملكة مصر هذا الجمع الذي اجتمع تحت هذه الخيمة وليشاهدا روعة هذه الخيمة وما بها من الجمال والكمال!…»[31]

في هذا الخطاب البليغ لخّص عبّاس أفندي لمستمعيه الحقيقة الأساسية لرسالة والده الجليل، وهي الرّسالة التي حملها إلى أهل أوروبا وأمريكا والتي قُيّضَ لها أن تنتشر هناك انتشاراً واسعاً وتلقى قبولاً عامّاً، وقد وجد أنّه من الضّروري أن يعيد تأكيد هذه الحقيقة في مصر عاصمة العالمين الإسلامي والعربي، ويجعلها جوهر حديثه وهو العائد إلى دياره الرّوحية. إنّها الحقيقة التي أرادها عبد البهاء عبّاس أن لا ينساها أحد:

«إنّ الأمر البهائي هو نفس الأمر الإلهي الإسلامي في جوهره».

فالإيمان بدعوة الرّسول الكريم جزء لا يتجزأ من الأساس الذي تقوم عليه عقيدة كلّ فرد بهائي. ومن غير الممكن أن يعتبر أيّ شخص بهائياً دون الإقرار والإعتراف بجميع الأنبياء والمرسلين الذين بعثوا منذ سيدنا آدم حتى ظهور النّبي الكريم. وقد أشار بهاء الله في كثير من بياناته إلى هؤلاء الأنبياء والمرسلين وعلى الأخص أولئك الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، فأكّد صحة دعوتهم وصدق شريعتهم وعصمة كتبهم المنزلة، فصرّح بهذا الصّدد قائلاً:

«يا ملأ التّوحيد، لا تفرّقوا في مظاهر أمر الله ولا فيما نزّل عليهم من الآيات وهذا حقّ التّوحيد… وكذلك في أفعالهم وأعمالهم وكلّ ما ظهر من عندهم ويظهر من لدنّهم، كلّ من عند الله وكلّ بأمره عاملون، ومن فرّق بينهم وبين كلماتهم وما نزّل عليهم أو في أحوالهم وأفعالهم في أقل مما يحصى لقد أشرك بالله وآياته…»[32]

وما هذه الكلمات البيّنات إلاّ مصداق للآية الكريمة إذ يقول الله تعالى:

﴿وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلاّ هو الرّحمن الرّحيم﴾[33]

وقد بيّن بهاء الله أيضاً أنّ دعوة هؤلاء الأنبياء والرّسل جاءت لما فيه خير البشرية في تحقيق الصّلح والصّلاح، وما تتابع الرّسالات الإلهية في واقع الأمر إلاّ لاستقبال الفيض الإلهي الذي لا ينقطع، وبه أراد الله عزّ وجلّ هداية خلقه منذ الأزل إلى أبد الآبدين، وفيه صلاح عباده وسلامتهم. إنها سنّة الله في خلقه وهي هداية مستمرّة حدّدها القرآن الكريم جلية واضحة لا لبس فيها في قوله تعالى: ﴿يا بني آدم إمّا يأتينّكم رسل منكم يقصّون عليكم آياتي. فمن إتّقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾[34]. ولا أدّل على ذلك من موقف البهائيين من الدّين الإسلامي ونبيّه الكريم وما يكنّه البهائيون للقرآن الكريم والتّراث الإسلامي الأصيل من محبة واحترام وولاء. وقد ترك لنا كلٌّ من بهاء الله وعبد البهاء الآثار الغنية التي نجد فيها نفحات الطّيب من ذكرٍ وإجلال «للحبيب محمّد»، ويتّضح لنا من تلك الآثار مدى المحبّة الشّاملة والوحدة التي لا انفصام لعراها قطّ بين الرّسل والأنبياء ثم بين الأديان جميعها. فيقول بهاء الله في أحد ألواحه:

«… والصّلاة والسّلام على من ابتسم بظهوره ثغر البطحاء وتعطّر بنفحات قميصه كلّ الورى، الذي أتى لحفظ العباد عن كلّ ما يضرّهم في ناسوت الإنشاء، تعالى تعالى مقامه عن وصف الممكنات وذكر الكائنات، به ارتفع خباء النّظم في العالم وعلم العرفان بين الأمم، وعلى آله وأصحابه الذين بهم نصبت راية التّوحيد وأعلام النّصر والتّفريد، وبهم ارتفع دين الله بين خلقه وذكره بين عباده، أسأله تعالى بأن يحفظه عن شر أعدائه الذين خرقوا الأحجاب وهتكوا الأستار إلى أن نكست راية الإسلام بين الأنام…»[35]

وقد أوردنا في باب الملحقات بهذا الكتاب إشارات عديدة إلى موقف الدين البهائي من الإسلام ونبيه الكريم. فأيّ دليل أعظم منها يثبت للعوام والخواص أنّ البهائيين يؤمنون برسالة محمّد وبمقامه المميّز بين الرّسل والأنبياء، وأيّ برهان آخر يطلبه منتقدوهم وقد قدّموا عبر تاريخهم الحافل بالأحداث الدّليل تلو الآخر بأنّ رسالة بهاء الله، التي أنارت آفاق العالم بأسره وعمّت وانتشرت، ما جاءت إلاّ تكميلاً للفيض الإلهي المنزّل في الرّسالة المحمّدية وتحقيقاً للوعود الإلهية في الرّسالات السّماوية كلّها؟ فحمل عبّاس أفندي الرّسالة نفسها إلى غير المسلمين من أهل الشّرق والغرب وزرع في نفوس المؤمنين برسالة بهاء الله حبّاً للنبيّ محمّد وولاءً خاصّاً لدعوته التي يعتبرها البهائيون أصل رسالتهم ومنبعها الطّاهر.

في هذه الفترة الثّالثة التي يقضيها عبّاس أفندي في مصر تنهال عليه الرّسائل من أحبّائه ومن أولئك الذين فهموا فحوى رسالته لإقامة سلام عالمي ولجمع شمل الأديان المتفرّقة، فكان حريصاً أن يجيب شخصياً على كلّ رسالة تصله، من الأفراد كانت أم الهيئات. فبعث برسائله الهامّة إلى أمانة سرّ الجمعية الثيوصوفية[36] وإلى مؤتمر المسيحيين الأحرار المنعقد في باريس ما بين 16 و22 تموز (يوليه) 1913، وفي تلك الفترة أيضاً أجريت مع عبّاس أفندي عدّة مقابلات صحفية من قبل محرّرين مشهورين من الشّرق والغرب. فها هو الصّحفي الهندي المسلم مولانا محبوب علم الذي حضر إلى بورسعيد وسأل عبّاس أفندي عن الوسائل المثلى لجمع شمل الطّوائف والمذاهب الإسلامية وخلق الوحدة والاتحاد فيما بينها، وأنه: «كيف يمكن أن نعيد للإسلام ماضي مجده؟». فأسهب عبّاس أفندي في الإجابة عن هذه الأسئلة مؤكّداً ضرورة التّجديد في المادّيات المتغيّرة والتّمسّك بالرّوحانيات الثّابتة، وأكّد أنّ أوّل المطالب هو خلق الألفة والاتحاد ليس بين مجموعات الدّين الواحد بل بين جميع الأديان دون استثناء.

ولا مجال هنا لسرد القصص العديدة التي يرويها أولاد وأحفاد أوائل المؤمنين المصريين الذين التقوا بعبّاس أفندي واستبشروا بوجوده. ومن طريف ما يُروى قصة إبرهيم أفندي علي منصور – الذي مرّ ذكره – مع ابنه عنايت. كان إبرهيم أفندي يعمل موظفاً حكومياً بدائرة الجمارك في ميناء بورسعيد البحري، وبحكم وظيفته تعرّف على عدد من التّجار هناك ومنهم الإيرانيون، ونمت مع بعضهم صداقة حميمة على مرّ الأيّام.

«كان له من الذّكور أربعة هم محمّد بشير وعنايت الله وفاضل ونعيم، ومن الإناث اثنتان عصمت وقدسية، إلى جانب زوجته آمنة. فبعد أن أكمل الابن عنايت الله دراسته الثّانوية أمِل في الالتحاق بكلية «الفنون الجميلة» بالقاهرة، إلاّ أنّ والده إبرهيم رغب له أن يدرس طبّ الأسنان في بيروت لأنّ أخاه الأكبر كان يدرس الطّبّ البشري هناك، وبدأت المحاولات في إقناع الأب بالعدول عن رأيه.

من بين أصدقاء إبراهيم شخص إيراني يدعى حسين روحي كان يقيم في القاهرة ويدير منزلاً للطلبة الإيرانيين الذين يرسلهم آباؤهم من بورسعيد للدّراسة في القاهرة وكان لهم بمثابة ولي أمرهم. ولذلك، عندما علم عنايت الله بموضوع حسين أفندي سعى إلى التّعرّف عليه ثم انتهز أوّل فرصة للالتقاء به طالباً مساعدته في إقناع والده بتلبية رغبته. رحّب الأخير بالمساعدة وطلب منه أن يحضر إلى منزل معين في وقت وتاريخ محدّدين حاملاً معه ورقة وأدوات للرّسم. وفي غمرة تعجّبه من هذا المطلب ذهب عنايت الله في الوقت المحدّد. وها هو يشرح لنا ما حدث على لسان ابنته هدى رشدي:

«وصلتُ ومعي كلّ ما طُلب منّي لأجد حسين أفندي واقفاً بالباب في انتظاري. رأيت أمامي حشداً من الإيرانيين كنت أعرف بعضهم. جُلْتُ بنظري في المكان فوجدت في صدر غرفة الاستقبال شخصاً مهيب الطّلعة جالساً بكلّ وقار. أشار إليّ حسين أفندي قائلاً: هذا هو حضرة عبد البهاء، فهل تستطيع رسم صورة له؟ تسمّرتُ بباب الغرفة وأنا أنظر لذلك الهيكل الإنساني مسحوراً بجلال هيبته التي لم أرَ مثلها من قبل وهو يتحدّث إلى الحاضرين باللغة الفارسية التي أجهلها. ومع ذلك الإحساس الذي انتابني بالرّهبة والرّجفة استطعت انجاز الصّورة. وبعد أن انتهت الجلسة وبدأ النّاس يغادرون، توجّه نحوي حسين أفندي وأخذ الرّسم متوجّهاً نحو حضرة عبد البهاء، ثم رأيته ينحرف نحو طرف الغرفة بين الحاضرين بحيث غاب عن نظري وأنا لا زلت واقفا في مكاني، ثم شاهدته يعود متوجّهاً نحو حضرة عبد البهاء مصطحباً معه والدي إبرهيم ليقدّمه لحضرته، وهذا ما فاجأني تماماً لعدم علمي بوجوده. قدّم حسين أفندي الرّسم لحضرة عبد البهاء، وبعد أن تأمّله قال لوالدي: «موفق في دراسة الفنون إن شاء الله».

كانت دهشة والدي كبيرة عندما رآني بمثل دهشتي حينما رأيته. وفي طريق عودتنا إلى البيت شرح لي والدي كيف كان اتّصاله بالبهائيين الإيرانيين ومنهم تعرّف على الدّين البهائي وعقائده ومبادئه فاقتنع وآمن به منذ عدّة سنوات. ثم أخذ والدي يكلّمني عن الدّين الجديد وأنا في أعماقي إحساس يقول لي لا داعي لكلّ هذا الشّرح وسماع المزيد من أجل إقناعي وأنا الذي رأيت بأمّ عيني ما رأيت وسمعت من الكلمات الدّرية ما جذب فؤادي وروحي حينما كان حضرة عبد البهاء يتكلّم. حقاً كان يوماً أعتبره نقطة تحوّل هامّة ورئيسة في حياتي بإيماني من أعماق قلبي ليلحقني في هذا الرّكب المبارك باقي أفراد العائلة مع مرور الأيّام».

وتضيف الحفيدة هدى قولها: «مضى بعض الوقت وإذا بجدي إبرهيم يتسلّم رسالة خاصّة من حضرة عبد البهاء، وقد احتفظ بها وسلّمها لوالدي عنايت الله والذي بدوره أعطاني إياها وهو يودّعنا أنا والمرحوم زوجي جمال عبد الرّحمن رشدي وابنتنا ناهد وقد هممنا للهجرة إلى إثيوبيا وطلب مني أن أحتفظ بها مصدراً للعناية والبركات. ولا زالت في حوزتي بكلّ اهتمام».

وتضيف السّيّدة هدى بأنّ والدها عنايت الله قد أخبرها، وذكر ذلك أمام العائلة عدّة مرّات، بأنّ والده إبرهيم كان أول مصري مسلم يعتنق الدّين البهائي وأنّ بعض البهائيين الموثوق بهم قد شهدوا أيضاً بذلك.»[37]

أثناء وجود عبّاس أفندي في بورسعيد زار الإسماعيلية ليعود بعدها إلى بورسعيد ويجيب عن مئات الرّسائل من مختلف أنحاء العالم. من الرّسائل الهامّة التي كتبها آنذاك رسالته إلى الطّائفة المسيحية في لندن التي تدعو نفسها بـ«الموحدين.»[38] وهكذا استمرّ عبّاس أفندي يستقبل زواره الكثيرين في بورسعيد إلى أن حلّ الصّيف ليقرّر بعده الانتقال إلى الإسكندرية والإقامة في منطقة الرّملة كونها ألْطف هواءً وأنسب لحالته الصّحّية.

جرت العادة أن تنتقل هيئات الدّولة الرّسمية في كلّ صيف إلى الإسكندرية التي تعتبر العاصمة الصّيفية لمصر خاصّة في الأشهر ما بين تموز (يوليه) وأيلول (سبتمبر) من كلّ عام. في صيف العام 1913 زار عبّاس أفندي في الإسكندرية فوج من نوّاب البرلمان التّركي ومجموعة من أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت ونخبة من طلابها، كما زاره عدد من كرام المصريين يسألونه عن رحلته إلى الغرب وما وجده هناك. ثم التقى بالخديوي عبّاس حلمي الثّاني ثلاث مرات، حيث كان الخديوي عبّاس خادماً مخلصاً لبلاده ويعلم جيداً أنّ نصائح عبّاس أفندي أحوج ما يكون إليها الشّرق خاصة في مصر، كما التقى أيضاً بالأمير (البرنس) محمّد علي شقيق الخديوي الذي سبق أن التقى بعبّاس أفندي في نيويورك. وقصّة هذا اللقاء مذكورة في صفحات سابقة من هذا الكتاب[39]. كما سنحت الفرصة لعبّاس أفندي أن يزور منطقة أبو قير القريبة ترويحاً عن النّفس، إلاّ أنّ حالته الصّحّية استدعت عودته إلى حيفا، إضافة إلى أنّ أهل البيت وأحبّاءه في حيفا وعكّاء كانوا يلحّون عليه بالعودة. وهكذا في الثّاني من كانون الأوّل (ديسمبر) 1913 ركب عبّاس أفندي باخرة تابعة لشركة «لويد تريستيتو» ليصل حيفا في 5 كانون الأوّل بعد توقّف في بورسعيد ويافا. طلب عبّاس أفندي من أحبّائه ألاّ يأتوا متجمهرين في الميناء لاستقباله وأنّه سوف يلتقيهم في منزله.

* * *

عندما بدأ عبّاس أفندي رحلته إلى الغرب كان يدرك تماماً خطورة الوضع العالمي وخاصّة في أوروبا، وفي مخيلته الأسباب التي أدّت إلى مثل هذا الوضع الخطير فعبّر عن ذلك في إحدى رسائله بقوله:

«يا جند الحياة! لقد اتّحد أهل الشّرق والغرب على عبادة نجومٍ آفلة والتّوجّه إلى آفاق مظلمة، وغفلوا عن احترام أسّ أساس الشّرائع الإلهية المقدّسة وأهملوا الفضائل والكمالات الموجودة في دين الله، واتّخذوا من بعض العادات والطّقوس أساساً للدّين الإلهي، وعكفوا على ذلك بكلّ ثبات فتوهّموا بأنّهم قد أطاعوا الأنبياء والأولياء، وتبادر إلى أذهانهم أنّهم بذلك قد بلغوا أعلى مراتب الفلاح والنّجاح ولكنّهم في حقيقة الأمر قد انحدروا إلى هوّة الجهل وحُرموا كلّيةً من نعم الله وأفضاله.»[40]

لم يكن أهل الغرب يشاركون عبّاس أفندي هذه النّظرة إلى الأمور، بل بالعكس فقد دأبوا على اليقين بأنّ الحضارة المسيحية الغربية ازدهرت بفضل مجهوداتهم هم وبأنّها في كلّ المجالات الاقتصادية والسّياسية والعسكرية أصبحت تسيطر على الأمور المادّية الدّنيوية كافّة. وكان الاعتقاد بأنّ الحضارات السّابقة كالمصرية القديمة واليونانية والرّومانية وحضارة الهند والصّين ما كانت إلاّ مقدّمة لهذه الحضارة الكبرى متناسين عِظَم الأثر الذي خلّفته الحضارة العربية، وحسبوا أنّ العلوم الطّبيعية قد اخترقت كافّة الحواجز وأجابت عن كلّ الأسئلة، وأنّهم باتوا أعظم جيل متنوّر الفكر في أعظم عصر للفكر والرّشاد. ولخّص أحد مؤرخي العصر هذا الاعتداد بالنّفس ومدى الرّضاء عليها بقوله: «ليس من المغالاة أن نقول إنّ النّسيج المادّي للحضارة والتّمدّن كان نتيجة الجهود الجريئة والمثابرة الحثيثة للشعوب الأوروبية.»[41]

أمّا أهل الشّرق فلم تكن أوضاعهم بأقلّ خطورة مما كانت عليه عند أهل الغرب، فإذا كانت المادّية هي الدّاء الذي استشرى في أوصال الغرب، كان التّعصب الأعمى تجاه الآخر والتّخلّف نتيجة التّقليد هو المرض العضال الذي نخر جسد الشّرق.

كان بمقدور عبّاس أفندي أن يتحدّى النّظرة الغربية إلى الأمور ويبرهن على زيفها وبطلانها، وكان بإمكانه أن يسوق الحجّة تلو الحجّة من الكتاب المقدّس ليثبت صدق التّعاليم التي نادى بها وبطلان ما يتوقّعه العالم الغربي بأنّه قادر على إقامة مملكة الدّنيا طبقاً لمواصفات الإنسان على حساب مملكة الله، وكان بإمكانه أيضاً أن يدحض الآراء التي تبرّر قيام سلطة مادّية تملكها فئة من النّاس لتسود وتسخّر غيرها من البشر. إلاّ أنّ عبّاس أفندي رفض أن يفعل كلّ هذا وآثر أن يوضّح لمستمعيه بكلّ لطف ومحبّة متطلبات تلك المملكة الرّوحانية القائمة على ذلك المثل الأعلى الذي أكّده دائماً في كلّ زمان ومكان وهو الوحدة والاتحاد النّابع عن المحبّة. فأحاديثه في باريس كانت مليئة بالحكمة والرّوحانية والمشاعر القلبية الحارّة. وقد حبّبه إليهم حلاوة لسانه، ورقّة بيانه وتحدّث بأسلوب قلّما تجد له مثيلاً في الأدب الدّيني، وكان أوّل حديث له في الغرب في مدينة تونون – لي – بان بسويسرا بتاريخ 27 آب (أغسطس) من العام 1910، حيث خاطب جمعاً من الإيرانيين والأوروبيين يمثلون أدياناً ومذاهب مختلفة، وشاء عبّاس أفندي أن يتحدّث إليهم بالعربية. ومن جميل الصّدف أنّ مراسل جريدة الأهرام في سويسرا كان مارّاً بفندق دوبارك وقد أدهشه أن يرى عبّاس أفندي هناك واستطاع أن يحصل على نصّ حديثه وينشره في الجريدة في عددها الصّادر في 16 أيلول (سبتمبر) 1910 الذي جاء فيه بالخطّ العريض تحت عنوان:

زعيم البهائية في أوربا[42]

«بعد أن أقام حضرة الحبر عبّاس أفندي زعيم البهائية مدّة غير قصيرة في القطر المصري وكتب عنه مراسلونا الشّيء اليسير. سافر إلى أوربا فقابلته صحفها بالفصول الطّويلة. وتوافد عليه النّاس جماعات وزاره العلماء ليعرفوا من هو وقد تلقينا اليوم مع البريد الأوربي رسالة من أحد كبار المستشرقين من تونون ننشرها بحروفها ليقف الرّأي العام الشّرقي على حال هذا الزّعيم.»[43]

وبعد هذه المقدّمة قدّم مراسل الأهرام الحديث المنشور بهذه الكلمات:

«من بعد استعطاف الأنظار الكريمة وتقديم الاحترامات الفائقة أحببت أن أبث لكم حديثاً غريباً وهو أنّني في أثناء تنزّهي في شواطيء بحيرة جنيفا بسويسرا صادف مروري بمدينة تونون الواقعة على شاطيء البحيرة المذكورة ودخلت نزل البستان (أوتيل دوبارك) من المدينة المذكورة في طبقاتها فإذا جمّ غفير من أجناس مختلفة على مائدة ممدودة بعضهم من أبناء الفرس ذوي عمامة بيضاء وبعضهم بقبّعة سوداء وثلّة من الأهالي المختلفي الأجناس من فرنسا وإنكلترا وأمريكا وإيطاليا. محفل مرتّب في غاية الانتظام وفي نهاية السّكون والوقار وكمال الألفة والوداد. في بهرتهم رجل في عقد السّبعين من الحياة مبيضّ الشّعر متوسط القامة مرتد برداء أبيض يتكلّم مع الجماعة بغاية التّأنّي باللغة العربية والكتبة يكتبون والمترجمون يترجمون بعدّة لغات سامية في أوربا والجميع يسمعون أقواله بأذن صاغية وقلوب واعية وأبصار شاخصة...»[44]

في كلّ أحاديثه وخطبه في الغرب كانت الفكرة التي قدمها عبّاس أفندي وأعلنها للملأ أنّه قد أطل على العالم فجر يوم جديد ودبّت في أوصاله قوة جديدة ووعيٌ جديد. وأكّد بأنّ الأديان الإلهية «مبنية على الفضائل الإنسانية ومنها الألفة والوداد بين العموم، والوحدة والاتفاق بين الجمهور… [و] أنّ الأنبياء كلّهم من عند الله وأنّ الشّرائع كلّها تحققت بكلمة الله، وما بعثهم الله إلاّ لتعليم وتربية الإنسان وتثقيف عقول البشر والتّدرج إلى المعارج العالية من الفلاح والنّجاح.»[45] وفي حديثه في تونون – لي – بان لفت الأنظار إلى أنّ الأديان سلسلة من حلقات مرتبط بعضها ببعض ومتّحدة في الجوهر. فأشار إلى «موسى عليه السّلام [الذي] أنقذ بني إسرائيل من الأسر والهوان والذّلّ والخذلان»[46] ثم أشار إلى «المسيح الجليل كلمة الله وروح الله المؤيّد بالإنجيل فقد بعثه الله بين قوم ذلّت رقابهم وخضعت أعناقهم وخشعت أصواتهم لسلطة الرّومان فتفتح فيهم روح الحياة… [و] خضعت لهم الرّومان وخشعت لهم اليونان…»[47] كان هدف عبّاس أفندي الدّؤوب أن يبيّن لأهل الغرب مبدأ وحدة الأديان وأهمية تآلفها لحلّ مشاكل العالم، ولا يمكن له إلاّ أن يضع نصب عينيه إحدى مسؤوليّاته الكبرى في أن يبدأ العالم الغربي بإزالة تعصّبات الماضي والاعتراف بفضل الرّسالة المحمّدية على الحضارة الغربية. ولذلك نراه يتطرّق إلى هذا الموضوع الهامّ ويعيد التّأكيد عليه مراراً وتكرراً في القارّتين الأوروبية والأمريكية. فكان، بما قدّمه للغرب من تعريف بالنّبي العربي عليه الصّلاة والسّلام، خير سفير للإسلام. وها هو في أوّل حديث له في العالم الغربي، وهو الذي يطأ الأرض الأوروبية لأوّل مرّة ولم يختلط في حياته بالأوساط الغربية ليعرف عادات الغرب ولغة الغرب، تمكّن من أن يعلن في الغرب كلمة الحقّ بحقّ الدّين الإسلامي بكلّ حرارة وإيمان تماماً كما فعل في الدّفاع عن دين والده في العالم الإسلامي، وهذه كلماته:

«… وأمّا الرّسول الكريم محمّد المصطفى عليه الصّلاة والتّسليم فقد بعثه الله في واد غير ذي زرع لا نبات به بين قبائل متنافرة وشعوب متحاربة وأقوام ساقطة في حضيض الجهل والعمى لا يعلمون من دحّاها ولا يعرفون حرفاً من الكتاب ولا يدركون فصلاً من الخطاب، أقوام متشتّتة في بادية العرب يعيشون في صحراء من الرّمال بلبن النّياق وقليل من النّخيل والأعناب فما كانت بعثته عليه السّلام إلاّ كنفخ الرّوح في الأجساد أو كإيقاد سراج منير في حالك من الظّلام فتنوّرت تلك البادية الشّاسعة القاحلة الخاوية بتلك الأنوار السّاطعة على الأرجاء فانتهض القوم من رقد الضّلال وتنوّرت أبصارهم بنور الهدى في تلك الأيّام فاتّسعت عقولهم وانتعشت نفوسهم وانشرحت صدورهم بآيات التّوحيد فرتّلت عليهم بأبدع الألحان، وبهذا الفيض الجليل قد نجحوا ووصلوا إلى الأوج العظيم حتى شاعت وذاعت فضائلهم في الآفاق، فأصبحوا نجوماً ساطعة الإشراق فانظروا إلى الآثار الكاشفة للأسرار حتى تنصفوا بأنّ ذلك الرّجل الجليل كان مبدأ الفيض لذلك القوم الضّئيل وسراج الهـدى لقبائل خاضت في ظلام الهوى وأوصلهم إلى أوج العزّة والإقبال ومكّنهم من حياة طيّبة في الآخرة والأولى، أَمَا كانت هذه القوّة الباهرة الخارقة للعادة برهاناً كافياً على تلك النّبوّة السّاطعة!

لعمر الله إنّ كلّ منصف من البشر يشهد بملء اليقين أنّ هؤلاء الرّجال كانوا أعلام الهدى بين الورى ورايات الآيات الخافقة على صروح المجد في كلّ الجهات، وتلك العصبة الجليلة استشرقت فأشرقت واستضاءت فأضاءت واستفاضت فأفاضت واقتبست الأنوار من حيّز ملكوت الأسرار وسطعت بأنوار الوحي على عالم الأفكار. ثم إنّ هذه النّجوم السّاطعة من أفق الحقيقة ائتلفت واتّحدت واتّفقت وبشّر كلّ سلف عن كلّ خلف، وصدّق كلّ خلف نبوّة كلّ سلف. فما بالكم أنتم يا قوم تختلفون وتتجادلون وتتنازعون ولكم أسوة حسنة في هذه المظاهر النّورانية والمطالع الرّحمانية ومهابط الوحي العصبة الرّبانية، وهل بعد هذا البرهان يجوز الارتياب والتّمسك بأوهام أوهن من بيت العنكبوت وما أنزل الله بها من سلطان؟»[48]

وإذا أردنا أن نوجز رحلات عبّاس أفندي نقول بأنّ رحلته الأولى إلى أوروبا قد بدأت كما ذكرنا في 11 آب (أغسطس) من العام 1911 واستغرقت أربعة أشهر تقريباً زار فيها إلى جانب تونون – لي – بان كلاً من لندن وباريس، ثم عاد إلى مصر لقضاء فصل الشّتاء، وبدأت رحلته الثّانية في 25 آذار (مارس) 1912 حين استقلّ الباخرة «سِدريك» مع نفر من أصحابه متوجّهاً أوّلاً إلى نيويورك عن طريق نابولي ليصلها في 11 نيسان (أبريل). في أمريكا قام برحلة طويلة دامت ثمانية أشهر انتقل فيها من الشّاطئ إلى الشّاطئ وزار خلالها واشنطن وشيكاغو وكليفلاند وبتسبورغ ومونت كلير وبوسطن ورشستر وبروكلين وفانود وملفورد وفيلادلفيا وإنجلود الغربية وجيرسي سيتي وكمبردج ومدفورد وموريس تون ودبلين وعكّا الخضراء ومونتريال ومالدن وبفالو وكينوشا ومنابوليس وسانت بول وأوماها ولنكولن ودنفر وينابيع جلنوود وسولت ليك سيتي وسان فرنسيسكو وأوكلاند وبالو ألتو وبركلي وباسادينا ولوس انجلس وسكرامنتو وسنسناتي وبلتيمور. ولم تتوانَ الصّحف الأمريكية الرّئيسة في الولايات المتحدة وكندا عن تغطية زيارات عبّاس أفندي إلى المدن والحواضر المختلفة تغطية كاملة، وقامت إضافة إلى ذلك بنشر أحاديثه وخطبه والتّعليق عليها. وأهم هذه الصّحف هي: «سان فرانسسكو اكزامينر»، «لوس أنجلز هيرالد»، «لوس أنجلز تايمز»، «ديلاوير ستار»، «نيويورك تايمز»، نيويورك سيتي إيفنينج غلوب»، «نيويورك سيتي صن»، «شيكاغو ريكورد هيرالد»، «بافلو اكسبرس»، «تورنتو ستار ويكلي»، بوسطن إيفنينج ترانسكريبت»، «بوسطن ايفنينج هيرالد»، «بوسطن ترافيلر»، «أمريكان ريفيو اوف ريفيوز» و«شيكاغو دايلي نيوز». في 5 كانون الأوّل (ديسمبر) من نفس العام أبحر أخيراً على ظهر الباخرة سِلتك من نيويورك إلى ليفربول، ولما نزل إلى البر هناك تقدّم بالقطار إلى لندن وبعد ذلك زار أكسفورد وإدنبره وبريستول ومن ثم عاد إلى لندن. وسافر إلى باريس في 21 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1913 وفي آذار سافر إلى شتوتكارت ومن هناك تقدّم في 9 نيسان (أبريل) إلى بودابست، وزار فينّا بعد تسعة أيّام ورجع إلى شتوتكارت في 25 نيسان (أبريل) ثم عاد إلى باريس في أوّل أيار حيث مكث إلى 12 حزيران (يونيو) وأبحر في اليوم التّالي على ظهر الباخرة هميلايا التي اتّجهت من مرسيليا إلى مصر، فبلغت بورسعيد بعد أربعة أيّام أخرى.»[49]

وبعد فترة من الرّاحة في بورسعيد ورملة الإسكندرية عاد إلى حيفا منهياً سفراته التّاريخية هذه في كانون الأوّل (ديسمبر) 1913.

* * *

استهلّ عبّاس أفندي سلسلة خطبه وأحاديثه في الغرب ببثّ الأمل في نفوس سامعيه مؤكّداً قدرتهم على العمل لتحسين أوضاع العالم، وأكّد لهم أيضاً سروره البالغ بأنّ الفرصة أتيحت له بلقاء عدد كبير من النّاس الممتلئة قلوبهم بالنّور والإشعاع رغم كبر سنّه وحالته الصّحّية. فكان أن أعطوه أذناً صاغية واستمعوا إلى رسالته العالمية بفكر منفتح وقلب منشرح.

خاطب عبّاس أفندي مستمعيه ببالغ الاحترام فأخبرهم بأنّه أتاهم من مكان بعيد، ولولا محبّة الله ومحبّتهم له لما تمكّن أن يفعل ذلك. في الغرب مسّ شغاف القلب وجوهر الرّوح حين تحدّث عن والده الجليل بهاء الله، ووصف تلك العلاقة الرّوحية الإلهية التي تربط بهاء الله بالسّيد المسيح، وشرح وحدة الرّؤية والهدف التي كانت لديهما في إرساء قواعد السّلام لعالم الإنسان. وأكّد لهم أيضاً كما أكّد لعالم الشّرق سابقاً تلك العلاقة الوطيدة التي تربط الإسلام بمعاني الوحدة والاتحاد والسّلام في العالم.

تحدّث عبّاس أفندي إلى زوّاره ومستمعيه بلغة العقل والمنطق ولغة الرّوح والإيمان، ولم يفنّد ما ذهب إليه الغرب مستخدماً عنف المقال بل منطق التّاريخ بأحداثه محلّلاً ومعلّلاً. وبالحديث الهادئ والحوار المتّزن المتسامح بيّن لمستمعيه من مختلف التّيارات الفكرية والعقائدية كيف نشأت الحضارة الإنسانية ومن أين جاءت وكيف ارتقت وتطوّرت حتى وصلت إلى أوروبا وأمريكا. ثم بيّن بالحجة المقنعة بأنّ الكون بأسره في كلّ أحواله خاضع لنظامٍ أبدي واحد هو المشيئة الإلهية الفريدة المستمرّة والمستقلّة بذاتها والتي تسيّره وتوجّه مساره. وأنّ هذه المشيئة والقوّة الرّبّانية هي الرّوح المحرّكة والفاعلة دوماً في كلّ ما يتّصل بالعالم، وهي القوّة الوحيدة التي تبعث الحياة وتسيطر على الوجود كلّه. وتحدّث بإسهاب عن هذا الموضوع بروحانية كانت منطقية بقدر ما كانت دينية، وبأسلوب علمي بقدر ما هو نابع عن إيمان صادق في اتّفاق العلم والدّين. عالج عبّاس أفندي هذا الموضوع بشكل عامّ وموسّع ولكنّه دقيق فيما تضمنه من تفاصيل: فتحدّث عن الذّرّة ومسارها في عالم الطّبيعة – على سبيل المثال – شارحاً ما يطرأ على هذه الذّرّة من تطورات بواسطة نشاط لا ينبع من ذاتها. وبرهن على أنّ المشيئة الإلهية المستمرّة المستقلّة بذاتها هي التي توجّه تحول الذّرّات وتحدّد مسارها. وبالمثل عملت هذه المشيئة الإلهية في مسار الإنسانية عبر مراحل تقدّمها من مرحلة إلى أخرى في رحلتها إلى ما وصلت إليه من رقي. وعاد فربط عوالم الطّبيعة كلّها بالعالم الإنساني وضمّها في وحدة واحدة مبرهناً ليس فقط على وحدة العالم الإنساني بل أيضاً على وحدة الكون بأسره. وفي هذا الإطار تسهم كلّ الموجودات بأساليبها الخاصّة بها – وحتى لو كان ذلك بصورة تمهيدية – في الوصول إلى ذلك الهدف الرّوحاني العظيم الواحد في استتباب الوحدة والاتحاد بين جماهير البشر.

وأهاب بمستمعيه أن يجابهوا قوى المادّية الطّاغية والسّائدة آنذاك بالتّعقل وبالاستناد إلى الحقائق الرّوحانية الثّابتة والأدلة القاطعة، وضرب لهم المثل في كيف يفعلون ذلك. وكان هدفه الرّئيس في حواره هذا مع الغرب أن يبعث في أذهان مستمعيه القدرة على فهم وإدراك المنعطف التّاريخي الخطير الذي يواجه العالم الحديث. وكان هدفه أيضاً أن يساعد عامة النّاس على عدم اتّخاذ ذلك الموقف اللاّمبالي الذي اتّخذه الرّؤساء والملوك والقادة السّياسيون الذين أعماهم الكبرياء والغطرسة والاعتداد بالنّفس وباتوا نهبة الشّكوك التي خلقها عصرهم، بحيث باتوا عاجزين عن إدراك الحقيقة الماثلة أمام أعينهم بكلّ وضوح. وكلّ ما كان يسعى إليه هو الدّعوة إلى التّغيير والتّجديد. وصرّح بأنّه ما لم تتغيّر النّفوس وتمتلئ القلوب بالرّوحانية فإنّ الأخطاء ستتتابع وتستمرّ، وأكّد بأنّ العلاج الوحيد هو بعث تلك القدرة في قلب الإنسان المزيّنة بالإرادة لكي يتمكّن من التّمسّك بالحقّ وإدراكه. ومن الواضح أيضاً أنّ عبّاس أفندي لم يتناول في أحاديثه وخطبه معالجته المسائل الرّوحانية فحسب، إنّما تصدّى أيضاً للقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسّياسية. وكان تحليله لكلّ ما عالجه من قضايا تحليلاً عقلانياً استمدّ مرجعيته وحجّته من دراسة موضوعية لتاريخ العالم وتطوّر الحضارة الإنسانية وتقدّمها. فقد عرض الرّؤيا لوحدة عالمية لا تتحكّم فيها سياط القوّة ويطغى عليها الاستبداد، بل هي وحدة تسودها الفضيلة في جوّ من التّعاون وتكامل القدرات والمواهب وحيث الشّعور الصّادق بالعدل والإنصاف ينسلّ عميقاً في كلّ مناحي الحياة ومسالك الفكر وخلجات القلب. واغتنم كلّ فرصة سانحة محذّراً من شرور كلّ أشكال العصبية والتّعصّب والإجحاف الدّيني وغيره. وتوسّع عبد البهاء في شرح الصّيغة البسيطة التي طرحها بهاء الله ومفادها أنّ السّلام يجب أن يبدأ بالعدل. فالعدل يؤدي إلى الوحدة، والوحدة تقود إلى السّلام. وبيّن عبّاس أفندي بكلّ صراحة أنّ الإنسانية بعيدة كلّ البعد عن تحقيق الأهداف التي يتمسّك بها ويحرص عليها، وأنّ الإنسانية كانت غير مستعدّة لمواجهة تحدّيات العصر المقبل. تنبّأ باشتعال الحرب العالمية لكنّه أوضح أنّها ليست نبوءة صادرة عن نبوّة وإنّما كانت مجرد استنتاج عقلاني منطقي مستمدّ من ملاحظة تحوّل أوروبا إلى «معسكر مسلّح». وحقّاً نشبت الحرب التي تحدّث عنها واستمرّت بعد عودته إلى الأراضي المقدّسة بفترة قصيرة وصُدم العالم المتحضّر على أثرها وأذهلته آثارها ولكنّه اتّخذ أهم خطوة خطاها في العصر الحديث بقيادة رئيس رؤيوي هو الرّئيس الأميركي وودرو ويلسون. فهو الذي طرح مبدءاً لمفهوم شجاع للعلاقات الدّولية في خطابه الشّهير «أربع عشرة نقطة»، وهو عبارة عن نظام قائم على الفرضية الأساسية القائلة بأنّ السّياسة الخارجية في أيّ مجتمع ديمقراطي يجب أن ترشدها وتوجّهها الأخلاق والمعنويّات. وعبّرت نقاط ويلسون الأربع عشرة في جوهرها ومن وجوه كثيرة عن المواضيع التي تطرّق إليها وعالجها عبّاس أفندي قبله بسنوات قليلة بما فيها الحاجة إلى وجود ضمانة للسّلام الدّولي من خلال نظام للأمن الجماعي.

لكنّ العالم لم يكن مستعدّاً لتقبّل رؤية ويلسون أكثر من استعداده للإصغاء للنّصائح والإنذارات التي أطلقها عبّاس أفندي، ولَمّا تأسّست عصبة الأمم في العام 1919 على أساس مبادئ الرّئيس ويلسون تآمرت الدّول الأوروبية لتخلق منظّمة عالمية لا حول لها ولا قوّة وأبعد ما تكون عن إحقاق العدل والاتحاد والسّلام. إلاّ أن عبّاس أفندي، مع إيقانه بأنّ عصبة الأمم لم تكن كافية محذّراً من نشوب حرب طاحنة أخرى، فقد رحّب بتشكيل العصبة واعتبرها «فجر السّلام الأعظم» أو كما وصفه بهاء الله «بالصّلح الأكبر»، ذلك لأنّ توحيد الإنسانية في ظلّ نظام عالمي قد جرى بحثه جدّياً ولأوّل مرة من قبل حكومات العالم. ولم ينسَ معاصرو ويلسون والجيل الذي استمع إلى عبّاس أفندي وهو يشرح رسالة والده الجليل بأنّه – وقبل خمسين سنة من وودرو ويلسون – وجّه بهاء الله، مؤسّس الدّين البهائي، تحذيره الشّديد من الإيغال في الظّلم في سلسلة رسائل بعث بها إلى ملوك وحكّام ذلك الزّمان، وحضّهم على تسوية خلافاتهم المدمّرة حتى ترتاح الرّعيّة، والعمل بكلّ همّة وجهد على وضع الأسس المتينة للسّلام الدّولي، كما شجّعهم على إيجاد آلية لتوفير الأمن الجماعي، وإرساء قواعد نظام اقتصادي منصف، وتعزيز مبدأ العدالة في كلّ مساعيهم وأعمالهم. وحذّر أولئك الحكّام من أنّه ما من نظام للحكم في إشراقة فجر العهد الجديد – محلياً كان أم قومياً أو عالمياً – يستطيع أن يسود ويزدهر ما لم تكن جذوره متأصّلة بالسّلوك المعنوي والخلقي في ظلّ الفضائل حتى يكون بمقدوره الاستجابة لينبوع التّوق الرّوحاني المتفجّر في قلوب كلّ النّاس. وما انهيار أنظمة الحكم في الدّول والممالك القوية المنيعة في يوم من الأيّام سوى شاهد بليغ على صدق نبوءة بهاء الله ونصحه.

كانت الآثار بعيدة المدى التي انطوت عليها رسالة عبّاس أفندي إلى الشّرق والغرب أعمق من قدرة معظم مستمعيه على سبر أغوارها واستيعابها. إلاّ أنّ أعماله ومُثُله نطقت وعبّرت ببلاغة عن مكنون رسالته وألهمت الكثيرين ممن حظوا بلقائه وآزرتهم في العقود اللاّحقة في كفاحهم لأجل تحقيق رُؤاه. فكلّ الذين كان لهم الحظّ في مقابلة عبد البهاء تأثّروا وتغيّروا على أعمق المستويات نتيجة لمحض تجربة وجودهم في حضرة إنسان جسّد القيم التي نادى بها وعلّمها كُلاًّ وكمالاً.

[1]  مقتطف من كتاب عمر الدّسوقي بعنوان «في الأدب الحديث»، بيروت، دار الكتاب العربي، 1966، ج 1، ص46.

[2]  مقتطف من كتاب حلمي علي مرزوق بعنوان «شوقي: وقضايا العصر والحضارة»، ص274.

[3]  وقائع التّاريخ المذكورة هنا مستقاة من بحث أعدّه خصيصاً لهذا الكتاب السّيّد أمين أبو الفتوح بطّاح (مخطوطة 2010).

[4]  راجع  كتاب «القرن البديع: من آثار قلم حضرة ولي أمر الله شوقي رباني»، ترجمة الدّكتور السّيّد محمّد العزّاوي، من منشورات دار النّشر البهائية في البرازيل، 1986، ص217.

[5]  مخطوطة الأستاذ أمين أبو الفتوح بطّاح، ص1.

[6]  نشر هذا المقال في مجلة «المقتطف»، أوّل أيلول (سبتمبر) 1896.

[7]  أي أتباع بهاء الله.

[8]  مقتطف من جريدة «الأهرام»، 18 حزيران (يونيه) 1896.

[9]  مخطوطة الأستاذ أمين أبو الفتوح بطّاح، ص4.

[10]  كتاب شوقي أفندي بعنوان «القرن البديع»، ص456.

[11]  المصدر السّابق نفسه.

[12]  من مخطوطة الأستاذ أمين أبو الفتوح بطّاح، ص8 – 9.

[13]  مخطوطة الأستاذ أمين أبو الفتوح بطّاح، ص13 – 14.

[14]  «الوقائع المصرية»، العدد 87 في 14 أبريل سنة 2009.

[15]  راجع رسالة أسد الله قمي منشورة في: Assadollah Gomi, “Abdul Baha in Egypt,” Bahai News, 12 December 1910, 1(15), 2-3.

[16]  مقتطف مترجم من كتاب The Universal House of Justice, Century of Light (Haifa: Bahá’í World Centre, 2001), 15.

[17]  مقتطف من جريدة «المؤيّد»، 16 تشرين الأول /أكتوبر 1910.

[18]  مقتطف من كتاب: Louis G. Gregory, A Heavenly Vista: The Pilgrimage of Louis G. Gregory (Ferndale, MI: Alpha), 8.

[19]  المصدر السّابق نفسه، ص12 – 13.

[20]  المصدر السّابق نفسه، ص15.

[21]  مقتطف من «خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص247 – 248.

[22]  راجع تقرير كتبه محمّد يزدي في: Mohammed Yazdi, “A Call to the American Bahais,” Bahai News, 19 January 1911, 1(17), 4-9.

[23]  مقتطف من كتاب «من مكاتيب عبد البهاء» ج1، ص112.

[24]  راجع كتاب Jakob Skovgaard-Petersen, Defining Islam for the Egyptian State: Muftis and Fatwas of the Dãr al-Iftã (Leiden: E.J. Brill, 1997), 133-141.

[25]  مقتطف من كتاب «من مكاتيب عبد البهاء»، ج1، ص117 – 118.

[26]  «خُطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص217 – 220; ص221 – 226; ص226 – 229.

[27]  المصدر السّابق نفسه، ص218.

[28]  المصدر السّابق نفسه، ص218. الإشارة هنا إلى الآيتين الكريمتين الواردتين في القرآن الكريم: «وعاداً وثموداً واصحاب الرَّسِّ وقروناً بين ذلك كثيراً» (سورة الفرقان، الآية 38); و«كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرَّسِّ وثمود» (سورة ق، الآية 12).

[29]  المصدر السّابق نفسه، ص225.

[30]  المصدر السّابق نفسه، ص227 – 229.

[31]  المصدر السّابق نفسه، ص441 – 444.

[32]  مقتطف من كتاب «منتخباتي از آثار حضرة بهاء الله»، لانكنهاين، 1948، ص46.

[33]  القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 163.

[34]  القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية 35.

[35]  مقتطف من كتاب «مجموعة ألواح حضرة بهاء الله»، بلجيكا، 1980، ص140.

[36]  الثيوصوفية كلمة يونانية تعني حكمة الله. والجمعية الثيوصوفية تأسست في نهاية القرن التاسع عشر على يد السيدة الروسية هيلينا بتروفنا بلافاتسكي. للمزيد من المعلومات انظر موسوعة ويكيبيديا.

[37]  مقتطف من مخطوطة للسيدة هدى عنايت الله حرم المرحوم جمال عبد الرّحمن رشدي. ص201.

[38]  الكلمة الإنجليزية هي «Unitarians» و«الموحدين» طائفة دينية مسيحية لا تؤمن بالثّالوث وتنكر التّجسد وتشخيص الله.

[39]  انظر ص 102.

[40]  مقتطف من «مكاتيب حضرة عبد البهاء»، ج 4، طهران، لجنة النّشر البهائية [1964]، ص50.

[41]  مقتطف من كتاب H.A.L. Fisher, A History of Europe (London: Edward Arnold and Co., 1936), 1-2.

[42]  درج الصّحافيون في ذلك الزّمان إلى كتابة كلمة «أوروبا» دون الواو الثّانية.

[43]  مقتطف من صحيفة الأهرام الصّادرة بتاريخ 16 أيلول (سبتمبر) 1910.

[44]  المصدر السّابق نفسه.

[45]  المصدر السّابق نفسه.

[46]  المصدر السّابق نفسه.

[47]  المصدر السّابق نفسه.

[48]  المصدر السّابق نفسه. وهذا الحديث منشور أيضاً في كتاب «خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص44 – 47.

[49]  مقتطف من كتاب شوقي أفندي بعنوان «القرن البديع»، ص341.

خاتمة

نظرة عامّة

عرضنا في ما تقدّم من صفحات هذا الكتاب إلى تلك الجولة الفريدة الرّائعة التي قامت بها قبل قرن من الزّمان شخصية فذّة فاقت في روعتها كلّ ما عداها، وبهرت عصرها بما تجلّت به من النّبوغ والأصالة والإبداع. وانطبعت السّنوات المائة، التي تقضّت بين اللحظة التي حطّ بها التّسفار بعبّاس أفندي في بورسعيد في العام 1910 وبين زماننا، على أكثر تجارب الإنسانية واختباراتها إثارةً واضطراباً. ولعل ما يثير الدّهشة التّأمل في الرّسالة التي بلّغها عبد البهاء عبّاس وصِلَتُها الوثيقة بما نعاصره من أحداث، وما نمرّ به من تجارب اليوم إذ بقيت آراؤه ونصائحه وانذاراته ماثلةً لم يُخفِتْ بريقَها سنونُ ما بين ذاك الزّمان وهذا الزّمان الذي نعيشه.

والصّحيح إنّ العالم لم يكن في يومٍ أشدَّ حاجة إلى نصائحه وارشاداته مما هو عليه الآن. فهل كان بمقدور أحد أن يتصوّر، والخلافة العثمانية قد بسطت في ذلك الزّمان سلطانها ونفوذها، أنّ جهود فصل الدّين عن الدّولة وتطويق نفوذها والحدّ منه سيحظى بهذا القدر من الاندفاع والزّخم في ذلك العدد الكبير من الدّول؟ وأنّ قوى التّعصّب، التي أيقظها وقضّ مضجعها ما حصل من تقدّم علماني على حسابها، ستعيد تجميع قواها وتعيد نفسها كمتراس ضدّ الفكر التّقدّمي في كلّ مكان؟ وأنّ الأزمة التي تولّدت نتيجة المجابهة بين الحداثة والدّين – وهي خلفية لعقود تناحرت فيها تلك الزّعامات في صراع لا طائل منه ولا نتيجة ملموسة سوى المرارة والعنف – وأنّ الصّراع الأيديولوجي العقائدي سيبلغ أبعاداً ومستويات من شأنها أن تعرّض الحضارة الإنسانية لخطر داهم؟

* * *

شهدت الأعوام المئة الماضية تحوّلات جذرية في كلّ المجالات الإنسانية. فرغم التّقدّم المادّي المذهل الذي أحرزه العالم إلاّ أنّه بقي منقسماً على نفسه غارقاً في لُجّة الصّراعات الدّينية، والعرقية، والاجتماعية، وقد بلغ التّنافس مبلغه بين الأمم والشّعوب في التّهافت على مكاسب آنية زائلة.

نظر عبّاس أفندي إلى تلك اللحظة التّاريخية التي وصل فيها إلى مصر ومنها سافر إلى أوروبا ثم أمريكا ثم عاد إلى مصر، فرأى فيها نهاية عصر وبداية عصر جديد زاخر بالإمكانيات، ولكنه أيضاً عصر يحتاج إلى إجراء تغييرات وإصلاحات جوهرية في ميادين النّشاطات الإنسانية. حمل عبّاس أفندي رسالته الجديدة إلى الشّرق والغرب على حدّ سواء، وخاطب معاصريه في بيروت ومصر ولندن وباريس ونيويورك وواشنطن، ودعا أهل عصره إلى التّأمل في الظّروف السّياسية والاجتماعية التي تهدّد العالم، وحثّهم على ضرورة العمل على تلافي ما سوف يأتي به المستقبل إن لم يستيقظ أهل الشّرق والغرب فيعملوا على درءِ الخطر الماثل أمامهم. وتماماً كما في الشّرق، في بيروت ومصر، كذا الأمرُ ثبت في الغرب أنّ عبّاس أفندي حظي بالإعجاب وسعى إليه الأفراد وأهل العلم والسّلطة يسألونه النّصح والإرشاد والاستمتاع بمجلسه الأنيس والاستفادة من علمه الغزير وأقواله المنزّهة عن المآرب والغايات.

تحدّث إلى الجميع بالصّدق والصّراحة المتناهية وأكّد تأكيداً قاطعاً إيمانه بأنّ الخلافات القائمة التي تبدو مستعصية الحل بين الغرب المندفع نحو مزيد من العلمانية والشّرق الذي عُرف تقليدياً بتديّنه – لم يكن هناك مجال لتسويتها إلاّ من خلال إدراك انبثاق فجر جديد من الرّوحانية والإيمان تتوحّد بواسطتها العلمانية والرّوحانية.

ففي الشّرق حضّ النّاسَ الذين استمعوا إليه على التّخلّي عن تقليد أسلافهم ومحاكاتهم، وحثّهم على عدم التّعاطي مع الأفكار الجديدة بعداء. ودعاهم أيضاً إلى إدراك أنّ تقدّم الإنسانية وتطوّرها إنّما هو في الحقيقة مشيئة الله، ويشكّل هذا التّطوّر في واقعه مقصد الدّين وهدفه. أمّا في الغرب فشدّد على أنّ المجتمع تعوزه الرّوحانية وأنّه غارق في المادّية الدّنيوية بحجّة التّقدّم، ومآله في ذلك الدّمار والتّهلكة. وبكلّ جرأة أكّد للجماهير في كلّ من أوروبا وأمريكا تلك الأصول الرّبانية لكلّ الأديان، بما فيها الإسلام، وأعلن بتأكيد قاطع نبوّة الرّسول محمّد صلوات الله عليه، ونادى برسالة بهاء الله العالمية الدّاعية إلى وحدة الأديان.

تبوّأ عبّاس أفندي مكانة خاصّة بين أهل عصره; فبالنّسبة للبهائيين كان دون شكّ قائدهم الرّوحي وحامل لواء دين والده الجليل الذي حمّله رسالته الدّاعية إلى الأخوّة والسّلام، أمّا بالنّسبة للعالم فقد نظر إليه أهل عصره على أنّه مصلح كبير، ومعلّم قدير، وعالم عظيم. ولعلّه من المجدي في هذه النّظرة العامّة أن نعرض بإيجاز إلى الخدمات التي قدّمها عبد البهاء إلى كلّ من جامعته الفتية الحديثة التّكوين والمجتمع العالمي في الشّرق والغرب.

* * *

حمل عبّاس أفندي رسالة والده الجليل لينشر أريجها في العالم طرّاً، فكانت رسالة روحانية في جوهرها وأساسها. وصفها شوقي أفندي في كتابه «القرن البديع» مترجماً بكلماته:

«وفي تلك السّفرات وأمام جماهير كبيرة فاقت الألف نفس في بعض الأحيان ومئات النّاس من مختلف الأجناس والأديان والطّبقات، شرح حضرة عبد البهاء لأوّل مرة في عهده ببساطة مشرقة وإقناع وقوّة المبادئ الأساسية المميّزة لدين والده، وهي المبادئ التي تؤلّف مع الشّريعة والأحكام النّازلة في الكتاب الأقدس صلب أحدث ظهور إلهي للجنس البشري. وكان من أبرز العناصر الجوهرية للنّظام الإلهي الذي أعلنه لقادة الرّأي العام وإلى الجماهير على السّواء في أثناء سفراته التّبليغية، التّحري عن الحقيقة تحرياً مستقلاً دون تقيد بالخرافات ولا بالتّقاليد، ووحدة الجنس البشري قطب مبادئ الدّين وأساس معتقداته والوحدة الكامنة وراء جميع الأديان، والتّبرؤ من كلّ ألوان التّعصّب الجنسي والدّيني والطّبقي والقومي، والوئام الذي يجب أن يسود بين الدّين والعلم، والمساواة بين الرّجل والمرأة فهما الجناحان اللذان يعلو بهما طائر الجنس البشري، ووجوب التّعليم الإجباري، والاتّفاق على لغة عالمية إضافية، والقضاء على الغنى الفاحش والفقر المدقع، وتأسيس محكمة عالمية لفض النّزاع بين الأمم، والسّموّ بالعمل الذي يقوم به صاحبه بروح الخدمة إلى منزلة العبادة، وتمجيد العدل على أنّه المبدأ المسيطر على المجتمع الإنساني، والثّناء على الدّين كحصن لحماية كلّ الشّعوب والأمم، وإقرار السّلام الدّائم العامّ كأسمى هدف للبشرية…»[1]

ورغم أنّ المُثل العليا والمبادئ السّامية المذكورة أعلاه جاءت في صلب التّعاليم البهائية، فإنّها أيضاً مبادئ إنسانية عامّة تشكّل في نظر المنصف المتبصّر روح العصر، ولا تفرض على مَنْ يودّ دعمها والأخذ بها أن يكون بهائياً بالضّرورة. وسيظل استمرار صلة هذه المثل العليا المقنعة بالواقع – التي حدّدها وعرضها عبد البهاء ببساطة وصراحة أثناء رحلاته في أقطار الشّرق والغرب – يقف شاهداً على ما لحكمته من مزيّة الدّيمومة ولبصيرته الثّاقبة من حرص على إدراك الأسباب الكامنة في العلل التي أصابت المجتمعات التي زارها. ولقد كان شرحه لتلك الرّؤية السّامية من القوّة والبلاغة ما اجتذب إليها مشاهير مفكري وقادة زمانه. فهرعوا إلى محضره وأفاضوا إطراءً على ما في أقواله من قيم وفضائل ومجّدوا فيه حثَّه على الخير والإحسان والصّفح والغفران. وعلى أيّة حال لقد كان هناك الكثيرون من جماهير مستمعيه، ممن تجاوز بهم مجرد التّقدير والإعجاب إلى إدراك مصدر الحقائق التي أسهب في وصفها والمبادئ التي نادى بها، وكانت أقوال عبد البهاء وكتاباته لمن صدقوا وآمنوا أعمق وأسمى بكثير من التّعابير الرّاقية التي ينطق بها ناقد موهوب لظروف المجتمع وأحواله. ولا غرابة إذاً أن نجد الجماهير الغفيرة تعلن انضمامها إلى الدّين الذي كان يحمل لواءه. كانت الجامعة البهائية المقيمة في موطن الدّين تتطلع إلى عبّاس أفندي قائداً ومرشداً، وبفضل تشجيعه قامت بتنفيذ المشاريع ذات الصّبغة الاجتماعية والإنسانية التي تعود بالفائدة والنّفع على النّاس جميعاً، بغضّ النّظر عن العرق والدّين والأصل ورغم ما عاناه البهائيون من اضطهاد مستمرّ على يد المؤسّستيْن الدّينية والسّياسية، وهو اضطهاد نراه مستمرّاً حتى اليوم. وهكذا تطلّع البهائيون إلى عبد البهاء كنموذج وقدوة لهم. فهو في أعماله الإنسانية لم يفرّق بين أعراق الذين ساعدهم ولم يلتفت إلى انتماءاتهم الدّينية، بل دأب على حثّ أتباعه على إظهار اللطف والعطف وخالص المحبّة لكلّ الذين يصادفونهم، وأوضح لهم أنّ هذا السّلوك خير تعبير عن محبّتهم لله وإظهاراً لرأفته.

رأى عبد البهاء بثاقب بصره وبصيرته أنّ المبادئ التي أعلن عنها والده الجليل هي المبادئ المثلى لبناء «المجتمع المدني» القائم على العدل والاتحاد، ولكنّه أدرك أيضاً أن أبلغ برهان على صدق تلك المبادئ والأسس هو في اتّخاذها أساساً يقوم عليه مجتمع ناجح وفعّال يقنع الجميع بإمكانية بنائه على النّطاق العالمي. وهكذا نجحت الجامعة التي قادها عبد البهاء، بعد وفاة والده الجليل، في ارتياد مسيرة ناجحة خطّط لها عبد البهاء وأرسى قواعدها ورفع أركان بنائها. ولعلّ من المفيد دراسة الكيفية التي نشطت ونجحت بها الجامعة البهائية في العالم على مدى السّنين المائة الماضية مستمدّة إلهامها من وحي تعاليم بهاء الله والتّفاسير الثّقة التي عرضها ابنه الأكبر عبد البهاء عبّاس. ويجدر بنا ألاّ ننسى أنّ عبد البهاء عندما عزم على القيام برحلته في صيف العام 1910 كانت الرّسالة التي نذر نفسه لخدمتها قد دخلت عشرين بلداً أو نحو ذلك، كان معظمها في بلدان الشّرق الأوسط والبلدان المجاورة.

أرسى عبد البهاء القاعدة الأخلاقية لهذا «المجتمع الجديد» على أساس تلك المبادئ السّامية التي وضعها والده الجليل مثبتاً بأنّ «الدّين المعاملة»، وهي المبادئ التي أكّدها عبد البهاء مراراً في أقواله وأحاديثه وعاشها في حياته ومعاملاته، ولخّصها بهاء الله حين قال:

«كن في النّعمة منفقاً، وفي فقدها شاكراً، وفي الحقوق أميناً. وفي الوجه طلقاً، وللفقراء كنزاً، وللأغنياء ناصحاً، وللمنادي مجيباً، وفي الوعد وفياً، وفي الأمور منصفاً، وفي الجمع صامتاً، وفي القضاء عادلاً، وللإنسان خاضعاً، وفي الظّلمة سراجاً، وللمهموم فرجاً، وللظمآن بحراً، وللمكروب ملجأ، وللمظلوم ناصراً وعضداً وظهراً، وفي الأعمال متّقياً، وللغريب وطناً، وللمريض شفاءً، وللمستجير حصناً، وللضرير بصراً، ولمن ضلّ صراطاً، ولوجه الصّدق جمالاً، ولهيكل الأمانة طرازاً، ولبيت الأخلاق عرشاً، ولجسد العالم روحاً، ولجند العدل رايةً، ولأفق الخير نوراً. وللأرض الطّيّبة رذاذاً، ولبحر العلم فلكاً، ولسماء الكرم شمساً، ولرأس الحكمة إكليلاً، ولجبين الدّهر بياضاً، ولشجر الخضوع ثمراً، نسأل الله أن يحفظك من حرارة الحقد وصبارة البرد إنّه قريب مجيب.»[2]

ولضمان تنفيذ هذا المستوى من الأمانة والأخلاق استدعى ذلك خلق نظام يختلف كلّ الاختلاف عن جميع الأنظمة الدّينية السّابقة، فأُلغي في هذا النّظام الجديد دور السّلطة المطلقة لرجال الدّين واستُبدل بقيام مؤسسات منتخبة انتخاباً ديمقراطياً لينتقل «زمام المشاورة [إلى] أيادي الجمهور.»[3] وهكذا تأسّست المحافل الرّوحانية المحلية والمركزية والتي سوف تحمل اسم بيوت العدل المحلية والمركزية مستقبلاً، بالإضافة إلى «بيت العدل الأعظم»، المرجع الأعلى للجامعة البهائية العالمية، لتشكل في مجموعها مؤسّسة إدارية واحدة محلية ومركزية وعالمية في آن معاً. ولقد صمد هذا النّظام الإداري أمام تقلّبات العصر وانهيار معظم الأنظمة الدّينية والسّياسية وخلّص الجامعة البهائية العالمية من أيّ نوع من أنواع الدّكتاتورية الدّينية والانقسامات المذهبية، فقد عرف عن الأديان:

«… أنّ أيّ تنظيم يحدث فيها يصير سبباً في منع سريان الرّوحانية الحقيقية في الأمّة وصدّ اندفاعها الأصلي عن الاستمرار في سيره في العالم. وقد أصبح كلّ تنظيم فيها بديلاً عن الدّين ذاته إلى الأبد بدلاً من أن يكون وسيلة وأداة تكشف عن تأثير الدّين ونفوذه. ومما أدى إلى هذه النّتيجة المحتومة انقسام الأمم إلى مذاهب مختلفة انقساماً لم ينتقص بأيّ اتّصال سلمي بنّاء ولم يمكن تفاديه بأيّة وسيلة كانت. وفي الواقع لم ترد في أيّ دين من الأديان السّماوية السّابقة مبادئ واضحة تهدي الجهاز الإداري الذي أسّسه وتصون وحدة الأمّة في خلال دورته.

أمّا في الدّين البهائي فقد أوضح بهاء الله مبادئ الإدارة العالمية ثم طوّر عبد البهاء هذه المبادئ في آثاره الكتابية وبصورة خاصّة في ألواح وصايا عهده وميثاقه.

والغرض من هذا النّظام الإداري هو الوصول إلى وحدة حقيقية دائمية بين شعوب بشرية من أجناس مختلفة ومن فئات متباينة ومصالح مختلفة وعادات وأخلاق متمايزة وعقائد مختلفة متوارثة فيهم. وبدراستنا لهذه النّاحية من الدّين البهائي دراسة دقيقة شاملة سنرى أنّ غاية الإدارة البهائية ووسيلتها قد وضعتا بشكل يجعلهما يتّفقان والرّوح الأساسية الموجودة في الظّهور الجديد كما تتّفق الرّوح والجسد في الإنسان. فطبيعة المبادئ البهائية تمثّل علم التّعاون، وعند تطبيقها تتطلّب هذه المبادئ نوعاً جديداً أسمى من الأخلاق يكون عالمياً في نطاقه ومداه.

وتختلف كلّ جامعة بهائية عن أيّة تجمّعات أخرى تمّت دون إجبار في كون أساسها شامل يستطيع أن يضمّ كلّ إنسان مخلص. وبينما نجد المجامع الأخرى مقصورة في فعالياتها على جهة واحدة إن لم يكن هذا في هدفها المقصود، ومقصورة على جهة واحدة أخرى في طريقتها إن لم يكن ذلك في عقيدتها، نجد المجتمعات البهائية ليست مقصورة على جهة واحدة دون أخرى ولا تسدّ أبواب الأخوّة في وجه أيّ إنسان مخلص…»[4]

إنّ القواعد الأخلاقية التي أكّدها عبد البهاء وآليات النّظام الإداري الذي شيّد أركانه على أسس المبادئ التي أعلنها والده الجليل وغرسها في قلبه وعقله ضمنت للجامعة البهائية العالمية وحدتها واستمرارها، لا بل ساعدت على نموّها المدهش رغم كلّ الصّعاب التي واجهتها. والجدير بالذّكر أيضاً أنّ هذا النّظام الإداري يعطي البهائيين وغير البهائيين كافّة الحقوق دون تمييز، ويعترف بالآخر اعترافاً كاملاً دون انتقاص. ثم إنّ المسؤولية الأولى للإدارة البهائية هي ضمان حقوق الأقلّيات وبذل قصارى الجهد لدعمها والحفاظ على تقاليدها وثقافاتها، إضافة إلى إعطاء الأفضلية للأقلّيات محافظة عليها وتشجيعاً لها لتسهم إسهاماً فعّالاً في حياة المجتمع الإنساني بأسره.

ينتشر الدّين البهائي اليوم في المعمور من أرجاء العالم; فهناك ما يربو على الخمسة ملايين بهائي في العالم يقيمون في أكثر من 000،100 موقع منتشر في كلّ بلد وبقعة من بقاع الأرض تقريباً. وفي الآلاف من هذه المواقع نمت وتطوّرت أنماط حياة الجامعة البهائية إلى الدّرجة التي تمكّنها من إجراء انتخابات سنوية لاختيار المجالس المحلية التي تدير بفاعلية وجدارة شؤون الدّين وأتباعه على ذلك المستوى. أمّا على الصّعيد القومي فهناك 186 مجلساً لأربعين منها مجالس على المستوى الإقليمي. وتشكّل النّساء اللواتي ينتمين إلى المجالس المنتخبة على الصّعيد القومي والإقليمي والمحلي نحو 40 بالمئة من عدد أعضائها.

وكمؤشّر على تقدم الدّين وانتشاره عالمياً هناك حالياً سبعة بيوت للعبادة تدعى «مشارق الأذكار» منتشرة في كلّ قارّة وتستقطب ملايين الزّائرين كلّ سنة فاتحة أبوابها لمن يرغب في التّعبّد من مختلف الأديان والطّوائف. ويعتبر مشرق الأذكار في نيودلهي بالهند أكثر ما يستقبل من الزّوّار الذين يربو عددهم على الأربعة ملايين في كلّ عام. وعلاوة على ذلك أُفردت في أكثر من 130 بلداً أراضٍ مخصصةٌ لبناء مزيد من بيوت العبادة تلك. ويُعترف قانونياً في الوقت الحالي بالزّواج البهائي في نحو 60 بلداً ومقاطعة، كما أنّ هناك نوعاً أو شكلاً من الاعتراف بأيّام الأعياد البهائية المقدّسة في نحو 50 بلداً ومقاطعة. ومن بين آلاف الجهود البهائية التي بذلت للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، هناك العديد من المشاريع البسيطة النّاشئة على مستوى القاعدة الشّعبية تُنفذ في مُهَل وفترات محددة، في حين أنّ هناك 900 مشروع من المشاريع الكبرى المستدامة من بينها 500 مدرسة و60 وكالة ودائرة للتّنمية والتّطوير.

إن ما هو جدير ذكره في هذا السّياق نشاطات ينظمها البهائيون في مختلف أرجاء العالم بهدف بناء وتطوير مجتمعاتهم الخاصّة بما فيها تلك الاجتماعات الرّوحانية التي يقيمونها في بيوتهم ومراكزهم، وما يقومون بتنفيذه من برامج التّعليم الرّسمي للأطفال والشّبيبة والرّاشدين. كما ينتشر في أنحاء العالم ما يقرب من 250 معهداً للتّدريب يقصد برامجَه مئاتُ الألوف من الدّارسين المهتمين الذين أفادوا من منهج واحد من مناهجه على الأقل. أمّا في ما يخصّ التّربية الرّوحانية والأخلاقية للأطفال والشّبيبة النّاشئة، فينظم أعضاء الجامعة نحو 000،20 فصل دراسي لأبناء الجامعة على أساس دوري منتظم.

حضّ بهاء الله أتباعه وأحبّاءه مراراً وتكراراً على أن يكونوا على وعي تامّ بمتطلبات العصر الذي يعيشون فيه، وأن يركّزوا تفكيرهم ملياً في مقتضياته ومتطلباته. ويدرك البهائيون، كما أدرك عبد البهاء، أنّ مشاكل العصر الحالي أكثر من أن يعالجها متمنّو الخير للبشرية الذين يشكّلون الجامعة البهائية العصرية بأنفسهم وبمفردهم. ولذا فهم يوجّهون جهودهم نحو بناء طاقتهم وقدراتهم بين ظهرانيهم وعند الآخرين الذين يماثلونهم في التّفكير كي يضطلعوا بالتّزايد المطَّرد من المهام الطّموحة ذات الاهتمامات المشتركة في تحسين شؤون العالم ورفع مستويات المعيشة بالنّسبة لمئات الملايين من البشر. وما الحافز الذي يغذّي الآلة المحرّكة للطّاقة الخلاّقة هذه ويدفعها سوى رغبة مخلصة لتحسين حياة كلّ النّاس دون اعتبار لكونهم بهائيين أم لا، وذلك من خلال تنظيم النّشاطات التي تعالج الأسباب الرّوحية الكامنة في المشاكل التي تؤثّر في المجتمع الإنساني.

كان للجامعة البهائية في مصر دور كبير وبارز في بناء الجامعة البهائية العالمية في النّصف الأوّل من القرن العشرين وحتى السّتّينيات كما أشرنا إليه بالتّفصيل في صفحات سابقة. فوجود عبّاس أفندي بين أفراد الجامعة البهائية المصرية وتوجيهه أفرادَها في العمل على خدمة وطنهم ورفع شأنه، وحثّهم على التّقيّد بالقيم الأخلاقية التي نادى بها، ثم شرح جوهر دينهم بالمحبّة والتّواضع والاحترام لدحض التّهم المغرضة والإشاعات الكاذبة التي كان يروّجها الأعداء. كلّ ذلك عزّز من هذا الدّور ونمّاه. إلاّ أنّ أهمّ الإنجازات قاطبة هو تحقيق مبدأ إستقلالية الدّين البهائي واعتباره ديناً مستقلاً قائماً بذاته، إضافة إلى المحافظة على جزء كبير من الآثار المباركة بقلم بهاء الله وعبد البهاء بفضل طباعتها ونشرها باللغتين الفارسية والعربية على يد أساتذة علماء من البهائيين في مصر أثناء وجود عبّاس أفندي هناك، وهو الذي اختار هذا البلد الكريم مركزاً لتنقلاته وأسفاره إلى الغرب. كلّ خطوة من خطواته وكلّ لفتة من لفتاته كان لها معناها ومغزاها، فأدهش بذلك كلّ المراقبين والمتتبّعين لتحرّكاته في كلّ مكان حلّ فيه. ضرب مثلاً أعلى في النّزاهة وفي «الأمانة والدّيانة»[5] فرغم إلْحاح مدعويه ومعاونيه في أن يروّح عن نفسه بزيارة الأماكن التي تستقطب أنظار زوّارها لأوّل مرة، رفض عبّاس أفندي ذلك، مركّزاً اهتمامه على ما جاء من أجل إنجازه وإتمامه. كما رفض قبول أيّة هدايا أو هبات مالية لتصرف على أسفاره وإقامته، وفضّل أن تمنح هذه الهبات إلى الفقراء والمحتاجين. كرّس عبّاس أفندي نفسه ليلتقي بكلّ من قصده من عامة النّاس – الفقراء والمرضى والبؤساء والمضطهدين من عباد الله المساكين، وانبرى ليكون نصير كلّ جنس وعرق وطبقة محرومة، وصمد بالعزّة والوقار أمام الهجمات العنيفة التي انهالت عليه من المتزمّتين والمتعصبين. وببالغ الاحترام والأدب الجمّ خاطب الجميع بلغة المحبّة. ولم يسعَ أبداً في كلّ ما قال وفعل إلى نيل الحظوة لدى أهل السّلطة والمال، بل قام في كلّ بلد زاره بإغداق صدق مشاعره ودفء معشره وعمق تعاطفه وكرم نفسه على كلّ من قصده دون استثناء.

* * *

لا يمكن لأيّ مراقب منصف لأحداث السّنوات المائة الماضية أن ينكر بأنّ عبد البهاء عبّاس كان شخصية تفوق في أهمية انجازاتها المعنوية الإنسانية أيّة شخصية أخرى من الشّخصيات التي نعتبرها متميّزة ومتمتّعة بإجلال المجتمع وتبجيله. ولقد أشرنا بالتّفصيل في الصّفحات السّابقة إلى نصائحه وإنذاراته إلى أهل الشّرق والغرب وضرورة بذل قصارى الجهد لتلافي الأخطار الهائلة المحدقة بالإنسانية وتهدّدها بالخراب والدّمار. وتحدّث باسهاب وشَرَح مفصلاً بأنّ الوقت ضيّق لتفادي كارثة لم يسبق أن شهد العالم لها مثيلاً. كان ذلك في ما بين العامين 1910 و1913، ولكنّ أهل السّياسة والمال صمّوا آذانهم ولم يلتفتوا إلى تلك الإنذارات فاندلعت الحرب العالمية الأولى (1914) وكان قد أعلن عبد البهاء غداة نشوبها عن أسفه العميق وحزنه البالغ قائلاً:

«لقد تأزّمت الأمور واضطربت الدّنيا والقوم مشغولون بنحر بعضهم بعضاً.

لقد قلت في أمريكا وأوروبا في المجامع والكنائس والمحافل: «إنّ عاقبة الحالة الحاضرة وخيمة جداً فأوروبا أشبه بمخزن متفجرات وانفجاره ينتظر شرارة واحدة فتعالوا وأخمدوا هذه النّار ما دام ذلك ممكناً حتى لا تحدث هذه الحرب». ولكنّهم لم يسمعوا النّصح.»[6]

شخّص عبد البهاء أمراض العالم الذي جاب أطرافه، فجسّ نبضه كطبيب حاذق وعرف موطن الدّاء: لقد نسي العالم طريق الدّين وانغمس في لجّة المادّيات، وحتى أولئك الذين يعلنون تمسّكهم بالدّين نسوا رسالته الحقيقية الباعثة على الوحدة والاتحاد، وبات من الضّروري لسلامة العالم العودة إلى الطّريق القويم للدّين، وعلينا أن نسلك:

«… طريق الدّين وهو الآداب الإلهية واكتساب الفضائل الإنسانية وتربية عموم البشر والنّورانية السّماوية والأعمال الممدوحة. إنّ طريق الدّيانة هذا هو سبب نورانية العالم البشري. وطريق الدّيانة هذا هو سبب تربية النّوع الإنساني. وطريق الدّيانة هذا هو سبب تهذيب الأخلاق. وطريق الدّيانة هذا هو سبب محبّة الله. وطريق الدّيانة هذا هو سبب معرفة الله. وهو أساس المظاهر المقدّسة الإلهية وهو الحقيقة. وإنّ أساس الأديان الإلهية واحد لا يقبل التّعدّد والانقسام وهو يخدم عالم الأخلاق ويصفّي القلوب والأرواح. وهو سبب اكتساب الفضائل وسبب نورانية العالم الإنساني. ولكن ويا للأسف إنّ هذا العالم الإنساني صار غريق بحر التّقاليد. وبالرّغم من أن حقيقة الأديان الإلهية واحدة ولكنّ سُحُب الأوهام ويا للأسف قد سترت أنوار الحقائق. وقد أظلمت سحب التّقاليد العالم. لهذا لم تعد نورانية الدّين ظاهرة، وصارت الظّلمة سبباً للاختلاف لأنّ التّقاليد مختلفة واختلافها قد أدّى إلى الخصام والنّزاع بين الأديان في حين أنّ الأديان الإلهية تؤسّس الوحدة الإنسانية وهي سبب المحبّة بين البشر وسبب الارتباط العمومي وسبب اكتساب الفضائل. لكنّ النّاس غرقوا في بحر التّقاليد وبسبب اكتساب هذه التّقاليد ابتعدوا تماماً عن طريق الاتحاد وحُرموا من نورانية الدّيانة وتشبّثوا بالأوهام التي ورثوها عن الآباء والأجداد.

ولما أصبحت هذه التّقاليد سبب الظّلمة محيت نورانية الدّين وصار كلّ ما كان سبب الحياة سبباً للممات وكلّ ما كان برهان العرفان صار دليل الجهل وكلّ ما كان سبب العلوّ والرّقي في العالم الإنساني صار سبب الدّناءة والسّفاهة له، ولهذا تدنّى عالم الدّين يوماً فيوماً وغلب عالم المادًيات تدريجياً وبقيت تلك الحقيقة القدسية في الأديان مستورة. وحينما تغرب الشّمس تطير الخفافيش لأنّها طيور الليل وحينما تغرب نورانية الدّين يطير هؤلاء المادّيون أشباه الخفافيش لأنّهم طيور الليل وحينما يختفي النّور الحقيقي يشرع هؤلاء بالطّيران.»[7]

وأوضح عبد البهاء أنّ الإنسان هو الذي شرّفه الله بالعقل ليفرّق بين ما هو حقّ وما هو باطل، وأكّد أنّ أعظم قوّة في تربية الإنسان هي الرّوحانية الحقيقية المنبعثة عن روح الدّين. فإذا صلح الفرد صلح المجتمع وإذا صلح المجتمع صلح العالم. لقد تفاقمت الأمور منذ بداية القرن العشرين لتصبح اليوم أشدّ حدّة وأكثر إلحاحاً لحلّها. فها هو عالم اليوم يجد نفسه يواجه مشكلات عويصة تهدّد الحياة على هذا الكوكب، فالدّول تتسلح بأفتك أنواع السّلاح ويهدد العالم خطر نووي قد يفتك بالملايين من النّاس في لحظات، ثم هناك الاحتباس الحراري وتلوّث البيئة وضرورة المحافظة على سلامتها قبل فوات الأوان، وهناك خطر المجاعات وتردّي الزّراعة والازدياد الهائل في عدد سكّان هذه الأرض، وهناك أيضاً الهوّة السّحيقة التي تفصل بين الدّول الفقيرة والدّول الغنية والتي تزداد اتّساعاً يوماً بعد يوم. ثم هناك تفاقم النّزاعات بين أبناء الوطن الواحد لأسباب عرقية ودينية وقبلية، ناهيك بانهيار الصّرح الأخلاقي لدى الأفراد والمؤسّسات العامّة، وأخيراً ضرورة إعادة النّظر في مناهج التّربية والتّعليم بقصد إعداد جيل مؤهّل ليعيش في عالم متّحد متعدّد وينسجم مع مظاهر العولمة الموجودة في كلّ مكان…

لعلّ أهم سؤال علينا أن نسأله في خضمّ الأحداث الكونية الجارية والظّروف العالمية القائمة اليوم هو: ما هي أبرز مشكلات عصرنا الرّاهن وأخطرها شأناً في هذا القرن الواحد والعشرين؟ ولعلّ الجواب المقنع عن هذا السّؤال هو دون شكّ القول بأنّ العالم اليوم يواجه مشكلتين رئيستين، الأولى تتمثّل في المشكلة الاقتصادية التي تزداد تأزماً يوماً بعد يوم لتصيب كلّ ركن من أركان المعمورة، والثّانية في معضلة الصّراع القائم بين الشّرق والغرب الذي يقترب شبحه المميت حاملاً معه الرّيح الصّفراء من الدّمار والهلاك.

فقد أشار عبّاس أفندي في أحاديثه وخطبه إلى أنّ الاقتصاد العالمي بات مهدداً بالانهيار وبمزيد من المآسي والآلام، فالأزمة الاقتصادية القائمة اليوم تحتّم علينا تغييرات جذرية في مفهومنا للاقتصاد والتّعاملات التّجارية، كما تحتّم علينا أن نقيم علماً للاقتصاد على مبادئ ثابتة جديدة تصونها رؤية أوسع وأكثر شمولية ذات أسس أخلاقية تقوم على العدل والإنصاف هدفها الرّئيس سلامة المجتمع الإنساني ورفاهه. فالمطلوب إذاً سياسة تنموية عامّة للمجتمع متوازنة ومتعادلة، وهذا ما يستدعي بالضّرورة ليس رؤية علمية لعالم الوجود فحسب، بل ورؤية خاصة لعالم الرّوح غير المرئي أيضاً.

فمبدأ أنّ الفرد هو الأساس في النّشاط الاقتصادي والتّنافس على حيازة الموارد المادّية إنّما يولّد صراعاً بين الفرد والآخرين يتهدّد في نهاية المطاف النّاجح والفاشل في آن معاً. والمبدأ القائل بأنّ السّوق الحرّة فوق كلّ اعتبار وعليها أن تسود ولو بالقوّة مبدأ خاطئ في الأساس لأنّه قائم على التّعصّب للسّوق الحرّة ومحاولة فرضها بالقوّة مما يعرّض العالم الإنساني كلّه للخطر ويهدّد السّلام العالمي، ولعلّ معظم الحروب في القرن التّاسع عشر والقرن العشرين كانت في الأساس حروباً اقتصادية. وبات لزاماً علينا تغيير المبدأ القائل بأنّ كلّ الأشياء وحتى الأشخاص قيمتهم تحدّد بالمال وأن نؤمن بضرورة إيجاد معايير غير مادّية نعتمد عليها في تقييمنا كافّة الأمور وأن نخطّ لأنفسنا مسلكاً للحياة أكثر بساطة وأجدى نفعاً يتّفق ومغزاها والهدف منها.

ويقترح عبد البهاء بكلّ بساطة أنّ حلّ المشكلة الاقتصادية الفردية أوّلاً يكمن في تعديل أسباب المعيشة:

«… يعني أنّه يجب وضع أنظمة وقوانين يعيش بموجبها جميع البشر عيشة هنيئة. فكما أنّ الغني مرتاح في قصره وتتزيّن مائدته بأنواع الأطعمة كذلك يجب أن يكون للفقير عشّ وملجأ وأن لا يبقى جائعاً حتى يرتاح جميع البشر. وأنّ أمر تعديل المعيشة مهم جداً، وما لم تتحقّق هذه المسألة يستحيل حصول السّعادة للعالم البشري.»[8]

ويقتضي تعديل أسباب المعيشة الاعتدال في كلّ شيء; مروراً بالقوانين التي تُسن إلى الحقوق التي تشّرع، وأن تكون كافّة مناهج الإصلاح ليست معتدلة فحسب بل وقابلة الإجراء في واقع الأمر:

«… إنّ اختصاص أفراد معدودين بالثّروة المفرطة بينما الجمهور في شدّة واحتياج، ظلم واعتساف، وكذلك المساواة التّامّة هي أيضاً مخلّة لمعيشة النّوع الإنساني وراحته وانتظامه وهدوء باله.

بناء على ذلك فالاعتدال خير من كلّ الوجوه، وذلك بأن يراعي أصحاب الثّروة جانب الاعتدال في جني الأرباح، وبأن يكون مطمح أنظارهم مراعاة المحتاجين والفقراء، وبأن يقرّروا للعمّال أجوراً يومية معلومة على أن يكون لهم سهم ونصيب أيضاً من الرّبح العامّ للمصنع.

وبالاختصار يجب وضع قانون للحقوق المشتركة بين أصحاب المصانع وبين عموم العمّال يؤدي إلى الاعتدال في الأرباح لأرباب المصانع ويكفل تسهيل وسائل المعيشة اللاّزمة للعمّال وضمان مستقبلهم حتى إذا عجز العامل أو وهنت قواه أو انتابه الضّعف والهرم أو مات وترك ذرّية ضعافاً لا يضمحلون من شدّة الفقر، إذ يكون لهم حقّ بشيء من واردات المصنع يعيشون منه، وكذلك يجب على العمّال ألاّ يضربوا وألاّ يتمرّدوا وألاّ يبالغوا في طلب أجور فاحشة أو يبتغوا أكثر مما يستحقون، بل ينبغي لهم أن يكونوا في نهاية الطّاعة والانقياد، والحقوق المشتركة بين الطّرفين تتحقّق وتتعين رسمياً بقانون العدل والحقّ، وأيّ طرف يتجاوز القانون يحكم عليه بعقوبة، وبعد المحاكمة تُجري القوّة التّنفيذية عليه الجزاء القطعي حتى تنتظم الأمور وتزول المشاكل.»[9]

فعالم الاقتصاد بوجه عامّ يفتقد تلك الرّؤية الوحدوية التي تحتّم مبدأ الانتماء إلى عالم بشري واحد مترابط. فحصر الولاء ببلد واحد أو شعب واحد يتنافى وفكرة الانتماء إلى عالم واحد، وإلى مجتمع انساني يجمع البشر جميعاً كأبناء وطن واحد.

فهذا العالم الواحد الذي ننتمي إليه يفرض علينا، إذا اردنا استمراره وازدهاره، أن نبذل قصارى الجهد في التّخلي عن الولاءات الضّيقة ليكون ولاؤنا الأهم الولاء للعالم الإنساني. ولا شكّ أنّ عالمنا اليوم يمرّ بتغييرات وتحوّلات إيجابية وجذرية من شأنها أن تمكّننا من مجابهة الأزمات العالمية الحالية والقادمة وتحويلها إلى نشاطات تعود بالفائدة على المجتمع ككلّ.

أمّا مسألة الشّرق والغرب فلا شكّ أنّها أهمّ قضية تواجه العالم وأخطر معضلة تقضّ مضجعه، ذلك لأنّ هذا الصّراع المتفاقم القائم بين الشّرق والغرب ستكون له نتائج ترتعد لها فرائص العالم. ولا بدّ والحالة هذه أن نبذل قصارى الجهد لرأب كلّ صدع بشتى الوسائل وتشجيع كلّ أنواع الحوار بكلّ الطّرق والعمل بكلّ جدّ ومثابرة على إشاعة ثقافة قبول الآخر باعتباره أخاً كريماً مهما بعدت شقّة الخلاف المصطنعة. فكيف يمكن لنا أن نخلق هذا التّحالف بين الشّرق والغرب في سبيل بناء عالم جديد قائم على العدل والاتحاد والسّلام؟ ليس أمام الإنسانية سوى أن تقرر مصيرها معتمدة على وعي وانبعاث روحي يقيل عثراتها، وعبر استخدام كافّة الوسائل المادّية الدّنيوية استخداماً أمثل يعين على تحقيق مستقبل زاهر يضمن لها السّلامة والتّقدّم والبقاء. وإذا ما توحّدت الإنسانية واتّحدت في شؤونها لا شكّ أنّها ستحقّق لذاتها مستقبلها وتضمن بقاءها معتمدة على العلم والدّين المنزّه عن الغايات، فتطلق العنان لإمكاناتها وقدراتها نحو خلق المجتمع المدني المرتجى على أوسع نطاق، مجتمعٍ عالمي مدني بكلّ ما في الكلمة من معنى هدفه ضمان سلامة واطمئنان عالم الإنسان بأسره واستمرار تطوّره.

ورغم أنّ هذه المسألة باتت اليوم أشد إلحاحاً لحلّها والتّغلّب عليها، استبق عبد البهاء العالم كلّه حين أدرك بثاقب بصيرته مخاطر المستقبل. وما كانت رحلاته إلى الغرب إلاّ محاولة من جانبه لربط الشّرق بالغرب وتأكيده على أنّ السّلام في العالم يعتمد على اتحادهما معاً، وهو الأمر الذي أصبح اليوم الشّغل الشّاغل لأهل السّياسة والمختصين في الشّؤون الدّولية. ولم يكن موضوع اتحاد الشّرق والغرب إلاّ جزءاً من الموضوع الشّامل الذي تحدّث عنه عبد البهاء في الشّرق والغرب وهو موضوع وحدة العالم الإنساني:

«… إنّي آمل أن يظهر تأسيس وحدة العالم الإنساني بمنتهى القوّة ليلتئم الشّرق والغرب بعضهما مع بعض التئاماً تاماً ويرتبطا ارتباطاً كاملاً وتتّحد قلوب الشّرق والغرب وينجذب بعضها إلى بعض وتظهر للعيان الوحدة الحقيقية ويشرق نور الهداية وتبرز التّجلّيات الإلهية يوماً فيوماً لينال العالم الإنساني راحة كاملة وتتجلّى سعادة البشر الأبدية وتصبح قلوب البشر كالمرآة فتسطع فيها أنوار شمس الحقيقة.

ولهذا فرجائي منكم هو أن تجهدوا حتى يشرق ذلك النّور نور الحقيقة، وحتى تظهر السّعادة الأبدية للعالم الإنساني وإنّي لأدعو في حقّكم حتى تنالوا هذه السّعادة الأبدية. وإنّني عندما جئت هذه المدينة سررت كثيراً حين وجدت أهلها مستعدّين حقاً للمواهب الإلهية ولديهم قابلية للمدنية السّماوية ولهذا فإنّني أدعو لكم بالفوز بجميع الفيوضات الرّحمانية وأقول: يا إلهي الرّؤوف إنّ عبدك هذا قد توجّه إلى الغرب من أقصى بلاد الشّرق لعلّ نفحات عنايتك تعطّر مشامّ هذه النّفوس ويهبّ نسيم حديقة الهداية على هذه الممالك وتستعدّ النّفوس لقبول ألطافك وتستبشر القلوب ببشاراتك وتشاهد الأعين نور الحقيقة وتنال الآذان نصيباً من نداء الملكوت. إلهي أنِر القلوب واجعلها يا ربّي الرّؤوف غبطة حدائق الورد والرّياحين يا محبوبي الفريد هب نفحات عطائك وأشرق أنوار الإحسان حتى تصبح القلوب طاهرة نقية وتنال نصيباً من تأييداتك. فهذا الجمع سائر في طريقك وآمل أسرارك ليرى وجهك ويقتبس من خصالك فابذل يا إلهي الرّؤوف ألطافك بذلاً وأبح لهم كنز الهداية لينال هؤلاء المضطرون أملاً ورجاء. إنّك أنت الرّؤوف وإنّك أنت المعطي العليم القدير.»[10]

نجح عبد البهاء في مسعاه لأن يستمع إليه أهل الغرب فكان من دون منازع أول مَنْ دشّن الحوار الجدّي بين الأديان، وساعده علمه الواسع بالأديان كلّها أن يتحدّث باسم أيّ دين مع أيّة جامعة دينية أخرى، وهكذا انفتحت العقول وأبدى النّاس استعدادهم لسماع المزيد. ولعلّ القصة التّالية التي يرويها عبد البهاء في أحد خطبه تعطينا صورة واضحة للأثر الذي تركه هذا الحوار بين الأديان الذي وضع أساسه وأجراه في الكنائس ودور العبادة المختلفة:

«حقاً ما أقل البشر إنصافاً فمنذ يوم ظهور المسيح حتى يومنا هذا لم يستطع أحد أن يذكر المسيح في معابد اليهود في حين أنّ البهائيين يثبتون في معابد اليهود أنّ المسيح كلمة الله وأنّ المسيح روح الله. كما يثبتون في كنائس النّصارى أنّ حضرة محمّد رسول إلهي. ومع هذا فالنّاس غير راضين عنّا.

في ذات يوم كنّا في نيويورك في طريقنا إلى كنيسة للتّحدث فيها فصادفنا شخص هندي من عظماء ذلك البلد ودهش حين رآنا متوجهين إلى الكنيسة فقال في نفسه: «دعني أرى ما الخبر». فجاء إلى الكنيسة ورآني واقفاً على المنصّة اثبت صحّة نبوّة الرّسول الأكرم فتحيّر وحينما خرجنا كان وجهه يطفح بالبشر والسّرور بشكل لا يوصف وقال: «والله ما أروع ما شاهدت، إنسان في كنيسة مسيحية وفي حضور المسيحيين والقسس يقف ليثبت نبوّة الرّسول الكريم» وقد انجذب هذا الشّخص إلى أمر الله انجذاباً كلياً.

وفي الحقيقة كانت الكنيسة تغصّ بالحاضرين وقد أبدى القس شكره وامتنانه وسروره.»[11]

استتبع هذا الحوار الدّيني حوار من نوع آخر هو حوار الثّقافات فمن جهة مجّد عبد البهاء ما حقّقه الغرب من تقدم تِقنيٍّ وآليٍّ وبيّن أنّ المدنية المادّية التي تحقّقت تحتاج أن تفسح المجال حتى تتغلّب «القوى الرّوحانية لأنّ القوّة المادّية قد تغلّبت وأصبح عالم البشرية غريق المادّيات». ووضّح الأسس التي تقوم عليها المدنية الإلهية، وأكّد مرّة أخرى أن السّلام العالمي هو الهدف الرّئيس لخلاص العالم:

«… ومن جملة أسس المدنية الإلهية الصّلح الأكبر.

ومن جملة أسس المدنية الرّوحانية وحدة العالم الإنساني.

ومن جملة أسس المدنية الرّوحانية فضائل العالم الإنساني.

ومن جملة أسس المدنية الإلهية تحسين الأخلاق.

إنّ عالم البشر اليوم محتاج إلى وحدة العالم الإنساني محتاج إلى الصّلح العمومي ويحتاج هذا الأساس العظيم إلى قوّة عظيمة لكي تروِّجه.

ومن الواضح أنّ وحدة العالم الإنساني والصّلح العمومي لا يمكن ترويجهما بواسطة القوى المادّية ولا يمكن تأسيسهما بواسطة القوة السّياسية لأن المنافع السّياسية للأمم مختلفة ومنافع الدّول متفاوتة ومتضاربة وكذلك لا يمكن ترويجهما بواسطة القوّة العنصرية والقوّة الوطنية لأنّ هذه القوى قوى بشرية وقوى ضعيفة ونفس اختلاف الأجناس وتباين الأوطان مانع دون الاتحاد والاتفاق.»[12]

أمّا بالنّسبة لعالم الشّرق فقد وجّه عبد البهاء عبّاس خطابه إلى علماء عصره والمفكرين من رجاله وإلى زعماء الشّرق السّياسيين والدّينيين. فحثّ أهل الشّرق وخاصّة العالم الإسلامي أن ينظروا إلى العالم بمنظار جديد، ونادى بالإصلاح الدّيني والاجتماعي والاقتصادي وبضرورة بناء مجتمع جديد يمكن وصفه بأنّه «المجتمع المدني».

ففي الرّسالتين المدنية (1875) والسّياسية (1893) وضّح عبد البهاء ضرورة التّجديد الكامل وخاصة تجديد الخطاب الدّيني وأكّد على ضرورة القضاء على الاستبداد الدّيني والسّياسي واحترام الحرّيات الفردية وعلاقة الحاكم برعيّته وقيام السّلطة العادلة. ومن جملة الأمور التي تطرّق إليها في برنامج إصلاحي شامل: نشر التّعليم، تنظيم القضاء، تنمية العلوم والآداب والفنون النّافعة، وتطوير شؤون الصّناعة والاستفادة من التّقنية الحديثة، وتوسيع مجال النّشاطات التّجارية، وحماية الملكية الفردية، وإقامة العدل والمساواة أمام القانون، ثم أكّد على ضرورة القضاء على الفساد بكل أنواعه وتأسيس المجالس الاستشارية. ثم حثَّ أهل الشّرق أن يستفيدوا مما حقّقه أهل الغرب من تقدّم مادّي شرط ألاّ يفقدوا تلك الرّوحانية الشّرقية الأصيلة، وعاد فذكّرهم بأنّ على الشّرق أن يتّحد مع الغرب والغرب مع الشّرق. ولكنّه أيضاً نبّه الشّرقيين إلى ضرورة المحافظة على استقلالهم وثقافاتهم وشجعهم على التّجديد لا «التّغريب»، وأكّد مراراً على ضرورة اتحاد العلم والدّين وأنّ إسهام المرأة في المجتمع إسهاماً مساوياً للرّجل ضروري لسلامة المجتمع وضمان أمنه.

* * *

عاش عبد البهاء عبّاس حياةً حافلة جسّدت مبادئه ومثّلت قيمه وحكت عن إيمانه المطلق بالله وبالإنسانية. كان الرّوحاني العارف الدّاري بأمور الدّنيا ما صلح منها وما بطُل. لم يدخل المدارس ولا الجامعات، إلاّ أنّه بهر العالم بذكائه وعلمه وشجاعته وعصاميته، عاش لمبدأ واحد تلخّص في الوحدة والاتحاد وجَمْعِ شمل المؤمنين في كلّ دين ليتكاتفوا في العمل والبناء معاً، شركاءً لا تمييز بينهم، في إقامة صرح ذلك السّلام الأعظم الذي وعد به الأنبياء وحلم به الشّعراء وأهل العرفان. وآمن بأنّ كلّ إنسان مهما كانت منزلته أو علمه يستحقّ الاجلال والاحترام والإكرام. حفلت رؤاه بصور مشرقة لحضارة إنسانية على أهل هذا الكوكب الدّخول فيها دون أن تحطّ من قدر أحد، حضارة تجعل رقي الإنسان ورفاهه وسعادته هدفها دون أن تؤلّهه، حضارة يسودها النّظام والقانون دون إلغاء الحرّيات والحقوق المشروعة، وحضارة تساير التّطور والتّقدم التّكنولوجي دون أن تفقد الرّوح والأخلاق – إنّها الحضارة الإلهية التي تأخذ في الحسبان توازن العلاقات المرتبطة بالله والمجتمع والإنسان والطّبيعة بصورة تحفظ لله مكانته وللمجتمع كيانه وللإنسان مقامه وللطّبيعة سلامتها. في العام 1958 كتب الفيلسوف الإسباني مورا كتاباً ترجم إلى الإنجليزية بعنوان Man at the Crossroads فصّل فيه خصائص الحضارة الإنسانية العالمية والتي كان عبد البهاء عبّاس قد رسم خطوطها في مجمل خطبه وأحاديثه في أوروبا وأمريكا قبل نصف قرن من الزّمان.

وفي وصيته الأخيرة ترك لنا عبد البهاء عبّاس كلمات تلخّص جوهر شخصيته ولبّ رسالته الإنسانية، إنّها رسالة المحبّة الإلهية أوّلاً وأخيراً ورسالة السّلام بين البشر أجمعين:

«… يا أحبّاء الله، يمتنع في هذا الدّور المقدّس النّزاع والجدال، وكلّ متجاوز محروم. ويجب معاملة جميع الطّوائف والقبائل سواء أكانوا من الأحبّاء أو الأغيار بنهاية المحبّة والصّدق والاستقامة وبالمودّة القلبية حتى تكون المحبّة والرّعاية بدرجة يرى غيرُ الحبيب نفسه حبيباً، والعدو نفسه صديقاً بمعنى أنّه لا يرى تفاوت في المعاملة أبداً لأنّ الاطلاق أمر إلهي والتّقييد من خصائص الإمكان. لهذا يجب أن تظهر الفضائل والكمالات من حقيقة كلّ إنسان ويشمل نورها العموم. وكما أنّ نور الشّمس يشرق على العالم وأمطار الرّحمة الإلهية تفيض على كلّ الأمم ونسيم الحياة المنعش يحي كلّ ذي روح، والمائدة الإلهية ممدودة لجميع الكائنات الحية. هكذا يجب أن تشمل عواطف وألطاف عباد الله جميع البشر بنحو الإطلاق. ففي هذا المقام يمتنع التّقييد والتّخصيص بالمرّة. إذاً، أيّها الأحبّاء الأودّاء، يجب أن تعاملوا جميع الملل والطّوائف والأديان بكمال المحبّة والخلوص والصّداقة والوفاء وحبّ الخير والمودّة، حتى يصبح عالم الوجود ثملاً من كأس فيض البهاء وتمحى الجهالة والعداوة والبغضاء والأحقاد من على وجه الأرض، وتبدّل ظلمة التّفرقة من جميع الشّعوب والقبائل بأنوار الوحدة. فإذا عاملكم سائر الملل والطّوائف بالجفاء فعاملوهم بالوفآء، أو الظّلم فبالعدل. وإن اجتنبوكم فاجتذبوهم، وأن أظهروا لكم العداوة فحقّقوا لهم المحبّة، وإن أعطوكم السّمّ فامنحوهم الشّهد، وإذا جرحوكم فكونوا مرهماً. هذه صفة المخلصين وسمة الصّادقين.»[13]

 

 

[1]  مقتطف من كتاب شوقي أفندي بعنوان «القرن البديع «، ص342 – 343.

[2]  مقتطف من «لوح مبارك: خاطب به الشيخ محمّد تقي المجتهد الأصفهاني المعروف بالنجفي»، ص62.

[3]  المصدر السّابق نفسه، ص42.

[4]  مقتطف من «منتخبات من كتاب بهاء الله والعصر الجديد»، ص261 – 262.

[5]  المصدر السّابق نفسه، ص17.

[6]  مقتطف من كتاب «خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص455.

[7]  المصدر السّابق نفسه، ص313 – 314.

[8]  المصدر السّابق نفسه، ص317.

[9]  مقتطف من كتاب «من مفاوضات عبد البهاء»، من منشورات دار النّشر البهائية في بلجيكا 1980، ص204 – 205.

[10]  مقتطف من كتاب «خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص243 – 244.

[11]  المصدر السّابق نفسه، ص450.

[12]  المصدر السّابق نفسه، ص242.

[13]  مقتطف من: «ألواح وصايا حضرة عبد البهاء المباركة» مصر، لجنة النّشر المركزية للمحفل الرّوحاني المركزي للبهائيين بمصر والسّودان، 1948، ص14.

مقتطفات ونصوص
من آثار عبّاس أفندي

ـ 1 ـ مختارات من رسائله

1 – رسالة في شرح قوله تعالى ﴿من أسلم وجهه لله وهو محسن…﴾ إلى آخر الآية وفي وصف الإسلام الصّحيح.

(«من مكاتيب عبد البهاء» ص64 – 67).

2 – ثلاث رسائل إلى جبران ساسي الذي كان يراسل ليو تولستوي («من مكاتيب عبد البهاء» ص77 – 80، ص101 – 102، ص131 – 132).

3 – رسالة إلى الشّيخ الإمام محمّد بخيت («من مكاتيب عبد البهاء» ص112 – 113).

4 – رسالة إلى الأستاذ الإمام الشّيخ محمّد عبده («من مكاتيب عبد البهاء» ص90 – 92).

5 – رسالة إلى الدّكتور أوغست فوريل («خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا» ص11 – 24).

6 – رسالة إلى مجمع الصّلح العمومي في هولندا («خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا» ص34 – 37).

7 – رسالة إلى المنظمة المركزية للسلام الدّائم (منشورة في كتاب سليم قبعين بعنوان «عبد البهاء والبهائية» ص80 – 92).

8 – رسالة إلى خليل بك ثابت (منشورة في كتاب سليم قبعين بعنوان «عبد البهاء والبهائية» ص130 – 131).

9 – رسالة إلى سليم أفندي قبعين (منشورة في كتاب سليم قبعين بعنوان «عبد البهاء والبهائية» ص131 – 132).

10 – رسالة إلى بشير أفندي يوسف (محفظة الآثار البهائية).

11 – ثلاث رسائل إلى عبد الرّحمن أفندي البرقوقي (محفظة الآثار البهائية).

12 – ثلاث رسائل إلى الشّيخ علي يوسف (محفظة الآثار البهائية).

13 – ثلاث رسائل إلى عثمان باشا مرتضى (محفظة الآثار البهائية).

14 – رسالة إلى أحد الأحبّاء في مصر لينقلها شفهياً إلى الأستاذ الإمام الشّيخ محمّد عبده (محفظة الآثار البهائية).

15 – رسالة موجّهة إلى جناب إبرهيم علي منصور (صورة عن المخطوطة بحوزة السّيدة هدى جمال رشدي).

 

 

1 - رسالة في شرح قوله تعالى {من أسلم وجهه لله وهو محسن...} إلى آخر الآية وفي وصف الإسلام الصّحيح

… أيّها المترنّح من مدامة محبّة الله قد انتشقتُ نفحات رياض معرفتك بالله، وانتشيتُ من صهباء محبّتك في جمال الله، وانشرحتُ من وَلَهك في النّور المبين وشوقك إلى محبوب العالمين وظَماءِ قلبك رشفاً من الرّحيق في هذه الكأس الأنيق، فيا فرحاً لك بما أويتَ إلى كهف منيع واحتميتَ بملاذ رفيع قد خرّت له أعناق العالمين، فاستدعيتُ لك الفوز العظيم والفيض الجليل الدّافق كسيل منحدر وماء منهمر من السّحاب المدرار إلى بطون الأودية والقفار، ورجوت لك العون والعناية والصّون والرّعاية إلى النّهاية، وأملي من الرّبّ الغيور أن ينصرك في مهامّ الأمور وينجدك بجنود من الملأ الأعلى وجيوش من ملكوت السّماء إنّه على كلّ شيء قدير.

وأمّا ما سألت من الآية المباركة في القرآن العظيم والفرقان المبين قوله تعالى بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن إلى آخر الآية، اعلم أيّدك الله أنّ هذا الإسلام والتّسليم لهو الصّراط المستقيم والمنهج القويم يستحيل حصوله إلاّ لمن ألقى السّمع وهو شهيد، وهذا هو الإيمان الصّحيح بربّ العالمين لأنّ التّسليم فرع الإيمان فلا يكاد الإنسان أن يُسْلم إلاّ بعد الإيقان، ثمّ أردف هذا البيان بأمر آخر وقال وهو محسن وأطلق في الإحسان ولم يقيّده بشيء في حيّز الإمكان، فوجود هذا الإنسان رحمة للعباد لأنّه يزداد لطفاً وإحساناً في كلّ آن، وحيث الحال على هذا المنوال عرفنا أنّ الفلاح والنّجاح والفوز والنّجاة لمن أسلم وجهه لله وبلغ مقام التّسليم والرّضا وفوّض أموره إلى الله ووجّه وجهه للذي فطر الأرض والسّماء وأحسن إلى الورى وأعان الضّعفاء وأغاث الفقراء وضمّد جريح الفؤاد وقريح الأحشاء وداوى كلّ طريح الفراش سقيم الانتعاش بل فدى حياته حبّاً بالله لراحة عباد الله، وأمّا الإحسان الحقيقي والعطاء الموفور هو الهدى من أهل التّقى لكلّ من يتذكّر ويخشى، إنّ هذا لهو الموهبة العظمى والعطية التي سجدت لها ملائكة السّماء، وهذا المعنى قد نزّل في القرآن في مواقع شتّى بعبارة أخرى، منها إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنّصارى والصّابئون من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً ومنها والعصر إنّ الإنسان لفي خسر إلاّ الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات، فبالاختصار الإسلام الطّوعي الاختياري ومقام الرّضاء والتّسليم أخصّ من الإيمان والإيقان من حيث علم اليقين، لأنّ الإيمان في هذا المقام التّصديق بالنّبإ الصّادر من الصّادق الأمين، وأمّا عين اليقين وحقّ اليقين لا يكاد أن يضي مصباحه في زجاجة القلوب إلاّ بعد الإسلام الطّوعي والتّسليم لربّ العالمين، وأمّا الإسلام الإجباري كما قال الله تعالى ولا تقولوا آمنّا بل قولوا أسلمنا لسنا بصدده الآن، وبالجملة إنّ تسليم الوجه أمر عظيم مَنْ أيّده الله به أدخله في جنّة النّعيم ووقاه من عذاب الجحيم، والوجه له عدّة معان منها بمعنى الرّضاء كما قال الله تعالى يريدون وجهه وكذلك إنمّا نطعمكم لوجه الله أي رضائه، ومنها الوجه بمعنى الذّات وقال الله تعالى كلّ شيء هالك إلاّ وجهه، ومنها الوجه بمعنى الجلوة قال الله تعالى وأينما تولّوا فثمّ وجه الله، والوجه له معان شتّى وتفسيراً وتأويلاً وتشريحاً غير ما بيّنّا، ولكن لعدم المجال قد غضضنا الطّرف عن الإطناب والإسهاب، فبناء على ذلك إنّ تسليم الوجه أمر من أخصّ فضائل الأبرار وأعظم منقبة الأحرار، من أُيّد بذلك وُفِّق على الإيمان التّام في أعلى درجة الإيقان والاطمئنان، ثم أردف الله سبحانه وتعالى إسلام الوجه بالإحسان وقال وهو محسن أي لا يكمل إسلام الوجه والإيمان الحقيقي إلاّ بالإحسان وصالح الأعمال، ثمّ الإحسان الحقيقي أن تدعو إلى الهدى وتحرّض على التّوجّه إلى الأفق الأعلى، وتبرئ الأصمّ والأعمى وتهدي إلى الصّراط السّويّ بقوة برهان ربّك الأبهى. ولا شكّ أنّ النّجاة تحوم حول هذا الحمى وأيّ فضيلة أعظم من هذا أن يسلّم الإنسان وجهه لله ويحسن إلى الورى؟ وكذلك الإحسان الحقيقيّ أن تكون آية رحمة ربّك الكبرى شفاء كلّ عليل ورواء كلّ غليل وملاذ كلّ وضيع ومعاذ كلّ رفيع وملجأ كلّ مضطر ومرجع كلّ مُقْتَرٍّ، هذا هو الأمر المبرور والفيض الموفور والسّعي المشكور إنّ ربّي لعزيز غفور.

وأمّا ما سألت ما ورد في دعاء كميل (وألهمني ذكرك)، أي وفِّقني على ذكرك وألهمني أن أذكرك، لأنّ الإلهام – الإلقاء في القلوب والتّلقين والتّعليم الشّفاهي الكافي الوافي، وأمّا الإلهام الإلهي لا يكاد إلاّ بواسطة الفيض الرّبّاني والنّفس الرّحماني، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في الزّجاجة ما دون ذلك أحلام وأوهام وليس بإنعام، لأنّ الإلهام من حيث تعريف القوم واردات قلبية والوساوس أيضاً خطورات نفسية، وبأيّ شيء يستدلّ الإنسان أنّ ما وقع عليه في قلبه هو إلهام إلهيّ؟ إلاّ أن يكون بواسطة الفيض الرّحماني والدّليل على ذلك إنّك لتهدي إلى صراط مستقيم، فالواسطة هي الوسيلة العظمى ومشكاة نور الهدى وكلّ إلهام شعاع ساطع من هذا السّراج الذي يوقد ويضيئ من هذا الزّجاج، وأمّا الذّكر المذكور في الرّق المنشور وهو التّحقق بالذّكر، لأنّ المرء إمّا يتفوّه بالذّكر أو يتخطّر بالذّكر أو يتحقّق بالذّكر، فالتّحقّق هو الذّكر الحكيم، وقال الله تعالى شَغَفَها حُبّاً، هذا هو التّحقّق بالذّكر لأنّ الذّكر يسري كالرّوح في العروق والشّريان، وما أحلى سريان هذا الذّكر في القلوب والأحشاء وهذا الذّكر لا يتحقّق إلاّ بإلهام إلهيّ وفيض ربّانيّ وانعطاف من المظهر الكلّيّ واقتباس من النّيّر المتلألئ، فالذّكر المذكور في الكلم المكنون كن عفيفاً في الطّرف وأميناً في اليد وذاكراً في القلب أيضاً التّحقّق بالذّكر الحكيم، إنّ هذا لهو الصّراط المستقيم.

وأمّا ما سئلت من اللؤلؤ المصون في الكلم المكنون مخاطباً إلى همج رعاع إيّاك أن تحرم نفسك ملكاً لا يزال بسبب من الإنزال، أي لا تحرم نفسك عن المواهب الإلهية والمنح الرّحمانية والعطاء الموفور والجزاء المشكور بسبب اتّباع الشّهوات النّفسانية واللّذائذ الجسمانية والأحلام الشّيطانية فالإنزال كناية عن اتّباع الشّهوات وارتكاب الخطيئات من أيّ نوع كان ولله الآيات البيّنات، نسأل الله أن يجعل النّفوس تنشرح باكتساب الفضائل وتضيق ذرعاً بالبوادر الرّذائل، وتنجذب إلى الله وتشتعل بنار محبة الله، ولا تستبدل الهدى بالضّلالة والعمى، ولا تستعوض بالفريدة النّوراء واليتيمة العصماء خزف الجهل والسّفاهة والشّقى.

وأمّا ما سألت عن جنّة الأسماء إنّها لهي الهيكل المرقوم بالخطّ الأبهى أثر القلم الأعلى النّقطة الأولى روحي له الفداء على ورقة زرقاء، وفي الهيكل اشتقاق شتّى من كلمة البهاء، وهذا الهيكل الكريم قد سرقه يحيى الأثيم ومعه ألواح شتّى بأثر النّقطة الأولى روحي له الفداء ظنّاً منه أنّ ذلك يجديه نفعاً، كلاّ إنّ هذا العمل حسرة له في الآخرة والأولى، ولكنّ سواد ذلك الهيكل موجود عند الأحبّاء حتّى نسخة منه بخطّ يحيى، وبعث هذه النّسخة مع جملة كتب من ألواح ربّك إلى الهند أمانة ولكنّ مركز النّقض ألقى في قلب الأمين أن يستولي عليها ولا يؤدّي الأمانات إلى أهلها، هذا شأنهم في الحياة الدّنيا وبئس التّابع والمتبوع ويا حسرةً على الذين اتََّّبعوا من الذين اتُّبِعُوا في هذه الخيانة العظمى، فسوف يظهر الله بقوّة من عنده أنّ الخائنين لفي خسران مبين وعليك التّحية والثّناء.

(«من مكاتيب عبد البهاء» ص64 – 67).

2 - ثلاث رسائل إلى جبران ساسي الذي كان يراسل ليو تولستوي

أيّها المطلّع بأسرار الكتاب المقدس، إنّي قرأت مكتوبك المسهب واطّلعت بالمحاورة التي جرت بينك وبين ذلك الرّجل الجليل المحترم، ولا شكّ أنّ المقال الذي جرى بينك وبينه هو تأييد من الرّوح ونفثة من نفثات الحقّ، لأنّ ربّي الرّحمان يؤيّد كلّ إنسان انجذب بقلبه إلى ملكوت الأسرار ويؤيّده بالإلهام وينطقه بالحجج والبرهان، وإنّك أنت اطمئنّ بفضل مولاك وانشرح صدراً بما أعطاك وانتعش روحاً بما كشف عنك الغطاء وقرّ عيناً بمشاهدة نُور العطاء وانطق بالكلمة العليا وناجِ ربّك في كلّ صباح ومساء واطلب منه ما شئت واستخزِنْ ماتريد من فضل ربّك الرّحمن الرّحيم، إيّاك ثمّ إيّاك أن تخرج عن الحكمة التي أنزلها الله في الكتاب، ودارِ النّفوس في دارها وداوِ المرضى دواءها اضمد الجرح ضماداً يلتئم به في وقت سريع، ولا تتكلّم بما تتوحّش منه النّفوس وتقشعرّ منه الجلود وترتعد منه الفرائص وتشمئزّ منه قلوب كلّ قوم عنود، بل قل لهم قولاً ليّناً لعلّ منهم من يتذكّر أو يخشى، واتّبع سنّة ربّك ولا تقل مالم تستطع الآذان على استماعه، لأنّه بمثابة الموائد الطّيبة للصّبيان وإنّ الأطعمة مهما كانت لذيذة بديعة طيّبة ولكن لا يتحملها قواء معاء الرّضيع من الأطفال، إذاً ينبغي إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، ولا كلّ ما يعلم يقال ولا كلّ ما يقال حان وقته ولا كلّ ما حان وقته حضر أهله، إنّ ذلك من الحكم البالغة في الأمور فلا تغفل عنها إن كنت من أهل العزم في جميع الشّئون، بل شخّص العلل والأمراض والعياء والأعراض ثمّ العلاج، وهذا منهاج المهرة من حذّاق الأطبّاء ومن أجرى بغير ذلك إنّه من الأغبياء فلا يحصل منه الشفاء بل يزداد الدّاء اشتداداً والمرض استيلاءً والجرح اتّساعاً، فلا ينبغي لأهل البهاء إلاّ الحكمة البالغة في كلّ الأشياء إنّ ذلك من عزم الأمور وعليك بمراعاته أيّها العبد الشّكور، وإنّك أنت أقمِ البراهين القاطعة والحجج البالغة على إثبات حقّيّة الرّسل الذين خلوا من قبل، فأقم لليهود برهاناً قاطعاً في إثبات المسيح المحمود وأكمل الحجّة القاطعة في إثبات نبوّة الرّسول، لأنّ في الكتب المقدّسة آيات باهرة تدلّ على ذلك بأصرح عبارة وأعظم إشارة وأكمل بشارة ولا يمكن لأحد الإنكار والاستكبار بعد شروق الأنوار من مكمن الأسرار في قطر الحجاز، أما رأت الأعين تلك الأنوار السّاطعة من ذلك المطلع المجيد والنّور الفريد؟ وما شاهدوا آثاره وقوة اقتداره في تربية النّفوس وبثّ الشّرائع والسّنن التي كانت من أعظم تعاليم الرّبّ الودود كما قال الشّاعر:

فهبني قلتَ هذا الصّبحُ ليلٌ           أيعمى النّاظرونَ عن الضّياءِ

لعمرك إنّ القوم في غمرات النّوم لا يدركون ولا يشعرون ذرهم في خوضهم يلعبون إنّ ربّك غنيّ عن العالمين، ثمّ قل لذلك الرّجل المحترم إنّ الغرب منذ عدّة قرون قد سطا على الشّرق برجله وخيله وإلى الآن مستمرّاً، وسيجري الهجوم بجميع قوّاته مستمرّاً إلى يوم النّشور حيث ترى جيوشاً عرمرمة تصول صولة الأسود في غابات الغرب إلى ميادين الشّرق، منها جيش من الثّروة وجيش من الصّنعة وجيش من التّجارة وجيش من السّياسة وجيش من المعارف وجيش من الاكتشافات وجنود جرّارة تصول من الغرب بسلاح قاطع وتفتح فتوحات من كلّ جهات الشّرق، ومن جملة فتوحاتها الجديدة في الأقاليم الصّينية، والشّرق ليس له مقاومة لهذه الجيوش الصّائلة والجنود الجرّارة القاهرة أبداً، فالرّجل الحكيم يدرك عواقب هذا الأمر العظيم ولا يحتاج إلى دليل في هذا السّبيل، إذاً أيّها الرّجل الجليل تمعّن في عواقب الأمور هل تتصوّر المحافظة للشّرق من سطوات الغرب في مستقبل الزّمان بوسائل التّدبير والتّرتيب والتّعديل ولو كان بكلّ إتقان؟ لا وربّي الرّحمن بل إنّ الأمور في خطر عظيم، فبناءً على ذلك يقتضي أنّ أهل الشّرق يتمعّنون في اكتشاف وسائط فعّالة يحافظون بها على عزّهم وشرفهم واستقلالهم وذِمارهم من الأيدي العابثة من الغرب، فلا شكّ أنّ كلّ الوسائط معدومة والوسائل مفقودة إلاّ القوّة الإلهية والقدرة الرّبّانية والسّطوة الملكوتية والصّولة اللاّهوتية، إنّما هذه قوّة تقاوم كلّ هجوم وتشرّد كلّ جنود وتشتّت شمل كلّ عنود وتهزم كلّ جيوش كما سبق في القرون الأولى، أما رأيت أنّ المسيح الصّبيح فريداً وحيداً لا نصير له ولا معين ولا حميم له ولا ظهير كيف فتح الفتوحات الإلهية في الميادين الغربية وجعل أممها ومللها خاضعة خاشعة لكلمة ظهرت في قطب الشّرق؟ كأنّه شمس طلعت من أفقها المبين وأشرقت أنواره على تلك الأرجاء الشّاسعة والأقطار القاصية ولم تقاوم فتوحاته سدود الملل ولا قواء الدّول، فينبغي إذاً لأهل الشّرق الآن أن يتمسّكوا بقوّة قاهرة إلهية وقدرة باهرة ملكوتية حتّى يقاوموا بها كلّ جيش كثيف مهاجم من الغرب إلى الشّرق بل يفتحوا بها تلك القلاع الحصينة المجهّزة بأعظم أسلحة قاطعة من مواد جهنمية، وسيفهم كلمة الله وسلاحهم السّلام وجيشهم معرفة الله وقائدهم التّقوى وظهيرهم الملأ الأعلى ونصيرهم ربّ السّموات العلى وزادهم التّوكل على الله وقوتهم تأييد متتابع من شديد القوى…

* * *

أيّها المخلص في محبّة الله.

قد وصلني التّحريران النّاطقان بالثّناء على الله بما أنعم بالفيض الأبديّ على القلوب النّورانية والتّجليات الرّحمانية، ودلّ على حبّك لعموم الإنسان والرّأفة والرّحمة بالملل والأديان والسّعي في السّلم والأمان والخضوع والخشوع في كلّ أوان ومكان.

وأمّا ما رسمت بحقّ الكونت (تولستوي) إنّه رجل محبٌّ الخيرَ لعالم الإنسان هذا هو الصّحيح، ولكن لم يهتدِ إلى الطّريق الموصل إلى هذه الآمال فخاض في بحار السّياسة والأفكار وتاه في بيداء التّصورات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وظنّ أنّ بتلك الوسائط الطّفيفة يتيسّر الرّقي والنّجاح للأرواح والأجسام، تلك مبادئ كانت لبعض الفلاسفة فيما غبر من الأزمان فلم ينجحوا ولم يفلحوا بل ذهبت مساعيهم سدىً وخاب المنى وحدثت الفوضى وكانت البلية الكبرى.

وأمّا سعادة الورى ففي العدل المألوف وحبّ المعروف وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه من طبقات الخلق، لأنّ الإيجاد الإلهيّ متفاوت الدّرجات من حيث العقول والهمم والإدراكات، فكيف يمكن المساواة؟ وهل من الممكن إلغاء المكافاة والمجازاة؟ فهذان أمران مداران للتّمايز بين الإنسان، وليس في حيّز الإمكان قطع الأجرام المستدعية للمجازاة التي ترمي في أسفل الدّركات، هل يستوي العقلاء والبلهاء؟ أم يتساوى السُّهَيْل والسُّها؟ كلاّ بل خلق الله النّفوس أطواراً وجعل لكلّ واحد منهم شأناً ومقداراً، منهم الذُّباب ومنهم العُقاب، منهم البُغاث ومنهم الباز الأشهب المغزار، منهم الشّجرة المباركة البديعة الفاكهة ومنهم شجرة الزّقّوم الشّديدة السّموم، منهم الصّدف اللطيف ومنهم الخزَف الكثيف، منهم الفريدة النّوراء ومنهم الحجرة السّوداء، فكيف التّساوي والتّعادل في جميع الشّئون والأحوال؟ بل يجب العدل والصّيانة والفضل حتىّ يصبح الكلّ في عيشة راضية وراحة وافية وسعادة كافية ونعمة وافرة.

وأمّا حضرتكم فأرسلوا لذلك الشّخص الجليل ترجمة الألواح من الإشراقات والتّجليات والبشارات، واذكروا له أنّ مرجع أهل البهاء إلى الكتاب الأقدس والتّعليم المقدّس الذي نشره القلم الأبهى وخرج من فم البهاء على مسامع الأحبّاء، وهو نور الهدى السّاطع على الظّلمات الدّهماء فانتشرت تعاليمه في البسيطة بين دانيها وقاصيها وخواصّها وعامّيها، وسيلوح أنوارها على الآفاق ككوكب الإشراق، وعليك أيّها الأمير بأن تترك الجسمانيات والسّياسيّات التي لا طائل تحتها ولا فائدة منها وتستغرق في بحر الرّوحانيّات وتدخل في الملكوت وتستغني عن النّاسوت وترفع لواء ربّ الجنود وتبذل روح الحياة الأبدية على كلّ موجود وتتولّد من الرّوح وتكون معلّماً ملكوتيّاً روحانيّاً رحمانيّاً ربّانيّاً يتدفّق من لسانك تعاليم الملكوت اندفاق السّيل من الجبل الأعلى، وتتفتّح في رياض الموهبة الكبرى كالوردة الحمراء وتنتشر منك رائحة طيّبة مسكية تعطّر الأرجاء بنفحات ربّك الأعلى، عند ذلك يحلّ كلّ مشكل ويحصل كلّ مأمول وتتربّى النّفوس وتتهذّب أخلاق العموم وتترقّى العقول ويتمكّن العَفَاف وحبّ الخير في قلوب متذكّرة بذكر الله وتعطّر نفحات الله كلّ الأقاليم والبلاد، فعليك باتّباع سنّة المسيح والسّلوك في ميدانه الفسيح واتّباع أهل الله في كلّ زمان ومكان، وأمّا السّياسيات أمور مؤقّتة جزئية لا طائل تحتها ولا يشتغل بها كلّ إنسان ذاق حلاوة محبّة الله…

* * *

يا من تعطّر مشامّه بنفحات من روح القدس، قد طالعت تحريرك الجديد وشكرت الرّبّ المجيد بما جعلك آية التّوحيد في قطر صعيد، فاحمد الله على هذه النّعمة العظمى واثنِ عليه من هذه الرّحمة الكبرى التي اختارك الله لها من بين أحزاب شتّى.

وأمّا إرسالك ترجمة الأوراق إلى الكونت (تولستوي) فنعم ما عملت، فخاطبْ كلَّ أمير أو عظيم أو فيلسوف شهير أو سياسيّ جليل; إنّ كلّ المبادئ السّامية بائدة فانية بل أوهام كسراب البقاع والصّور المرئية في المياه إلاّ مبدأ ملكوتيّ ومشروع إلهيّ وأفكار ربّانية وحكمة صمدانية وسنوحات رحمانية، تفكّر من يوم ظهور المسيح كم من حكماء مهرة وفلاسفة بررة وكرام سفرة وأرباب أفكار عالية وذوي همم سامية ومشاهير الآفاق ونوابغ القرون والأعصار جاؤوا وذهبوا ولا تسمع لهم صوتاً ولا صيتاً، ولكنّ المبدأ الرّحمانيّ والمشروع الرّبانيّ الذي بيّنه ووضعه المسيح هو أبديّ القرار سرمدي الآثار قوي الأركان متين البنيان لا يضعضعه طوارق الزّمان ولا يعتريه الفتور على ممرّ الدّهور والأعصار، فينبغي لك أيّها الأمير الجليل أن تؤسّس بنياناً في السّماء وتوقد سراجاً في الملإ الأعلى لأنّ أهل الغبراء يحبّون الظّلمة الدّهماء في اللّيلة اللّيلاء، ولا تغترّ بهياجهم وأمواجهم تالله الحقّ جعجعة من دون طحن ويعقبه المنّ كما سبق في القرون الأولى وعليك التّحية والثّناء…

(من «مكاتيب عبد البهاء» ص77 – 80، ص101 – 102، ص131 – 132)

3 - رسالة إلى الشّيخ الإمام محمّد بخيت

حمداً لمن أشرق أنواره وانكشف أسراره وشاع وذاع آثاره واستمرّت فيوضاته ودامت تجلّياته من الأزل إلى الأبد لا بداية لها ولا النّهاية، والتّحية والثّناء على الكلمة الجامعة والحقيقة السّاطعة ديباج كتاب الوجود وفصل الخطاب في اللّوح المحفوظ والرّقّ المنشور، من أسّس هذا البنيان العظيم ورفع العلم المبين يتموّج في الأوج الأعلى والذّروة العلياء الهادي إلى الصّراط المستقيم والدّالّ إلى المنهج القويم، فاهتزّ بذكره يثرب وسالت البطحاء، نبيّ الرّحمة وكاشف الغمّة وماحي ظلام الضّلال، فأشرقت الأرض بنور ربّها، خاتم النّبيّين المخاطب بـ«وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين» عليه التّحية والثّناء إلى أبد الآبدين.

وبعد أيّها النّحرير الجليل والفاضل النّبيل، إني رتّلت آيات حبّك في كتابك المبين وذقت حلاوة تلك العبارات بأدقّ المعاني النّاطقة بما يختلج في القلوب من عواطف الوفاء وصدق الولاء، فانشرح بها صدور المخلصين وانجذب بها قلوب الموحّدين فاستحكم بها روابط الوثوق التي لا انفصام لها، وتلك الرّوابط هو استغراق القلوب في عين اليقين والخلوص في الدّين والتّعطّش إلى حقّ اليقين في زمن أحاط الغبار المثار البصائر والأبصار، ولم يبق من الدّين إلاّ التّقاليد التي ما أنزل الله بها من سلطان وزلزلت الأرض زلزالها وتزعزعت أركان الشّريعة السّمحة البيضاء واتّخذوا هذا القرآن مهجوراً.

أين النّشأة الأولى؟ أين العروج إلى أوج العلا؟ أين السّعادة الكبرى؟ أين الظّهور على الدّين كلّه فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات، وهذه من سنّة الكون ولن تجد لسنتّه تبديلاً، لأنّ كلّ شيء ما سوى الله يعتريه الفتور ويتغيّر بمرور القرون والعصور ما عدا فيض الرّبّ الغفور المستمر على ممرّ الأعصار والدّهور، وقالت اليهود يد الله مغلولة غلّت أيديهم، فترى الآن أنّ الشّمس قد كُوّرت والكواكب انتثرت وآفاق الوجود أظلمت ووقعت الأمّة في سبات شديد غريقة في غمار بحار التّقليد، نسأل الله أن يبلج صبح الهدى ويجدّد الحياة بنفخة أخرى حتّى يرجع الفروع إلى الأصول ويتبدّل الهبوط بالصّعود وينتعش به العظم الرّميم ويحيى به من الموت الأليم أو كالذي مرّ على قرية، وكانت الأمّة قبلاً تقلّد العلماء الصّالحين وأصبحت الآن تقلّد المارقين إنّ هذا لكفران مبين، لا تصلح أواخر هذه الأمّة إلاّ بما صلح به أوائلها، ومن يهدِ اللهُ فهو المهتد ومن يضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، ربّنا إنّنا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربّكم فآمنّا، وعليك التّحية والثّناء.

(من «مكاتيب عبد البهاء» ص112 – 113).

 

4 - رسالة إلى الأستاذ الإمام الشّيخ محمّد عبده

الحمد لله الذي أنطق الورقاء بأحسن اللّغى في حديقة الرّحمن على الأغصان بأبدع الألحان، فاهتزّت وابتهجت وانتعشت وانجذبت من نغماتها الحقائق القدسية المجرّدة الصّافية التي انطبعت من أشعة ساطعة عن شمس الحقيقة واشتعلت بالنّار الموقدة من السّدرة الرّبانية في الحقيقة الإنسانية، عند ذلك هتفت بالتّهليل والتّكبير في ذكر ربّها العزيز القدير، وأطلقت اللّسان وقالت سبحان من أنطقها بثنائه في حديقة الوجود بمزامير آل داود وعلّمها حِكَمَه وأسراره وجعلها مهبط إلهامه ومشرق أنواره ومطلع آثاره، وذلّ كلُّ رقبة بقوّة بيانه وخضع كلّ عنق بظهور برهانه، وأصلّي وأسلّم على الحقيقة الكلّية الفائقة في بدء الوجود الفائضة على كلّ موجود، المبعوث في المقام المحمود المنعوت بالظّلّ الممدود في اليوم المشهود، الوسيلة العظمى والواسطة الكبرى صلوات الله عليه وآله في الآخرة والأولى.

أيّها الفاضل الجليل ذو المجد الأثيل، إن شئت الصّعود إلى الأوج الأعلى من دائرة الوجود فعليك ببصر حديد في هذا العصر المجيد حتّى ترى نور الهدى ساطعاً من الأفق الأعلى وأشرقت الأرض بنور ربّها، وتَعرَّضْ لنفحات الله فإنها من رياض القدس جنّة الفردوس واقصد وادي طوى بقلب منجذب إلى العلى تجد الهداية الكبرى على النّار الموقدة في الشّجرة المباركة النّاطقة في طور سيناء، وأخرج يداً بيضاء متلألئاً بالأنوار بين ملإ الأخيار، لعمرك أيّها النّحرير لمثلك النّاقد البصير يليق العروج إلى أعلى فلك البروج، فاخلع هذا الثّوب البالي الرّثيث والبس حلل التّقديس وانشر أجنحة العرفان واقصد ملكوت الرّحمن واستمع ألحان طيور القدس في أعلى فروع السّدرة المنتهى، لعمرك تحيي العظام الرّميم وتشفي صدوراً انشرحت بمحبّة الله ولها حظّ عظيم، دع الحيوة الدّنيا وشئونها التي تؤول إلى الفناء، وربّك الأعلى إنّها أحلام بل أوهام عند أولي النّهى، إنّما الحيوة حيوة الرّوح متحلّياً بالفضائل التي يوقد ويضيئ مصباحها في ملكوت الإنشاء ولله المثل الأعلى، وإن شئت حيوة طيبة فانثر بذر الحكمة في أرض طيّبة طاهرة لتنبت لك في كلّ حبة سبع سنابل خضر مباركة، وإن قصدت البنيان في صقع الإمكان فأنشئ صرحاً مجيداً مشيد الأركان أصله ثابت في النّقطة الجاذبة الوسطى في الحضيض الأدنى وأعلى غرفاتها في أوج الأثير الأسمى واشرب رحيق المعاني من الكأس الأنيق في الرّفيق الأعلى مركز دائرة الموهبة العظمى وقطب فلك المنحة الكبرى ومشرق الهدى ومطلع أنوار ربّك الأعلى. قسماً بشوقي إليك ما دعاني إلى بثّ هذا الحديث إلاّ جذبة حبّك وشدّة ولائك وشغف ودادك، واخترت لك أعظم آمالي التي قصّرت يداي عن نوالها ولا تؤاخذني في كشفي الغطاء عن وجه عطاء ربّك وما كان عطاء ربّك محظوراً، وانظر نظرة ممعن في القرون الأولى وشئونها وآثارها وأطوارها وأعيانها وما طرأت فيها من عجائب أحوالها وغرائب أسرارها واختلاف مشارب رجالها وتفاوت أذواق أعلامها، فإنّ أخبار الأسلاف تذكرة وعبرة للأخلاف ثم اختر لنفسك ما شئت، فعليك بثبات أمتن بنياناً وأجلى تبياناً وأعظم برهاناً وأقوى سلطاناً وأظهر نوراً وأكبر سروراً وأتمّ حبوراً وأشدّ نفوذاً وأحلى ذوقاً وأشدّ شوقاً وأسرع علاجاً وأقوم منهاجاً وأنور سراجاً وأعظم موهبةً وأكمل منحةً بل أقوى قوّة حياة وروح نجاة لجسد الإمكان، لعمرك كلّ من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام، إن استطعت أن تستظلّ في ظلّ الوجه أمنت الفناء وحظيت بالبقاء وتلئلأت في الأفق المبين بنور أضاء منه ملكوت السّموات والأرضين، وسينطوي بساط القبول ويمتدّ فراش الخمول ولا تذر السّيول إلاّ الطّلول ويهوي المترفون من القصور إلى القبور، وتأخذهم السّكرات وتشتدّ بهم الحسرات ولات حين مناص ولا تسمع لهم صوتاً ولا ركزاً، فأمّا الزّبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع النّاس فيمكث في الأرض، [في الذّاهبين الأوّلين من القرون لنا بصائر]، وإن كنت أيّدك الله بالرّأي السّديد والحذق الشّديد تفكّر في ما تعود به هذه الملّة البيضاء إلى نشأتها الأولى ومنزلتها السّامية العليا، قسماً بعاقد لوائها وشمس ضحاها ونور هداها ومؤسّس بنيانها ليس لها إلاّ قوّة ملكوتية إلهية تجدّد قميصها الرّثيث وتنبت عرقها الأثيث وتنقذها من حضيض سقوطها وهاء هبوطها إلى ميم مركزها وأوج معراجها ألا هي لها هي لها هي لها والسلام على من اتّبع الهدى.

(من «مكاتيب عبد البهاء» ص90 – 92).

 

5 - رسالة إلى الدّكتور أوغست فوريل

جناب البروفسور المحترم الدّكتور فورال المعظّم عليه بهاء الله الأبهى

أيّها الشّخص المحترم المفتون بالحقيقة

وصلت رسالتك المؤرّخة في الثّامن والعشرين من تمّوز 1921 وكانت مضامينها الطّيّبة دليلاً على أنّك ما زلت شابّاً تتحرّى الحقيقة وأنّ قواك الفكرية شديدة واكتشافاتك العقلية ظاهرة. إنّ الرّسالة التي كتبتها للدّكتور فيشر قد انتشرت ويعرف الجميع أنّها كتبت سنة 1910 وفضلاً عن هذه الرّسالة فقد كتبت رسائل متعدّدة بهذا المضمون قبل الحرب وقد أشير إلى هذه المسائل كذلك في جريدة جامعة سان فرانسيسكو وتاريخ تلك الجريدة يعرفه الجميع وكذلك الخطابة التي ألقيتها في الجامعة فيها الثّناء على الفلاسفة بعيدي النّظر في منتهى البلاغة وإنّا لنرسل إليكم نسخة من تلك الجريدة مع هذه الرّسالة.

هذا وإنّ مؤلفاتكم لا شك مفيدة لهذا نرجو إذا ما طبعت أن ترسلوا لنا نسخة من كلّ واحد منها.

إنّ المقصود بالطّبيعيين الذين ذكرت عقائدهم حول مسألة الألوهية هم فئة من الطّبيعيين ضيّقي النّظر عبدة المحسوسات المقيدين بالحواس الخمس والذين عندهم ميزان الإدراك هو ميزان الحسّ فقد اعتبروا المحسوس محتوماً وغير المحسوس معدوماً أو مشبوهاً حتى إنّهم يعتبرون وجود الألوهية أمراً مشكوكاً فيه بصورة كلّية وليس هذا رأي جميع الفلاسفة بصورة عامّة كما ذكرتم بل المقصود هم قصيرو النّظر من الطّبيعيين أمّا الفلاسفة الإلهيّون أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو فإنّهم جديرون بالاحترام ويستحقّون أقصى الثّناء لأنّهم قدّموا خدمات فائقة إلى العالم الإنساني وكذلك الفلاسفة الطّبيعيون المعتدلون الجهابذة ونحن نعتبر العلم والحكمة أساس ترقّي العالم الإنسانيّ ونثني على الفلاسفة ذوي النّظر البعيد، فأمعنوا النّظر في جريدة سان فرانسيسكو حتّى تتجلّى لكم الحقيقة.

أمّا القوى العقلية فهي من خصائص الرّوح كالشّعاع الذي هو من خصائص الشّمس فأشعة الشّمس هي في تجدّد مستمرّ ولكنّ نفس الشّمس باقية دون تغيير لاحظوا أنّ العقل الإنسانيّ في تزايد وتناقص ولربّما يزول العقل تماماً ولكنّ الرّوح على حالة واحدة وأنّ ظهور العقل منوط بسلامة الجسم فالجسم السّليم فيه عقل سليم، لكنّ الرّوح غير مشروطة بهذا الشّرط فالعقل يدرك ويتصوّر بقوّة الرّوح ولكنّ الرّوح قوة طليقة والعقل يدرك المعقولات بواسطة المحسوسات لكنّ الرّوح لها انكشافات غير محدودة فالعقل محدود في دائرة والرّوح غير محدودة والعقل له إدراكات بواسطة قوى الحسّ مثل قوّة البصر وقوّة السّمع وقوّة الذّوق وقوّة الشّمّ وقوّة اللّمس لكنّ الرّوح حرّة طليقة كما تلاحظون أنّها تسير في حالتي اليقظة والنّوم ولربّما حلّت في عالم الرّؤيا مسألة من المسائل الغامضة التي كانت عند اليقظة مسألة مجهولة ويتعطّل العقل عن الإدراك بتعطّل الحواس الخمس والعقل مفقود تماماً في حالة الجنين وحالة الطّفولة ولكنّ الرّوح في نهاية القوّة.

وخلاصة القول إنّ هناك أدلّة كثيرة على بقاء قوّة الرّوح بفقدان العقل، ولكنّ الرّوح لها مراتب ومقامات فهناك روح جمادية ومن المسلّم به أنّ الجماد له روح وله حياة ولكنه في حدود عالم الجماد كما اتّضح هذا السّرّ المجهول للطّبيعيّين، وهو أنّ جميع الكائنات لها حياة كما قال الله تعالى في القرآن الكريم «وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ» وكذلك في عالم النّبات هناك قوّة النّمو وقوّة النّمو هي الرّوح، وفي عالم الحيوان هناك قوّة الحسّ، لكنّ عالم الإنسان فيه قوّة محيطة وفي جميع هذه المراتب المذكورة ترى العقل مفقوداً لكنّك ترى ظهور الرّوح وبروزها، وإنّ قوى الحسّ لا تدرك الرّوح لكنّ القوّة العاقلة تستدلّ على وجودها وكذلك يستدلّ العقل على وجود حقيقة غير مرئية ومحيطة بالكائنات ولها ظهور وبروز في كلّ مرتبة من المراتب لكنّ حقيقتها فوق إدراك العقول. فرتبة الجماد لا تدرك حقيقة النّبات والكمال النّباتيّ وكذلك النّبات لا يستطيع إدراك حقيقة الحيوان والحيوان لا يستطيع إدراك حقيقة الإنسان الكاشفة التي تحيط بسائر الأشياء. والحيوان أسير للطّبيعة ولا يتجاوز عن قوانين الطّبيعة ونواميسها لكنّ ثمة قوّة كاشفة في الإنسان محيطة بالطّبيعة تحطّم قوانينها. فمثلاً إنّ جميع الجمادات والنّباتات والحيوانات أسيرة للطّبيعة، وهذه الشّمس على عظمتها أسيرة للطّبيعة إلى درجة لا إرادة لها مطلقاً ولا تستطيع أن تتجاوز عن قوانين الطّبيعة قيد شعرة. وكذلك سائر الكائنات من الجماد والنّبات والحيوان لا يستطيع أيّ واحد منها أن يتجاوز عن قوانين الطّبيعة بل إنّها جميعها أسيرة للطّبيعة، ولكنّ الإنسان ولو أنّ جسمه أسير للطّبيعة ولكنّ روحه وعقله طليقان وحاكمان على الطّبيعة. لاحظوا الإنسان تروه مخلوقاً ترابيّاً متحرّكاً ذا روح لكن روح الإنسان وعقله يكسران قانون الطّبيعة فيصبح طيراً ويطير في الهواء أو يشقّ صفحات البحار بكمال السّرعة ويسير في أعماق البحار كالأسماك ويقوم باكتشافات بَحْرية وهذا كسر عظيم لقانون الطّبيعة.

وكذلك القوّة الكهربائية فهذه القوّة العاتية العاصية التي تشقّ الجبل شقّاً قد حبسها الإنسان داخل زجاجة وفي هذا خرق لقانون الطّبيعة. وكذلك أسرار الطّبيعة المكنونة التي ينبغي أن تبقى مخفية بحكم الطّبيعة قد كشفها الإنسان وجاء بها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود. وهذا كذلك خرق لقانون الطّبيعة وكذلك خواص الأشياء هي من أسرار الطّبيعة التي يكشفها الإنسان، وكذلك الحوادث الماضية الّتي فقدت من عالم الطّبيعة صار يكشفها الإنسان، وكذلك الحوادث المقبلة التي صار يكشفها الإنسان عن طريق الاستدلال في حين أنّها لا تزال مفقودة في عالم الطّبيعة، وإنّ المخابرة والمراسلة تنحصر بالمسافات القريبة وفقاً لقانون الطّبيعة، ولكنّ الإنسان صار بتلك القوّة المعنوية الكاشفة لحقائق الأشياء يتخابر من الشّرق إلى الغرب فهذا أيضاً خرق لقانون الطّبيعة. وكذلك الظّلّ شيء زائل وفقاً لقانون الطّبيعة ولكنّ الإنسان صار يثبّت الظّلّ في الزّجاج وهذا خرق لقانون الطّبيعة، فأمعنوا النّظر تروا أنّ جميع العلوم والفنون والصّناعات والاختراعات والاكتشافات كانت من أسرار الطّبيعة ويجب أن تبقى مستورة وفقاً لقانون الطّبيعة، ولكنّ الإنسان بقوّته الكاشفة يخرق قانون الطّبيعة ويأتي بهذه الأسرار المكنونة من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود وهذا خرق لقانون الطّبيعة، وخلاصة القول إنّ تلك القوّة المعنوية غير المرئية في الإنسان تأخذ السّيف من يد الطّبيعة وتضرب به هامة الطّبيعة، وإنّ سائر الكائنات على ما هي عليه من العظمة محرومة من هذه الكمالات، وللإنسان قوّة إرادة وشعور ولكنّ الطّبيعة محرومة من ذلك والطّبيعة مجبرة والإنسان مختار والطبيعة عديمة الشعور ولكن الإنسان ذو شعور، وإنّ الطّبيعة تجهل الحوادث الماضية ولكنّ الإنسان عليم بها والطّبيعة تجهل الحوادث المستقبلة ولكنّ الإنسان بقوّته الكاشفة لعالم الطّبيعة يعلم بكلّ شيء. ولو يخطر على بال شخص سؤال بأنّ الإنسان جزء من عالم الطّبيعة وهو جامع لهذه الكمالات التي هي صور لعالم الطّبيعة. إذاً فالطّبيعة مالكة لهذه الكمالات لا فاقدة لها فنقول له في الجواب: إنّ الجزء تابع للكلّ وليس من الممكن أن تكون في الجزء كمالات محروم منها الكلّ والطّبيعة هي عبارة عن الخواصّ والروابط الضّرورية المنبعثة من حقائق الأشياء، وهذه الحقائق مهما كانت في نهاية الاختلاف ولكنّها على غاية الارتباط، وهذه الحقائق المختلفة تلزمها جهة جامعة لها وتربطها جميعها ببعضها فمثلاً أركان الإنسان وأعضاؤه وأجزاؤه وعناصره في نهاية الاختلاف، ولكنّ الجهة الجامعة المعبّر عنها بالرّوح الإنساني تربطها بعضها ببعض جميعاً ليتمّ التّعاون والتّعاضد بينها بصورة منتظمة وتتمّ جميع الأعضاء تحت قوانين منتظمة هي سبب بقاء الوجود، لكن جسم الإنسان لا علم له بهذه الجهة الجامعة أبداً في حين أنّه يقوم بإرادتها على إيفاء وظيفته.

أمّا الفلاسفة فهم قسمان، ومنهم سقراط الحكيم الذي كان يؤمن بالوحدانية الإلهية وببقاء الرّوح بعد الموت. ولمّا كانت عقيدته تخالف آراء العوام ضيّقي النّظر لذا فقد أشربوه السّمّ. وعندما نظر جميع الفلاسفة الإلهيّين والعقلاء والعلماء إلى هذه الكائنات التي لا نهاية لها لاحظوا أنّ نهاية هذا الكون الأعظم تنتهي إلى عالم الجماد وتنتهي نهاية عالم الجماد إلى عالم النّبات وتنتهي نهاية عالم النّبات إلى عالم الحيوان وتنتهي نهاية عالم الحيوان إلى عالم الإنسان، وإنّ هذا الكون الوسيع الذي لا نهاية له تنتهي نهايته إلى الإنسان، وهذا الإنسان بعد أيّام من المحن والآلام التي تتناهى في النّشأة الإنسانية يتلاشى ويزول دون أثر أو ثمر. وإذا كان الأمر كذلك فإنّ هذا الكون الذي لا يتناهى في جميع كمالاته ينتهي إلى اللّغو والهذيان دون أيّة نتيجة. إذاً أيقنوا على أنّ الأمر ليس كذلك ولن ينتهي هذا المصنع على ما هو عليه من العظمة والشوكة المحيّرة للعقول وعلى ما هو عليه من هذه الكمالات إلى الهذيان. ومن المؤكّد أنّ هناك نشأة أخرى، فكما أنّ عالم النّبات ليس له خبر عن نشأة عالم الإنسان فكذلك نحن لا خبر لنا عن تلك النّشأة الكبرى بعد النّشأة الإنسانية، ولكن عدم الإطّلاع ليس بدليل على عدم الوجود، وكما أنّ عالم الجماد لا خبر له تماماً عن عالم الإنسان ويستحيل عليه إدراكه فإنّ عدم إدراكه ليس بدليل على عدم الوجود. وهناك دلائل قاطعة متعدّدة على أنّ هذا العالم غير المتناهي لا ينتهي إلى الحياة الإنسانية. أمّا حقيقة الألوهية فهي في الواقع حقيقة مجرّدة تجرّداً حقيقيّاً فهذا يعني أنّ إدراكها مستحيل لأنّ كلّ ما يقع تحت التّصوّر إنّما هو حقيقة محدودة لا حقيقة غير متناهية ومُحاط وليس بمحيط ويكون إدراك الإنسان فائقاً عليه ومحيطاً به. ومن المؤكّد كذلك أنّ التّصوّرات الإنسانية حادثة لا قديمة ولها وجود ذهنيّ لا وجود عينيّ وفضلاً عن هذا فإنّ تفاوت المراتب في حيّز الحدوث مانع عن الإدراك إذاً فكيف يدرك الحادث الحقيقة القديمة؟ وكما قلنا إنّ تفاوت المراتب في حيز الحدوث مانع للإدراك فالجماد والنّبات والحيوان لا خبر لها عن قوى الإنسان العقلية الكاشفة لحقائق الأشياء ولكنّ الإنسان مطّلع على هذه المراتب جميعها فكلّ مرتبة عالية محيطة بالمرتبة الدّانية والكاشفة لحقيقتها ولكنّ المرتبة الدّانية لا خبر لها بالمرتبة العالية ومستحيل عليها الاطّلاع عليها.

لهذا فالإنسان لا يستطيع أن يتصوّر حقيقة الألوهية ولكنّه يعتقد بحقيقة حضرة الألوهية عن طريق القواعد العقلية والنّظرية والمنطقية والاستنتاجات الفكرية والاكتشافات الوجدانية ويكشف الفيوضات الإلهية ويوقن بأنّ حقيقة الألوهية مهما كانت غير مرئية ومهما كان وجود الألوهية غير محسوس فإنّ هناك أدلّة قاطعة إلهية تحكم بوجود تلك الحقيقة غير المرئية. لكنّ تلك الحقيقة كما هي هي مجهولة النّعت فمثلاً المادّة الأثيرية موجودة ولكنّ حقيقتها مجهولة وهي محتومة بآثارها والحرارة والضّوء والكهرباء هي تموّجاتها، ومن هذه التّموّجات يثبت وجود المادّة الأثيرية. ونحن عندما ننظر إلى الفيوضات الإلهية نوقن بوجود الألوهية، فمثلاً نلاحظ أنّ وجود الكائنات عبارة عن تركيب العناصر الفردية وأنّ فناء الكائنات عبارة عن تحليل عناصرها لأنّ التّحليل سبب تفريق العناصر الفردية. إذاً فنحن عندما ننظر إلى تركيب العناصر نشاهد أنّ كائناً من الكائنات جاء للوجود من كلّ تركيب وأنّ الكائنات غير متناهية وأنّ المعلولات غير متناهية إذاً فكيف تصبح العلّة فانية؟

إنّ التّركيب ينحصر في ثلاثة أقسام لا رابع لها: تركيب تصادفيّ وتركيب الزّاميّ وتركيب إراديّ. أمّا تركيب عناصر الكائنات فليس تركيباً تصادفيّاً لأنّ المعلول لا يأتي للوجود بدون علّة، ثمّ إنّ تركيب عناصر الكائنات ليس تركيباً الزّاميّاً لأنّ التّركيب الإلزاميّ هو ذاك التّركيب الذي ينتج من اللّوازم الضّرورية للأجزاء المركّبة واللّزوم الذّاتي لأيّ شيء لا ينفكّ عنه مثل النّور الذي يظهر الأشياء وكذلك الحرارة التي تمدد العناصر وشعاع الشّمس هما من لوازم الشّمس الذّاتية. وعلى هذه الصّورة يكون تحليل كلّ تركيب مستحيلاً لأنّ اللّزوم الذّاتيّ لا ينفكّ عن كلّ كائن. والآن بقي النّوع الثّالث من التّركيب وهو التّركيب الإراديّ وهو أن تكون فيه قوّة غير مرئية يسمّونها القدرة القديمة هي السّبب في تركيب هذه العناصر ويحصل من كلّ تركيب كائن من الكائنات. وأمّا الإرادة والعلم والقدرة والصّفات القديمة التي نعتبرها من كمالات تلك الحقيقة اللاّهوتية هي من مقتضيات آثار وجوده في حيّز الشّهود وليست الكمالات الحقيقة للألوهية المطلقة التي لا يمكن إدراك كنهها. فمثلاً عندما نلاحظ في الكائنات كمالات غير متناهية وندرك أنّ الكائنات على شأن كبير من الانتظام والكمال نقول إنّ تلك القدرة القديمة التي نسب إليها وجود هذه الكائنات قوّة ليست جاهلة إذاً فهي عالمة وهي لاشك غير عاجزة إذاً فهي قديرة وهي لا شكّ غير فقيرة إذاً فهي غنية وهي لا شك غير معدومة إذاً فهي موجودة.

وخلاصة القول إنّ هذه النّعوت التي نحسبها لتلك الحقيقة الكلّية هي مجرد سلب النّقائص عنها لا ثبوت للكمالات التي يتصورها الإنسان في حيّز إدراكه ولهذا نقول إنّها مجهولة النّعت. والخلاصة إنّ تلك الحقيقة الكلّية مع جميع نعوتها وأوصافها التي نحصيها مقدّسة ومنزّهة عن العقول والإدراكات، ولكنّنا عندما ننظر في هذا الكون غير المتناهي نظرة شاملة دقيقة نلاحظ أنّ الحركة والمتحرّك أشياء مستحيلة بدون المحرِّك وأنّ المعلول ممتنع ومحال بدون العلّة وأنّ كلّ كائن من الكائنات قد تكوّن تحت تأثير مؤثرات عديدة متفاعلة بعضها مع بعض دائماً، وتلك المؤثّرات حصلت كذلك بتأثير مؤثّرات أخرى فمثلاً النّبات حصل بفيض سحابة الرّبيع وتمّ انباته ولكنّ السّحابة نفسها حصلت من تدابير مؤثّرات أخرى وتلك المؤثّرات كذلك من تأثير مؤثّرات أخرى فمثلاً النّباتات والحيونات نشأت ونمت من عنصرَيْ النّار والماء، اللّذين يسمّيهما فلاسفة هذه الأيّام بإسمَيْ الأوكسجين والهيدروجين، أي أنّها وُجدت من تربية وتأثير هذين المؤثّرين ونفس هذين العنصرين هما تحت تأثير مؤثّرات أخرى، وكذلك سائر الكائنات لها هذا التّسلسل من المؤثّرات والمتأثّرات. ومن الثّابت بالبراهين بطلان التّسلسل إذاً فلا بد أن تنتهي هذه المؤثّرات والمتأثّرات إلى الحيّ القدير الذي هو الغنيّ المطلق والمقدّس عن المؤثّرات. وتلك الحقيقة الكلّية غير محسوسة وغير مرئية ويجب أن تكون كذلك لأنّها محيطة لا محاطة. ومثل هذه الأوصاف صفات للمعلول لا للعلّة وعندما ندقّق النّظر نلاحظ أنّ الإنسان كالميكروب الصّغير الموجود في الفاكهة، فتلك الفاكهة وجدت من برعم والبرعم نبت في الشّجرة والشّجرة نشأت ونمت من مادّة سائلة وتلك المادّة السّائلة حصلت من التّراب والماء. ولكن كيف يستطيع هذا الجرثوم الصّغير أن يدرك حقائق ذلك البستان ويفهم البستانيّ ويدرك حقيقة ذلك البستانيّ ومن الواضح أنّ هذا مستحيل، ولكنّ ذلك الميكروب لو كان ذكيّاً لفهم أنّ هذا البستان وهذه الشّجرة وهذا البرعم وهذه الثّمرة لم تحصل بهذا الانتظام والكمال من نفسها لنفسها. وبمثل هذا يوقن الإنسان العاقل الذّكيّ أنّ هذا الكون الذي لا نهاية له لم يحصل بهذه العظمة والانتظام من نفسه لنفسه، وكذلك وجدت القوى غير المرئية في حيّز الإمكان ومنها القوّة الأثيرية وهي كما مرّ ذكره غير محسوسة وغير مرئية ولكنّها ظاهرة ثابتة من آثارها أي من تموّجات ومن اهتزازات الضّوء والحرارة والكهرباء، وكذلك قوّة النّموّ وقوّة الإحساس وقوّة العقل وقوّة التّفكير وقوّة الحفظ وقوّة التّخيّل وقوّة الكشف. فهذه القوى المعنوية كلّها غير مرئية وغير محسوسة ولكنّها ظاهرة ثابتة بآثارها.

وأمّا القوة غير المحدودة فإنّ نفس المحدود دليل على وجود غير المحدود لأنّ المحدود ولا شكّ يعرف بغير المحدود، كما أنّ نفس العجز دليل على وجود القدرة ونفس الجهل دليل على وجود العلم ونفس الفقر دليل على وجود الغنى فلو لم يكن الغنى لما كان الفقر أيضاً ولو لم يكن العلم لما كان الجهل ولو لم يكن النّور لما كانت الظّلمة فنفس الظّلمة دليل على النّور لأنّ الظّلمة هي عدم النّور. أمّا الطّبيعة فهي عبارة عن الخواصّ والرّوابط الضّرورية المنبعثة من حقائق الأشياء وهذه الحقائق غير متناهية ومهما كانت في منتهى الاختلاف في ما بينها لكنّها غاية في الائتلاف وفي أقصى الارتباط من جهة أخرى. وعندما توسّع نظرتك وتلاحظ ملاحظة دقيقة توقن أنّ كلّ حقيقة هي من اللّوازم الضّرورية لسائر الحقائق. إذاً فيستلزم هذا وجود جهة جامعة لارتباط هذه الحقائق المختلفة وائتلافها حتى يوفي كلّ جزء من أجزاء الكائنات وظيفته بمنتهى الانتظام. فمثلاً لاحظوا الإنسان واستدلّوا من الجزء على الكلّ لاحظوا هذه الأعضاء والأجزاء المختلفة في الهيكل الإنسانيّ تروا ما أعظم ارتباطها وائتلافها بعضها ببعض وكلّ جزء هو من اللّوازم الضّرورية لسائر الأجزاء وله وظيفة مستقلّة ولكنّ الجهة الجامعة وهي العقل يربطها جميعا ربطاً بدرجة تفي بوظائفها وفاءً منتظماً ويحصل التّعاون والتّعاضد والتّفاعل بينها، وأنّ حركتها جميعاً تحت قوانين هي من اللّوازم الوجودية لها. فإذا حصل في تلك الجهة الجامعة التي هي مدبّرة لهذه الأجزاء خلل وفتور فلا شكّ أن تحرم الأعضاء والأجزاء من إيفاء وظائفها إيفاءً منتظماً ومع أنّ تلك القوّة الجامعة في الهيكل الإنسانيّ غير محسوسة وغير منظورة وحقيقتها مجهولة ولكنّها من حيث الآثار ظاهرة باهرة بكلّ قوّة. إذاً ثبت واتّضح أنّ هذه الكائنات غير المتناهية في العالم العظيم كلّ واحد منها يتوفّق في أداء وظيفته عندما يكون تحت إدارة حقيقية كلّية حتى ينتظم هذا العالم. وخذ مثلاً التّفاعل والتّعاضد والتّعاون بين الأجزاء المكوّنة للوجود الإنسانيّ فإنّ هذا شيء مشهود لا يقبل النّكران لكنّ هذا التّفاعل والتّعاضد والتّعاون غير كاف بل يحتاج جهة جامعة تدير هذه الأجزاء وتدبّرها حتّى تقوم هذه الأجزاء المركّبة بإيفاء وظائفها اللاّزمة بالتّعاون والتّفاعل والتّعاضد إيفاء منظماً. وأنتم ولله الحمد مطّلعون على أنّ بين جميع الكائنات تفاعلاً وتعاضداً كليّاً وجزئيّاً ولكنّ التّفاعل بين الكائنات العظيمة واضح وضوح الشّمس ولو أنّ التّفاعل مجهول بين الكائنات الجزئية ولكنّ الجزء قياس للكلّ إذاً فجميع هذه التّفاعلات مرتبطة بقوّة محيطة وهي المحور والمركز والمحرّك لهذه التّفاعلات. وكما قلنا إنّ التّعامل والتّعاضد بين أجزاء الهيكل الإنسانيّ شيء ثابت وإنّ هذه الأعضاء والأجزاء تخدم جميع الأعضاء والأجزاء الأخرى فمثلاً اليد والقدم والعين والأذن والفكر والتّصور تساعد جميع الأعضاء والأجزاء لكنّ جميع هذه التّفاعلات ترتبط بقوّة واحدة غير مرئية محيطة ومنها تحصل هذه التّفاعلات بصورة منتظمة وتلك هي القوّة المعنوية في الإنسان وهي عبارة عن الرّوح والعقل وهي غير مرئية. وكذلك لاحظوا المعامل والمصانع تروا تفاعل جميع الآلات والأدوات وارتباطها ببعضها البعض ولكنّ جميع هذه الرّوابط والتّفاعلات مرتبطة بقوّة عمومية هي المحرّك والمحور والمصدر لهذه التّفاعلات وتلك القوّة هي البخار أو مهارة العامل. إذاً اتّضح وتحقّق أنّ التّفاعل والتّعاضد والارتباط بين الكائنات هو تحت إدارة وإرادة قوية محرّكة واحدة هي المصدر والمحرّك والمحور للتّفاعل بين الكائنات وكذلك كلّ تركيب وترتيب لا نراه مرتّباً ومنظّماً نسمّيه تركيباً تصادفيّاً ونسمّي كلّ تركيب وترتيب منظّم ومرتّب وفي منتهى الكمال في الارتباط أي يقع كلّ جزء منه في موقع ضروري لسائر الأشياء نسميه تركيباً تركّب وترتّب بإرادة وبشعور. لا شكّ أنّ هذه الكائنات غير متناهية وأنّ تركيب هذه العناصر الفردية التي انحلّت في صور غير متناهية صدر عن حقيقة ليست فاقدة الشّعور ولا مسلوبة الإرادة. وهذا شيء ثابت وواضح لدى العقل وليس هناك مجال للإنكار ولكن مقصودنا هو أنّنا أدركنا تلك الحقيقة الكلّية عن طريق الصّفات ولكنّنا لم ندرك الحقيقة ذاتها ولا صفاتها الحقيقية ومع هذا نقول إنّ هذه الكائنات غير متناهية وهي روابط ضرورية وإنّ هذا التّركيب التّامّ الكامل غير صادر عن مصدر فاقد للإرادة والشّعور وإنّ هذا التّركيب غير المتناهي الذي انحلّ في صور غير متناهية مبنيّ على حكمة كلّية وهذه قضية غير قابلة للنّكران اللّهمّ إلاّ أن يقوم الإنسان على إنكار المعاني الواضحة الباهرة بالعناد واللّجاج ويكون مصداق الآية الكريمة ﴿صمّ بكم عمي فهم لا يرجعون﴾.

أمّا القول بأنّ القوى العقلية والرّوح الإنسانيّ شيء واحد فإنّ القوى العقلية من خصائص الرّوح مثل قوّة التّخيّل ومثل قوّة التّفكير ومثل القوّة المدركة فهي من خصائص الحقيقة الإنسانية كما أنّ شعاع الشّمس من خصائص الشّمس والهيكل الإنسانيّ بمثابة مرآة والرّوح بمثابة الشّمس والقوى العقلية بمثابة الأشّعة التي هي فيض من فيوضات الشّمس ولربمّا تنقطع الأشعّة عن المرآة وتنفكّ عنها لكنّ أشعة الشّمس لا تنفكّ عن الشّمس. وخلاصة القول أنّ مقصودنا هو أنّ العالم الإنسانيّ بالنّسبة لعالم النّبات كنسبة عالم ما وراء الطّبيعة إلى عالمنا وفي الحقيقة لا نسبة له بما وراء الطّبيعة ولكنّ حقيقة الإنسان وقوّة سمعه وبصره بالنّسبة للنّبات هي بمثابة ما وراء الطّبيعة ومن المستحيل على النّبات أن يدرك حقيقة الإنسان وماهية القوّة العاقلة وكذلك يستحيل على البشر إدراك حقيقة الألوهية وحقيقة نشأة الحياة بعد الموت. لكنّ فيوضات الحقيقة الرّحمانية تشمل جميع الكائنات ويجب على الإنسان أن يفكّر ويتأمّل في الفيوضات الإلهية التي منها الرّوح لا في حقيقة الألوهية فإنّ هذا منتهى إدراكات العالم الإنسانيّ وكما سبق أن ذكرنا أنّ هذه الأوصاف والكمالات التي نحصيها لحقيقة الألوهية إنمّا نقتبسها من وجود الكائنات وشهودها لا أنّنا أدركنا الحقيقة الإلهية. فإذا قلنا إنّ حقيقة الألوهية مدركة ومختارة فليس ذلك يعني أنّنا أكتشفنا إرادة الألوهية واختيارها بل اقتبسنا ذلك من فيوضات الألوهية الظّاهرة في حقائق الأشياء. أمّا مسائلنا الاجتماعية أي تعاليم حضرة بهاء الله التي انتشرت قبل خمسين سنة فإنّها جامعة لجميع المبادئ ومن الواضح أنّ نجاح العالم الإنسانيّ وفلاحه مستحيل بدون هذه التّعاليم كلّ الاستحالة وكلّ فرقة من الفرق في العالم الإنسانيّ ترى نهاية آمالها موجودة في هذه التّعاليم السّماوية وهذه التّعاليم بمثابة شجرة تحمل جميع الأثمار بصورة أكمل وأتمّ، فمثلاً يشاهد الفلاسفة المسائل الاجتماعية بصورة أكمل وأتمّ في هذه التّعاليم السّماوية وكذلك يشاهدون فيها المسائل الفلسفية بصورة أسمى وأشرف وبصورة مطابقة للحقيقة، وكذلك يشاهد أهل الأديان حقيقة الدّين في هذه التّعاليم السّماوية مشاهدة العيان وتثبت لهم بالأدلة القاطعة والحجج الواضحة أنّها العلاج الحقيقيّ لعِلَل وأمراض الهيئة الاجتماعية في العالم الإنسانيّ وعند انتشار هذه التّعاليم العظيمة تنجو الهيئة الاجتماعية بأسرها من جميع الأخطار والعِلَل والأمراض المزمنة.

وكذلك مسألة الاقتصاد البهائيّ فهي منتهى آمال العمّال ومنتهى مقصود الأحزاب الاقتصادية والخلاصة أنّ جميع الأحزاب تنال نصيبها من تعاليم حضرة بهاء الله وعندما تعلن هذه التّعاليم في الكنائس والمساجد وسائر معابد الملل الأخرى حتّى البوذيّين والكونفوشيوسيّين ونوادي الأحزاب المختلفة حتّى المادّيّين ترى الكلّ يعترفون بأنّ هذه التّعاليم سبب الحياة الجديدة للعالم الإنسانيّ وهي العلاج الفوريّ لجميع أمراض الهيئة الاجتماعية ولا ينتقدها أيّ إنسان بل بمجرد الاستماع إليها تطرب النّفوس وتذعن بأهمية هذه التّعاليم وتقول «هذا هو الحقّ وما بعد الحقّ إلاّ الضّلال المبين».

وفي ختام الكلام أكتب إليكم الكلمات التّالية وهي الحجّة والبرهان القاطع على الجميع فأمعنوا النّظر فيها: إنّ قوّة إرادة كلّ ملك مستقل تنفذ في أيّام حياته وكذلك قوّة إرادة كلّ فيلسوف تؤثّر في أيّام حياته في نفر قليل من تلامذته أمّا قوّة الرّوح القدس الظّاهرة الباهرة في حقائق الأنبياء وقوّة إرادة الأنبياء هي على شأن من النّفوذ بحيث تراها نافذة آلاف السّنين في ملّة عظيمة وتراها تؤسّس خلقاً جديداً وتنقل العالم الإنسانيّ من عالم قديم إلى عالم آخر جديد فلاحظوا أية قوّة هذه القوّة الخارقة للعادة فإنّه برهان وافٍ على حقيقة الأنبياء وحجّة بالغة على قوّة الوحي وعليكم البهاء الأبهى.

حيفا 21 أيلول 1921

(خطب عبد البهاء في أوربا وأمريكا، ص11 – 24).

6 - رسالة إلى مجمع الصّلح العمومي في هولندا

إلى أعضاء مجمع الصّلح العمومي في هولندا

أيّها المجمع المحترم في العالم الإنسانيّ،

من أجل نواياكم الخيّرة ومقاصدكم السّامية يجب على جميع البشر أن يتقدّموا بشكرهم إليكم ويكونوا ممتنّين راضين منكم لأنّكم قمتم ببذل مثل هذه الهمّة التي أصبحت سبب راحة عموم البشر.

إنّ راحة عالم الخليقة ورخاءه يتمّان عن طريق تحسين الأخلاق العامّة للعالم الإنسانيّ وإنّ أعظم وسيلة لتربية الأخلاق هي علوّ الهمّة وتوسّع الأفكار ويجب دعوة العالم الإنسانيّ إلى هذه المنقبة العظيمة.

لاحظوا أنّ المبادئ الأصلية المرعية من قبل كلّ فرد من أفراد البشر هي جلب المنفعة لنفسه ودفع الضّرر عنها فهو يفكّر في راحته وسروره ويتمنّى الانفراد في معيشته ويبذل الجهد حتى يتفوّق على جميع الأفراد الآخرين في الرّاحة والثّروة والعزّة. هذا أمل كلّ فرد من أفراد البشر وهذا منتهى الدّناءة والبؤس وإسفاف الرّأي.

إنّ الإنسان حين يترقّى أقلّ رقيّ فكريّ وتسمو همّته يجب أن يكون في صدد جلب المنفعة لعموم عائلته ودفع الضّرر عنها، لأنّه يرى في راحة عموم عائلته ورخائها سعادة نفسه وعندما يتّسع فكره أكثر وتسمو همّته سموّاً أكثر يفكّر في جلب المنفعة إلى أبناء جنسه ووطنه وفي دفع الضّرر عنهم ولكنّ هذه الهمّة وهذا الرّأي مهما كانا مفيدين للفرد ولعائلته أو حتّى لعموم أبناء أمّته ووطنه فإنّهما يؤدّيان إلى الضّرر بسائر الأمم لأنّ الفرد يسعى بكلّ جوارحه إلى قصر جميع منافع العالم الإنسانيّ على ملّته وحصر جميع ما على الأرض من فوائد في عائلته وتخصيص سعادة جميع العالم الإنسانيّ لنفسه ويعتقد أنّه كلّما تدنّت سائر الدّول المجاورة ارتقت أمّته ووطنه حتّى يصبح بهذه الطّريقة متفوّقاً على جميع ما سواه في القوّة والثّروة والاقتدار.

أمّا الإنسان الإلهيّ والشّخص السّماويّ فهو براء من هذه القيود وإنّ سعة أفكاره وسموّ همّته في منتهى الدّرجات وتتّسع دائرة أفكاره اتّساعاً بحيث يرى منفعة عموم البشر أساساً لسعادة كلّ فرد من أفراد البشر، ويرى ضرر كلّ الملل والدّول ضرر دولته وأمّته، بل ضرر عائلته، بل ضرر نفسه بالذّات، ولهذا فهو يجهد بجسمه وبروحه ليجلب السّعادة والمنفعة لعموم البشر ويدفع الضّرر عن عموم الملل ويسعى في ترقية عموم البشر ونورانيّتهم وسعادتهم ولا يفرّق في المعاملة لأنّه يرى العالم الإنسانيّ عائلة واحدة وعموم الملل أفراد تلك العائلة بل إنّه يرى الهيئة الاجتماعية البشرية كشخص واحد ويعتبر كلّ ملّة من الملل عضواً من أعضاء ذلك الجسم. ينبغي للإنسان أن يبلغ بسمو همّته إلى درجة يخدم الأخلاق العامّة، ويكون سبب عزّة العالم الإنسانيّ في حين أنّ الأمر في هذا اليوم على العكس من ذلك. فجميع ملل العالم تفكّر في ترقية نفسها وانحطاط الآخرين بل إنها فوق ذلك تفكّر في جلب النّفع لنفسها والضّرر للآخرين وتحسب هذا تنازعاً على البقاء وتقول هذا أساس فطريّ في العالم الإنسانيّ ولكنّ هذا خطأ كبير، بل لا يوجد خطأ أعظم من هذا.

سبحان الله إنّ التّعاون والتّعاضد لدى بعض الحيوان يؤدّي إلى بقائها. لاحظوا أنّها تتسابق في موارد الخطر في إبداء المعونة لبعضها. ففي ذات يوم كنت واقفاً على شاطئ نهر صغير، وكانت أسراب من الجراد تريد عبوره لتحصل على رزقها ولم تكن لها بعد أجنحة لتطير بها ولهذا هجم ذلك الجراد عديم الجناح وتسابق فألقى بنفسه في الماء ليشكّل ما يشبه الجسر من هذا الجانب إلى ذلك الجانب، فعبر الجراد الآخر فوقه ووصل من جانب النّهر إلى الجانب الآخر، ولكنّ ذلك الجراد الذي شكّل جسراً فوق سطح الماء هلك. لاحظوا هذا هو التّعاون على البقاء لا التّنازع على البقاء.

وإذا كانت للحيوانات مثل هذه الاحساسات الشّريفة فكيف يجب أن يكون عليه الإنسان وهو أشرف الكائنات؟ وماذا يليق به أن يعمله ولا سيّما أنّ التّعاليم الإلهية والشّرائع السّماوية تجبر الإنسان على هذه الفضيلة.

إنّ جميع الامتيازات القومية والتّقسيمات الوطنية والانفرادية العائلية والقيود الشّخصية مذمومة مردودة عند الله، وقد بُعث جميع أنبياء الله ونزّلت جميع الكتب السّماوية من أجل هذه المزية والفضيلة، وانحصرت جميع تعاليمهم الإلهية في إزالة هذه الأفكار النّفعية الانفرادية وتحسين الأخلاق في العالم الإنسانيّ وتأسيس المساواة والمواساة بين عموم البشر حتّى يفدي كلّ فرد من الأفراد بروحه للآخرين. هذا هو الأساس الإلهيّ وهذه هي الشّريعة السّماوية.

ولا يمكن تأسيس مثل هذا الأساس المتين إلاّ بقوّة كلّية قاهرة للاحساسات البشرية لأنّ كلّ قوّة تعجز دون ذلك إلاّ قوّة الرّوح القدس، ونفثات الرّوح القدس، فإنّها تغيّر الإنسان تغييراً إلى درجة تبدّل أخلاقه فينال الولادة الثّانية ويتعمّد بنار محبّة الله التي هي محبّة عموم الخلق ويتعمّد بنار الحياة الأبدية وبالرّوح القدس.

إنّ الفلاسفة الأوّلين الذين بذلوا أقصى الهمّة في تحسين الأخلاق وجاهدوا بأرواحهم وقلوبهم قد تمكّنوا فقط من تربية أخلاق أنفسهم لا أخلاق العموم. راجعوا التّاريخ يتّضح لكم ذلك.

أمّا قوّة الرّوح القدس فأنّها تحسّن الأخلاق العامّة وتنير العالم الإنسانيّ وتمنح السّموّ الحقيقي وتربّي عموم البشر. إذاً يجب أن يبذل محبو الخير للعالم جهودهم حتّى يجذبوا تأييدات الرّوح القدس بالقوّة الجاذبة.

وأملي أن يقتبس ذلك المجمع المحترم الخيريّ في العالم الإنسانيّ الأنوار من شمس الحقيقة ويصبح سبباً في تربية أخلاق عموم البشر.

وأملي أن يقع احترامي لتلك الهيئة العالية القدر موقع القبول.

(خطب عبد لبهاء في أوروبا وأمريكا، ص34 – 37).

7 - رسالة إلى المنظّمة المركزية للسلام الدّائم - جواب عبد البهاء إلى جمعية لاهاي

أيّها المحترمون السّابقون في محبة الخير للعالم الإنسانيّ لم تصل خطاباتكم التي أرسلتموها أثناء مدّة الحرب. وفي هذه الأيّام وصل مكتوب بتاريخ 11 فبراير سنة 1916 وفوراً أحرّر الجواب. ولمّا كان قصدكم خدمة العالم الإنسانيّ فهو لذلك مستحقّ لألف مدح وثناء لأنّه سبب الرّاحة والاطمئنان لعموم بني الإنسان. وقد أثبتت هذه الحرب الأخيرة للعالم والعالمين أنّ الحرب خراب والصّلح العموميّ عمران، وأنّ الحرب ممات والصّلح حياة، وأنّ الحرب وحشية وسفك دماء والصّلح مودّة وإنسانية، وأنّ الحرب من مقتضيات العالم الطّبيعيّ والصّلح من أساس الدّين الالهيّ، وأنّ الحرب ظلمة في ظلمة والصّلح نور سماويّ، وأنّ الحرب هادمة للبنيان الإنسانيّ والصّلح حياة أبدية للعالم الإنسانيّ، وكأنّ الحرب ذئب ضارٍ والصّلح ملاك سماويّ. وفي الحرب منازعة البقاء وفي الصّلح التّعاون والتّعاضد بين الملل في هذا العالم، وهو سبب رضاء الحقّ في عالم السّماء. وما من إنسان إلاّ ويشهد له وجدانه بأنّه لا يوجد اليوم في العالم الإنسانيّ أمر أعظم من الصّلح العموميّ. يشهد بذلك كلّ منصف ويقدّس جمعيّتكم المحترمة لأنّ نيّتكم أن تتبدّل هذه الظّلمة بالنّور، وهذا الكفاح بالمودّة، وهذه النّقمة بالنّعمة، وهذه المشقّة بالرّحمة، وأن ينقلب هذا البغض والعداوة بالألفة والمحبّة، ولذلك كانت همّتكم أيّها المحترمون مستحقّة لكلّ مدح وإطراء.

إلاّ أنّه من المعلوم عند أولي الأبصار والمطّلعين على الرّوابط الضّرورية المنبعثة من حقائق الأشياء أنّ الأمر الواحد لا يستحكم نفوذه في حقيقة الإنسان كما يليق وينبغي. ولا يتحقّق أيّ أمر عظيم إلاّ بأن تتّحد العقول البشرية فالصّلح العموميّ في هذا اليوم أمر عظيم ولكن لا بد لتأسيس مثل هذا الأمر العظيم من اتحّاد الوجدان ليكون الأساس متيناً والبنيان رزيناً. ولذلك بيّن حضرة بهاء الله مسألة الصّلح العموميّ منذ خمسين سنة في وقت كان فيه مسجوناً في قلعة عكّا مظلوماً محصوراً وكتب لجميع الملوك بيان هذا الأمر العظيم يعني الصّلح العموميّ وأسّس قواعده في الشّرق فيما بين أحبّائه. وبينما كان أفق الشّرق في ظلام حالك وكانت الملل في نهاية البغض والعداوة مع بعضهم البعض وأهل الأديان ظمأى لدماء بعضهم، وبينما كان العالم ظلمة في ظلمة إذ طلع حضرة بهاء الله من أفق الشّرق كالشّمس المشرقة وأضاء بلاد إيران بتعاليمه.

فكان من جملة تعاليمه إعلان (الصّلح العموميّ). والذين اتبّعوه من كلّ ملة ودين ومذهب أصبحوا مجتمعين على نهاية المحبة وبلغت الدّرجة أنّهم شكّلوا محافل عظيمة مكوّنة من جميع الملل والأديان في الشّرق بحيث كلّ من دخل محفلهم كان يراهم ملّة واحدة ويرى تعليمهم تعليماً واحداً ومسلكهم مسلكاً واحداً وترتيبهم ترتيباً واحداً لأنّ تعاليم حضرة بهاء الله لم تكن منحصرة في تأسيس الصّلح العموميّ وحده بل له تعاليم كثيرة في سبيل تأييد ومعاونة الصّلح العموميّ.

فمن جملة هذه التّعاليم (تحرّي الحقيقة) لينجو العالم الإنسانيّ من ظلمة التّقاليد ويصل إلى الحقيقة فيخلع هذا الثّوب الرّثيث الذي ارتداه آلافاً من السّنين ويمزّقه ويلقيه ويلبس القميص الذي هو في نهاية التّقديس والتّنزيه والذي نسج بأصابع الحقيقة. ولمّا كانت الحقيقة واحدة فهي لا تقبل التّعدّد ولذلك تنتهي الأفكار المختلفة إلى فكر واحد.

ومن جملة تعاليم حضرة بهاء الله (وحدة العالم الإنسانيّ). لأنّ جميع البشر أغنام الله والله هو الرّاعي الرّؤوف فهو محبّ لجميع أغنامه لأنّه خلق الكلّ وربّاهم ورزقهم رزقاً حسناً وحفظهم فلا شكّ أنّ هذا الرّاعي رؤوف بجميع أغنامه. فإذا كان بين الأغنام جهلاء وجب تعليمهم أو أطفال وجبت تربيتهم حتّى يصلوا إلى درجة البلوغ. ولو كان منهم مرضى فينبغي معالجتهم ولا ينبغي بغضهم أو معاداتهم بل يلزم معالجة المرضى الجهلاء كما يعالج الطّبيب الرّؤوف.

ومن جملة تعاليم حضرة بهاء الله أنّ الدّين يجب أن يكون سبب الألفة والمحبّة فإذا كان الدّين سب الكُلْفة فلا لزوم له.

ومن جملة تعاليم حضرة بهاء الله أنّ الدّين يجب أن يطابق العلم والعقل حتّى يكون له نفوذه في قلوب البشر ويكون ذا أساس متين فلا يكون عبارة عن التّقاليد.

ومن جملة تعاليم حضرة بهاء الله أنّ التّعصّب الدّينيّ والتّعصّب الجنسيّ والتّعصّب السّياسيّ والتّعصّب الاقتصاديّ والتّعصّب الوطنيّ كلّها هادمة للبنيان الإنسانيّ وما دامت هذه التّعصّبات موجودة فلا راحة للعالم الإنسانيّ. فتاريخ العالم الإنسانيّ يخبرنا أنّه في مدّة ستّة آلاف سنة الماضية لم يفرغ العالم الإنسانيّ من الحرب والضّرب والقتل وسفك الدّماء ففي كلّ وقت وفي كلّ إقليم قامت الحروب وتلك الحروب انبعثت من التّعصّبات فإمّا من تعصّب دينيّ أو تعصّب جنسيّ أو تعصّب سياسيّ أو تعصّب وطنيّ. فأصبح إذاً من الثّابت المحقّق أنّ جميع التّعصّبات هادمة للبنيان الإنسانيّ وما دامت هذه التّعصّبات موجودة فإنّ منازعة البقاء تستولي على النّفوس وتستمرّ أعمال الافتراس والكفاح فلا ينجو إذن العالم الإنسانيّ من ظلمات الطّبيعة ولا يستنير إلاّ بترك التّعصّب والتّحلّي بالأخلاق الملكوتية. فكما ذكرنا من قبل لو كان التّعصّب تعصّباً ملّيّاً فجميع نوع البشر ملّة واحدة والجميع نبتوا من شجرة آدم وآدم أصل الشّجرة والشّجرة واحدة. وهؤلاء الملل إنّما هم بمنزلة الأغصان وأفراد الإنسان بمنزلة الأوراق والأزهار والأثمار.

فتشكيل الملل المتعدّدة إذاً وقيامهم على بعض بالكفاح وسفك الدّماء وهدم البنيان الإنسانيّ بهذه الأسباب ناتج من جهل الإنسان ومن الأغراض النّفسانية. وأمّا التّعصّب الوطنيّ فكذلك جهل محض لأنّ وجه الأرض وطن واحد وكلّ إنسان يمكنه أن يعيش في أيّ بقعة من بقاع الأرض فجميع الأرض إذاً وطن للإنسان وهذه الحدود والثّغور أوجدها الإنسان ولم تتعيّن في أصل الخلقة حدود ولا ثغور، فأورودا قطعة واحدة وآسيا قطعة واحدة وأفريقيا قطعة واحدة وأمريكا قطعة واحدة وأستراليا قطعة واحدة. إلاّ أنّ بعضاً من النّفوس نظراً لمقاصد شخصية ومنافع ذاتية قسّموا كلاًّ من هذه القطعات واحتسبوا هذه الأقسام وطناً لهم فلم يخلق الله أيّ فاصلة بين فرنسا وألمانيا بل كلتاهما متّصلة بالأخرى. نعم حصل في القرون الأولى أنّ بعضاً من النّفوس من أهل الغرض عيّنوا لهم حدوداً وثغوراً نظراً لمصالحهم الذّاتية وازدادت يوماً فيوماً أهميةً حتّى صارت في القرون التّالية سبباً في العداوة الكبرى والنّزاع والقتال والافتراس وستكون كذلك إلى ما شاء الله. وإذا بقيت هذه الأفكار الوطنية محصورة ضمن هذه الدّائرة فإنّها تكون أول عامل في خراب العالم. ولا يذعن بمثل هذه الأوهام عاقل ولا منصف. أفهل نجعل كلّ قطعة محصورة وطناً خاصّاً ونسميه بأوهامنا أُمّاً لنا مع أنّ كرة الأرض هي أُمّ الكلّ لا تلك القطعة المحصورة؟

وخلاصة القول إنّنا نعيش فوق هذه الأرض بضعة أيام ثمّ نتوارى فيها في التّراب وتكون لنا قبراً أبدياً أفهل يليق بنا أن نقوم على بعضنا بالكفاح وسفك الدّماء بسبب هذا القبر الأبديّ؟ حاشا وكلاّ إنّ الله لا يرضى بذلك ولا يذعن لهذا العمل إنسان عاقل. انظروا إلى الحيوانات المستأنسة إنّها ليس عندها نزاع وطني بل تعيش مع بعضها مجتمعة بنهاية الألفة والوفاق. مثلاً إذا اجتمع بالتّصادف حمام شرقيّ وحمام غربيّ وحمام شماليّ وحمام جنوبيّ في آن واحد فإنّها جميعاً تتآلف على الفور وكذلك جميع الحيوانات المستأنسة من الدّواب والطيّور ولكنّ الحيوانات المفترسة بمجرد تقابلها تتقاتل وتتحارب وتقطّع بعضها إرباً فلا يمكن أن تعيش مع بعضها البعض في بقعة واحدة فهي دائماً متفرّقة متهوّرة متحاربة متنازعة.

وأمّا التّعصّب الاقتصادي فمن المعلوم أنّه كلّما ازدادت الرّوابط بين الملل وتكرّرت مبادلة الأمتعة فإنّ كلّ مبدأ اقتصاديّ يتأسّس في أيّ إقليم لابد وأن يسري في النّهاية إلى سائر الأقاليم ويصبح من المنافع العمومية فأيّ فائدة إذاً في ذلك التّعصّب.

وأمّا التّعصّب السّياسيّ فيجب اتّباع السّياسة الإلهية لأنّه من المسلّم أنّ السّياسة الإلهية أعظم من السّياسة البشرية فعلينا أن نتّبع السّياسة الإلهية لأنّها على السّواء بالنّسبة لجميع أفراد الخلق بدون تفاوت وهي أساس الأديان الإلهية.

ومن جملة تعاليم حضرة بهاء الله (إيجاد لسان واحد) يكون عامّاً بين البشر وقد صدر هذا التّعليم من قلم حضرة بهاء الله منذ خمسين سنة حتّى يكون هذا اللّسان العموميّ سبباً لإزالة سوء التّفاهم بين جميع البشر.

ومن جملة تعاليم حضرة بهاء الله (وحدة النّساء والرّجال) فللعالم الإنسانيّ جناحان أحدهما الرّجال والآخر النّساء وما لم يتساوَ الجناحان لا يقدر الطّير على الطّيران وإذا ضعف أحد الجناحين امتنع الطّيران وما لم يتساوَ عالم النّساء بعالم الرّجال في تحصيل الفضائل والكمالات فالفلاح والنّجاح كما يليق وينبغي ممتنع محال.

ومن جملة تعاليم حضرة بهاء الله المواساة بين البشر وهذه المواساة أعظم من المساواة وهي أن لا يرجّح الإنسان نفسه على غيره بل يفدي نفسه وماله للغير ولكن بشرط أن لا يكون ذلك بطريق الجبر والعنف حتّى يكون قانوناً يجبر عليه الإنسان بل أن يكون فداء المال والرّوح للغير عن طيب خاطر وخلق فطريّ فينفق على الفقراء بغير أن يكون مجبوراً بل بمحض رغبته كما هو الحال في إيران بين البهائيّين.

ومن جملة تعاليم حضرة بهاء الله حرّية الإنسان ليتخلص وينجو من أسر عالم الطّبيعة بقوّة معنوية لأنّ الإنسان متى كان أسيراً للطّبيعة فهو حيوان مفترس لأنّ منازعة البقاء من خصائص عالم الطّبيعة ومسألة منازعة البقاء هذه هي ينبوع جميع البلايا وهي النّكبة الكبرى.

ومن جملة تعاليم حضرة بهاء الله أنّ الدّين هو الحصن الحصين فإذا تزلزل بنيان الدّين ووهنت قوائمه انفتحت أبواب الهرج والمرج واختلّ كلّية نظام الأمور لأنّه يوجد في العالم الإنسانيّ رادعان يحفظانه من ارتكاب الرّذائل أحدهما القانون القاضي بعذاب وعقاب المجرم ولكنّ القانون يمنع ارتكاب الجرائم الظّاهرة المشهودة ولا يردع عن الجرائم الخفية. وأمّا الدّين الإلهيّ الرّادع المعنوي فيردع عن ارتكاب الجريمة الظّاهرة والجريمة المخفية كلتيهما ويربّي الإنسان ويهذّب أخلاقه ويجبره على الفضائل وهو أعظم جهة جامعة تكفل سعادة العالم الإنسانيّ ولكنّ المقصد من الدّين هو الدّين التّحقيقيّ لا الدّين التّقليديّ وهو أساس الأديان الإلهية لا التّقاليد البشرية.

ومن جملة تعاليم حضرة بهاء الله أنّ المدنية المادّية ولو كانت من وسائط ترقّي العالم الإنسانيّ لا ينتج منها السّعادة البشرية ما لم تنضمّ إليها المدنية الإلهية. انظروا إلى هذه السّفن المدرّعة التي تخرّب مدينة في ساعة واحدة إنّها من نتائج المدنية المادّية وكذلك مدافع كرود وكذلك بنادق ماوزر وكذلك الدّيناميت وكذلك الغواصات تحت البحر وكذلك التّورديد وكذلك السّيارات المدرّعة والطيارات التي تقذف النّيران فجميع هذه الآلات من سيّئات المدنية المادّية أمّا لو كانت المدنية الإلهية منضمّة إلى المدنية المادّية فما كان يوجد أيّ نوع من هذه الآلات الجهنّمية بل تتحوّل جميع القوى البشرية إلى الاختراعات النّافعة وتنحصر في الاكتشافات الفاضلة فالمدنية المادّية كالزّجاج والمدنية الإلهية كالسّراج فالزّجاج لا يضيء دون السّراج والمدنية المادّية كالجسد مهما كان في نهاية الطّراوة واللّطافة والجمال إنّه ميّت ولكنّ المدنية الإلهية كالرّوح وبهذه الرّوح يحيا هذا الجسم وإلاّ يصبح جيفة. إذاً صار من المعلوم أنّ العالم الإنسانيّ محتاج لنفثات روح القدس وبدون هذه الرّوح يكون العالم الإنسانيّ ميّتاً وبدون هذا النّور يكون العالم الإنسانيّ ظلمة في ظلمة لأنّ عالم الطّبيعة عالم حيوانيّ. وما لم يولد الإنسان ولادة ثانية من عالم الطّبيعة، أي ما لم ينسلخ من عالم الطّبيعة فهو حيوان محض فالتّعاليم الإلهية هي التي تجعل هذا الحيوان إنساناً.

ومن جملة تعاليم حضرة بهاء الله تعميم المعارف فيجب على قدر اللّزوم تعليم كلّ طفل (أنواع) العلوم وإذا كان الأبوان مقتدرين على مصاريف التّعليم فبها وإلاّ فتلزم الهيئة الاجتماعية على تهيئة الوسائط اللاّزمة لتعليم ذلك الطّفل.

ومن جملة تعاليم حضرة بهاء الله العدل والحقّ وما لم يتحقّق ذلك في حيّز الوجود تختل جميع الأمور ويتعوّق سيرها ويكون العالم الإنسانيّ عالم الظّلم والعدوان وعالم التّعدي والبطلان.

والخلاصة إنّ أمثال هذه التّعاليم كثيرة. وهذه التّعاليم المتعدّدة التي هي الأساس الأعظم لسعادة العالم الإنسانيّ والتي هي من السّنوحات الرّحمانية يجب أن تنضمّ إلى مسألة الصّلح العموميّ وتمتزج به حتّى تظهر نتيجتها وإلاّ فتحقُّق مسألة الصّلح العموميّ بمفردها في العالم الإنسانيّ مستصعب. ولمّا كانت تعاليم حضرة بهاء الله ممتزجة مع مبدأ الصّلح العموميّ فهي بمنزلة المائدة التي فيها من كلّ أنواع الأطعمة النّفيسة وفي مائدة النّعمة الأبدية هذه تجد كلّ نفس مشتهياتها. وأمّا إذا انحصر الأمر في مسألة الصّلح العموميّ فلا تحصل النّتائج العظيمة كما هو المأمول والمقصود. فلا بدّ إذاً من ترتيب دائرة الصّلح العموميّ بحيث يجد فيها جميع فرق العالم وأديانه آمالهم ورغائبهم. والآن تحتوي تعاليم حضرة بهاء الله على جميع آمال ورغائب فرق العالم سواء كانت دينية أو سياسية أو أخلاقية وسواء كانت من الفرق القديمة أو الحديثة فالجميع يجدون في تعاليم حضرة بهاء الله منتهى آمالهم ورغائبهم فمثلاً يجد أهل الأديان في تعاليم حضرة بهاء الله تأسيس دين عموميّ في غاية الموافقة للحالة الحاضرة وفيه على الحقيقة علاج فوري لكلّ مرض مستعص وفيه دواء لكلّ داء وهو ترياق أعظم لكلّ سمّ نقيع لأنّه إذا أردنا أن ننظّم العالم الإنسانيّ ونرتّبه ونؤسّس سعادة العالم الإنسانيّ على مقتضى التّقاليد الحاضرة للأديان لوجدنا ذلك غير ممكن بل مستحيلاً. مثلاً يستحيل اليوم إجراء أحكام التّوراة وهكذا سائر الأديان بسبب التّقاليد الموجودة ولكن الأساس الأصلي لجميع الأديان الإلهية المتعلقة بفضائل العالم الإنسانيّ والذي هو سبب السّعادة للعالم البشريّ موجود في تعاليم حضرة بهاء الله على نحو أكمل وكذلك الملل التي تنشد الحرية يجدون في تعاليم حضرة بهاء الله تلك الحرية المعتدلة الكافلة لسعادة العالم الإنسانيّ والضّابطة للرّوابط العمومية بكمال الوسعة والقوّة. وكذلك الأحزاب السّياسية تجد في تعاليم حضرة بهاء الله أعظم سياسة للعالم الإنسانيّ بل يجدون فيها السّياسة الإلهية. وكذلك أحزاب المساواة وطلاب الاقتصاد. فللآن جميع المسائل الاقتصادية التي جاء بها كلّ حزب غير قابلة للتّنفيذ والإجراء ما عدا المسألة الاقتصادية الموجودة في تعاليم حضرة بهاء الله فإنّها وحدها هي القابلة للإجراء على مقتضاها ولا يحدث منها أيّ اضطراب للهيئة الاجتماعية وكذلك سائر الأحزاب. فإنّكم لو دققتم النّظر لوجدتم أقصى رغائب تلك الأحزاب موجوداً في تعاليم حضرة بهاء الله فهذه التّعاليم هي القوّة الجامعة بين جميع البشر وهي التي تقبل الإجراء على مقتضاها. ولكن بعض التّعاليم السّابقة كأحكام التّوراة يستحيل اليوم السّير على مقتضاها قطعياً. وهكذا الحال في سائر الأديان وأفكار الفرق المختلفة والأحزاب المتنوّعة.

مثلاً حضرة بهاء الله يقول في مسألة الصّلح العموميّ إنّه يلزم تشكيل محكمة كبرى لأنّ جمعية الأمم مهما تشكلّت لا تقدر أن تقوم بمأمورية الصّلح العموميّ. وأمّا المحكمة الكبرى التي بيّنها حضرة بهاء الله فيمكنها الوفاء بهذه الوظيفة المقدّسة بغاية القدرة والقوّة. وذلك بأن تنتخب المجالس الملّية في كلّ دولة وملّة أي البرلمانات شخصين أو ثلاثة بحسب كثرة أو قلة تعداد الملّة ويكون هؤلاء المنتخبون من نخبة تلك الأمّة ومن المطّلعين على جميع القوانين والحقوق الدّولية والملّية ومن المتفنّنين في الفنون والواقفين على احتياجات العالم الإنساني الضّرورية في هذه الأيّام. ويكون انتخاب هؤلاء الأشخاص بمعرفة المجالس الملّية أي البرلمانات ويصادق على انتخابهم أيضاً مجلس الأعيان ومجلس الشّيوخ وهيئة الوزراء ورئيس الجمهورية أو الإمبراطور حتّى يكون هؤلاء الأشخاص منتخبين من عموم الملّة والدّولة ثم تتشكّل المحكمة الكبرى من هؤلاء المنتخبين فيشترك بذلك فيها جميع العالم البشريّ لأنّ كلّ واحد من هؤلاء المندوبين يمثّل الملّة بتمامها فإذا حكمت هذه المحكمة الكبرى في مسألة من المسائل بين الملل إمّا بالاتّفاق أو بالأكثرية فلا تبقى هناك حجة لمدّع ولا اعتراض لمدّعى عليه ومتى تعلّلت دولة من الدّول أو ملّة من الملل أو تراخت في إجراء تنفيذ حكم المحكمة الكبرى يقوم العالم الإنسانيّ ضدّها لأنّ جميع الدّول وملل العالم تكون مؤيِّدة وظهيرة لحكم هذه المحكمة الكبرى. فانظروا ما أمتن هذا الأساس ولكنّ الجمعية المحدودة المحصورة لا يحصل منها الغرض المطلوب كما هو المأمول وهذا هو بيان حقيقة الحال.

والآن انظروا إلى تعاليم حضرة بهاء الله ما أقواها! فبينما كان حضرته في سجن عكّا وتحت تضييق وتهديد ملكيْن سفّاحيْن انتشرت تعاليمه بكمال القوّة في إيران وسائر البلدان مع أنّ أيّ تعليم من التّعاليم أو أيّ مبدأ من المبادئ أو فرقة من الفرق إذا وقعت تحت تهديد سلطنة قاهرة سفّاحة فإنّها تضمحّل في أقلّ زمان وقد مضى الآن خمسون عاماً والبهائيّون في إيران في أكثر الدّيار تحت التّضييق التّامّ وتهديد السّيف والسّنان واستشهد الآلاف منهم في مشهد الفداء وقُتلوا بسيف الظّلم والعدوان واقتلع بنيان آلاف من العائلات المحترمة وتيتّمت آلاف من الأطفال وأصبح آلاف من الرّجال فاقدي الأبناء وصاحت آلاف من الأمهات بالعويل والصّياح في جنائز أبنائهن الذين ذُبحوا. وجميع هذا الظّلم والعدوان والوحشية وسفك الدّماء لم تؤثر في انتشار تعاليم حضرة بهاء الله ولم يحصل منها أيّ فتور بل ازدادت يوماً فيوماً في الانتشار وفي ظهورها بالقوّة والاقتدار.

(ولعلّ بعضاً من الإيرانيين) من حديثي المطامع يأخذ مضامين ألواح حضرة بهاء الله أو مفاهيم مكاتيب عبد البهاء وينسبها إلى نفسه ويرسلها باسمه إلى تلك الجمعية المحترمة فعليكم أن تنتبهوا إلى هذه النّكتة لأنّ أيّ إيرانيّ يطلب بزعمه الشّهرة أو لمقصد آخر يأخذ مضامين ألواح حضرة بهاء الله بتمامها وينشرها باسمه أو باسم فرقته كما وقع ذلك في مؤتمر اتّحاد الأجناس الذي انعقد في لندن قبل الحرب فإنّ شخصاً إيرانيّاً أخذ مضامين ألواح حضرة بهاء الله وورد في هذا المؤتمر وألقى خطبة باسمه ونشرها مع أنّها كانت عيناً عبارة حضرة بهاء الله والبعض من أمثال هؤلاء النّفوس سافروا إلى أورودا وصاروا سبباً في تخديش أذهان أهالي أورودا وتشويش أفكار البعض من المستشرقين. فعليكم أن تلاحظوا هذه النّكتة لأنّه قبل ظهور حضرة بهاء الله لم يُسمع من هذه التّعاليم كلمة واحدة في إيران فحقّقوا ذلك ليتّضح ويظهر لكم هذا الأمر. وإنّ بعضاً من النّفوس كأنّهم الببّغاء يتعلّمون كلّ نغمة ويردّدونها وهم بأنفسهم غافلون عمّا يقولون. ويوجد فرقة الآن في إيران عبارة عن أنفس معدودة يدعون بالبابيّين وينسبون أنفسهم لحضرة الباب ولكن ليس عندهم خبر بالكلّية عن حضرة الباب ولهم تعاليم خفية مخالفة بالكلّية لتعاليم بهاء الله وهي معروفة في إيران ولكنّهم عندما يذهبون إلى أوروبا يخفون تعاليمهم ويتظاهرون بتعاليم حضرة بهاء الله لعلمهم بأنّ تعاليم حضرة بهاء الله نافذة فيشهرون تعاليم حضرة بهاء الله هذه باسمهم أمّا تعاليمهم الخفية فيقولون أنّها مستفادة من كتاب البيان وكتاب البيان من حضرة الباب وإنّكم إذا تحصّلتم على ترجمة كتاب البيان الذي ترجم في إيران تطّلعون على الحقيقة. وتعلمون أنّ تعاليم بهاء الله مباينة بالكلّية لتعاليم هذه الفرقة فإيّاكم أن تغفلوا عن هذه النّكتة وإذا أردتم زيادة التّحرّي عن الحقيقة فاستفسروا من إيران.

(وبالجملة) إنّ الإنسان إذا سافر وسار في جميع العالم فكلّ ما يراه معموراً فهو من آثار الألفة والمحبة وكلّ ما يراه مطموراً فمن نتائج البغض والعداوة، ومع ذلك فإنّ العالم البشريّ لم ينتبه ولم يصحُ من نوم غفلته هذه وإلى الآن مستمرّ في أفكار الاختلاف والنّزاع والجدال فهو يهيئ صفوف القتال ويجول في ميادين الحرب والجدال وكذلك من ينظر في أحوال الكون والفساد والوجود والعدم يرى أنّ كلّ كائن من الكائنات مركّب من أجزاء متنوّعة متعدّدة وأنّ وجود كلّ شيء فرع من تركيبه. يعني إذا تركّبت العناصر البسيطة فإنّه يتشكّل من كلّ تركيب كائن، ووجود الموجودات سار على هذا المنوال. وإذا حصل اختلال في ذلك التّركيب وتحلّلت وتفرّقت أجزاؤه فإنّ ذلك الكائن ينعدم يعني أنّ انعدام أيّ شيء عبارة عن تحليل عناصره وتفريقها. إذاً كلّ ائتلاف وتركيب فيما بين العناصر يكون سبباً للحياة وكلّ اختلاف وتفريق يكون سبباً للممات وبالجملة. إنّ تجاذب الأشياء وتوافقها سبب حصول الثّمرة والنّتيجة المستفادة، وأمّا التّنافر والتّخالف في الأشياء فهو سبب حصول الانقلاب والاضمحلال. فمن التّآلف والتّجاذب تتحقّق جميع الكائنات ذات الحياة كالنّبات والحيوان والإنسان. ومن التّخالف والتّنافر يحصل فيها الانحلال ويبدو عليها الاضمحلال. ولهذا كلّما كان سبب الائتلاف والتّجاذب والاتّحاد بين البشر فهو حياة العالم الإنسانيّ وكلّما كان سبب الاختلاف والتّنافر والتّباعد فهو علة ممات النّوع البشريّ. فإذا مررت على مزرعة ووجدت فيها الزّرع والنّبات والورد والرّيحان مرتّباً مؤنّقاً تزدهي من كلّ الألوان فذلك دليل على أنّ هذه المزرعة وهذا البستان نبت وترتّب بتربية بستانيّ كامل، وأمّا إذا وجدته متفرّقاً خالياً عن التّرتيب والنّظام فذلك دليل على حرمانه من البستانيّ الماهر بل هو حشائش وأعشاب طبيعية فأصبح إذاً من الواضح أنّ الألفة والالتئام دليل على تربية المربي الحقيقيّ وأمّا التّفرق والتّشتّت فبرهان التّجرد والحرمان من التّرتيب الإلهيّ.

فإذا اعترض معترض بأنّ الطّوائف والأمم والشعوب والملل في العالم مختلفة الآداب والرّسوم والأذواق والطّبائع ومتباينة في الأخلاق والأفكار والعقول والآراء وأنّه مع هذا الاختلاف والتّباين كيف تحصل الوحدة الحقيقية والاتّحاد التّامّ بين البشر فنقول له جواباً على ذلك إنّ الاختلاف على نوعين الأوّل اختلاف يكون سبباً في الانعدام كاختلاف الملل المتنازعة والشّعوب المتبارزة التي تمحي بعضها بعضاً وتهلك الحرث والنَّسل وتسلب الرّاحة والهناء وتشتغل بسفك الدّماء والافتراس وهذا مذموم. وأمّا الاختلاف الآخر الذي هو عبارة عن التّنوّع فهذا هو عين الكمال وسبب ظهور موهبة ذي الجلال. انظروا إلى أوراد الحدائق فمهما اختلفت أنواعها وتفاوتت ألوانها وتباينت صورها وأشكالها ولكن لمّا كانت تسقى من ماء واحد وتنمو من نسيم واحد وتتربّى من حرارة وضياء شمس واحدة لهذا يكون اختلافها وتنوّعها سبباً في ازدياد البهجة والرّونق لبعضها البعض وهذا الاختلاف في الآداب والرّسوم والعادات والأفكار والآراء والطّبائع سبب لزينة العالم الإنسانيّ وهذا أمر ممدوح وكذلك هذا التّنوّع والاختلاف كالتّفاوت والتّنوّع في أجزاء وأعضاء الإنسان فهو سبب لظهور الجمال والكمال لأنّه لمّا كانت هذه الأعضاء والأجزاء المتنوّعة تحت نفوذ سلطان الرّوح وكانت الرّوح سارية في جميع الأعضاء والأجزاء وسلطانها في جميع العروق والشّريانات فإنّ هذا التّنوّع والاختلاف مؤيّد للمحبة والائتلاف. وهذه الكثرة أعظم قوّة للوحدة ولو كانت أوراد حديقة من الحدائق ورياحينها وأثمارها وأزهارها وأوراقها وأغصانها وأشجارها من نوع واحد ولون واحد وتركيب واحد وترتيب واحد فلا يكون لها لطافة ولا حلاوة بأيّ وجه ولكنها لمّا كانت من حيث الألوان والأوراق والأزهار والأثمار مختلفة الأشكال لذلك كان كلّ منها سبباً للزّينة والبهجة لسائر الألوان وأصبحت الحديقة أنيقة ظاهرة بنهاية اللّطافة والطّراوة والحلاوة كذلك التّفاوت والتّنوّع في الأفكار والأشكال والآراء والطّبائع والأخلاق في العالم الإنسانيّ لو يكون في ظلّ قوّة واحدة ونفوذ كلمة الوحدانية فإنّه يظهر في نهاية العظمة والجمال والعلو والكمال فاليوم لا يمكن جمع العقول بغير قوّة كلمة الله المحيطة على حقائق الأشياء والأفكار والقلوب والأرواح في العالم الإنسانيّ تحت ظلّ شجرة واحدة فهي النّافذة في كلّ الأشياء. وهي المحرّكة للنّفوس وهي الضّابطة الرّابطة للعالم الإنسانيّ فنورانية كلمة الله مشرقة والحمد لله على جميع الآفاق في هذا اليوم وورد في ظلّها من كلّ الفرق والطوائف والملل والشّعوب والقبائل والأديان والمذاهب حتّى أصبحوا مجتمعين متّحدين متّفقين بنهاية الائتلاف تحت ظلّ كلمة الوحدانية.

(منشورة في كتاب سليم قبعين بعنوان «عبد البهاء والبهائية» ص80 – 92).

8 - رسالة إلى خليل بك ثابت

وأرسل بواسطة الشّيخ فرج الله زكي الكردي، إلى حضرة النّحرير الشّهم الجليل سعادة خليل بك ثابت المحرّر بالمقطّم الرّسالة الآتية:

«أيّها الفاضل الجليل المحترم، إنّي لا أزال لا أنسى ذكرى الأيّام التي سلفت وأنا متلذّذ باللّقاء متمتّع بحديث هو من معدن الوفاء وأدعو الله ليلاً نهاراً وأتمنّى له التّأييد سرّاً وجهراً.

فهذا الذي دعاني إلى تحرير هذا المرسوم وإظهار ما هو مضمر في الضّمائر والقلوب أن في الزّبر والألواح من بهاء الله منصوص إنّ الجرائد مرايا للحقيقة السّاطعة، كاشفة لحقائق الأمور تنثر الفرائد تهدي الجمهور إلى الحقائق، اللّهمّ إذا كان مبدؤها ومنشؤها عدلاً لا تأخذه في الله لومة لائم، تنبئ بالحوادث التي لم يطّلع أحد عليها صدقاً وعدلاً فيترنّح المخلصون من معانيها الرّحيق المختوم، وإذا أنبأت وحدّثت وأخبرت بالحقيقة اللاّمعة إنّها لشمس ساطعة الفجر بأنوار الحقيقة على الأقطار الشّاسعة وكاشفة للظّلام الدّيجور عن جميع الأمور في الرّقّ المنشور، ألم ترَ أنّ الكائنات كلّها لم تتجلّ في حيّز الشّهود إلاّ بطلوع الشّمس عليها في كلّ أصيل وبكور، وأسأل الله أن يجعلك مروّجاً للحقيقة المتجلّية في الوجود بأحسن معانيها في عالم الشّهود.

وعليك التّحية والثّناء.

1 شباط / فبراير، سنة 1920

(منشورة في كتاب سليم قبعين بعنوان «عبد البهاء والبهائية» ص130 – 131).

9 - رسالة إلى سليم أفندي قبعين

ولما توفّي طيّب الذّكر الجليل الأثر الأستاذ العلاّمة والبحر الفهّامة والمؤرّخ المدقّق الشّيخ ميرزا أبو الفضل أحد أقطاب البهائية في القاهرة رثيتُه بمقالة في جريدة المقطّم الغرّاء وأرسلتُ لحضرة المولى عبّاس أفندي رسالة تعزية بذلك الفقيد الجليل فتلطّف المولى وأرسل إليّ هذه الرّسالة الآتية وهي:

أيّها الحبيب الوفي والصّديق الحميم المحترم سليم أفندي قبعين

إنّي اطّلعت بمضامين كتابكم تعزية بوفاة الرّجل الجليل أبي الفضائل، نعم الخصال ثبوتكم على المحبّة والوفاء والمودّة والولاء نعم إنّه ليس بالعزيز على يراعتك النّاضجة أن تصطفي من أروع وجوه البلاغة أسنى مظاهر الوفاء في رثاء أبي الفضائل حامل السّراج النّورانيّ. وإنّما الأعزّ في نفسك سريان ينبوع الإخلاص من بحر وجدانك. وأنت عليم بأنّ خير ما تمتزج عنده الأنفس وتناجى لديه الأرواح سباق القلوب حوالي ذكرى روح نازلة بين سماكي الأرواح. لا تعي بطون الدّفاتر تعديد مآثرها وترديد مفاخرها. وإنّ للدّهر صدراً عميقاً يحمل لأهله نصيبهم من حسنات وسيئات. ولقد كنتَ أحسن منقب عن الأولى في كنه ضميره بما قلدت به رثاءك من جواهر يتيمة لا توجد في غير خزانة أبي الفضائل العامرة التي لا تفنى على إنفاق. أنت برثائك الذي زيّنت به جيد المقطّم عن أبي الفضائل. تُحيي ذكر الأفاضل وتضع المثل الأعلى للأماثل وبه تزري الأغماد بالحمائل ويفاخر الأواخر والأوائل. فاهنأ بأن أقلّ ما فيك أنّك نصير الحقائق. ومبدئ الدّقائق. وصحيفة ناصعة من لبّ الوفاء لمذهب العالمين المخلصين. ومني عليك التّحية والثّناء.

(منشورة في كتاب سليم قبعين بعنوان «عبد البهاء والبهائية» ص131 – 132).

 

10 - رسالة إلى بشير أفندي يوسف مصر

حضرة بشير أفندي يوسف صاحب جريدة القاهرة المحترم

أيّها الهمام الأفخم الشّهير بين الأمم أدامك الله. إننّي تلوت نميقتك النّاطقة بحسن العواطف الحبّية إلى من سلقوه القوم بألسن حداد من دون حجّة وسلطان فلا بأس في ذلك في الذّاهبين الأوّلين من القرون لنا بصائر وقرأت القصيدة الغرّآء ولست أهلاً لهذا النّعت والثنآء بل إنّني عبد منيب إلى الله وأدعوه أن يغفر لي ولكلّ نفس فيها نسمة الحياة وأن يسلك بنا الله سبيل النّجاة ويجعلنا آيات الرّحمة تتلى بلسان الإخلاص ولو اضطهَدَنا كلّ إناس ولا نريد لهم إلاّ الفضل والجود من ربّ الوجود وندعو لهم بالفلاح والصّلاح سوآء كانوا مستكبرين أو من أهل السّجود وأرجوك عدم التّعرّض قطعيّاً لأحد ما في جريدتكم الغرآء ولو كان خصماً لدوداً بل عليكم بالصّمت والسّكوت والله يتولّى السّرائر ويظهر الحقّ رغماً عن أنف كلّ فاجر كذوب وعليك التّحية والثّنآء.

في 1 رمضان 1321

(محفظة الآثار البهائية).

11 - - ثلاث رسائل إلى عبد الرّحمن أفندي البرقوقي مصر

صاحب مجلّة البيان حضرة عبد الرّحمن أفندي البرقوقي

يا صاحب الفضيلة والودّ والوفاء إنّي ترنّمت بآيات حبّكم التي فصّلت في الكتاب الأوّل والخطاب الثّاني من طرفكم فللّه الحمد إنّ روابط الحبّ بيننا هي العروة الوثقى التي لا انفصام لها ووصلتني خمسة أجزاء البيان.

مصر

مدير مجلّة البيان حضرة عبد الرّحمن أفندي البرقوقي

أيّها الخلّ الوفيّ قد وصلتني نميقتكم البديعة المعاني وابتهجت بمضمونها الدّالّ على الثّبوت في معترك الأفكار منهمكاً في تنوير عقول الأخيار ولا شكّ سيؤيّدك ربّك ولو اضطهدك جمّ غفير من ذوى الفكر السّقيم الذين ليس لهم نصيب من الفيض الإلهيّ.

وأما المستر أستورز وحياتك يا حبيب ليس لي مكاتبة معه وأمّا اشتراك الأحبّة فى مجلّتكم الباهرة سنتشبّث بها إن شاء الله ولكنّ المشكل الأحبّاء لا يعرفون العربي إلاّ القليل وإنّي لا أزال أذكر عواطفك الحبّية ونواياك الخيرية وقوّة إرادتك في الفوايد العمومية وثبوتك واستقامتك كالجبال الرّاسخة لا تزلزله العواصف والقواصف الشّديدة وعليك التّحية والثّناء.

مصر

حضرة الفاضل الجليل صاحب مجلّة البيان جناب عبد الرّحمن أفندي البرقوقي

أيّها الفاضل الجليل إنّي اطّلعت بالمقالات الضّافية الذّيل في مجلّة البيان أثر قلمكم السّيّال ولا شكّ أنّ تلك العبارات منبعثة عن خلوص منزّه عن الأعراض والأغراض وإنّما هي سنوحات حقيقية بريئة عن كلّ علل ابتلي بها أكثر أصحاب الأقلام ولكنّ الله سبحانه وتعالى يحقّ الحقّ بقوّة البرهان الصّادرة من مجلّة البيان والله يتمّ نوره فأسأل الله أن يجعلك آية الهدى وراية الملأ الأعلى بين الورى وعليك التّحية والثّناء.

(محفظة الآثار البهائية).

12 - - ثلاث رسائل إلى الشّيخ علي يوسف مصر

الفاضل الجليل حضرة مدير جريدة المؤيّد جناب الشّيخ علي يوسف أفندي المحترم

أيّها النّحرير الجليل قد… إلى تحريركم البديع المختصر المفيد فغدوت ممنون خطاب أعظم دليل على الحب الصّميميّ والقلب السّليم أمّا مطالعتي كلّ يوم للسّفر الجليل تشريحاً لكلّ مسئلة المعضلة تدعوني إلى تجديد الذّكرى ولا أنسى أُنسي بكم ما دمت حيّاً وبما أنّ الله قدّر لي الشّفاء نوعاً ما في هذه المدينة لذا طال مكثي فيها ولا أبرح عنها إلاّ بعد إكمال الشّفاء وعليكم التّحية والثّناء.

مصر

حضرة سيد السّادات المحفوف بعناية ربّ الآيات حضرة الشّيخ علي يوسف أفندي المحترم

يا من تربّع على سجّادة الإرشاد أيّدك جنود من الملأ الأعلى فللّه الحمد والمِنّة بما حصلت المنحة وأيّدك ربّ السّموات العلى بشديد القوى حتّى فزت بمسند السّيادة العظمى وكلّ جاه له زكاة فزكاة هذه الموهبة أن تشمل الأنظار الوفائية على الشّيخ فرج الله قدوة العصبة الكردية وهو في الحقيقة من أخصّ المنسوبين إلى تلك النّفس الزّكية وعليكم التّحية والثّناء.

مصر

حضرة الفاضل الجليل الشّيّخ علي يوسف مدير مؤيّد المحترم

أيّها الفاضل الشّهير بكلّ أسف أخبرني حضرة عثمان بيك أنّ لا سمح الله اعترى عينيكم رمد قليل فتأسّفت على هذا الخبر بدرجة لا تقدّر فأسأل الله أن يزيل هذا العارض ويسمح بالشّفاء من الرّمد وهو المعتمد فبشّروني بزواله أو خفّة وطئه لأنّني مضطرب القلب من هذا الخبر ودمتم.

(محفظة الآثار البهائية).

13 - ثلاث رسائل إلى عثمان باشا مرتضى مصر الرّوضة

أيّها الشّهم الجليل أمير الوفاء وشهير الولاء أيّدك الله

لا أكاد أشرح ما تخلّل في خلدي من بشائر الانشراح عندما تلوت نميقتك الغرّاء جواباً على التّحرير المتقدّم منّي، والآن بما هاج نسيم الوفاء وماج بحر الولاء وباشرت بتنميق هذه الذّريعة لعلّي أبثّ ما يختلج في قلبي من عواطف الاشتياق لمشاهدة ذلك الحبيب الثّابت على الميثاق، وإنّي لا أكاد أنسى الأيّام التي قضيتها مع شهامتكم في تلك العدوة القصوى بكلّ سرور وفرح لا يتناهى، وما كنت أجد نفوساً يفقهون القول ولا يضلّون عن المعنى إلاّ حضرتكم المتّصفة بدقّة النّظر والخوض في العمق الأكبر، إنّني تركت راحتي وسكوني وقراري في هذه البقعة النّوراء وهجرت ذوي القربى وخضت البحار وطويت القفار، حال كوني ابيضّ الشّعر مني واشتعل الرّأس شيباً لأرفع ضجيجي في المحافل الكبرى والمجامع العظمى في قارة أمريكا وأقاليم أوروبا، وأخاطب النّاس بما في ضميري بأعلى الصّوت وأقول أيّها العقلاء أيّها الفضلاء أيّها الفلاسفة وأساطين الحكمة إنّ براكين النّار من المواد الملتهبة مدفونة تحت أطباق أوربا وستنفجر بأدنى شرارة وتجعل عاليها سافلها وتتجاوز إلى قارّات أخرى. فيصبح وجه الأرض سعيراً وجحيماً، والقوم كانوا يسمعون لهذا الخطاب بأذن صاغية ويدرجونه في بطون الجرائد ويعدّونها خرائد ويذيّلون الخطاب بالتّقاريظ المحجّبة ويقولون هذا هو الحقّ وما بعد الحقّ إلاّ الضّلال، والأوراق المطبوعة منشورة في تلك الأنحاء وموجودة معنا، فأصبح في أمريكا بهمّة بعض الأغنياء تتشكّل محافل عظمى ترويجاً للصّلح العموميّ ومنعاً للحرب الطّاحن والسّيل الجارف، مع ذلك كان الحرب قدراً مقدوراً فوقع ما وقع وأصبحت كلّ المعمورة مطمورة، كم من المدائن قلبت عاليها سافلها، وكم من أطفال يُتّمت وكم من نساء أُيّمت وكم من أمهات ارتفع منهنّ النّياح وشققن جيوبهن بقلوب مضطرمة ودموع منسجمة، وكم من آباء أنّوا أنين الثّكلاء من المساء إلى الصّباح، فظهر ظهور الشّمس في رابعة النّهار، وتحقّق ما أنبأ به بهاء الله منذ خمسين سنة وفي الكتب المطبوعة المنتشرة في سائر الدّيار منذ ثلاثين أو خمسة وعشرين سنة، بناءً على ذلك نرسل لحضرتكم بعض ما أنبأ به ضمن هذا المكتوب لتطّلع به وفي كتاب الملوك فيه أنباء أخرى ستطّلع بها وفي ذلك لعبرة لأولي الألباب فانظر إلى آثار رحمة الله وعليك التّحية والثّناء.

قل يا ملك برلين إسمع النّداء من هذا الهيكل المبين إيّاك أن يمنعك الغرور عن مطلع الظّهور أو يحجبك الهوى عن مالك العرش والثّرى كذلك ينصحك القلم الأعلى إنّه لهو الفضّال الكريم أذكر من كان أعظم منك شأناً وأكبر منك مقاماً أين هو وما عنده انتبه ولا تكن من الرّاقدين إنّه نبذ لوح الله من ورائه إذ أخبرناه بما ورد علينا من جنود الظّالمين لذا أخذته الذّلّة من كلّ الجهات إلى أن رجع إلى التّراب بخسران عظيم يا ملك تفكّر فيه وفي أمثالك الذين سخرّوا البلاد وحكموا على العباد قد أنزلهم الرّحمن من القصور إلى القبور، إعتبر وكن من المتذكّرين إنّا ما أردنا منكم شيئاً إنمّا ننصحكم لوجه الله ونصبر كما صبرنا بما ورد علينا يا معشر السّلاطين.

يا معشر الرّوم نسمع بينكم صوت البوم أأخذكم سكر الهوى أم كنتم من الغافلين يا أيّتها النّقطة الواقعة على شاطئ البحرين قد استقر عليكِ سرير الظّلم واشتعلت فيكِ نار البغضاء على شأن ناح بها الملأ الأعلى والذين يطوفون حول الكرسيّ الرّفيع نرى فيكِ الجاهل يحكم على العاقل والظّلام يفتخر على النّور وإنكِ لفي غرور مبين أغرتكِ زينتكِ الظّاهرة وسوف تفنى وربّ البرية وتنوح البنات والأرامل وما فيكِ من القبائل كذلك ينبئك العليم الخبير.

يا شواطئ نهر الرّين قد رأيناكِ مغطاة بالدّماء بما سلّ عليكِ سيوف الجزاء ولكِ مرّة أخرى ونسمع حنين برلين ولو أنّه اليوم في عزّ عظيم.

يا أرض الطّآء سوف تنقلب فيكِ الأمور ويحكم عليكِ جمهور النّاس إنّ ربّكِ لهو العليم المحيط.

إسكندرية

عثمان باشا مرتضى

أيّها الشّهم الجليل الهمام حليف الوفاء أدامك الله قد مضت علينا شهور وأعوام بل دهور وأحقاب لم يطرق الآذان خبر من ذلك الودود الغيور ولم تقرّ الأعين بمطالعة كتابه المسطور فازدادت الأشواق بعدما فتحت الأبواب وأمكنت المخابرة مع حبيبنا القديم وأقول لا زال يختلج في القلوب تلك العواطف الجليلة التي كانت في زمن اللّقاء أسأل الله أن يعيد علينا تلك الأيّام، أيّاماً قضت بالسّرّاء والرّاحة والرّخاء وإني لا أنسى حسن الألفة التي كانت بيننا حين كنت موجوداً بتلك الجهات ولا ازال انتظر فرصة مغتنمة حتى أخابر دولتكم لعلّي أتمكّن من بيان الحاسيات القلبية والانجذابات الوجدانية نحو معاليكم وإنّي أدعو الله أن يؤيّدك في جميع الشّؤون حتّى ترقى أعلى مراقيّ الفلاح والنّجاح بعطاء غير ممنون وأنتظر ورود الجواب في كلّ ساعة بعد هذا الخطاب والأمر لكم.

حيفا / الثّاني من شوال 1337

 

عثمان بيك مرتضى

أسأل الرّبّ الودود أن يكفيك شرّ الدّود ويقدّر الرّجوع ويقرّر اللّقاء.

(محفظة الآثار البهائية)

14 - - رسالة إلى أحد الأحبّاء في مصر لينقلها شفهيّاً إلى الأستاذ الإمام الشّيخ محمّد عبده

أيها النابت الثّابت على الميثاق

اطلعنا على ما كتبته عن زعيم الدولة، فكتبنا رداً نرسله بطريقة مضمونة دون تكليفك عناء حمله لحكمة ما. وإذا ما قابلته لا تحادثه في الأمر بل أظهر له كامل الود والمحبة. أما لو فاتحك فاخبره أن الجواب التام آت من عكا ولا تسأله عما سيكتب أو تحدّثه فيه أبداً واكتفِ بما تُشيعه من جو الألفة والمودة.

توجه إلى جناب المفتي محمّد أفندي عبده وبلّغه سلامي وأظهر له كامل المحبة وسلّمه رسالتي وقل له إنك قابلتنا وخَبِرْت أخلاقنا واطلعتَ على أفكارنا، وتعلم جيداً استعدادنا لافتداء جميع الأنبياء بأرواحنا، وأننا نؤمن بهم حق الإيمان والإيقان. ومع ذلك كتبتْ جريدتا «المؤيّد» و«المنار» بأننا ننكر الرسول الكريم. ومن جملة تبِعات ما نشره أعداء أنبياء الله ما حدث في يزد من واقعة مفجعة ذهب ضحيتها مئتا شخص من أحباء الله الذين قُطّعوا إرباً إرباً، فسُمع أحدهم وهو يصيح «لا ضير إنا إلى ربنا لمنقلبون»، وآخر يقول «لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون»، وهتف آخر وهو تحت السيف «رب اغفر لهؤلاء لأنهم قوم لا يعلمون»، ورفع آخر صوته منادياً «قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلاّ أن آمنا بالله وآياته»، ونادى آخر «رب لا تأخذ هؤلاء بسفك دمي إنك أنت الغفور الرحيم»، وجرى على لسان آخر «رب اسكرني من الكأس التي سقيت الحسين قُرّة عين رسول الله»، وآخر… وآخر.

خلاصة القول إن هؤلاء المظلومين، رغم ترفّعهم عن إيذاء نملة ولا يسمحون لأنفسهم، بقلوبهم العامرة بمحبة بني الإنسان، حتى النطق بكلمة تنتقص من حق الحيوان، نرى أن جريدة المنار أو المؤيّد أتت على ذكر البهائيين; بما أنهم، أستغفر الله! أستغفر الله العظيم! قد تمادوا على رسول الله بما لا يليق من نطق الكلام، فإن مسلمي يزد لم يتحملوا ذلك فقتلوهم. لاحظ ذلك الإفتراء الذي لم يكن في حقيقته إلاّ بتحريض الإيرانيين مرة أخرى. ولأن صاحِبَيْ صحيفة المنار والمؤيّد حريصان على تحري الحقيقة فلا يجدر بهما قبول مثل هذه الرواية ناهيك بنشرها في الصحيفتين. إن مثل تلك الأمور ليس من شأنها أن تكدّر خاطرنا أو تحزن قلبنا لأنها قطرة من بحر الإفك والافتراءات «أنا الغريق فما خوفي من البلل». أما المدهش أن يصدر هذا البهتان من صحيفتين تُنسبان إلى جناب المفتي وقد بعُدتا عن الحقيقة تماماً، وهو الذي يعلم أن البهائيين اليوم يضحّون بأرواحهم فداء لحقيقة الرسل والأنبياء «فتمنوا الموت إن كنتم صادقين». ومهما يكن من أمر فإن ما حدث كان بتحريض الإيرانيين في غياب جناب المفتي، فلو كان في مصر آنذاك لحال دون ذلك بالتأكيد. ومع ذلك نوجز القول بأن عقائد ونهج وسلوك عباد الرحمن أولئك معلومة معروفة ومشهودة، ويعرف جميع المبغضين بأننا في محافل اليهود نثبت أحقية المسيح بالدلائل والبراهين، وعند النصارى نثبت أحقية الرسول الكريم بالأدلة العقلية والنقلية القاطعة، ولدى المجوس نثبت حقيقة جميع الأنبياء والمرسلين من الآدم حتى الخاتم بالبراهين المقنعة الواضحة، وفي هذا السبيل نفدي أرواحنا، ونُعلي صرخة الحق والحقيقة تحت حدّ السيف. ومن أغرب ما حدث في قلوب اليهود الإيرانيين الذين آمنوا بالبهائية ما كتبوه في هذه الأيام من دلائل وافية قاطعة في اثبات نبوة الرسول الكريم وقدموه لنصارى أمريكا الذين أظهروا امتنانهم وتقبّلهم. سبحان الله إن يهود الشرق يثبتون لنصارى الغرب أحقية الرسول الكريم، والمسلمون يكتبون بأن البهائيين استغفر الله، نعوذ بالله يسيئون بالكلام إلى رسول الله روحي له الفداء، سبحان الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله سبحانك هذا بهتان عظيم.

يرجى شرح هذا الموضوع بكامله لجناب المفتي خاصة. والبهاء والثّناء عليك. ع ع

(مترجم عن الفارسية) – (محفظة الآثار البهائية).

15 - رسالة موجّهة إلى جناب إبراهيم علي منصور

بورت سعيد جناب إبراهيم عليه بهاء الله

يا خليلي قد مضى علينا شهور بل قرون ودهور ونحن نشتاق إلى رؤياك اشتياق الظّمآن المحرور إلى الماء المسكوب ولكن مع ذلك نراك بعين البصيرة التي لا يحجبها بُعد المسافة عن الشّهادة وندعو الله أن يجعلك آية الهدى بين ملأ الإنشآء ونجماً لامعاً في مطلع الفداء وورداً مونّقاً مفتوحاً تنتشر منه رائحة الوفاء فعليك يا حبيبي بذل الجهد الجهيد في تعلّم لسان الغرب حيث يكون وسيلة لخدمة الرّبّ ولكن أفصح واتبع ما يتصوّر من التّقرير والإنشاء عند ذلك تقتدر على خدمة أمر الله في كلّ الجهات وعليك الثّناء والتّحيات.

(صورة عن المخطوطة بحوزة السّيّدة هدى جمال رشدي)

 

 

ـ 2 ـ منتخبات من أحاديثه في مصر وبعض من خطبه في أوروبا وأمريكا

أ – أحاديثه في مصر:

1 – الحديث الذي ألقاه في رملة الإسكندرية في فندق فكتوريا في 4 آذار (مارس) 1912

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص217 – 220)

2 – الحديث الذي ألقاه في رملة الإسكندرية في فندق فكتوريا في 6 آذار (مارس) 1912

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص221 – 226)

3 – الحديث الذي ألقاه في رملة الإسكندرية في فندق فكتوريا يوم النّيروز الموافق 20 آذار (مارس) 1912

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص226 – 229)

4 – الحديث الذي ألقاه في 19 حزيران (يونيو) 1913 في خيمة المسافرين في بورسعيد بعد العودة من أمريكا وأوروبا.

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص441 – 444)

5 – الحديث الذي ألقاه في بورسعيد في 21 حزيران (يونيو) 1913

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص445 – 446)

6 – الحديث الذي ألقاه في بورسعيد في 27 حزيران (يونيو) 1913

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص447 – 449)

ب - خطبه في أوروبا وأمريكا:

1 – خطبته التي ألقاها في كنيسة سيتي تمبل في لندن في 9 أيلول (سبتمبر) 1911

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص53 – 55)

2 – خطبته التي ألقاها في منزل أحد المريدين في باريس في 27 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1911

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص100 – 105)

3 – خطبته التي ألقاها في جامعة هاورد الأمريكية في 22 نيسان (أبريل) 1912

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص247 – 250)

4 – خطبته التي ألقاها في جامعة استانفورد الأمريكية في كاليفورنيا في 8 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1912

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص380 – 390)

5 – خطبته التي ألقاها في جامعة أكسفورد في 31 كانون الأوّل (ديسمبر) 1912

(نقلاً عن النّص العربي المنشور في جريدة الكرستين كومنولث بتاريخ 22 كانون الثّاني (يناير) 1913)

 

 

 

أ ـ أحاديثه في مصر

1 – الحديث الذي ألقاه في رملة الإسكندرية في فندق فكتوريا في 4 آذار (مارس) 1912

من جملة المظاهر المقدّسة الإلهية كان حضرة زرادشت عليه السّلام نبوّته واضحة وضوح الشّمس وبرهانه ساطع ودليله لائح وحجتّه قاطعة وقد ظهر زرادشت عليه السّلام في وقت كانت فيه إيران خراباً يباباً وكان أهلها في منتهى الخذلان وكانت الحرب الدّائمة مستعرة بين إيران وتركستان. ولقد استقرت إيران قليلاً أيّام لهراسب لأنّه كان رجلاً تقيّاً يتحرّى الحقيقة ثم تربّع كشتاسب على سرير السّلطنة.

وخلاصة القول إنّه قد أحاطت بإيران ظلمات الذّلّ والهوان وفي هذا الوقت ظهر زرادشت فأنار إيران وأيقظ أهلها بعد أن تفكّكت قواها وتدنّت من جميع الجهات فتاه الإيرانيّون وسيطرت ظلمة الجهل في بلادهم ولكنّها بعثت مرة أخرى من أثر تعاليم زرادشت ونالت روحاً جديداً واتّجهت جهة الرّقيّ.

ومن الواضح أنّ تعاليم زرادشت عليه السّلام تعاليم سماوية، وأنّ نصائحه ووصاياه إلهية، ولو لم يظهر عليه السّلام لمحيت إيران وفنيت. ولولا تعاليمه عليه السّلام لما بقى للإيرانيّين أثر ولا اسم ولحرموا من فضائل الإنسانية بصورة كلّية ولحجبوا عن الفيوضات الرّبّانية بصورة كلّية. ولكنّ ذلك الكوكب النّورانيّ أنار أفق إيران وعدّل عالم الأخلاق وربّى الإيرانيّين بالتّربية الإلهية.

وخلاصة القول إنّ نبوّته عليه السّلام واضحة كالشّمس. ومن العجيب أن يعترف النّاس بنبوّة موسى عليه السّلام وينكروا زرادشت عليه السّلام. اذ لمّا لم يذكر اسم زرادشت عليه السّلام بصورة صريحة في القرآن فقد أنكره أهل الفرقان واعترضوا عليه. والحقيقة إنّ بعض الأنبياء فقط ذكرت أسماؤهم في الفرقان ومعظمهم ذكرت صفاتهم ولم تذكر أسماؤهم ما عدا ثمانية وعشرين نبيّاً… أمّا الآخرون فقد ذكر أكثرهم بالتّلويح دون التّصريح بأسمائهم. وأمّا بخصوص زرادشت عليه السّلام فيذكره القرآن كنبيّ بعث على سواحل نهر (آراس) وبهذا العنوان ذكر زرادشت عليه السّلام في القرآن بأنّه نبي «أصحاب الرّسّ» ولَمّا لم يفهم حضرات المفسّرين كلمة «الرّسّ» فقد فسّروها بمعنى البئر. ولَمّا كان شعيب عليه السّلام قد ظهر في مدين وكان أهل مدين يشربون الماء من الآبار لذا ظنّ المفسّرون أنّ النّبيّ الذي بعث في الرّسّ كان شعيباً عليه السّلام. وقد ذكر بعض المفسّرين أنّ المقصود بالرّسّ هو نهر آراس وأنّه بعث عدد من الأنبياء هناك ولم تذكر أسماؤهم في القرآن وهكذا كان قولهم.

وخلاصة القول إنّ زرادشت عليه السّلام ذكر بالقرآن باسم «نبي الرّسّ» وأنّ عظمته واضحة كالشّمس وقد بقيت عظمته مستورة حتّى يوم ظهور الجمال المبارك وبعد ذلك رفع الجمال المبارك اسمه وذكر في الألواح أنّ زرادشت عليه السّلام كان أحد المظاهر المقدّسة الإلهية. وكما أنّ مكنونات الأرض تظهر عندما يهطل الغيث ويهبّ النّسيم وتشرق الشّمس كذلك حينما ظهر الجمال المبارك شمس الحقيقة وأشرقت أنواره ظهرت للعيان جميع الحقائق والأسرار، ومنها قضية زرادشت عليه السّلام. فقد ظلّ الفرس تائهين مدة ألف سنة ونيّفاً لا مأوى ولا ملجأ لهم. ولكنّ الجمال المبارك ولله الحمد احتضنهم في كنفه وبعد ألف سنة أنقذهم من هذه الذّلّة ومن هذه المشقّة وأعلن نبوّة زرادشت عليه السّلام. وصارت هذه القضية أيضاً سبباً في ألفة العالم الإنسانيّ ومحبّته وارتباطه ووحدته. وقد وضع الجمال المبارك جميع الأمم تحت ظلّ جناح عنايته وواسى قلوب الجميع وترأّف بالجميع.

ولهذا فإنّ أمره رحمة للعالمين وظهوره سبب نجاة من على الأرض وسرور جميع الملل. وقد رفع حكم السّيف ووضع مكانه المحبّة الحقيقية ومحا التّباعد والتّنافر وأسّس الألفة والتّجاذب بين العموم. وقد نجّانا ولله الحمد من كلّ قيد وصالحنا مع جميع الملل وجعلنا محبّين للعالمين واعتبرنا من البهائيّين لهذا يتوجب علينا أن نرفع له الشّكر في كلّ آن ألف مرّة وأن نقوم بواجب العبودية له وهذا منتهى آمالنا وأمانينا. لاحظوا أيّة موهبة تلطّف بها! فهذا الجمع المجتمع الآن جاء من أماكن مختلفة وجاءت كلّ نفس من إقليم وبلد. وما أعظم الاختلاف الذي كان بيننا وما أشد النّزاع الذي كان بيننا. وما أكثر ما كنّا مبتعدين عن بعضنا. فتجلّى علينا بالصّفات الرّحمانية وجمعنا وألّف بيننا ووحّدنا وجمعنا حول مائدة واحدة في مكان مثل هذا المكان في بلاد الغربة فصرنا كلّنا في كمال المحبّة والألفة والاتّحاد مجتمعين حول هذه المائدة وليس لنا هدف غير عبودية العتبة المباركة ولا نبتغي غير المحبّة والألفة فقلوبنا مرتبطة بعضها ببعض وأرواحنا كلّها مستبشرة بعناية الجمال المبارك وكلّ هذا واضح شديد الوضوح في هذا الجمع الذي نحن فيه. ترى ماذا سيحدث في المستقبل؟ وكيف ستتّحد جميع الملل والمذاهب والشّعوب والقبائل المختلفة المتحاربة المتنازعة؟ فالاتّحاد الموجود الآن هو بمثابة عنوان المقالة. ترى ماذا سيكون متن هذا المقال وشرحه؟ ومجلسنا هو ديباجة الكتاب ومنها تعرف حقائق هذا الكتاب ومعانيه.

وأملي أن يكون كلّ واحد منّا حين يرجع إلى وطنه أو مسكنه آية من الآيات الإلهية وموهبة من المواهب الرّبّانية ويكون سبباً في ألفة القلوب وسبباً في اتحّاد النّفوس وارتباطها. فاخدموا الوحدة الإنسانية وكونوا خدّاماً لجميع البشر ومحبّين لجميع من على الأرض واجمعوا بين الغريب والقريب وانظروا إلى العدو والحبيب نظرة واحدة وعاشروا الجميع في منتهى المحبّة والرّأفة وهذا منتهى آمالنا وأمانينا وإنّي على يقين بأنّكم ستعملون هذا.

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص217 – 220)

2 - الحديث الذي ألقاه في رملة الإسكندرية في فندق فكتوريا في 6 آذار (مارس) 1912

إن المظاهر المقدّسة الإلهية كانت شموساً نوّرت عالم الإمكان بعظيم الإشراق. وقد نوّر كلّ واحد منهم العالم وقت طلوعه، إلاّ أنّ كيفية طلوعهم كانت متفاوتة. فحضرة موسى أشرق كوكبه على الآفاق ولكنه نشر شريعة الله بين بني إسرائيل بقوّة قاهرة ولم يتجاوز إلى مكان آخر بل حصرها في بني إسرائيل وحدهم.

وأعني بهذا أنّ كلمة الله وهبت بني إسرائيل روح الإيمان وأخذت بيد تلك الملّة في ظلّ شريعة حضرته نحو جميع مراتب الرّقيّ، فنموا وتوسّعوا حتّى وصلوا إلى عهد سليمان وداود. ولقد استغرق ذلك مدّة خمسمائة سنة حتّى انتشر الأمر الإلهيّ انتشاراً يليق به. ولقد كان بنو إسرائيل في زمان فرعون في نهاية الذّلّ والضّعف مستغرقين في الهوى والملذّات ومنغمسين في الرّذائل والموبقات، فارتقوا بقوّة حضرة موسى المعنوية ونجوا من الظّلمات وصاروا سبباً في تنوير الآفاق وتربّوا وفق التّربية الإلهية إلى أن بلغوا منتهى درجة الرّقيّ. وبعد ذلك انحرفوا عن الصّراط المستقيم، وانصرفوا عن المنهج القويم، ووقعوا مرّة أخرى في الذّلّ القديم، إلى أن جاءت دورة حضرة المسيح وطلع الكوكب العيسويّ. وفي أياّم حضرته اهتدت فئة بنور الهداية واشتعلت بنار محبّة الله وانجذبت وانقطعت عمّا سوى الله وانصرفت عن راحتها وعن عزّتها وعن حياتها ونسيت جميع شؤونها، إلاّ أنّها كانت فئة قليلة وفي الحقيقة كان عدد المؤمنين الحقيقيّين اثني عشر نفراً وأعرض عن الحقّ واحد منهم واستكبر، فانحصرت عدتهم بأحد عشر نفراً وبضع نساء. وقد مرّت ثلاثمائة سنة لم ينتشر أمر حضرته انتشاراً كبيراً ثم نفذت كلمة الله وبلغ نداء ملكوت الله جميع أطراف الأرض وأحيت روحانية حضرته العالم ونوّرته بنورها. ثمّ جاء زمان حضرة الرّسول عليه السّلام وطلعت شمس حضرته، ولكنّه ظهر في صحراء قاحلة لا ماء ولا نبات بعيدة عن سيطرة الملوك ولا تسودها قوّة ولم تنفذ إليها قوى سائر الممالك، بل كانت القوّة محصورة في بضع قبائل كانت هي في منتهى الضّعف ولكنّها كانت ذات صولة بالنّسبة لغيرها من القبائل. وكانت قبيلة قريش أعظم تلك القبائل وكانت أعظم قوّة لها لا تزيد عن الألف شخص، وكانت تحكم مكّة وكانت المعيشة في بادية العرب عارية عن النّظام والسّلطة، وكان سلاحهم عبارة عن السّيف والرّمح والعصا. لقد رفع حضرته أمر الله بقوّة قاهرة ومن المعلوم أنّ كلّ نفس ترى القوّة القاهرة تخضع وتخشع ولها يستسلم كلّ عاص ويطيع. فلو أنّ إنساناً قرأت له ألف كتاب من النّصائح ولم يتأثر بها واستدللت له بدلائل وبيّنت له بيّنات تؤثّر حتّى في الصّخر الأصمّ ولكنّها لا تؤثّر فيه، فإنّه بأقلّ قوّة قاهرة يتأثرّ إلى درجة يخضع خضوعاً تامّاً ويخشع خشوعاً ويقوم بامتثال الأمر، فحضرة الرّسول رفع أمره بالقوّة القاهرة وبها رفع رايته ونشر شريعة الله. أمّا الجمال المبارك وحضرة الأعلى فقد ظهرا في زمان زلزلت فيه قوى الدّول القاهرة أركان العالم ولم يعتكفا في مكان خال من العمران بل ظهرا في قطب آسيا وأعداؤهما مسلّحون بأنواع الأسلحة.ولم تكن قصّة قريش، بل إنّ كلّ دولة تجول في ميدان الحرب بخمسة آلاف مدفع ومئات الألوف من الجيوش وأقصد بهذا أنّ جميع الدّول في منتهى القدرة وجميع الملل في منتهى القوّة والعظمة. ولو رجعتم إلى التّاريخ لرأيتم أنّ دول العالم لم تكن في أيّ عصر أو قرن بهذه القوّة، ولم تكن ملل العالم على هذا الانتظام. ففي وقت كهذا طلعت شمس الحقيقة من الأفق الرّحمانيّ، إلاّ أنّها طلعت في منتهى المظلومية وحيدة فريدة لا معين لها ولا نصير. وكانت قوى العالم قائمة على مقاومة الجمال المبارك على الدّوام. وقد وردت على الوجود المبارك كلّ انواع المصائب في موارد البلاء ولم تبق بليّة لم ترد على الجمال المبارك في منتهى درجة من الشّدّة. فقد كفّره الجميع وحقّروه وضربوه ضرباً مبرّحاً وسجنوه ونفوه وأخيراً أخرجوه من وطنه بمنتهى المظلومية ونفوه إلى العراق ثم نفوه مرّة أخرى إلى إسطنبول ونفوه مرّة ثالثة من إسطنبول إلى الرّوميلّي وبعد ذلك ارسلوه إلى أخرب قلاع العالم – قلعة عكّا – وسجنوه هناك. ولا يمكن تصوّر مكان للنّفي والحبس أردأ من هذا المكان ولا يمكن أن يكون هناك نفي أعظم من هذا النّفي الذي كان أربع مرّات والذي انتهى أخيراً إلى قلعة مثل قلعة عكّا. ولم يحدث في التّاريخ أن ينفى انسان اربع مرّات من محلّ إلى محلّ ويستقرّ أخيراً في السّجن الأعظم، ومع هذا يقوم من داخل السّجن ومن تحت السّلاسل والاغلال بمقاومة من على الأرض وأعني مقاومة جميع الملوك والملل. وفي الوقت الذي كان فيه تحت مخالبهم وزجرهم صدرت ألواحه للملوك ونزلت إنذاراته الشّديدة، ولم يهتمّ أبداً في السّجن بأيّة دولة من الدّول. وخلاصة القول إن أمره أحاط العالم في السّجن وتحت السّلاسل أبلغ نغمة كلمة الله إلى الشّرق والغرب ورفع راية الملكوت وسطعت أنواره ولم تستطع جميع قوى العالم مقاومته، ولو أنّه كان على حسب الظّاهر سجيناً ولكنّه كان مميزاً عن بقية المسجونين لأنّ كلّ مسجون يكون ذليلاً وحقيراً في سجنه وقد سارت القاعدة العامّة على هذا المنوال ولكنّ حضرته لم يكن كذلك، فمثلاً كان جميع أولي المناصب وجميع الموظفين خاضعين خاشعين عند حضورهم في ساحته المقدّسة وكان يشهد جميع الزّاّئرين من الاحبّاء عياناً أنّ بعض الأمراء المدنيّين والعسكريّين كانوا يرجون التّشرّف بنهاية الالتماس ولكن حضرته كان لا يقبل ذلك ولقد أراد متصرف عكّا مصطفى ضياء باشا التّشرّف لمدّة خمس دقائق ولكنّ حضرته لم يقبل إذ كان فرمان السّلطان ينصّ على أن يكون الجمال المبارك سجيناً في احدى الغرف وأن لا يسمح لأحد بالتّشرّف به ولو كان من عشيرته وأهله وأن يبذل أقصى الانتباه لئلاّ يصل الي محضره الأقدس أحد. ففي مثل هذا الوقت ارتفعت أسس دار الضّيافة وتعالت خيمته المباركة على جبل الكرمل وكان يأتي المسافرون من الشّرق ومن جهة الغرب ومع أنّ فرمان السّلطان كان على هذا الشّكل ولكنّ حضرته لم يكن يعتني بفرمان السّلطان الخاصّ بتضييق السّجن عليه ومع أنّ حضرته كان في السّجن ولكنّ الجميع كانوا خاضعين أمامه وكان بحسب الظّاهر محكوماً ولكنّه في الحقيقة كان حاكماً وكان بحسب الظّاهر سجيناً ولكنّه كان في منتهى العزّة.

وموجز القول إنّ الجمال المبارك رفع أمره تحت السّلاسل وهذا برهان لا يستطيع أحد نكرانه وكلّ شخص يُبعد ويُنفى يصبح ذليلاً جباناً بل يفنى ويضمحلّ ولكنّ نفي الجمال المبارك صار سبباً لإعلاء الأمر وكلّ شخص يسجن يكون سجنه سبب اضمحلاله ولكنّ سجن الجمال المبارك كان سبب استقلاله وكلّ شخص تهجم عليه الجماهير ينعدم ويفنى ولكنّ هجوم الجماهير على الجمال المبارك صار سبباً لإشراق الأنوار فسطعت أنواره ولمعت آياته وتمّت حجّته ولاح برهانه.

هذا وإنّ هذه اللّيلة ليلة حضرة الرّسول ولقد احتفل حضرات المسلمين بالمولد وإنّ احتفال حضراتهم هو عادة من عادات ألف سنة يسيرون وفق طقوسها وقواعدها وآدابها ولكنّ لهذا المولد في الحقيقة آثاراً جديدة ظهرت في العالم ونتائج مفيدة حصلت ولقد كان هذا المولد سبباً في تغيير وتبديل الوضع في قارّة آسيا من حال إلى حال أخرى وأنتج تأثيرات عجيبة في ذلك الحين ولكنّ حضراتهم لم يعرفوا ماذا يصنعون بعد حضرته فظهر في كلّ رأس من الرّؤوس ميل من الميول وارتفعت من كلّ حنجرة من الحناجر نغمة خاصّة، وخلاصة القول لم يتركوا ذلك النّور السّاطع يتألّق بل شغلوا بالنّزاع والجدال وحمل كلّ واحد على الآخر حملة الحيوانات الكاسرة. لقد كانت ليلة المولد في الحقيقة ليلة مباركة للقارّة الآسيوية ولكنّ القوم لم يسمحوا لها أن تبقى كذلك بل قاموا بالنّهب والسّلب والنّزاع والجدال.

أمّا نحن أرقّاء الجمال المبارك وعبيد عتبته فإننا غرقى بحر عنايته وساكنون في ساحل شريعته ومشمولون بلحظات عين رحمانيّته لعلنا نكون أوفياء لعتبته المباركة وننهج نهجاً نكون فيه السّبب لنورانية الأمر ولعلو الأمر ولروحانية الأمر المبارك حتّى تذوق الأرواح حلاوة تعاليم الجمال المبارك ولكنّ هذا مشروط بشرط واحد هو أن نعمل وفق الوصايا والنّصائح المباركة ويقيني سوف يتنوّر العالم ولكنّ الشّرط لحصول ذلك هو العمل بوصايا ونصائح الجمال الأبهى.

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص221 – 226)

 

3 - الحديث الذي ألقاه في رملة الاسكندرية في فندق فكتوريا يوم النّيروز الموافق 20 آذار (مارس) 1912

من العادات القديمة أن يكون لكلّ أمّة يوم من أيّام الفرح العامّ وفي ذلك اليوم تبتهج جميع الأمّة وتُهيَّأ وسائل البهجة والسّرور. أي أنّ النّاس ينتخبون من أياّم السّنة يوماً واحداً وقعت فيه واقعة عظمى أو أمر جليل ويظهرون في ذلك اليوم منتهى السّرور والحبور والابتهاج فيزور بعضهم بعضاً وإذا كانت بينهم كدورة فإنّهم يجتمعون ويزيلون ذلك الكدر والاغبرار وانكسار القلوب ويقومون مرّة أخرى على الألفة والمحبّة. وحيث إنّه وقعت للإيرانيّين في يوم النّيروز أمور عظيمة لهذا اعتَبرت الأمة الإيرانية النّيروز يوماً بهيجاً وجعلته عيداً وطنيّاً لها.

وفي الحقيقة إنّ هذا اليوم مبارك جدّاً لأنّه بداية الاعتدال الرّبيعي وأوّل الرّبيع في النّصف الشّمالي من الكرة الأرضية وتجد جميع الكائنات الأرضية أشجاراً وحيوانات وإنساناً روحاً جديداً فيه، وتجد نشاطاً جديداً من النّسيم المحيي للأرواح فتنال روحاً جديداً وحشراً ونشراً بديعيْن لأنّ الفصل فصل الرّبيع، وتظهر في الكائنات حركة عمومية بديعة.

لقد حدث في إيران في أحد الأزمان أن اضمحلّت السّلطنة ولم يبقَ منها أثر ثمّ تجدّدت في هذا اليوم وجلس جمشيد على العرش ونالت إيران الرّاحة والاطمئنان فنشطت قوى إيران المفكّكة مرّة أخرى وتجلّى على القلوب والأرواح اهتزاز عجيب بحيث وصلت إلى أسمى ما وصلت إليه في عهد سلطنة كيومرث وهوشنك ووصلت عزّة الدّولة والأمّة الإيرانية إلى درجة أعلى من العزّة والعظمة وكذلك وقعت وقائع عظيمة جدّاً في يوم النّيروز كانت سبب فخر إيران وعزّتها. ولهذا تعتبر الأمّة الإيرانية هذا اليوم منذ ما يقارب الخمسة والستّة آلاف سنة يوماً سعيداً ويستفتحون به ويعتبرونه يوم سعادة الأمّة وبركتها ويقدّسون هذا اليوم ويعتبرونه مباركاً إلى يومنا هذا.

وخلاصة القول إنّ لكل ملّة يوماً تعتبره يوم سعادتها وفيه تهيّئ وسائل سرورها. وهناك في الشّرائع المقدّسة الإلهية في كلّ دور وكور أيّام سرور وحبور وأعياد مباركة. وفي تلك الأيّام يكون الاشتغال بالتّجارة والصّناعة والزّراعة محرّماً بل يجب أن يشغل الجميع بالسّرور والحبور ويحتفلوا احتفالاً عامّاً لائقاً يتّسم بالوحدة حتّى تتجسّد في الأنظار ألفة الأمّة واتّحادها.

وحيث إنّه يوم مبارك فيجب أن لا يقضي عبثاً وسدى دون نتيجة بحيث تنحصر ثمرة ذلك اليوم بالسّرور والحبور. وفي يوم كهذا يجب تأسيس مشروع تبقى فوائده دائمة لتلك الأمّة حتّى يبقى مشهوداً معروفاً على الألسن ويكتب في التّاريخ أنّ المشروع الفلاني قد تأسّس في نوروز السّنة الفلانية، إذاً يجب على العقلاء أن يتحرّوا ويحقّقوا في ذلك اليوم في ما تحتاج الأمّة من الإصلاحات، وأيّ أمر خيريّ يلزمها وأيّ أساس من أسس السّعادة يجب وضعه حتّى يتأسّس ذلك الإصلاح وذلك الأمر الخيريّ وذلك الأساس في ذلك اليوم. فمثلاً لو وجدوا أنّ الأمّة تحتاج إلى تحسين الأخلاق ففي ذلك اليوم يؤسّسون مؤسّسة لتحسين الأخلاق فإذا كانت الأمّة تحتاج إلى نشر العلوم وتوسيع دائرة المعارف يتّخدون في هذا الخصوص قراراً أي يلفتون أنظار العموم نحو ذلك المشروع الخيريّ ولو وجدوا أنّ الأمّة تحتاج إلى توسيع دائرة التّجارة أو الصّناعة أو الزّراعة فإنّهم يشرعون في ذلك اليوم بالوسائط المؤدّية إلى ذلك المقصود أو انّهم يلاحظون أنّ الأمّة تحتاج إلى حماية الأيتام وسعادتهم وإعاشتهم فإنّهم يقرّرون إسعاد الأيتام وقس على ذلك. فتتأسّس في ذلك اليوم مؤسّسات تفيد الفقراء والضّعفاء البائسين حتّى تحصل في ذلك اليوم من الألفة العمومية والاجتماعات العظيمة نتيجة ويتجلّى يُمْن وبركة ذلك اليوم. وخلاصة القول إنّ يوم النّيروز يوم مبارك جدّاً في هذا الدّور البديع أيضاً ويجب على أحبّاء الله في هذا اليوم أن يتّفقوا في الخدمة والعبودية ويجب أن يتكاتفوا في منتهى الألفة والمحبّة والاتحّاد وينشغلوا بذكر الجمال المبارك بكمال الفرح والسّرور وأن تتّجه أفكارهم إلى إيجاد نتائج عظيمة في مثل هذا اليوم المبارك وليس هناك اليوم نتيجة أو ثمرة أعظم من هداية الخلق لأنّ البشر المساكين محرومون من جميع المواهب الإلهية وبصورة خاصّة إيران والإيرانيّون فيجب على أحبّاء الله ولا شكّ في هذا اليوم أن يتركوا لهم آثاراً خيرية مادّية أو آثاراً خيرية معنوية بحيث تشمل هذه الآثار الخيرية جميع النّوع البشريّ. لأنّ كلّ عمل خيريّ في هذا الدّور البديع يجب أن يكون عموميّاً أي أن يشمل جميع البشر ولا يقتصر على البهائيّين وحدهم. ففي جميع أدوار الأنبياء كانت المشاريع الخيرية مقصورة على الملّة وحدها ما عدا المسائل الجزئية كالصّدقة فقد أجازوا شمولها العموم أمّا في هذا الدّور البديع فحيث إنّه دور ظهور الرّحمانية الإلهية فإنّ جميع المشاريع الخيرية تشمل جميع البشر دون استثناء لهذا فكلّ مشروع عموميّ يتعلّق بعموم العالم الإنسانيّ هو مشروع إلهيّ وكلّ مشروع خصوصيّ ومشروع لا يتعلّق بالعموم فإنّه محدود، لهذا أتمنّى أن يكون كلّ واحد من أحبّاء الله رحمة إلهية لعموم البشر وعليكم البهاء الأبهى.

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص226 – 229)

* * *

4 - الحديث الذي ألقاه في 19 حزيران (يونيو) 1913 في خيمة المسافرين في بور سعيد بعد العودة من أمريكا وأوروبا

عجيب جدّاً أن يعقد في بور سعيد مثل هذا المجلس العظيم.

حبّذا لو يرفع الملوك رؤوسهم من تحت التّراب ويرون كيف ارتفعت رايات آيات الحقّ وكيف نكّست اعلام الظّالمين.

ففي بغداد كان الشّيّخ عبد الحسين المجتهد يدسّ الشّبهات بصورة خفية كلّما وجد فرصة مناسبة ولكنّ الجمال المبارك كان يردّ بالجواب على هذه الشّبهات.

فمن احدى الشّبهات التي كان يدسّها هو أنّه قال ذات ليلة لأصحابه الذين كان يخصهم بأسراره: «لقد شاهدت في عالم الرّؤيا شاه إيران جالساً تحت قبّته وخاطبني قائلاً يا جناب الشّيخ اطمئن فإنّ سيفي سيقتلع البهائيّين ويمحيهم وقد كُتبت حول هذه القبّة آية الكرسيّ باللّغة الإنكليزية».

فتفضّل الجمال المبارك بالجواب على قوله برسالة شفهية أرسلها بواسطة زين العابدين خان فخر الدّولة فقال: «إنّ هذا الحلم رؤيا صادقة لأنّ آية الكرسيّ هي نفس آية الكرسيّ تلك ولو أنّ الخطّ خطّ إنكليزيّ وهذا يعني أنّ الامر البهائيّ هو نفس الامر الالهيّ الاسلاميّ ولكنّ الخطّ قد تبدل وهذا يعني أن اللّفظ قد تغيّر ولكن حقيقته هي نفس تلك الحقيقة ونفس ذلك الفحوى وأمّا تلك القبّة فهي أمر الله وهو غالب على الشّاه ومحيط بالشّاه والشّاه في ظلّها ولا شكّ أنها هي الغالبة».

فالآن أين الشّاه وأين الشّيخ ليَرَيا في بور سعيد في مملكة مصر هذا الجمع الذي اجتمع تحت هذه الخيمة وليشاهدا روعة هذه الخيمة وما بها من الجمال والكمال!

لقد أراد المخالفون محو أمر الله ولكن أمر الله زاد صيته ارتفاعاً. (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره). لأن الله يجعل أمره ظاهراً ونوره باهراً وفيضه كاملاً.

وخلاصة القول إنّه لم ينقضِ وقت طويل إلاّ وتزلزلت بغداد فاجتمع بعض العلماء منهم الميرزا علي تقي والسّيّد محمّد والشّيخ عبد الحسين والشّيخ محمّد حسين. وانتخب هؤلاء المجتهدون شخصاً شهيراً من العلماء اسمه الميرزا حسن عمو وأرسلوه إلى الحضور المبارك، فتشرّف بلقائه بواسطة زين العابدين خان فخر الدّولة وقام أولاً بطرح بعض الأسئلة العلمية على حضرة بهاء الله وسمع أجوبة كافية شافية. ثمّ عرض: أمّا من ناحية علمكم فهذا شيء مسلّم به ومحقّق وليس لأحد شكّ فيه وجميع العلماء عارفون ومقتنعون بذلك لكنّ حضرات العلماء أرسلوني كي تظهروا لهم المعجزات والخوارق ليصير ذلك سبباً في اطمئنان قلوبهم. فأجاب حضرة بهاء الله، حسن جدّاً لكن أمر الله ليس ملعبة للصّبيان كما تفضّل في القرآن على لسان المعترضين: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجّر من الأرض ينبوعاً… أو يكون لك بيت من زخرف، وقال بعضهم: (أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً) وقال بعضهم: (أو ترقى في السّماء ولن نؤمن لرقيك حتّى تنزل علينا كتاباً) فيردّ الله في جواب هؤلاء جميعاً بقوله تعالى: (قل سبحان ربّي هل كنت إلاّ بشراً رسولاً). أمّا أنا فأقول حسن جدّاً عليكم أن تتّفقوا في تعيين أمر وتكتبوا ذلك وتضعوا تواقيعكم عليه بأنّه إذا ظهر فلا تبقى لنا أيّة شبهة ثمّ سلموه لي، حينذاك أرسل لكم شخصاً كي يظهر لكم تلك المعجزة).

فاقتنع الميرزا حسن عمو وقال لم يبقَ لي قول لأقوله وأخذ يده المباركة بقوّة وقبّلها وانصرف وأخبر العلماء بما سمعه. لكنّ العلماء لم يقبلوا وقالوا ربّما يكون هذا الشّخص ساحراً.

وكلمّا قال لهم (يا أيّها المجتهدون أنتم الذين أرسلتموني وأنتم الذين أردتم منّي هذا ولقد فضحتموني) لكنّ ذاك لم يُجْدِ معهم وجميع النّاس يعرفون هذه القضية. وبعد مدّة ذهب الميرزا إلى كرمنشاه وقصّ القصّة بتمامها في مجلس عماد الدّولة الذي كان حاكماً على كرمنشاه وحيث إنّ عماد الدّولة كان مريداً للميرزا غوغاء الدّرويش وكان هذا الاخير مؤمناً يكتم ايمانه لذلك لَمّا سمع تفاصيل القضية كتب إلى بغداد ما سمعه وكذلك كتب إلى سائر الجهات.

كذلك حمل الميرزا حسن عمو المشار إليه هذه القصّة بتمامها إلى طهران وقصّها في مجلس الميرزا سعيد خان وزير خارجية الدّولة وحيث إنّ المرحوم الميرزا رضا قلي كان حاضراً فقد كتب لنا تفصيل ذلك.

مقصدي إنّه برغم هذه الشّبهات والإلقاءات وبرغم مقاومة الشّاه لم تحصل أيّة ثمرة فغلب أمر الله وتنوّر الشّرق لله الحمد كما تعطّر الغرب.

وحينما كنّا نسير من طهران إلى بغداد لم يكن يوجد مؤمن واحد في طريقنا أمّا في هذا السّفر، وجدنا في كلّ بلد نعبره في بلاد الغرب أحبّاء في أماكن لم يُسمع بها مثل دنور ودوبلن وبفالو وبوسطن وبروكلين ومونتريال وأمثالها أماكن ارتفع فيها النّداء الإلهيّ. وكما يقول الشّاعر (ما معناه): ليس في البلد صخب وضجيج غير تموّج ذوائب الحبيب وليس في الآفاق فتنة غير قوس حاجب المحبوب).

فلقد ارتفع نداء الله بشكل تلذّذت منه جميع الآذان واهتزّت له جميع الأرواح وتحيّرت منه جميع العقول قائلة: (أي نداء هذا النّداء! وأي كوكب هذا الكوكب السّاطع!) فهذا حيران وذاك مشغول بالتّحقيق وثالث يبرهن بالأدلّة والجميع يقولون إنّ تعاليم حضرة بهاء الله لا مثيل لها وهي في الحقيقة روح هذا العصر ونور هذا القرن.

وكلّ ما هنالك أنّه كان يعترض بعضهم قائلاً: إنّ مثل هذه التّعاليم موجودة في الإنجيل كنّا نقول له: (إنّ أحد هذه التّعاليم «وحدة العالم الإنسانيّ» ففي أيّ سفر يوجد هذا التّعليم؟ تعال دلّنا. وأحد هذه التّعاليم (الصّلح العموميّ) ففي أيّ سفر هو موجود؟ وأحد هذه التّعاليم (إنّ الدّين يجب أن يكون سبب المحبّة والألفة فإن لم يكن كذلك فانعدام الدّين خير من وجوده) ففي أيّ سفر تجد هذا؟ وأحد هذه التّعاليم إنّ الدّين يجب أن يكون مطابقاً للعلم الصّحيح والعقل السّليم) ففي أيّ سفر هذا؟ و(المساواة بين الرّجال والنّساء) ففي أيّ سفر موجودة وترك التَعصَب المذهبيَ والدَينيَ والوطنيَ والسّياسيّ والجنسيّ في أيّ سفر موجود؟ وقس على ذلك والسّلام.

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص441 – 444).

5 - الحديث الذي ألقاه في بورسعيد في 21 حزيران (يونيو) 1913

الحمد لله بعدما طال أمد انتظاركم قد تهيّأت وسائل لقائنا أخيراً وأنا أيضاً كنت أتمنّى لقاءكم ولله الحمد جئتم إلى الرّوضة المباركة في البقعة المقدّسة وعطّرتم المشام بزيارة تلك العتبة.

إنّ زيارة العتبة المباركة في هذه الأيّام كأنّها التّشرف بالحضور المبارك لا فرق في ذلك أبداً فجميع الأرواح طائفة حولها وأرواح الملأ الأعلى طائفة حول الرّوضة المباركة والمقام الأعلى والحمد لله على فوزكم بذلك.

والآن استيقظ أهل إيران وصاروا يعرفون من أين جاءت مثل هذه الموهبة التي اختصهم بها الله – تلك الموهبة التي لا مثيل لها ولا نظير ومثل هذه العناية التي قدرت في حقّهم ومثل هذا التّاج الذي وضعه الله على رؤوسهم. وفي الوقت الحاضر لا تزال المواهب التي اختصها الله بها إيران والإيرانيّين مجهولة ولكنّها ستظهر فيما بعد ولو عرف الإيرانيّون لافتخروا بذلك إلى الأبد ولطاروا من شدّة الفرح والسّرور.

فقد ظهر حضرة المسيح من بين السّبطيّين فابتعدوا عنه في بادئ الأمر وسخروا منه وشتموه وبعد ذلك فهموا أيّة نعمة خسروها فحينما آمن أهالي أوروبا انتبهوا إلى الموهبة العظيمة التي منحت لهم ولكنّهم نبذوها دون أيّ سبب!

وكذلك حال الإيرانيّين اليوم فهم لا يعرفون أيّة عناية اختصّهم بها الله!

إنّ جميع الخلق كانوا يتمنّون أن يتشرّفوا بحضور نفس مباركة وأنتم ولله الحمد عشتم في أيّام الجمال المبارك حين كانت أنوار النّيّر الأعظم ساطعة وغيث الرّحمة هاطلاً ونسيم العناية هابّاً.

فاشكروا الله وابذلوا الجهد وبلّغوا وأيقظوا هؤلاء الإيرانيّين وقولوا لهم: أيّها الإيرانيّون!هل تعلمون أيّ كوكب طلع من أفق إيران؟ ويا أيّها الإيرانيّون هل تعلمون أيّة شجرة مباركة غرست في ظهرانيكم؟ ويا أيّها الإيرانيّون! هل تعلمون في أمواج أيّ بحر انغمرتم؟ استيقظوا استيقظوا! إلى متى تبقون في هذه الغفلة؟ وإلى متى تبقون خامدين؟ وإلى متى تبقون جاهلين لهذه الموهبة؟ فالآن قد جاء وقت اليقظة ووقت الانتباه.

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص445 – 446)

* * *

6 - الحديث الذي ألقاه في بورسعيد في 27 حزيران (يونيو) 1913

في الحقيقة إنّ هذا مجلس بديع ولا يمكن أن يكون أبدع منه. فالحاضرون من أحبّاء الله مجتمعون في كمال التّوجّه إلى الله والقلوب في منتهى المحبّة والألفة والصّدور منشرحة ومضيفنا جناب آقا ميرزا جعفر أيضاً في غاية المحبّة ومثل هذا المجلس يسمّى مجمع البحرين وفد ذكر في القرآن «مرج البحرين» أي المكان الذي فيه التقى حضرة موسى ويوشع بشخص عظيم «علّمناه من لدّنا علماً» حينما صارت السّمكة الميّتة حية ولهذا معنى بديع.

وخلاصة القول أتمنّى إن شاء الله أن تصل التّأييدات الألهية تباعاً وتتهيّأ الأسباب لتكرار أمثال هذه المجالس. إنّ لهذه المجالس تأثيرات عظيمة في عالم الوجود وتدرك النّفوس البصيرة الآثار والنّتائج التي ستحصل منها.

ففي كور حضرة المسيح اجتمع الحواريّون في أعلى الجبل اجتماعاً لو دققنا النّظر مليّاً فيه لرأينا أنّ جميع ما حدث بعده من الحوادث كان من نتائج ذلك الاجتماع.

وتفصيل ذلك هو أنّ الحواريّين بعد حضرة المسيح تشتّتوا أو اضطربوا وكانت مريم المجدلية السّبب في جمع حضراتهم ثانية، فرسخوا وثبتوا في أمر حضرة المسيح. فقالت لهم: «لِمَ أنتم مضطربون تائهون؟ فلم يحدث أمر جديد لأنّ حضرة المسيح تفضّل مراراً أنّ هذا الأمر سيقع وكلّ ما وقع هو أنّ جسم حضرة المسيح غاب عن الأنظار ولكنّ حقيقته ساطعة لامعة لن تنالها المصائب بل إنّ الإهانة وقعت على جسد حضرة المسيح لا على روحه الحقيقيّ. فلِمَ أنتم مضطربون؟ وفضلاً عن هذا فإنّ حضرة المسيح عاش في مصائب لا يستطيع أحد تحمّل يوم واحد منها فقد كان طيلة سنوات ثلاث يعيش في الصّحراء فحيناً كان يقتات على الحشائش وحيناً كان يفترش الغبراء وفي لياليه كانت النّجوم مصباحه الوحيد ومع كلّ هذه الصّعاب والمشاق فقد ربّاكم لمثل هذا اليوم. فإن كانت في مشامّكم رائحة وفاء فإنّكم لن تنسوا ذلك ولن تختاروا الرّاحة ولن تطلبوا الرّخاء وإن كنتم أهل وفاء فاشتغلوا بذكره. فهل يليق بنا أن ننسى ذلك الوجه المشرق؟ أو هل يليق بنا أن نمحو من ذاكرتنا تلك العنايات؟ أو هل يليق بنا أن نغضّ الطّرف عن تضحيات حضرته ونكون مثل بقية النّاس منهمكين في الأكل والنّوم ونشغل بالنا في رخائنا وبذخنا وراحتنا؟ أهو هذا الوفاء منّا أن يتوارى الهيكل المكرّم وتُلهينا نحن أهواؤنا؟».

والخلاصة إنّها جمعت الحواريّين ودعتهم إلى ضيافة فوق الجبل وبعدما تذكّر البعض منهم ألْطاف السّيّد المسيح التي لا نهاية لها قالوا لها إنّه يجب علينا أن ننظر ما يقتضي الوفاء عمله فنعمل، ولا شكّ أنّ الوفاء لا يقتضي أن نرتاح وننشغل بالملذّات الدّنيوية وننهمك في أهوائنا بل يجب أن نفدي كلّ ما نملكه وأكثر. فعلينا قبل كلّ شيء الانقطاع عن كلّ شيء. والنّفوس الذين لهم علاقات ولا يستطيعون الانقطاع فليعتذروا ولينصرفوا. وأمّا الذين لا علاقات لهم فليبقوا هكذا ولا يتعلّقوا ولا يفكّر أحد قطّ في شيء غير حضرة المسيح ولنحصر جميع أفكارنا في عبوديته ولننشغل بنشر نفحاته ولنجهد في نشر كلمته.

فتعاهدوا وأقرّوا ميثاقاً قيّماً بينهم ثمّ نزلوا من الجبل وتوجّه كلّ واحد منهم إلى جهة من الجهات وهو يهتف ويصيح. وقاموا بكلّيّتهم على خدمة الملكوت.

وكلّ ما وقع في كور حضرة المسيح وقع من نتائج ذلك المجلس وإلى الآن آثاره باقية.

فالآن نحن كذلك الجالسين في هذا المكان بكمال الرّوحانية والألفة نتمنّى أن تحصل نتائج عظيمة من هذه الألفة.

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص447 – 449)

* * *

ب ـ خطبه في أوروبا وأمريكا

1 – خطبته التي ألقاها في كنيسة سيتي تمبل في لندن في 9 أيلول (سبتمبر) 1911

أيّها الجمع المحترم وملتمس طريق الله.

الحمد لله، لقد أشرق نور الحقيقة، وهبّ نسيم الرّوض الإلهيّ، وارتفع نداء الملكوت في جميع الأقاليم، ونفخت نفثات الرّوح القدس في هوية القلوب، فوهبت لها الحياة الأبدية. ففي هذا القرن البديع تنوّر الشّرق وتعطّر الغرب وتعنبرت مشام الرّوحانيّين، وماج بحر وحدة العالم الإنسانيّ، وارتفع علم الرّوح القدس. وإنّ كلّ انسان منصف ليشهد بأنّ هذا اليوم لهو يوم بديع، وأنّ هذا العصر لهو عصر الله العزيز. وعمّا قريب يصبح العالم جنّة عليا.

إنّ هذا اليوم هو يوم وحدة العالم البشريّ واتّحاد جميع الملل. في الماضي كانت التّعصّبات سبباً للجهالة وأساساً لتنازع البشر. ثمّ جاء هذا اليوم الظّافر بعناية الله القادر. وعمّا قريب تتموّج وحدة العالم الإنسانيّ في قطب الآفاق، وينقطع الجدال ويزول النّزاع، ويتنفّس صبح الصّلح الأكبر، ويتحوّل العالم إلى عالم جديد، ويصبح جميع البشر إخواناً، وتصير كافّة الملل رايات لله الأكبر الجليل.

إنّ النّزاع وسفك الدّماء من خواص عالم الحيوان. أمّا الصّلح والصّلاح فمن مواهب عالم الإنسان. ولقد قال حضرة بهاء الله: العدل والإنصاف حياة العالم. فالحمد لله أنّ علم العدل مرتفع في هذه الرّبوع والمساواة بين البشر منتشرة، وكذلك الحرّية والرّاحة والأمن والسّعادة.

إنّ الله واحد، والجنس البشريّ واحد، وأساس أديان الله واحد، وحقيقة الرّبوبية محبّة.

فيا أيّها الأحبّاء! ابذلوا قصارى الجهد حتى يتعانق الشّرق والغرب كما يتعانق العاشقان.

أي ربّ! نوّر هذا الجمع، وأيّد هذه النّفوس، واجعل الوجوه نورانيةً والطبّاع رياضاً رحمانيةً، واحْيِ الأرواح بنفثات الرّوح القدس، وأعزّ النّاس بالهداية الكبرى، وابذل لهم من العطايا السّماوية والمواهب الرّحمانية ما أنت به جدير، واحفظهم بحفظك، وصنهم بحمايتك ورعايتك، واشملهم بألطافك التي لا تتناهى، وخصّهم بعنايتك الكاملة. إنّك أنت المعطي الوهّاب العليم.

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص53 – 55)

2 - خطبته التي ألقاها في منزل احد المريدين في باريس في 27 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1911

الخلاف الديني وإثبات نبوة سيدنا محمّد عليه الصلاة والسلام

لَمّا كانت تعاليم حضرة بهاء الله تدعو إلى توحيد جميع البشر وإيجاد منتهى الألفه والاتّحاد فيما بينهم لذلك يجب أن نبذل كلّ ما في وسعنا كي يزول سوء التّفاهم القائم بين الملل. كما يجب أن نبحث قليلاً في سوء التّفاهم الواقع بين الأديان حتّى إذا ما زال سوء التّفاهم هذا تمّ الاتّحاد الكلّيّ وحصل منتهى الألفة بين جميع الملل.

إنّ السّبب الأصلي لهذا الاختلاف والجدل هو علماء الملل. ذلك لأنّ كلّ فريق من هؤلاء قد أفهم رعيّته أنّ الله غضب على سائر الملل فحرمها من رحمة الرّحمن.

لقد اتّفق لي وأنا بطبريّة أن كنت أسكن بجوار معبد لليهود إذ كان المنزل الذي أنزل فيه مشرفاً عليه. ورأيت حاخام اليهود يعظ ويقول: يا أمّة اليهود! أنتم شعب الله وبقية الأمم شعب غيره. خلقكم الله من سلالة إبراهيم ووهب لكم الفيض والبركة، وفضّلكم على سائر العالمين اختار منكم إسحق وبعث يعقوب واصطفى يوسف وأرسل موسى وهارون وسليمان وداود وإشعيا وإيليّا. وجميع هؤلاء الأنبياء من شعبكم. من أجلكم أغرق آل فرعون وشقّ البحر وأنزل لكم مائدة من السّماء، وأجرى لكم من الصّخر ماء. فأنتم عند الله مقرّبون. إنّكم أبناء إسرائيل أي أبناء الله الممتازون على جميع الملل وسوف يأتي المسيح الموعود وعندئذ تعتزّون وتحكمون جميع ملل العالم. وأمّا سائر الملل فيرتدّون مخذولين مرذولين، وقد فرح اليهود من قوله هذا وسرّوا سروراً لا يمكن وصفه.

وكذلك الحال بالنّسبة لجميع الملل. فسبب اختلافهم ونزاعهم وجدالهم هو علماؤهم. ولكن لو تحرّى هؤلاء عن الحقيقة لحدث الاتفاق والاتحاد بلا شك. وذلك لأنّ الحقيقة واحدة ولا تقبل التّعدّد.

فيا طالبي الحقيقة

إنّ كلّ ما سمعتموه حتّى الآن من الرّوايات في حق سيّد الكائنات سيّدنا محمّد عليه السّلام كان منبعثاً عن الغرض والتّعصّب الجاهل. ولم يكن مطابقاً للحقيقة قطّ. وها أنا اليوم أبيّن لكم الحقيقة الواقعة. ولن نروي لكم الرّوايات ولكنّنا سنتحدّث بميزان العقل. ذلك لأنّ وقائع الأزمنة السّابقة لا بدّ من وزنها بميزان العقل فإن طابقته قُبلت وإلاّ كانت غير أهل لأن تُعتمد.

أوّلاً إنّ ما تقرأونه من طعن بسيّدنا الرّسول عليه السّلام في كتب الكهنة يشبه الكلام الذي يقال في السّيّد المسيح في كتب اليهود. لاحظو ماذا قيل في السّيّد المسيح وهو برغم ما هو عليه من العظمة والجلال وفي الوقت الذي بعث فيه بوجه صبيح ونطق فصيح.

يلاحظ اليوم أنّ نصف أهل العالم من عبدة الأصنام والنّصف الآخر قسمان: القسم الأعظم من المسيحيّين والقسم الثّاني من المسلمين أمّا بقية الملل الأخرى فقليلة. لذلك فهذان القسمان هما المهمّان. ولقد استمرّ النّزاع والجدال ألفاً وثلاثمائة سنة بين المسلمين والمسحيين في حين أنّ سوء التّفاهم هذا يمكن أن يزول بأمر يسير وتحلّ محلّه الألفة فلا يبقى جدال ولا نزاع ولا قتال. هذا ما نريد أن نبيّنه.

عندما بعث سيّدنا محمّد عليه السّلام اعترض أوّل من اعترض عليه عشيرته الأقربون اذ لم يؤمنوا بالتّوراة والإنجيل. وهذا منصوص في القرآن وليس من الرّوايات التّاريخية. قال لِمَ لَمْ تؤمنوا بجميع النّبيّين ولماذا لم تؤمنوا بالنّبيّين الثّمانية والعشرين الذين ورد ذكرهم في القرآن. والقرآن ينصّ على أنّ التّوراة والإنجيل من كتب الله، وأنّ سيدنا موسى كان نبيّاً عظيماً وأنّ السّيّد المسيح ولد من الرّوح القدس وأنّه كلمة الله، وأنّ السّيّدة مريم مقدّسة. لابل وإنّ القرآن ينصّ على أنّ السّيّدة مريم لم تكن مخطوبة لأحد، وأنّها كانت معتكفة منزوية في قدس الأقداس بأورشليم، وأنّها كانت منقطعة للعبادة ليل نهار، وأنّ مائدة من السّماء كانت تأتي إليها. وكان كلّما دخل عليها زكريا أبو يحيى المحراب ووجد عندها رزقاً فيسألها من أين لك هذا يا مريم فتجيب مريم هو من عند الله من السّماء. ونصّ القرآن أيضاً على أنّ السّيّد المسيح تكلّم في المهد وأنّ الله اصطفى مريم وفضّلها على نساء العالمين.

هذه هي نصوص القرآن حول السّيّد المسيح.

وقد لام سيدنا محمّد عليه السّلام قومه ووبّخهم اذ لم يؤمنوا بالمسيح وموسى. فقالوا إذا آمنّا بالمسيح وموسى والتّوراة والإنجيل فماذا نفعل بأبائنا وأجدادنا الذين نفتخر بهم؟ فقال سيّدنا محمّد مَنْ لم يؤمن بالمسيح وموسى فهو من أهل النّار. هذا نصّ القرآن وليس من روايات التّاريخ. بل إنّه قال لا تستغفروا لآبائكم ودعوا أمرهم لله فإنّهم لم يؤمنوا بالسّيّد المسيح ولا بالإنجيل، وهكذا لام محمّد قومه.

وقد بعث سيّدنا محمّد في وقت لم يكن فيه لدى هذه الأقوام مدنية ولا تربية ولا إنسانية وبلغ توحّشهم درجة أنّهم كانوا يدفنون بناتهم أحياء، وكانت النّساء لديهم أحطّ من الحيوان وكانوا يتعطّرون ببول الإبل ويشربونه. بين هؤلاء النّاس بُعث سيّدنا محمّد. فربّى هذه الأقوام الجاهلة بحيث تفوّقوا على سائر الطّوائف في زمن قصير. فأصبحوا علماء من أهل المعرفة والدّراية والصّناعة. ونصّ القرآن يقول بأنّ النّصارى أودّاؤكم، ولكن عليكم أن تمنعوا بشدة عبدة الأصنام من العرب عن عبادة الأصنام والهمجية. هذه هي حقيقة الإسلام. فلا تنظروا إلى أفعال بعض أمراء الإسلام. ذلك لأنّ أعمالهم لا صلة لها بسيّدنا محمّد. اقرأوا التّوراة لتجدوا كيف كانت الأحكام. ثم انظروا ماذا فعل ملوك اليهود. واقرأوا الإنجيل ترون أنّه رحمة بحتة. فقد منع السّيّد المسيح النّاس جميعاً من الحرب والقتال. وحين سلّ بطرس سيفه أمره السّيّد المسيح بأن يعيد السّيف إلى غمده. أمّا الأمراء المسيحيّون كم سفكوا من الدّماء وكم ظلموا النّاس كذلك حكم الكثير من القساوسة بما يخالف تعاليم السّيّد المسيح.

مقصدي من هذا هو أنّ المسلمين يعترفون بأنّ السّيّد المسيح هو روح الله وكلمة الله وأنّه مقدس واجب التّعظيم، وأنّ موسى كان نبيّاً عظيم الشّأن وصاحب آيات باهرات، وأنّ التّوراة كتاب الله.

وخلاصة القول إنّ المسلمين يكنّون للمسيح ولموسى أقصى التّمجيد والتّقديس. فلو قابل المسيحيّون نبيّ الإسلام بالمثل فقدّسوه ومجدّوه إذاً لزال هذا النّزاع. فهل ينتكس إيمان المسيحيين؟ استغفر الله ماذا لحق بالمسلمين من أذى وضرر لتمجيدهم السّيّد المسيح؟ وأيّ ذنب اقترفوا؟ إنّهم على العكس أصبحوا مقرّبين إلى الله لأنّهم إذ أنصفوا وقالوا إنّ السّيّد المسيح روح الله وكلمة الله. ثم أليست نبوّة محمّد ثابته بالدّلائل الباهرة.

من بين البراهين على نبوّة سيّدنا محمّد القرآن الذي أوحى الله به إلى شخص أمّيّ، وإحدى معجزات القرآن أنّه حِكْمةٌ بالغة، وأنّه يقيم شريعة في غاية الإتقان كانت بمثابة روح لذلك العصر. وفضلاً عن ذلك فقد بيّن من المسائل التّاريخية والمسائل الرّياضية ما خالف القواعد الفلكية التي سادت في ذلك الزّمان. ثمّ ثبت أنّ منطوقه كان حقاً.

في زمان محمّد كانت قواعد بطليموس الفلكية مسلّماً بها في الآفاق وكان كتاب المجسطي هو أساس القواعد الرّياضية عند جميع الفلاسفة إلاّ أنّ منطوقات القرآن جاءت مخالفة لتلك القواعد الرّياضية المسلّم بها. ولهذا عمّ الاعتراض بأنّ آيات القرآن هذه دليل على عدم الاطّلاع. إلاّ أنّه بعد مرور ألف سنة اتّضح من تحقيق الرّياضيّين وتدقيقهم أنّ كلام القرآن مطابق للواقع، وأنّ قواعد بطليموس التي كانت أساساً لأفكار آلاف الرّياضيّين والفلاسفة في اليونان والرّومان وإيران باطلة.

فمثلاً من بين مسائل القرآن الرّياضية تصريحه بحركة الأرض وقد كانت قواعد بطليموس تقرر أنّ الأرض ساكنة، وكان الرّياضيّون القدامى يقولون بأنّ الشّمس تتحرك حركة فلكية. فجاء القرآن وبيّن أنّ حركة الشّمس محورية، وقال بأنّ جميع الأجسام الفلكية والأرضية متحرّكة. ولهذا فإنّه حين قام الرّياضيّون المحدثون بالتّحقيق والتّدقيق قي المسائل الفلكية واخترعوا الآلات والأدوات لهذه الغاية، وكشفوا الأسرار ثبت وتحقّق أنّ منطوق القرآن الصّريح صحيح، وأنّ جميع الفلاسفة والرّياضيّين القدامى كانوا على خطأ.

والآن لا بدّ من الإنصاف، ماذا يعني أن يخطئ آلاف الحكماء والفلاسفة والرّياضيّين من الأمم المتمدّنة رغم الدّرس والتّحصيل في المسائل الفلكية، وأن يتوصّل شخص أمّيّ من قبائل بادية العرب الجاهلية، ولم يسمع باسم الرّياضيّات إلى حقيقة المسائل الفلكية الغامضة ويحلّ مثل هذه المشكلات الرّياضية رغم أنّه نشأ وترعرع في الصّحراء بواد غير ذي زرع! لا شكّ أنّ هذه القضية خارقة للعادة. وأنّها حصلت بقوّة الوحي.

ولا يمكن الإتيان ببرهان أشفى من هذا ولا أكفى. هذا غير قابل للإنكار.

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص100 – 105)

3 - خطبته التي ألقاها في جامعة هاورد الامريكية في 22 نيسان (أبريل) 1912

إنّني اليوم في منتهى السّرور لأنّني أرى عباد الله من السّود والبيض حاضرين في هذا المجمع سوية متآلفين. وليس لدى الله بيض وسود وكلّ الألوان لديه لون واحد وهو لون العبودية الإلهية. وليس للرّائحة واللّون شأن لديه بل الأهمية هي للقلب. فإذا كان القلب طاهراً فلن يغيّره اللّون الأسود أو الأبيض أو أيّ لون آخر. والله لا ينظر إلى الألوان بل ينظر إلى القلوب. وكلّ من كان قلبه أطهر فهو أحسن. وكلّ من كانت أخلاقه أسمى فهو أحسن. وكلّ من كان توجّهه إلى الملكوت الأبهى أكثر فهو أفضل.

وفي عالم الوجود لا شأن للألوان. لاحظوا أنّ الألوان في عالم الجماد ليست سبب الاختلاف. وفي عالم النّبات ليست الألوان المختلفة سبب الاختلاف بل الألوان المختلفة سبب جمال الحديقة. لأنّ اللّون الواحد لا جمال له ولكنّك حين ترى الواناً مختلفة فعند ذلك يكون لها جمال وبهاء.

وعالم البشرية أيضاً مثل الحديقة والنّوع الإنسانيّ مثل الأزهار المختلفة في ألوانها. إذاً فالألوان المختلفة زينة. وكذلك في عالم الحيوان هناك ألوان فالحمام ألوان وألوان ومع هذا فإنّه في منتهى الألفة لا ينظر بعضه إلى لون البعض الآخر بل ينظر إلى النّوع فكم من حمامات بيض تطير مع حمامات سود. وكذلك سائر الطّيور والحيوانات المختلفة في الألوان. فإنّها لا تنظر أبداً إلى اللّون بل تنظر إلى النّوع.

إذاً لاحظوا الآن أنّ الحيوانات مع أنّها لا تملك عقلاً ولا إدراكاً فانّ اختلاف الألوان لا يكون سبباً في خصام بعضها مع البعض الآخر فلماذا يتخاصم الإنسان العاقل؟ إنّ هذا لا يليق أبداً وخصوصاً إنّ البيض والسّود من سلالة آدم ومن عائلة واحدة وكانوا في الأصل انساناً واحداً ولوناً واحداً. فقد كان لآدم ولحوّاء لون واحد. وترجع سلالة جميع البشر إليهما. إذاً فالأصل واحد وهذه الألوان ظهرت فيما بعد بسبب الماء والمناخ ولا أهمية لها مطلقاً.

إنّني اليوم مسرور جداً لاجتماع البيض والسّود معاً في هذا الحفل. وأملي أن يصل هذا الاجتماع وهذه الألفة إلى الحدّ الذي لا يبقى معه امتياز بين الألوان ويكون الجميع في منتهى الألفة والمحبّة فيما بينهم.

ولكنّني أريد أن أذكر أمراً كي يمتنّ السّود من البيض ويكون البيض رؤوفين بالسّود. فلو ذهبتم إلى أفريقيا وشاهدتم السّود الأفريقيّين عند ذلك تعرفون مدى رقيّكم. والحمد لله أنّكم أنتم الآن مثل البيض ليس بينكم وبينهم فرق في أيّ شأن ولكنّ السّود الأفريقيّين بمثابة الخدم. وإنّ أوّل إعلان لحرّية السّود كان من البيض الأمريكيّين. فكم حاربوا وكم ضحّوا حتّى حرّروا السّود! ثمّ انتشر ذلك إلى جهات أخرى. وقد كان السّود الأفريقيّون في منتهى الذّلّة ولكنّ نجاتكم صارت سبباً لنجاتهم أيضاً. يعني إنّ الدّول الأوروبّية اقتدت بالأمريكيّين ولهذا اعلنت الحرّية العمومية، ومن أجلكم بذل البيض الأمريكيّون مثل هذه الهمّة. ولو لم يكن هذا الجهد لما أعلنت الحرّية العمومية. إذاً يجب عليكم أن تكونوا ممتنين جداً من البيض الأمريكيّين، ويجب على البيض أن يكونوا رؤوفين جدّاً بكم حتّى ترتقوا في المراتب الإنسانية وتبذلوا جهداً بالاشتراك مع البيض حتى ترتقوا أيضاً أنتم رقيّاً فائقاً وتمتزجوا ببعضكم امتزاجاً تامّاً.

وخلاصة القول عليكم أن تُبدوا امتناناً كبيراً نحو البيض لأنّهم كانوا سبب تحرّركم في أمريكا فلو لم تتحرروا لما تحرّر بقية السّود. والآن كلّكم ولله الحمد أحرار وفي منتهى الرّاحة والاطمئنان. وإنّي أدعو كي ترتقوا في حسن الأخلاق والأطوار إلى درجة لا يبقى معها اسم البيض أو السّود وتكون كلمة «الإنسان» اسماً للجميع. كما تسمى جماعة الحمام «بالحمام» ولا يقال الحمام الأسود أو الحمام الأبيض وكذلك سائر الطّيور. وأتمنّى أن تبلغوا مثل هذه الدّرجة. وهذا لا يمكن إلاّ بالمحبّة. فابذلوا الجهد حتّى تحلّ المحبّة بينكم. ولن تحصل هذه المحبّة بينكم إلاّ إذا كنتم ممتنّين من البيض وكان البيض رؤوفين بكم ويبذلون الجهد لترقيتكم ويسعون لعزّتكم وهذا يكون سبب المحبّة وزوال الإختلاف بين البيض والسّود زوالاً تاماً بل يزول أيضاً اختلاف الجنس واختلاف الوطن.

وإنّي مسرور جدّاً من لقائكم وأشكر الله لأنّه جمع في هذا الحفل بين البيض والسّود فكلاهما مجتمعان بكمال المحبّة والألفة وأرجو أن يعمّ هذا النّموذج من الألفة والمحبّة حتى لا يبقى عنوان للبشر غير «الإنسان» وهذا العنوان هو كمال العالم الإنسانيّ وسبب العزّة الأبدية وسبب السّعادة البشرية. لهذا فانّي أدعو من أجلكم كي تكونوا في منتهى الألفة والمحبّة بعضكم مع البعض الآخر وتجهدوا وتسعوا من أجل راحة بعضكم بعضاً.

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص247 – 250)

* * *

4 - خطبته التي ألقاها في جامعة ستانفورد الامريكية في كاليفورنيا في 8 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1912

العلم أعظم منقبة في العالم الإنسانيّ لأنّه يكشف حقائق الأشياء وحيث إنّني أجد نفسي اليوم في مركز العلم في هذه الكلّية التي طبّقت شهرتها الآفاق لهذا فإنّني مسرور جدّاً.

إنّ أشرف مجمع ينعقد في العالم هو مجمع العلماء وأشرف مركز في العالم الإنسانيّ هو مركز العلوم والفنون.

إنّ العلم هو سبب نورانية العالم، والعلم سبب الرّاحة والاطمئنان، والعلم سبب عزّة العالم الإنسانيّ. ولو أمعنتم النّظر لوجدتم أنّ دولة العلم أعظم من دولة الملوك اذ إنّ سلطنة الملوك تنهدم ويخلع القياصرة والأباطرة وتنقلب سلطنتهم رأساً على عقب أمّا سلطنة العلم فهي أبدية وسرمدية ولا انقراض لها. لاحظوا الفلاسفة القدامى كيف دامت سلطنتهم في حين انقرضت سلطنة الرّومان مع عظمتها وانقرضت سلطنة اليونان مع عظمتها وانقرضت سلطنة الشّرق برغم عظمتها لكنّ سلطنة أفلاطون ظلّت باقية وسلطنة أرسطو باقية وذكرهم باق حتّى الآن في جميع الكلّيّات والمجامع العلمية في حين أنّ ذكر الملوك قد أصبح نسياً منسيّاً بصورة تامّة. إذاً فسلطنة العلم اعظم من سلطنة الملوك. فالملوك يسخّرون الممالك بسفك الدّماء لكنّ الانسان العالم يفتح ممالك القلوب بعلمه ويضعها تحت تصرّفه وهكذا تصير سلطنته أبدية من هذه النّاحية. وحيث إنّ هذا المكان هو مركز العلوم والفنون فإنّني مسرور جدّاً لحضوري إلى هذا المركز وأرجو التّأييدات والتّوفيقات الإلهية حتّى تصلوا في العلوم والفنون إلى منتهى الدّرجات وتشرقوا كالمصابيح المنيرة في مجمع العالم الإنسانيّ.

إنّ أعظم تعاليم حضرة بهاء الله هو وحدة العالم الإنسانيّ لهذا فإنّني أريد أن أتحدّث حول وحدة الكائنات وهذه المسألة من المسائل الفلسفية الإلهية.

من الواضح أنّ جميع الموجودات شيء واحد وكلّ كائن من الكائنات عبارة عن جميع الكائنات يعني أنّ كلّ شيء في كلّ شيء. لاحظوا أنّ الكائنات تكوّنت من الجزيئات الفردية وهذه الجزيئات الفردية تسير في جميع مراتب الوجود. فمثلاً كلّ ذرّة من الذّرّات الفردية الموجودة في هيكل الإنسان كانت في وقت من الأوقات في عالم النّبات وفي وقت من الأوقات في عالم الحيوان وفي وقت من الأوقات في عالم الجماد فهي على الدّوام تنتقل من حال الي حال ومن صورة إلى صورة ومن كائن إلى كائن آخر في صور لا تتناهى في الطّول والعرض ولها في كلّ صورة كمال. وحركة الكائنات هذه مستمرّة. لهذا فإنّ كلّ كائن عبارة عن جميع الكائنات وغاية ما في الامر أنّه يقتضي امتداد مدّة حتّى يطوي هذا الجوهر الفرد الموجود في جسم الإنسان جميع مراتب الوجود. ففي وقت من الأوقات كان تراباً وكانت له انتقالات في الصّور الجمادية وبعد ذلك انتقل إلى عالم النّبات وكانت له انتقالات في الصّور النّباتية وبعد ذلك انتقل في الصّور الحيوانية والآن جاء إلى العالم الإنسانيّ ليسير في المراتب الإنسانية ثمّ يعود بعد ذلك الي عالم الجماد وعلى نفس التّرتيب يسير في جميع المراتب، ويتجلّى في صور كائنات لا تتناهى ويكون له كمال في كلّ صورة من الصّور. فقد كانت له كمالات جمادية في عالم الجماد. وفي عالم النّبات كانت له كمالات نباتية. وفي عالم الحيوان كانت له كمالات حيوانية وله في عالم الإنسان كمالات إنسانية. إذاً فقد اتّضح أنّ كلّ جوهر فرد من الكائنات له انتقالات في صور لا تتناهى وفي كلّ صورة يتجلى له كمال من الكمالات، ومن هذا يتّضح أنّ الكائنات كلّها واحد وأنّ عالم الوجود واحد. فلّما كانت في عالم الوجود وحدة كهذه يا ترى أيّة وحدة تكون في عالم الانسان؟ فمن الواضح بالبرهان أنّ هناك وحدة في الوحدة وأنّ الوحدة هي مبدأ الوجود ومنتهاه.

وهل يجوز مع وحدة العالم الإنسانيّ ووحدة جميع الكائنات أن يكون هناك نزاع وجدال في هذا العالم؟ ومع أنّ الإنسان أشرف الكائنات لأنّ الجسم الإنسانيّ له الكمالات الجمادية وله الكمالات النّباتية ففيه قوّة النّمو وله الكمالات الحيوانية ففيه قوى الإحساس وله الكمالات الإنسانية ففيه العقل السّليم برغم وجود هذه الوحدة العظيمة افهل يجوز أن يتنازع ويتجادل؟ وهل يجوز أن يتحارب ويتقاتل؟ وجميع الكائنات في صلح بعضها مع البعض الآخر وجميع العناصر في صلح بعضها مع البعض الآخر والإنسان الذي هو أشرف الكائنات هل يجوز أن يكون في نزاع وجدال؟ أستغفر الله.

لاحظوا أنّ هذه العناصر عندما تلتئم فيما بينها تكوّن الحياة واللّطافة والنّورانية والرّاحة والاطمئنان وأنّ هذه الكائنات التي ترونها تعيش كلّها في صلح مع بعضها البعض فالشّمس والأرض في صلح والماء والتّراب في صلح والعناصر في صلح مع بعضها البعض لأنّ أقلّ مصادمة تحصل تحدث زلزلة مثل زلزلة سان فر انسيسكو وأنّ أقلّ مصادمة تحصل يحدث نتيجتها حريق عموميّ وتحصل جميع هذه الأضرار. هذه هي الحال في عالم الجماد إذاً بعد ذلك لاحظوا كم من البلايا تحصل نتيجة المصادمة في العالم الإنسانيّ؟ خاصة وأنّ الله قد خصّ الإنسان بالعقل وهذا العقل هو أشرف الكائنات وهو في الحقيقة قوّة من قوى التّجليات الإلهية وهذا شيء ظاهر مشهود.

لاحظوا مثلاً إنّ جميع الكائنات أسيرة للطّبيعة وجميعها خاضعة لقانون الطّبيعة لا تتجاوز هذا القانون قيد شعرة فمثلاً هذه الشّمس مع عظمتها أسيرة للطّبيعة لا تستطيع تجاوز قانون الطّبيعة وكذلك الأمر في الأجرام العظيمة في هذا الفضاء الذي لا يتناهى فكلّها أسيرة للطّبيعة ولا تستطيع أن تتجاوز قانون الطّبيعة. والكرة الأرضية أيضاً أسيرة لقانون الطّبيعة. وجميع الأشجار والنّباتات أسيرة للطّبيعة وكذلك جميع الحيوانات. فالفيل برغم عظمته وقوّته لا يستطيع أن يتجاوز قانون الطّبيعة. لكن الإنسان بحجمه الصّغير وجسمه الضّعيف يستطيع أن يكسر قانون الطّبيعة ويقلّبها لأنّه مؤيّد بالعقل الذي هو من التّجلّيات الإلهية فبموجب قانون الطّبيعة نرى الإنسان ذا روح ترابيّ لكنّه يكسر هذا القانون ويصير طائراً يطير في الهواء ويصير سمكة تسير تحت سطح الماء ويبني سفينة يتسابق بها فوق سطح الماء. وجميع هذه العلوم والفنون التي عندكم والتي تدرسونها في الجامعات كانت كلّها أسراراً للطّبيعة ويفترض أن تبقى أسراراً بمقتضى قانون الطّبيعة. لكنّ عقل الإنسان كسر هذا القانون وكشف حقائق الأشياء ونقلها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود فظهرت هذه العلوم، وهذا شيء يخالف قانون الطّبيعة. فمثلاً القوّة الكهربائية سرّ من أسرار الطّبيعة المكنونة يجب أن تبقي خفية لكنّ عقل الإنسان كشفها وكسر قانون الطّبيعة وجاء بها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود وحبس هذه القوّة العاصية داخل زجاجة وهذا شيء خارق للعادة ومخالف للطّبيعة، وهو يخابر من الغرب إلى الشّرق بدقيقة واحدة وهذه معجزة. ويأخذ الإنسان الصّوت ويحبسه في مسجّل الصّوت مع أنّ الصّوت يجب أن يبقي حرّاً لأنّ قانون الطّبيعة يقتضي هذا، وعلى هذا النّحو سائر الاكتشافات فإنّ جميعها أسرار للطّبيعة ويجب أن تكون بمقتضى قانون الطّبيعة مستورة. لكنّ عقل الإنسان الذي هو أعظم تجلٍّ إلهيّ يكسر قانون الطّبيعة هذا ويُخرج دوماً هذه الأسرار الطّبيعية من أجهزة الطّبيعة نفسها.

وإذا كنا نمتلك قوّة إلهية كهذه فهل يجوز أن نكون كالحيوانات المفترسة، وكالذّئاب يمزق بعضنا بعضاً ونصرخ وندعو إلى القتل والتّنكيل؟ فهل يليق هذا بمقام العالم الإنسانيّ؟

فلو أنّ حيواناً يفترس فإنّه يفعل ذلك من أجل طعامه ولا عقل له ليفرّق به بين الظّلم والعدل وليست له قوّة مميّزة. أمّا الإنسان فإنّه حينما يفترس فهو لا يفترس من أجل طعامه بل بسبب طمعه وجشعه. أفهل يليق الآن بمثل هذا الوجود الشّريف أي الإنسان، المستفيض من العقل وذي الأفكار العالية كهذه الأفكار والمحيط بهذه العلوم والفنون وبهذه الاختراعات العظيمة وبهذه الآثار العقلية وبهذه الإدراكات جميعها وبكلّ هذه الاكتشافات، أن يدخل ميدان الحرب مرّة أخرى ويسفك بعضه دم البعض الآخر؟ والحقيقة إنّ الإنسان بنيان إلهيّ وليس بنياناً بشريّاً فلو أنّكم هدمتم بناء بشريّاً فلا شك أنّ صاحب البناء يتكدّر، فكيف بالإنسان الذي هو بناء إلهيّ إذا هُدم؟ فلا شكّ أنّ هذا يكون سبباً للغضب الإلهيّ.

ولقد خلق الله الإنسان شريفاً وفضلّه على جميع الكائنات واختّصه بمواهب كلّية فأعطاه العقل وأعطاه الإدراك وأعطاه قوّة الحافظة وأعطاه قوة التّخيل وأعطاه الحواس الخمس الظّاهرية وأعطاه جميع هذه المواهب العظيمة وجعله مصدراً للفضائل كي يسطع كالشّمس ويكون سبباً للحياة وسبباً للعمران ونحن الآن نغضّ الطّرف عن جميع هذه المواهب ونخرّب هذا البناء الإلهيّ ونقوّض هذا التّأسيس الإلهيّ من أساسه. والحال إننا لسنا أسرى الطّبيعة بل نحن الذين نأسر أنفسنا ونتحرّك بمقتضى الطّبيعة.

ففي الطّبيعة نزاع على البقاء فإذا لم يربّ الإنسان فإنّ النّزاع والجدال من مقتضيات الطّبيعة. وكلّ هذه المدارس وكلّ هذه الكلّيّات لماذا تأسّست؟ لقد تأسّست من أجل أن ينجو الإنسان من مقتضى الطّبيعة وأن يتخلّص من نقائص الطّبّيعة وأن ينال الكمالات المعنوية.

لاحظوا لو أنّنا تركنا هذه الأرض على حالتها الطّبيعية فإنّها تصبح منبتاً للأشواك وتنمو فيها أعشاب غير نافعة أمّا عندما نربيّها فإنّها تصبح أرضاً طيّبة وتحصل على فيض وبركة عظيمة. وإذا تركتم هذه الجبال على حالتها الطّبيعية فإنّها تصبح غابة ولا تنمو فيها أبداً شجرة مثمرة أمّا حين تُربّى فإنّها تصير بستاناً وتعطي غلّة وتعطي ثمراً وتنتج منها أنواع الأزهار والرّياحين.

إذاً فلا يليق بالعالم الإنسانيّ أن يصبح أسيراً للطّبيعة ولهذا فهو محتاج إلى التّربية وبصورة خاصة إلى التّربية الإلهية.

لقد كانت المظاهر المقدّسة الإلهية مربين وكانوا بستانيّين إلهيّين حتّى يجعلوا هذه الغابات الطّبيعية بساتين مثمرة، ويحوّلوا منابت الأشواك إلى حدائق أزهار. إذاً فما هو واجب الإنسان؟ واجب الإنسان هو أن ينجي نفسه من نقائص الطّبيعة تحت ظلّ المربّي الحقيقيّ وأن يتّصف بالفضائل المعنوية.

فهل يجوز لنا أن نجعل هذه المواهب الإلهية وهذه الفضائل المعنوية فداء للطّبيعة؟ والحال أنّ الله تعالى أعطانا قوّة لنكسر بها قوانين الطّبيعة ولنأخذ السّيف من يد الطّبيعة وننهال به على هامة رأسها. فهل يجوز أن نجعل أنفسنا أسرى للطّبيعة ونسير على مقتضي التنّازع على البقاء الذي هو من الانبعاثات الطّبيعية فيمزّق بعضنا بعضاً كالحيوانات المفترسة ونعيش حياة لا يختلف فيها الإنسان عن الحيوان؟

في الحقيقة ليست هناك حياة أسوأ من هذه الحياة وليس هناك تحقير للعالم الإنسانيّ أسوأ من هذا التّحقير. وليس للعالم الإنسانيّ وحشية أسوأ من وحشية الحرب لأنّها سبب الغضب الإلهيّ وسبب هدم البنيان الرّحمانيّ.

الحمد لله إنّني أجد نفسي اليوم في مجمع كلّهم يرجون الصّلح ومقاصد جميعهم انتشار الصّلح العموميّ وجميع أفكارهم وحدة العالم الإنسانيّ وجميعهم خادمون للنّوع البشريّ وإنّي أرجو الله أن يؤيّدكم ويوفّقكم كي يصبح كلّ واحد منكم علامة عصره وسبباً في نشر العلوم وسبباً في إعلان الصّلح العموميّ وسبباً في ارتباط القلوب.

ولقد أعلن حضرة بهاء الله قبل خمسين سنة مبدأ الصّلح العموميّ بين الدّول وأعلن الصّلح العموميّ بين الملل وأعلن الصّلح العموميّ بين الأديان وأعلن الصّلح العموميّ بين الأوطان وتفضّل قائلاً إنّ أساس الأديان واحد وجميع الأديان أساسها الألفة والوئام وإنّما الاختلاف في التّقاليد ولا دخل لهذه التّقاليد في التّعاليم الإلهية. وحيث إنّ التّقاليد مختلفة فقد أصبحت سبباً للنّزاع والقتال. أما لو جرى تحرٍّ للحقيقة فإنّ جميع الأديان تتّحد وتتّفق.

ويتفضل إنّ الدّين يجب أن يكون سبب الألفة والاتّحاد وسبب الارتباط بين قلوب البشر. فإذا أصبح الدّين سبب النّزاع والجدال فلا شك أنّ عدم التّديّن أحسن لأنّ عدم الشّيء المضر أحسن من وجوده. وإنّ الدّين علاج إلهيّ وهو دواء لكلّ مرض من أمراض النّوع الإنسانيّ وهو مرهم لكلّ جرح أمّا إذا أسيء استعماله وأصبح سبباً للحرب والجدال وعلّة لسفك الدّماء فلا شكّ أنّ عدمه خير من وجوده.

وكذلك صرّح حضرة بهاء الله بضرورة الصّلح العموميّ بين الدّول والملل وبيّن مضار الحرب لأنّ النّوع الإنسانيّ أمّة واحدة والجميع سلالة آدم وآدم واحد والجميع أبناء أب واحد وأفراد عائلة واحدة وغاية ما في الأمر أنّها عائلة كبيرة. ولو أمكن تصوّر وجود أجناس مختلفة في عائلة واحدة لأمكن القول بجواز الاختلاف والنّزاع ولكن ما دام الجميع أفراد عائلة واحدة فإنّهم لا يمكن أن يكونوا أجناساً مختلفة. لهذا فإنّ التّمييز كقولنا هؤلاء إيطاليّون وأولئك ألمان وهؤلاء إنكليز والآخرون روس وهؤلاء إيرانيّون والآخرون أمريكيّون – إنّما هو مجرد أوهام. فالجميع بشر وكلّهم خلق الله وكلّهم سلالة واحدة وكلّهم أولاد آدم واحد وهذه الاصطلاحات والتّعابير وهمية.

أمّا بالنّسبة للتّعصبات الوطنية فإنّ الكرة الأرضية موطن لكلّ انسان وهي موطن واحد لا مواطن متعدّدة وهي وطن واحد للنّوع الإنسانيّ أمّا الحدود الوهمية التي لا أساس لها فقد اخترعها بعض المستبدّين في القرون الماضية وبها أحلّوا الحرب والقتال بين البشر وكان هدفهم الشّهرة واغتصاب الممالك ولهذا خلقوا احساسات حبّ الوطن لترويج مقاصدهم الشّخصية وكانوا هم يعيشون في القصور العالية ويصيبون نصيباً موفوراً من كلّ نعمة فيأكلون أغذية لذيذة وينامون في فرش منضودة من الرّيش ويسيرون ويتنزّهون في الحدائق الملكية وعندما كان يصيبهم السّأم كانوا يرقصون في صالات الرّقص مع النّساء الجميلات كالأقمار ويصغون إلى الموسيقى السّاحرة ولكنّهم يقولون لهؤلاء الكادحين ولهؤلاء الرّعايا ولهؤلاء المساكين ولهؤلاء الفلاحين اذهبوا إلى ميدان الحرب ليسفك بعضكم دماء البعض الآخر وليهدم بعضكم بيوت البعض الآخر فأنتم الجنود ونحن أصحاب الرّتب والمناصب والرّؤساء والقادة. ويقول البعض لماذا تخرّبون مملكتنا؟ فيجيبهم البعض الآخر: لأنّكم أنتم ألمان ونحن فرنسيّون. لكنّ مؤسّسي كلّ هذه الحروب مشغولون بالأفراح في قصورهم لا ينفكّون عن سرورهم وفرحهم. أمّا دماء هؤلاء المساكين فلماذا تسفك؟ إنّها تسفك من أجل الأفكار الوهمية في أنّ هذه أمّة فرنسية وتلك أمّة ألمانية في حين أنّ الاثنين بشر وأفراد عائلة واحدة وكلاهما أمّة واحدة ويجعلون اسم الوطن سبباً في هذا السّفك للدّماء والحقيقة إنّ هذه الكرة الأرضية وطن واحد.

إذاً يجب أن يتحقق الصّلح في جميع الأوطان. فلقد خلق الله كرة أرضية واحدة وخلق نوعاً انسانياً واحداً وهذه الكرة الأرضية موطن للجميع. ونحن جئنا ففرضنا حدوداً وهمية مع أنّ هذه الحدود وهم من الأوهام. فقلنا إنّ أحدها ألمانيّ والآخر فرنسي وشرعنا نحارب بعضنا البعض الآخر قائلين إنّ هذا هو الوطن الألمانيّ المقدّس وهو يستحقّ العبادة ويستحقّ الحماية ولكنّ تلك القطعة غير صالحة يجب قتل أهلها ونهب أموالها وأسر أطفالها ونسائها. فلماذا يسفك الإنسان الدّماء من أجل هذه الخطوط الوهمية ويقتل أبناء نوعه من أجل ماذا؟ من أجل محبّة هذا التّراب الأسود. في حين أنّ الإنسان يعيش بضع أياّم فوق هذه الأرض وبعد ذلك تصبح هذه الأرض قبراً أبديّاً له.

فهل يليق أن نسفك كلّ هذه الدّماء من أجل هذا القبر الأبديّ؟ سوف يخفي هذا التّراب أجسامنا في جوفه إلى الأبد وهذا التّراب قبرنا فلماذا نتحارب ونتعارك من أجل هذا القبر الأبديّ؟ أيّة جهالة هذه؟ وأيّة ضلالة هذه؟ وأيّة غباوة هذه؟

أملي أن تعيش جميع الملل في منتهى المحبّة والألفة مثل عائلة واحدة كإخوان وأخوات لأمهات وآباء واحدة في صلح وسعادة.

(«خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا»، ص380 – 390)

* * *

5 - خطبته التي ألقاها في جامعة أكسفورد في 31 كانون الأوّل (ديسمبر) 1912

لا يكاد الإنسان أن يطّلع بالسرّ المكنون في غيب الإمكان إلاّ بعد الخوض في غمار البحار، والفوز بعمق الأسرار. عند ذلك يرى الآيات الباهرة، والدّلائل السّاطعة، والبراهين القاطعة، والحجج اللاّمعة.

انظر إلى سرّ الوجود والبرهان المشهود. إنّ ربّك الودود قد جعل كلّ ممكن الوجود أسيراً لأحكام الطّبيعة وذليلاً لقوانينها، كما ترى أنّ الأشياء كلّها تحت سلطة ناموس الطّبيعة، ومخذولة تحت صولتها، ومحسورة عند ظهور قدرتها ودولتها. حتّى الشّمس النّيّر الأعظم لا تكاد أن تنحرف رأس شعرة من قوانينها بل هي مطيعة لحكمها، ذليلة عند ظهور سطوتها. فلا تتعدّى مدارها. وهذا المحيط الموّاج مع عظمته واتّساعه لا يكاد يتخلّص من شرّها ولا يتحرّر من سلاسلها. وكذا كلّ الأجسام العظيمة المتلألئة المتحرّكة الدّرهرهة[1] في هذا الفضاء، الذي لا يتناهي كلّها تحت حكم الطّبيعة بأسرها، وأذلاّء عند ظهور قدرتها، ضعفاء عند بروز قوّتها، لا تكاد تتعاطى حركة دون أمرها، إلاّ هذا الإنسان الصّغير الجسم، الوسيع الفكر، العظيم النّهى، الشّديد القوى. إنّه يحكم على الطّبيعة ويخرق قوانينها، ويهدم مبانيها، ويكسر شوكتها، ويخذل دولتها، ويقطع صولتها، ولا يعتني بأحكامها، ويزدري بأصولها ونواميسها. كما ترى أنّ الإنسان بمقتضى قوانين الطّبيعة هو حيوان دبّاب على التّراب، ولكنّه يكسر نواميس الطّبيعة، ويطير في الهواء، ويخوض في غمار البحار، ويطارد على صفحات الماء. وترى القوّة البرقية الخارقة للجبال العاصية، العاتية بقانون الطّبيعة، إنّها أسيرة حصيرة بيد الإنسان في زجاجة صغيرة ولا شكّ أنّ هذا خرق لقانون الطّبيعة. والصوت الحرّ المنتشر في هذا الفضاء يحصره الإنسان في آلة صمّاء وهذا أيضاً خرق لقانون الطّبيعة. والظلّ الزّائل يجعله الإنسان ثابتاً على صفحات الزّجاج وهذا خرق أيضاً لقانون الطّبيعة.

وإذا نظرت بنظر دقيق ترى أنّ كلّ هذه الصّنايع والبدايع والعلوم والفنون والاكتشافات والاختراعات يوماً ما كانت من الأسرار المكنونة والحقائق المصونة في غياهب الطّبيعة، ولكنّ الإنسان اكتشفها وهي في حيّز الغيب وأخرجها إلى حيّز الشّهود وهذا خرق عظيم لقوانين الطّبيعة. إذاً لا شبهة أنّ الإنسان خارق لشرائع الطّبيعة، هادم لصولتها، كاسر لشوكتها، ناسخ لقوانينها، فاسخ لنواميسها. مع هذا البرهان اللاّمع، والحقيقة السّاطعة الدّالّة على قوّة قدسية للإنسان وراء الطّبيعة، كيف يتخاذل الإنسان، ويتنازل الجاهل، ويتعبّد للطّبيعة، ويسجد لها من دون الله، ويعتقد أنّها هي الحقيقة الجامعة، والدرّة البيضاء السّاطعة، والكينونة الحائزة للمعنى التّامّ، والهوية المحتوية على الكمالات بتمام معانيها؟ أستغفر الله عن ذلك بل إنّ الحقيقة السّاطعة الخارقة للطّبيعة وأحكامها، والكاشفة لأسرارها، الكاسرة لقوانينها ونظامها هي الإنسان وهذا أعظم برهان وأقوم دليل لعلوّ الإنسان وسموّه على الطّبائع كلّها.

فأمعن النّظر حتّى ترى البرهان الذي أنزله الرّحمن في القرآن: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. إنّما البيان عبارة عن الحقيقة السّاطعة والأسرار المودعة في حقيقة الإنسان. تعالى الرّحمن الذي خلق هذا النّور المبين، المؤيّد بالفكر والذّكر العظيم. وامتازه الله من الكائنات حتّى عن الطّبيعة التي يعبدونها من دون الله. وإذا نظرنا إلى النّواميس المرتبطة بها جميع الكائنات في حيّز الطّبيعة، نرى بوضوح البيان أنّ الإنسان بقانون الطّبيعة أسير للسّباع الضّارية ولكنّه بقوّة معنوية مودعة فيه طالما أسر السّباع الضّارية، وطالما ذلّل وقهر الذّئاب الكاسرة، وهذا خرق عظيم أيضاً لنواميس الطّبيعة، وأنّ الإنسان يدع آثار القرون الخالية والفنون الحاضرة مواريث للقرون الآتية وهذا خرق أيضاً لنواميس الطّبيعة، وأنّ الإنسان له آثار باهرة بعد غيابه من هذه النّشأة الحاضرة. والحال إنّ الآثار تابعة للمؤثّر حيث الأثر والمؤثّر توأمان ولا يجوز وجود الأثر المستمرّ مع فقدان المؤثّر وهذا خرق، وأنّ الإنسان يجعل الأشجار الفاقدة الثّمار قطوفاً دانية وهذا خرق، وأنّ الإنسان يجعل السّموم المهلكة بقانون الطّبيعة سبباً للشّفاء والعافية وهذا خرق، وأنّ الإنسان يستخرج المعادن التي هي كنوز الطّبيعة وأسرارها المكنونة المصونة في باطنها ولا يجوز ظهورها بحسب قانونها وهذا خرق، وأنّ الإنسان بقوّة معنوية يمزّق قوانين الطّبيعة كلّ ممزّق، ويغتصب السّيف الشّاهر من الطّبيعة، ويضربها ضربةً دامغةً وهذا خرق بل تمزيق لقانون الطّبيعة.

ثمّ انظر إنّ الإنسان كاشف لأسرار الطّبيعة والطّبيعة غافلة عنه وعنها. وإنّ الإنسان يخابر الشّرق والغرب في طرفة عين وهذا خرق. وإنّ الإنسان مستقرّ في مركزه، ويشاهد، ويكلم، ويخابر النّواحي القاصية وهذا خرق. وإنّ الإنسان حال كونه في حيّز الثّرى، له اكتشافات في السّماء وهذا خرق. وإنّ الإنسان مخيّر والطّبيعة مجبورة. وإنّ الإنسان مستشعر والطّبيعة فاقدة الشّعور. وإنّ الإنسان حيّ مريد والطّبيعة فاقدة الحياة والإرادة. إنّ الإنسان يكتشف الحوادث الآتية والطّبيعة عاجزة عنها. وإنّ الإنسان بقضايا معلومة يستدلّ على القضايا المجهولة والطّبيعة جاهلة عنها. إذاً ثبت بالبرهان السّاطع أنّ في الإنسان قوّة قدسية والطّبيعة محرومة عنها، وأنّ في الإنسان صفة جامعة لكمالات شتّى من حيث السّمع والبصر والفؤاد والفضائل التي لا تتناهى والطّبيعة فاقدة لها، وأنّ الإنسان له الترقّي المستمرّ ولا يتراخى والطّبيعة لا زالت على الحالة الأولى أزلاً أبداً، وأنّ الإنسان مؤسّس للفضائل والطّبيعة داعية للرّذائل والمفاسد التي هي منازعة البقاء، والخصائل المذمومة التي جبل الحيوان عليها، وأنّ الإنسان يتصرّف بقانون العقل والنّهى وأنّ الطّبيعة تتصرّف بقانون الظّلم والجفاء. فالخير والشرّ متساويان عندها. أمّا في عالم الإنسان الخير ممدوح والشرّ مكروه، وأنّ الإنسان يبدّل ويغيّر القوانين المؤسّسة باقتضاء الزّمان والمكان والطّبيعة لا تكاد تنفكّ عن قوانينها لأنّها مجبورة عليها. وهذه الآفات والمخاطر كلّها اعتساف الطّبيعة وسبب للهلاك والدّمار. وأمّا الإنسان فإنّه جامع للفضائل كلّها المنبعثة من القوّة المعنوية الوديعة الإلهية، وأنّها ما وراء الطّبيعة لأنّها كاسرة لشوكة الطّبيعة وقوانينها. ومع هذه البراهين الواضحة، والدّلائل السّاطعة، والحجج البالغة، ما أغفل الإنسان وأجهله إذا خرّ ساجداً للطّبيعة وشؤونها وعبدها من دون الله. ومع ذلك يعدّ نفسه فيلسوفاً نفيساً، أستغفر الله، بل هو متغافل خسيس. إنّ الإنسان لأعظم شأناً، وأقوم سلطاناً، وأجلّ برهاناً من الطّبيعة التي ما أنزل الله بها من سلطان. يا الله ما هذه الغفلة؟ ما هذه البلادة الكبرى؟ أن يذهل الإنسان عن الحيّ القدير ويتعامى عن الوديعة الإلهية المودعة فيه بفيض مقدّس من الرّبّ الجليل، ويدع عقله أسيراً للطّبيعة وذليلاً لها؟ إنّ هذا لَيعمي القلوب التي في الصّدور والصّمم الحقيقيّ الذي يورث النّفور. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾. إذا قيل إنّ الإنسان جزء من أجزاء الطّبيعة فنقول لا يكاد الجزء يحتوي على فضائل وكمالات لا تتناهى والكلّ محروم عنها. هذا أمر مستحيل والله يهدي إلى صراط مستقيم.

(نقلاً عن النّص العربي المنشور في جريدة الكرستين كومنولث بتاريخ 22 كانون الثّاني (يناير) 1913)

* * *

[1]  الكوكبة الوقّادة.

ـ 3 ـ عبّاس أفندي في الصّحف المصرية والعربية

1 – جريدة «لسان الحال»، 11 آب (أغسطس) 1987

2 – جريدة «الأهرام»، 16 أيلول (سبتمبر) 1910

3 – جريدة «المؤيّد»، 16 تشرين الأوّل (أكتوبر)1910

4 – جريدة «الأهرام»، 19 كانون الثّاني (يناير) 1911

5 – جريدة «وادي النّيل»، 23 كانون الأوّل (ديسمبر) 1911

6 – جريدة «المهاجر» (الصّادرة في نيويورك)، 4 كانون الأوّل (ديسمبر) 1912

7 – مجلة «البيان»، عدد تشرين الأوّل/تشرين الثّاني (أكتوبر/نوفمبر) 1913