جنّة الكلمة الإلهيّة
جنّة الكلمة الإلهيّة

جنّة الكلمة الإلهيّة

الإهداء

 

نهدي هذا الجَهدَ المتواضعَ إلى النخبة المستنيرة من العلماء الأجلاء والمفكرين والأساتذة المنصفين الشرفاء، وإلى كلّ باحثٍ عن الحقيقة أتى الله بقلب سليم، وإلى الذين منَّ الله عليهم بجلاء البصيرة ونفوذها، وكشف عنهم الغِطاءَ ليدركوا حقائق المعاني والأشياء بما أوتوا من البصر الحديد. وندعوهم جميعاً إلى مصاحبتنا في رحلة للتأمّل العميق في الكلمات الإلهيّة وسبر أغوار معانيها حتى نستظلّ بها جميعاً في يوم لا ينفع ظلٌّ إلا ظلُّه لنستمتع بنور هديها وفحوى مقصودها، ونأنسَ بجنّة استمرارها.

مقدمة الطبعة الثانية

يسعدنا أن نقدِّم لكم الطبعة الثانية من كتاب جنّة الكلمة الإلهيّة حيث نفدت الطبعة الأولى من الكتاب في أقل من عام، مما شجعنا على إعداد الطبعة الثانية التي بين أيديكم. لقد وصل إلينا الكثير من تعليقات القرّاء التي تعكس رغبة القارئ في مناقشة بعض المسلّمات بموضوعيّة، والحاجة إلى تغيير الخطاب الدينيّ حتى يصبحَ داعياً إلى التقارب والتعايش بين بني البشر الذين هم أثمار شجرةٍ واحدة وأوراق غصنٍ واحد.

وهذا الكتاب كما ذكرنا في التمهيد ما هو إلا رحلة بحث في الكتب المقدّسة، وما تناوله من تحليل لبعض الآيات ليس له مغزى سوى وصول القارئ بنفسه إلى بعض مكنونات الكلمة الإلهيّة، وإلى إدراك حقيقة وجودها وأهميته، والإيقان بضرورة استمرارها فمنها تبدأ الحياة وبها تسير.

إن ما اشتمل عليه الكتاب من طروحات جاءت لتساعد القارئ في الوصول إلى أن الكلمة الإلهيّة هي الإكسيرُ الذي يوحّد القلوب ويصقلها، وهي الدواءُ الشافي الكافي لعلاج القلوب مما ألمَّ بها من أدران الغلّ والكراهية ويقيها من نيران العصبيّة الجاهليّة، وبالتالي يسود احترام الآخرين مهما اختلفت عقائدُهم، أو تباينت خلفيّاتهم، أو تنوعت طقوسهم، حتى يجتمعوا على كلمة سواء.

المؤلفان

سوسن حسني & عبد العزيز الهادي

jannatulkalima@gmail.com

تمهيد

هذا الكتاب هو رحلة بحث بحث في الكتب المقدّسة، ومحاولة لتحليل بعض ما جاء فيها من آيات بهدف وصول القارئ إلى بعض مكنونات الكلمة الإلهيّة، وإلى إدراك حقيقة وجودها على مرّ العصور والأزمان، والتيقّن من أهمّيّتها بل وضرورة تواجدها واستمرار بقائها لأنّ منها تبدأ الحياة وبها تسير.

فالكلمة الإلهيّة كالشمس التي لا يُستغنى عنها في أيّ وقت من الأوقات لأنّها سرُّ الحياة، ولا غنى عنها في الليل قبل النهار لأنّها مصدرُ الدفء وجوهر الحياة. فالشمس تظهر في ميقات، ثمّ تختفي وتخبو في ميقات آخر لتظهر مرّة ثانية في الميقات التالي. وتختلف درجة حرارتها باختلاف الفصول وبتعاقب الليل والنهار، بل وتختلف قوّتها ويتباين تأثيرها على مدار الساعات في اليوم الواحد. هكذا تكون الكلمة الإلهيّة؛ تختلف قوّة تأثيرها في النفوس، كما تتدرّج في الإشراق فتتبدّل القلوب، ويتحقّق الخلق الجديد. ومن تأثيرها تؤسّس الحضارات وتبنى الثقافات، ولكن يقلّ تأثيرها ويخبو نورها تدريجيّاً مع مرور القرون فتقسو القلوب وتتبدّل النفوس وتسود الظلمات، ويتمّ ذلك في ميقات معلوم. ويبقى الأمر إلى أن يشاء الله البعث من الرقود والحياة بعد الركود، فيجدّد كلماته ويرسل آياته موفياً بعهده الدائم مع البشر في دورة جديدة. وعلينا أن نوقن بأنّ الكلمة الإلهيّة واحدة لا تتغيّر ولا تتبدّل ولكن المتغيّر هو مدى القدرة على فهمها، ومقدار العمق في الإحاطة بمعانيها، فذلك يختلف باختلاف الناس وقدراتهم، وباختلاف كلّ من الزمان والمكان.

نحبّ أن نؤكّد للقارئ الفاضل أنّ هذا الكتاب ليس تفسيراً جديداً للقرآن الكريم، أو تأويلاً حديثاً لآياته، بل هو دعوةٌ صريحة وغيرُ مسبوقة لإعادة التأمّل في كلمات الله التي بين أيدينا بعيداً كلّ البعد عن أيّة تفاسير سواء أكانت قديمة أم حديثة، ومقارنة الآيات بأسلوب علميّ محايد يساعد القارئ على الوصول بنفسه إلى شيء من مقصودها. إنّ الله حدّد في أكثر من موضع مسؤولية كلّ إنسان في تحرّي الحقيقة بنفسه، وطلب منه أن يُعملَ الفكر ويُحكِّم المنطق في فهم ما جاءت به الرسل نافضاً عن عقله غبار التقليد، ومحترماً لمنحة العقل التي حباه الله بها دون سائر المخلوقات. لأنّه من خلال الفهم الذي هو نعمة يتوق إليها كلّ فرد، وعلى قدر استيعابه للكلمة الإلهيّة سيتمكّن من العمل بما جاءت به هذه الكلمة الخلاّقة ليس من أجل إنقاذ نفسه وإنقاذ الأسرة البشريّة بأسرها من الدمار فحسب، بل من أجل حفظ العالم برمته من الانهيار.

يشتمل هذا الكتاب على طروحات منطقيّة تعين القارئ على الوصول إلى الهدف الرئيسيّ من استمراريّة الكلمة الإلهيّة، وتلفت نظره إلى مغبّة الحرمان منها أو ادّعاء نفادها أو أفول شمسها، فهي الجنّة الوارفة التي يعيش الناس في ظلّها، وهي التي لها ولما جاءت به يسجد كلُّ البشر سواء كان ذلك طوعاً أو كرهاً.

إنّ وصول القارئ بنفسه إلى بعض النتائج، سيكون له تأثير في نزع ما في القلوب من أدران الغلّ وتطهيرها من تلوّث الكراهية و نيران العصبيّة الجاهليّة، وسيساعد على احترام الآخرين مهما اختلفت عقائدهم وتباينت خلفيّاتهم وتنوعت طقوسهم لأنّهم جميعاً في حقيقة الأمر يجتمعون على كلمة سواء، وهي الكلمة الإلهيّة الواحدة على الرغم من اختلاف صورها وتباين أساليبها، وتعدّد أسمائها.

وفي الختام يجدر بنا تقديم كامل الشكر وجميل العرفان إلى كلّ من قام بالإسهام في إخراج هذا العمل إلى النور، وهم كثيرون، ولكنّنا نخصّ بالشكر أستاذنا الدكتور محسن عنايت رجل القانون، وناسك العلوم الإنسانيّة على مشاركته المستمرّة بخبراته الواسعة وآرائه السديدة التي تنأى عن أيّ مجاملة أو محاباة. وفي الحقيقة فإنّنا مهما قدّمنا له من شكر فلن نوفيه حقّه على كلّ ما بذله معنا من جهود مخلصة من أجل إنجاز هذا الكتاب، ولا ننسى دعم السيدة الفاضلة حرمه الدكتورة Felicity وتشجيعها. كما نتقدّم بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذ الجليل فاضل أردكاني على كلّ ما قدّمه من مجهودات للمساعدة في طبع الكتاب ونشره. ولا ننسى ما قدّمته لنا هيئة المراجعة من مقترحات بنّاءة خلال مراجعتها للكتاب فنقدّم لهم موفور الشكر وخالص التقدير والامتنان.

المؤلفان

المقدّمة

تعدّدت في السّنوات الأخيرة الدّعوات لتجديد مضمون المفاهيم الدّينيّة لتتناسب وما جدَّ في العالم من تغيير، إلاّ أنّ تعديل مضمون الدّين أو تجديد خطابه إن لم يكن بإرادة إلهيّة ووحي جديد، فلا يعدو كونَه نتاجَ العقل البشريّ الّذي مهما علت قدراته، واتّسعت مداركه، وتنوّعت معارفه، وصقلت أدواته يبقى محدوداً بحدود الفكر البشريّ. ومع ذلك فهي دعوات يمليها اتّساعُ الفجوة بين تعاليم دينيّة قديمة وبين ظروف حياة جديدة بمنتجاتها العلميّة المتقدّمة، وتفكيرها المنهجيّ الحديث.

والكتاب الّذي نحن بصدده صريح في أنّه لا يروم الخوض في هذه المتاهات ويضطلع ببديل عنها، فيبحث تفكيراً دينيّاً جديداً ويعرض بعضاً من جوانبه الّتي تدور حول المفاهيم والمبادئ الّتي أعلنها بهاءُ اللّه المبعوثُ الإلهيُّ لهذا العصر، والّذي توالي مبادئ دعوته الآن تهيئة العالم الإنساني للتخلّص من إرث الماضي العقيم وإرساء قواعد عالم مختلف في أسسه ومنظّماته وطرز تفكيره.

فمحور الكتاب ومؤدّى حُججه هو أنّ الحقيقة الدّينيّة المنبثقة من الكلمات الإلهيّة أكبرُ وأعظم من أن تحتويها مدرسةٌ فكريّة، أو تحصرها فترة من فترات التّاريخ، أو تشملها بعضٌ من الرّسالات الدّينيّة، لأنّها إشعاع دائم من الفيض الإلهيّ المتدفّق عبر الزّمن لا يحدّه سوى عجز الإنسان عن استيعابه بكامله. وبزوغ هذه الحقيقة على دفعات، ومجيء مظاهرها تباعاً كلٌّ بقدر مقدور من الآلاء الرّوحانيّة ووفقاً لطاقة الإنسان واحتياجاته المتدرّجة لا يمسّ ولا ينفي كونها حقيقةً واحدة، وعروةً وثقى لا تعدّد لها ولا انفصام.

وقد قدّم المؤلفان في هذا الكتاب، بما يمتلكان من ثروة لغويّة وما تضلّعا به من علوم دينيّة، حلولاً لعدد من المعضلات الّتي استعصت على المفسّرين في الأزمنة الغابرة، فأظهرا الدّور الهامّ الّذي أدّاه المجاز في الكلام الإلهيّ، سواء بتصوير المعاني الرّوحانيّة المعقولة لمستويات فكريّة متفاوتة القدرات، أو بتجسيم المعاني المجرّدة تيسيراً للفهم البشريّ المعتاد على إدراك المحسوسات.

وقُسّم الكتاب إلى بابين يحوي كلّ منهما خمسة فصول: فيبحث في الفصلين الأول والثاني من الباب الأوّل الكلمة الإلهيّة من حيث التّعريف بها، والوقوف على سماتها وخواصّها والأساليب والصّور الّتي تخاطب بها البشر، لينتقل بعد ذلك في الفصول الثلاثة التالية إلى الشّبهات والأوهام الّتي تحجب عن النّاس أنوارها. فعالج في الفصل الثّالث قضيّة التّأويل البشريّ والتّأويل الإلهيّ، أمّا في الفصلين الرّابع والخامس فلقد قدّم المؤلفان نماذج من هذه الحُجُب وقاما بتحليل كلٍّ منها على حدة وذلك مثل: معضلة الخاتميّة، وفكرة أبديّة الشّرائع الدّينيّة. وركّزا على جنوح أتباع كلّ دين في اعتبار دينهم دينا كاملاً وعليه يعتبرونه آخر الأديان، ومن ثمّ يرون حامله خاتم الأنبياء، وهم في كلّ ذلك يغفلون عن نبوءات المجيء اللاّحق وميقاته وعلاماته التي أفاضت الكتب السّماويّة في ذكرها ولم تقصّر في الحديث عنها.

ويقدّم الباب الثّاني في فصوله الخمسة معانيَ جديدةً لمفاهيم مثل: الإسلام وتسليم الوجه للّه، ولقاء اللّه، واستمراريّة الرّسالات في دين واحد. كما يواصل البحث في أمر مبادئ الدّيانة البهائيّة بأمانة منزّهةٍ عن الميول الشّخصيّة وصراحةٍ قد تدهش العامّة. ومن الطّبيعي أن يرتبط الحديثُ عن المبادئ بغاياتها والأهداف الّتي تروم تحقيقها. ويستكمل هذا الباب مباحثَه بعرض موجز للتّاريخ البهائيّ مع بيان مراحل امتداد نفوذ تعاليم هذا الدّين مستعيناً بإحصاءات مدعومة بأرقام محدّدة وتقدير دقيق.

وقد استندت حجج الكتاب إلى كثير من آثار حضرة بهاء اللّه وغيرها من آيات الكتب المقدّسة، مما يلزم معه التّنويه بأن آثار حضرة بهاء اللّه قد نزّلت بالّلغتين العربيّة والفارسيّة. ولذا سيجد القارئ الآثار المنزّلةَ أصلاً بالعربيّة بخط أسود عريض تمييزاً لها عن النصوص المترجمة عن اللغة الفارسيّة، وتُبيّن هوامش الكتاب المصادر التي استُقيت منها النّصوص والتّرجمات لمن يرغب في الرّجوع إليها.

بقي أن تتعرّف على مَن أبدعا جنّة الكلمة الإلهيّة هذه الصّيحة المنطلقة من أعماق شخصين أنبتتهما أرض الكنانة، وشبّا على تربتها المشبّعة بالثّقافة الإسلاميّة بمدينة القاهرة الّتي نالا فيها قسطاً وفيراً من العلوم الدّينية عبر دراستهما المتعمّقة سواء في كليّة دار العلوم ومعهد الدّراسات الإسلاميّة حيث أكمل الأستاذ عبد العزيز الهادي دراسته، أو في كليّة البنات الإسلاميّة بجامعة الأزهر حيث كانت الدّكتورة سوسن حسني محمود من أوليات المتخرّجات في تاريخ هذه الجامعة الدينيّة العريقة من الفتيات. ثم تابع الاستاذ عبد العزيز دراسة القانون والشّريعة، بينما حصلت الدكتورة سوسن على درجتي الماجستير والدكتوراه في اللّغة والآداب.

وعملا بعد زواجهما في التّعليم، فقاما بتدريس اللّغة العربيّة والدّراسات الإسلاميّة في جمهوريّة مصر العربية، وفي دولة الإمارات العربيّة. وقامت الدّكتورة سوسن بتدريس الفكر الإسلاميّ لطلبة التّأهيل التّربويّ التّابعة لجامعة العين في دولة الإمارات العربية. ثمّ عملا بدعوة من جمهوريّة الصّين الشّعبيّة في جامعاتها كخبيرين لغويّين لأكثر من عقد من الزّمان، وقد أسهما في الإشراف على تطوير مناهج اللّغة العربيّة لغير النّاطقين بها إلى جانب إسهامهما في الرّسالات العلميّة المتعلّقة باللّغة العربيّة وآدابها في أكثر من جامعة، وكان لهما دور هامّ في حصول إحدى الجامعات الصّينيّة على منحة قدّمها الشّيخ زايد لتأسيس مركز الإمارات للّغة العربيّة والدّراسات الإسلاميّة، وهو من أكبر وأهم مراكز تدريس هذه اللّغة في الدّول الآسيويّة خارج حدود الوطن العربيّ. كما قامت الدكتورة سوسن في عام 2003م بتأسيس أوّل دراسة أكاديمية للّغة العربيّة وآدابها في نيوزيلندا بجامعة كانتربري.

هذا بالإضافة إلى ما قاما به من أنشطة اجتماعيّة متنوّعة كتأسيس وإدارة بعض المنظّمات غير الحكوميّة المتخصّصة في المشاريع الإنمائيّة والتّعليميّة، خاصّة في المناطق الفقيرة، وتعزيز المشاركة النّسائيّة بتدريب الرّاغبات في الإسهام في النّهوض بمجتمعاتهن.

فمؤلفا هذا الكتاب إذاً بحكم تكوينهما العلميّ وخبراتهما العمليّة، واطلاعهما على ثقافات وخلفيات متنوّعة يمتلكان مقدرةً عاليةً لبسط الحقائق الّتي تناولها الكتاب في أسلوب منهجيّ يخفّف من صعوبة وتعقيد المفاهيم الدّينيّة الّتي طرحاها على بساط البحث طرحاً جديداً يتَّسمُ بالجرأة ويعيد إلى الأذهان الشّجاعةَ الّتي أبداها كلٌّ منهما عند محاكمتهما عام 1985م بتهم تعلّقت بمعتقداتهما الدّينيّة، تحت مسمّى جرائم الرّأي، والتي انتهت بتبرئة القضاء لساحتيهما من كلّ الشّبهات.

القول الجامع لما بين دفتي هذا الكتاب أنّه دعوةٌ إلى الإيمان الوثيق بحقيقة دينيّة واحدة، متجلّية في الكلمات الإلهيّة ومتدرّجة في ظهور أنوارها بقدر ما تسمح به ظروف وطاقة البشر. فبحوث هذا الكتاب تمدّ الرّؤية إلى المستقبل بيقين الموفين بعهد اللّه والواثقين بوعده الحقّ، لأنّ القوى التي تطلقها الكلمة الإلهيّة أعانت الإنسانيّة في التّغلّب على أزمات الماضي بالرّغم من شدة التّعصُّب وكثرة الأوهام والخرافات، ومن الأحرى بها اليوم أن تمدَّنا بأمل وطيد للخلاص من براثن الماديّة والأنانيّة والاعتساف لكي نبلغ الحرّيّة الحقّة الكامنة في ظلّ الحقيقة الدّينيّة وفي طيّ كلمات المظاهر الإلهيّة.

محسن عنايت

الباب الأوّل الكلمة الإلهيّة

سماتها وتأثيرها وأساليبها وصورها

والعقبات التي تحول دون فهمها

مثل

التأويل، وعقدة الخاتميّة، والشريعة الأبديّة

 

الفصل الأوّل الكلمة الإلهيّة بعض سماتها وقوة تأثيرها

الكلمة الإلهيّة خطابٌ رحمانيٌّ يتجلّى من الغيب على البشر بسرّ وجدانيّ، ليعكس على الوجود كمالَ صفاتِ منزِّلها وعظمةَ باعثها وكبرياءه. ولها من خصائص العزّة وسماتها ما يميّزها عن كلّ ماعرف البشر من صنوف الكلام. ومن ثمّ فهي تسمو على غيرها من صور البلاغة والبيان ليس من حيث جمال نظمها وحسن ترتيبها فحسب، بل وعلى الأخصّ من حيث دقّة معانيها وعمقها ورفعة غاياتها وجلالها التي تتجاوز بمراحل هائلة جمالَ تعبيرها. لذا فمن الأحرى بنا أن نلتفت إلى مقاصدها من حيث كشفها للحقائق المستورة عن العقول والأفهام، ومن حيث إيضاحها للمسيرة الحضاريّة برؤية جليّة تحدد مداها وأهدافها. فالكلمة الإلهيّة من هذا الوجه نورٌ وضّاح لولاه لبقي الأنام في ظلام النفس وهواها، وساروا في مسالك الجهل بحقيقة ذواتهم وما فُطرت عليه من طباع الخير، ولَغَاب عن نظرهم الدورُ الكريم المقدّر لها، ولما أدركوا سرَّ استعدادها الطبيعيّ للخضوع والخشوع لمصدر النعم والآلاء المحيطة بها.

ويميّز دورَ الكلمة الإلهيّة في حياة البشر قوّةُ نفوذها في وجدان الإنسان. فكانت على مرّ العصور الأداةَ الفريدةَ ذات القدرة الخارقة للتأليف بين قلوب البشر وتطهيرها من أدران العداوة والبغضاء، لأنّها تفتح لهم أبواب الحياة الأبديّة.

وبفضل قدرة الكلمة الإلهيّة على توحيد صفوف الأحزاب المشتتة صارت عبر التاريخ هي البداية المسبّبة لمولد كلِّ حضارة، والقوة المجدّدة لأساليب التمدّن ومناهجه بين الورى، والدافع الرئيسيّ لرقيّهم إلى أعلى علّيّين. ففي رسالة تهذيبها لطبيعة الإنسان تؤدّي دورها برفق ورحمة، فتتنزّل إلى الوجود بقدر مقدور يتناسب مع ما بلغته طاقةُ الإنسان وقدراته خلال انتقاله بين مراحل تطوّر نموّه الروحانيّ المختلفة، ومع ما وصل إليه فهمه وعقله في رحلة ارتقائه في مدارج النضج والوعي الإيمانيّ. فالكلمة الإلهيّة، من هذا الوجه، هي نعمة تربويّة ووسيلة هداية ربانيّة لا تعادلها نِعمٌ أو وسائلُ أخرى.

لهذا تنزّهت الكلمة الإلهيّة عن “همهمة الحروف والكلمات”، وتقدّست بدورها عن “دمدمة الألفاظ والأصوات”، ونالت مقاماً عليّاً؛ فهي بدء الأمر في كلّ رسالة إلهيّة، وهي أوّل الفيض المنزّل من السّماء لإحياء الأرض الطيبة وفرزها عمّا سواها، وهي الميزان المحكم الذي يُحقُّ الحقَّ ويزهق الباطل، وهي الحكم المبرم الفاصل بين الصالح والطالح في عالم الممكنات. وبفضل هذه القدرة الخارقة للكلمة الإلهيّة أخرجت مع إشراق كلّ دورة دينيّة خلقاً جديداً. ومن ثمّ فإن الكلمة الإلهيّة، بلا أدنى شكّ، ناشرة الرحمة في الوجود وباعثة القوى المجدِّدة للحياة على مرّ الأيّام والعهود.

ولا غرو فإنّ الكلمة الإلهيّة تشرق من آفاق مختلفة وفقاً لاختلاف الأزمنة والعصور كما يتنقّل قرص الشمس بين بروجها فيختلف إشعاعها، ويتغيّر أفق بزوغها مع كونها هي الشمس بعينها المنزّهة عن النقص أو الزيادة. فالكلمة الإلهيّة كانت ولا تزال تكون في علوّ التّقديس عن المباينة والاختلاف. وسواء أكان إشراقها من الطور الأيمن، أم كان طلوعها من جبل ساعير، أم كان ظهورها من يثرب والبطحاء، أم لاحت من آفاق أخرى وسطعت في هيكل وصورة الاسم الأعظم فهي هي بذاتها فريدة منزّهة عن مجانسة غيرها أو مشابهة ما عداها، وما زالت تحوز على خواص الكمال وصفاته بما يُعجز أيّ لسان عن وصفها، ويضعف اللغات برمتها عن الإيفاء بحقها من نعوت الجمال. وحتّى تتناسب مع درجات نموّ البشر وتقدّمهم يختلف تركيزها في كلّ دورة دينيّة على الجانب المناسب من الأركان الجليلة والمبادئ العظيمة المشتركة بين الأديان والقواعد التي يقوم عليها أساس الدين، فتبدو للنظر المحدود كأنها مختلفة من زمن إلى آخر، أو ناسخة لمظاهرها السابقة على الرغم من أنّ جوهرها ولبّها هو نفسه من دون خلاف أو اختلاف يواصل أداء رسالتها الأبديّة الخالدة.

ومن ثمّ فإنّ المتأمل في أطوار التدبيرات الربّانيّة يرى أنّ للكلمة الإلهيّة أثراً دائماً لا ينقطع، فيتفاوت تأثيرها بمرور القرون والأعصار، إلى أن يحين وقت تجدّدها وجلاء تأثيرها، فتبدو الكلمة الإلهيّة في أبهي صورها وأكمل حللها. فتزدهر الحضارات من فيضها، وتنمو العلوم والفنون، ويزداد الرّخاء والرّفاه ولكن مرّة أخرى إلى حين. ثمّ يقلّ بالتّدريج تأثيرها مع طول الأمد، ويخبو ضوءُها رويداً رويداً مع مرور الزّمن، فتقسو القلوب، وتذبل النّفوس، وينقضي الأجل المحتوم وفقاً لميقات مقدور، إلى أن يعود مرّة أخرى البعث الرّوحاني والخلق الجديد فتضجّ الحياة مرّة أخرى بالحركة بعد السّكون، وتبدو الكلمة كأنّها أمرٌ جديد وتنزّل مرّة أخرى في ثوب قشيب.

وكما أنّه لا نفاد لكلمات الله ولتجدّدها في معارج الوصل لأنّها خطاب الخالق الدائم جلّ وعلا إلى عباده، كذلك لا يوجد حصر لمعانيها ولا حدّ لمقاصدها، وإنّما كشفُ سر معانيها وفهمُ مكنون مجازها وسبرُ أغوار عمق غاياتها يختلف في كلّ عصر وطور وفقاً لمدارك العقل البشريّ ودرجة ما بلغ علمه من نضج وقدرة في كشف أسرار الطبيعة ومعرفة الهدف من الحياة. فما أكثر معانيها الّتي لا تسعها قُمُص الألفاظ ولا تحتملها تراكيب الجمل! لذا تفرغها الكتب المقدّسة في صور التّشبيه وفسحة المجاز تداركاً لقصور الألفاظ عن الوفاء بكامل مراد اللّه. ومن ثمّ يكون من الخير للإنسان بل يكون من علامات رشده وبلوغه أن يقرّ بعجزه عن امتلاك زمام جلّ معانيها، وحسبه أن يجعل من قلبه منزلاً طاهراً لها.

وسنبذل قصارى جهدنا في السّطور التّالية لتفصيل بعض جوانب هذا المحيط الّذي لا يحاط والوقوف على جانب من أوصافه في بحثين؛ سنعالج في البحث الأوّل بعض سمات الكلمة الإلهيّة وتأثيرها، ونقسّمه إلى مبحثين نخصّ أولهما بسماتها، ونقدم في الثاني الشواهد التاريخيّة على تأثيرها. أمّا دراسة أساليب الكلمة الإلهيّة وصور مجازها فنرجئ معالجتها إلى الفصل التالي في بحث خاص بذلك.

أوّلاً: سمات الكلمة الإلهيّة

سنركّز في تأمّل وئيد على بعض سمات الكلمة الإلهيّة أملاً في الدّنوّ قليلاً بفهمنا من آفاقها السّامية، آخذين في الاعتبار أنّنا نلجُ باب كلمة منزّهة تماماً عن مشابهة غيرها من أساليب الكلام، ومقدّسة بالكليّة عن التماثل بالعلوم المكتسبة في طَوْعها للتّحليل والتّمحيص.

ولا جدال في أنّ عزّة الكلمة الإلهيّة في أنّها {وحي يوحى}، وسرّ راسخ بقدرة اللّه في قلب حَمَلة أمانته. وهذا سرّ من أسرار سموّها وآية من آيات علوّها في كلّ دور وكور. ومن الحقائق الثابتة أنّ الّذين استفاضوا من أمر ربّهم وأفاضوا أنوار الكلمة الإلهيّة على البريّة لم يمسس صفاء وجدانهم شيء من العلوم المكتسبة فبقي علمهم لدنّيّاً صافياً وربّانيّاً خالصاً. وإزاء عديد سمات الكلمة الإلهيّة وأوصافها لا يسعنا إلاّ الاكتفاء بأربعة أمثلة لها عملاً بالمقولة المعروفة: “ما لا يُدرك كلّه لا يُترك كلّه”.

1. الكلمة الإلهيّة نورٌ وهدى

إنّ تشبيه الكلمة الإلهيّة بالنّور هو نوع من صور المجاز البارزة العديدة التي تزخر بها الكتب السّماويّة لجميع الأديان الّتي وصلتنا عنها نصوص. ويمكن الاعتماد عليها والثقة في أصالتها. ودلالة هذا التشبيه المتواتر هو وجود نوع من النّسبة والمشابهة بين الصّورة المجازيّة والحقيقة الغيبيّة، وإلاّ لما كان للتّشبيه وجهٌ أو معنى. وبعبارة أخرى يمكن أن نستخلص من التشبيه المشاركة في الخصائص والصفات بين المشبَّه والمشبَّه به. وفي ذلك دعوة من الكتب السماويّة وحافز لنا لنتأمل خصائصَ المشبَّه به، وهو في حالتنا هذه النّور الطبيعيّ في حدود ما توصّل إليه علمنا البشريّ، ونستخلص منه ما يتّفق عقلاً مع وجوه المماثلة للكلمة الإلهيّة لمجرّد تقريب آية من آيات الملكوت إلى أفهامنا وإدراك شيء يسير من مميّزات ومعاني النّور السّماويّ، مع الاعتراف سلفاً بالفارق الشّاسع بين دنوّ أوصاف عالم الشّهود وعلوّ صفات عوالم الملكوت.

من خواصّ الضوء التي لا تُنكر تأثيره المباشر في وجود الحياة ذاتها، وخلق النّماء وإكمال النّضج في الخلائق بما لا يحتاج إلى مزيد من الشرح أو البيان. لذا من الأنسب هنا أن نضيف شيئاً عن تأثير ضوء الشّمس غير المباشر على معنويات المخلوقات. ولا غرابة في أن يكون لضوء الشّمس تأثير على النّفوس إلى جانب ما لها من تأثير مشهود على الأجسام. فالشمس، بلا أدنى جدال، هي سرّ الحياة ولا حياة من دونها، وبالتالي فلا عجب في أن يكون لها تأثير نفسانيّ.

ولا جدال أيضاً في أنّ من الخصائص المشتركة بين هذا النّور الطّبيعيّ وذلك النّور السماويّ ما لكليهما من تأثير عظيم على الحالة النفسية للإنسان ومشاعره. فالنور في الحالين هو منبع الاطمئنان، وهو أيضاً من بواعث البهجة والثقة والانشراح. ولا يبنى هذا القول على التجربة والمشاهدة وحدهما وإنّما تدعمه نتائجُ الأبحاث العلميّة في جدوى النورين في التخلّص من الاكتئاب وغيره من الأمراض النفسيّة والجسمانيّة بفضل ما أوتيا من قدرة على إعادة التوازن في مكوّنات الإنسان المنظّمة لوظائفه الحيويّة والمؤثرة بدورها في سلوكه وفكره ومشاعره.

وهنا نتساءل ماذا يمكن أن يعنيه هذا النّور السّماويّ بالنسبة لنفس الإنسان؟

وهل يمكن أن يكون هو الهدى المستمد من الكلمة الإلهيّة؟

وما عسى أن يكون مراد اللّه في قوله في التوراة:

«في البَدْءِ خَلَقَ اللّهُ السّمَوَاتِ وَالأَرْضَ. وكَانَت الأَرْضُ خَرِبَةً وخالية… وقَالَ اللّهُ لِيَكُنْ نُورٌ فَكَانَ نُورٌ. ورَأَىَ اللّهُ أَنّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللّهُ بَيْنَ النّورِ والظُلْمَةِ…»

قد يكون من المفيد التأمّل هنا في ألفاظ السّموات والأرض والنّور والظُّلمة بمعانيها الجارية في اللغة لندرك أنّها لا تستقيم مع مراد الآيات الواردة في الكتب السماويّة لأنّ حملها على معاني الألفاظ الحقيقيّة قد يؤدي أحياناً إلى نتائج لا يقبلها العقل ويرفضها العلم في الوقت نفسه.

ففي النصّ السابق مثلاً خلق الأرض وهي كوكب صغير وجزء لا يكاد يُذكر في هذا الكون الفسيح لم يكن بمعزل عن خلق المجموعة التي تدور في فلكها، ولا كان خلقها منفصلاً عن الشمس وهي محورها ومركزها الذي تدور حوله. وعلى هذا لا يمكن عقليّاً أومنطقيّاً أن تكون الأرض مظلمةً مع وجود الشمس التي لا يتوقف إشعاعها ولا يخبو نورها. وما لا يتفق مع العقل هو من المتشابه الذي ينبغي حمله على المجاز واستبدال المعنى الحقيقي لألفاظه بمعان تتفق وسياق الكلام ويقبلها العقل والعلم في آن واحد.

وكذلك لا يستسيغ العقل ولا يقبل العلم أن نحمل لفظتي النّور والظلمة في الآية المذكورة إلاّ على المعنى المجازيِّ أيضاً، لأنّ النّور والظلمة ضدان، بل إنّ انعدام النور هو كُنه الظلام بعينه، وفي حقيقة الأمر لا يمكن بالمنطق السليم أن يجتمع النور والظلمة في آن واحد ومكان واحد، لذا فلا مناص من حمل لفظ كلّ من الأرض والسّماء والنور والظلام على المعنى المجازيّ بما يتّفق مع سياق الكلام. وهنا نتساءل:

ألا يحتمل أن يكون المقصود من بدء الخلق هو خلق الوعي الإيمانيّ في الإنسان كما هو واضح من السياق؟

أوليس مما يحتمله النصُّ ويستسيغه العقلُ من معاني السماء هنا سموّ الكلمة الإلهيّة وما تشعّه من ضياء وترسله من نور يسمو بفكر الإنسان ووجدانه إلى أعلى المراتب والدرجات؟

وهل يكون المراد من كلمة الأرض هو الإشارة إلى قلوب البشر أو إلى الحقيقة الإنسانيّة المتلقّية والمستجيبة لذلك الضياء المشعّ من الكلمة المباركة؟

وهل يتفق وهذه المعاني أن نحمل لفظ النّور على أنّه الطاقة الرّوحانية الّتي تفيض من الكلمة الإلهيّة وتتيح الرؤية الجليّة على عكس الظلام الذي يبدّده نور الكلمة الإلهيّة؟

وهل يكون المفهوم من الظلام السابق على النور لا يعدو إلا اختلاط الأمور فلا يكاد يبيّن الحقّ من الباطل ولا يكاد يتميز الخير على الشّرّ؟

إنّ الفصل بين النّور والظّلام هو التّمييز بينهما الّذي تُهيّئه، وترشد إليه أنوار الكلمة الإلهيّة والّتي أسماها الأصحاح الثّاني بشجرة معرفة الخير والشّرّ والّتي لم يكن في مقدور الإنسان أن يفرّق بينهما قبل أن يأكل من ثمرها. ألا ترى معنا أنّ المعنى المجازيّ وحده هو الّذي يتّفق وسياق الكلام حيث لا توجد شجرة حقيقيّة يولّد الأكل من ثمرتها في الإنسان معرفة الخير والشّرّ والتمييز بينهما وإنّما هذا من صميم رسالة الكلمة الإلهيّة؟

كما أنّ من الحقائق العلميّة المعروفة أنّ النّور الطّبيعيّ هو الوسيلة التي تتيح الظروف المناسبة للرؤية. أمّا الرّؤية ذاتها فلا تتم في العين وذلك على الرغم ممّا للعين من أهمّيّة كأداة ضروريّة للرؤية. فعمل العين ينتهي بنقل الشّعاع المنعكس من الأجسام المرئيّة إلى الدماغ حيث يتمّ التحليل والتحديد والتّعرّف على الصّور المرئيّة. فالحقيقة والواقع هي أنّ مراحل الرّؤية الكاملة تتمّ في دماغ الإنسان لا في عينيه.

فإذا كان ذلك حال رؤية الأجسام والأشياء الماديّة أفلا يكون من الأَولى أن تجري في دماغ الإنسان، أي عقله، الرّؤية المعنويّة لحقائق الأشياء في ضوء الكلمة الإلهيّة ونورها؟

بمعنى أنّ تمييز الخير من الشر في أعمال الإنسان لا يرجع إلى ذاتها وإنّما مرجعه في الأصل هو الهداية المكتسبة من أنوار الكلمة الربانيّة.

والنّور سواء أكان مصدره هو قرص الشمس أم الكلمة الإلهيّة فإنّه لا يفنى ولكنه، كما ذكرنا من قبل، قد يخفت وقد يخبو وقد تتراوح قوّته بين الشدّة والضعف، ولكنّه دائم الوجود حيث توجد الحياة لأنه أصلها ومسببها وسرّ وجودها، وله معها علاقة جدليّة لا انفصام لها حيث إنّه فيضٌ قويٌّ مؤثّر فلا تقوم حياة من دونه، حتّى حياة تلك الكائنات الّتي لا ترى النور ولا تعرفه طوال حياتها. إنّ سرّ حياتها وبقائها يعود إلى القوى المنطلقة من شعاع هذا النّور، ولو حدث وانعدم النّور بالكلّيّة لانعدمت الحياة عن آخرها سواء أكان ذلك في الحياة المادّيّة أم في الحياة الروحيّة.

والخلاصة أنّ تشبيه الكلمة الإلهيّة بالنّور لم يأتِ من فراغ والنّور دائم الوجود، والحقيقة أنّ الظلام ليس له وجود أو كيان مستقل، وهو ليس إلا نتيجة لضعف النّور أو خفوته. وقد جاء في التوراة أنّ النّور لا ينعدم وقت الظلمة ولكنّه يخفت ويضعف: “فَعَمَلَ اللّهُ النّورَيْنِ العَظِيمَيْنِ. النّورُ الأَكْبَرُ لِحُكْمِ النّهَارِ والنّورُ الأَصْغَرُ لِحُكْمِ الّلَيْلِ والنجوم.”

ويصدق هذا القول على نور الطبيعة كما يصدق أيضاً على نور السماء الذي يبلغ أشدّه وقت حياة الرسول، ثمّ يعكس هداه من بعده بنورانيّة أقلّ سطوعاً أنبياء الله وأولياؤه.

والكلمة الإلهيّة قد فاض نورها على كلّ الرّسل فقد قال المسيح لحواريّيه مبيّناً رسالتهم الإصلاحيّة في هداية الآخرين: «أنتم نور العالم».

وجاء في الذكر الحكيم: }إِنَّا أَنْـزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا{ 

وكذلك: }وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ…{

وقوله أيضاً: }قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ{

فالنّور الّذي يفيض من الكلمات الإلهيّة في مختلف الدورات الدّينيّة هو نور واحد منبثق من مصدر واحد ولا اختلاف في خواصّه وأوصافه وهداه. ولا يمكن حمل لفظ النّور في الكتب السّماويّة إلاّ على معناه المجازيّ؛ وهو الهدى والصّلاح وتقوى اللّه.

2. الكلمة الإلهيّة تؤلف بين القلوب

أمّا ما للكلمة الإلهيّة من نفوذ وسلطان على تفكير البشر وسلوكهم فهو آية كبرى ومعجزة مبهرة ولا نظير لقوة تأثيرها المباشر في وجدان الإنسان بحيث ينعكس ما توصي أو تأمر به في أفكاره وأفعاله في الظاهر والباطن انعكاساً صادقاً بيّناً، ويسري تأثيرها من الفائزين بنعمتها إلى أقرانهم ومنهم إلى غيرهم وإلى أبناء جنسهم. فبين الأنام ترابط متسلسل من خلال فكرهم وسلوكهم الاجتماعيّ، بحيث يمكن القول إنّه على أثر نزول الكلمة تنتقل البشريّة بكاملها سواء من آمن بها أو من لم يؤمن بها إلى آفاق أسمى وأعلى من سابقتها، وترقى البشريّة من كهوف الجهل واليأس والبداوة والهمجيّة إلى عوالم الكمالات الإلهيّة والفضائل الرّبّانيّة. وإن ظلّ نصيب فئات البشر من الرقيّ والتهذيب متفاوتاً بدرجات تتناسب وقربهم أو بعدهم من روح الكلمة الإلهيّة وهداها.

وخير ما يدلّ على قوّة الكلمة المباركة ويظهر نفاذها واختراقها إلى النفوس ما يشهد التّاريخ بكلّ جلاء عليه، وهو قدرتها الخارقة على التأليف بين القلوب المتنافرة وتوحيد القبائل المتحاربة وصهر الخلافات والأحقاد المتوارثة في بوتقة المحبّة والأخوّة في اللّه، وجمع الأعداء في صفاء خاشعين تحت لواء التضامن والاتحاد، وهذا هو التّأثير المعجز الذي لا تقوى على تحقيقه أيٌّ من القوى الأخرى في الوجود. ونلمس ذلك في التّحدّي الإلهيّ التالي:

} … لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْت بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم{

والسؤال الذي توحي به الآية الكريمة هو: كيف ألّف الله بين قلوبهم؟

مما لاشك فيه أنّ المقصود هنا هو الألفة الصادقة طويلة الأمد لا الصلح أو الصفح والوفاق الآنيان، وقد حقّقت تعاليم الأديان وأحكامها منذ بدأ آدم الدورة الدينيّة المنسوبة إليه هذا التآلف الروحانيّ المتين ولكن انحصرت آثاره وبقيت أنواره في دائرة المؤمنين بكلّ دين، وأسست السلام فيما بينهم وبين مناصريهم ومعاهديهم ومن والاهم، واستبعدت من هذه النعم والآلاء ما سواهم بل واستباحت في بعض الحالات أموالهم ودماءهم وكانت عليهم نقمة ووبالاً.

ومن الحقّ أيضاً أنّ دائرة السلام والمحبّة والأخوّة هذه لم يكفّ محيطها عن الاتساع ولم تتوقّف عن استيعاب فئات وأقوام لم يكونوا في عداد أهلها من قبل. وما كان ذلك إلاّ تطبيقاً لسنّة التدرّج في تهذيب البشريّة وحكمة تطوير عاداتها المرعيّة وتغيير أعرافها المعمول بها برفق متناسب مع درجات تحضّرها ونضج وعيها وقابلية أفرادها واستعداد جماعاتها للانتقال إلى مستويات أعلى من سابق عهدهم من دون تكليفهم بما يرهقهم ويشقّ عليهم.

فسمة الكلمة الإلهيّة هي تبديل الاختلاف بالائتلاف وتوثيق أواصر المحبّة بين من كانوا أعداء من قبل، وتوحيد صفوف الفرق والأحزاب، وتوثيق روابط الأمم والجماعات. فأين تتوفر مثل هذه القدرة إلّا في الكلمة الإلهيّة بما لها من قوّة لتقليب قلوب البشر فتحيي في نفوسهم أواصر الأخوّة الصادقة والمحبّة الحقيقيّة. فهي التي توقظ مدارك النّاس بحقيقة الحياة الدنيا ومغزاها، وتحثّهم على النظر إلى العاقبة وتدفعهم في مدارج النّضج والرشاد. فهي، بلا جدال، بمثابة الإكسير الأعظم الّذي يحوّل النّحاس إلى ذهب، ويخلّص معدن الإنسان من شوائب الظّنون وصدأ الأوهام، ويطهّر قلبه من نيران الحقد والغيرة والأنانيّة، ويحيله إلى مخلوق ينعكس نور الفضائل الإلهيّة في أعماله وأقواله على السواء. فبالكلمة الإلهيّة منفردة تستنشق النّفوس المضطربة نسمات الهدوء والسّكينة، وبها وحدها تهبّ على القلوب نفحات الرّضا والطمأنينة، ومن هذه النفوس ينتقل النّور إلى جوارها ومحيطها ومجتمعها وكلّ ما انتسب إليها ودخل في زمرة صفوف المؤمنين الذين جاء وصفهم في الآية التالية: }وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ{ 

فيصبح المؤمنون في كلّ دورة ونشأة، بعد صفاء سرائرهم وتنزيه قلوبهم واتساع آفاق فكرهم بناة للحضارة الجديدة على الرّغم مما كانوا يعانونه من الجهل والبداءة والانقسام من قبل.

3. الكلمة الإلهيّة تجدّد الخلق

الخلق، بكلّ بساطة، هو إيجاد بديع لما لم يكن له وجود من قبل سواء أكان مادّيّاً أم معنويّاً، وبصفة عامة الخلق المعنويّ سابق على الخلق الماديّ لأنّه فكرته وأصله وتصوّره. لذلك كانت الكلمة الإلهيّة دائماً هي بداية أمم لم يكن لها وجود سابق، وأصل الحضارات الجديدة. فالمجد اللاحق للحضارات بكلّ مكوناته وآلائه أثر مكنون وسرّ مستور وقوّة كامنة وقدرة محفوظة في الكلمة الإلهيّة، وعندما تستقرّ وترسخ أحكامها وتعاليمها ووصاياها في وجدان الإنسان، وتتفاعل مع عقله وتفكيره تخرج ثمراتها، وتتحقّق أهدافها وتبرز على عرصة الوجود. مثلها في ذلك مثل البذرة التي تحوي كلّ إمكانات الشجرة من جذورها وفروعها وأوراقها وزهورها وثمارها ولكن لكي يلوح كلّ ذلك الخير المكنون لا بدّ من غرسها في محيط مناسب لنموّها وزكائها، وتعهّدها بالرعاية والمواظبة على ريّها حتّى تؤتي أُكُلَها.

وظهور الكلمة الإلهيّة مشروط بوجود مُظهر لها يتّخذ قالباً بشريّاً ليعكس نورها وينقل معانيها بلسان البشر من عالم الغيب إلى عالم الشهود، فيكون دوره بمثابة المرآة النقيّة الصافية التي تعكس شعاع الشمس ولا يُرى فيها إلاّ ذلك الضوء الباهر المنير للديجور المحيط بالوجود الإنسانيّ. وقد أبانت الكتب المقدّسة أنّه لا سبيل لبلوغ الخطاب الرحمانيّ إلى العالم الإنسانيّ إلاّ من وراء حجاب، مع كونه افتتان عسير، لأنّ البشر، ويا للأسف، لا يرون إلاّ الحجاب }مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا…{ ولا تصل بصائرهم ومداركهم، إلا فيما ندر، إلى ما وراء الحجاب. فيصرف القالب الجسمانيّ والهيكل البشريّ انتباههم وفكرهم عن المصدر الأخفى والسرّ الأعظم الذي من وراء الحجاب يلهم ويوحي ويأمر ويحكم ويدبّر وبيده مقاليد الخلق والأمر. وهكذا يخفي ذلك القالب البشريّ، رغم ضرورته، الحقيقة المنعكسة في المظهر الإلهيّ كما يخفي السحاب بعضاً من ضياء الشمس.

فإذا ما حان الحين وطار ذلك البلبل السماويّ إلى الرفيق الأعلى، وغاب ذلك الحجاب عن الوجود، وصعد المظهر إلى الربّ الودود يزداد علوُّ الكلمة الإلهيّة ويتّسع انتشارُها، ويتهافت المقبلون عليها لأنّ الناس بحكم فطرتهم وقصور بصائرهم يميلون إلى الإيمان بالغيب ويستسهلونه عن الخضوع والخشوع للحقيقة النوراء الماثلة أمام ناظريهم. ولكن ما من شكّ في أنّ تأثير الكلمة الإلهيّة باق، وسطوع النّور السماويّ الذي تنزّل مستمر، ولا ينتهي سريان تأثيرهما في أوصال الوجود بعد توّقف الوحي بانتقال حاملهما إلى الجنّة العليا.

ولا غرو في أنّ الغيوم تحجب النّور أحياناً، ويحجبه الضباب أحياناً أخرى، ثمّ في وقت لاحق يحجبه السحاب. فنرى الخفيف من هذه الحجبات كما نرى الكثيف منها، ولكن يجب ألا ننسى أبداً حقيقة هذه الغيوم وتلك الحجبات، فما هي إلا أبخرة وغازات متصاعدة من الأرض ووجودها ما هو إلا أمر عارض وزائل أمّا النّور فهو باق ومستمرّ ودائم. وهكذا تكون الكلمة الإلهيّة باقية بدوام المشيئة الإلهيّة والسلطة الربّانيّة، ولكن قد يخفت إلهامها ويفتر تأثيرها نتيجة لما يحيط البشر من حلكة الظنون وظلام الأوهام مع مرور السنين والأيام وتقادم العصور والأزمان، تلك الحجبات المتصاعدة من نيران النفس والهوى فتكون بذلك سبباً لهلاكهم وزوال ملكهم.

وكما أنّ السّاعة السّابقة على انبثاق الفجر تكون أشدَّ ساعات اللّيل ظلمةً كذلك يكون ديجور هذا الظلام الروحانيّ، وما تكون تلك الحلكة إلا علامات يبشّر اشتدادها وعظمها بانبثاق فجر الكلمة الإلهيّة من جديد، وتكون إشارة وعلامة إلى قرب عودة الرّبيع الرحمانيّ بكلّ جماله وبهائه مذيباً للسحب بدفئه ومبدّداً للغيوم بنوره، فتعود الحياة والحركة إلى الوجود وتشرق الأرض بنور ربّها.

وتأثير الكلمة الإلهيّة يستمرّ لفترات طويلة تمتدّ إلى آلاف السنين، في غياب مظهرها ومطلعها حتّى تخرج إلى الوجود كلّ ثمراتها ونعمها. وهي تختلف في ذلك عن تأثير أفكار البشر التي يلتفّ حولها المؤيّدون والمناصرون حال حياة صاحبها، وقد يمتدّ صلاحها إلى زمن قصير نسبيّاً بعد حياته حيث يظهر من الأفكار والآراء ما يطغى عليها أو يدلّل على شططها. أمّا الكلمة الإلهيّة فهي أبديّة سرمديّة لا تغيب حقيقتها عن الوجود حتّى بعد ظهور رسالات أخرى من بعدها. لأنّ كلمات الله مترابطة على نسق واحد ومطابقة للحقائق التي لا تتغيّر. لذا فإنّ كلّ رسالة تؤيّد ما جاء من قبلها وتصدّق عليه وتبشّر بما سيأتي من بعدها، فتكون بذلك خاتمة للماضي وفاتحة للآتي.

ويدوم التأثير الخلاّق للكلمة الإلهيّة إلى أن تنضب الرّوحانيّات من القلوب وتُنسى الكلمة وتطغى المادّيّات وتنطفئ شموع الفكر، ويُستبدل التديّن الحقيقيّ بالتعصّب الأعمى، ويتحوّل همّ الناس عن الأركان الأساسيّة للدّين إلى القشور والسّطحيّات، فيتفشّى مرض الخرافات والأوهام وتتفتّت وحدة الأمّة وتهن قوّتها ويتفرّق رأيها وتتشتّت رؤيتها، فيذهب ريحها وتعيش الأمّة ظلمات الجمود والتّقليد حتّى تنبثق الكلمة الإلهيّة بقواها الخلاّقة من جديد واهبة الإبداع والتجديد مرّة أخرى لتنير السبيل للبشريّة التّائهة في غياهب الظلم والتفكّك والانحلال. إنّها حقّا الكلمة التي يرسم الوحي فيها خارطة عالم مبشّر جديد وجنس بشريّ واعد سعيد.

ولا تخلو الحقب الّتي تتزايد فيها الأزمات الدينيّة من دروس. فهي آية على عجز الفكر البشريّ مستقلاً عن العون الإلهيّ في تدبير شئون الأرض وما عليها. ومن العسير أن نجد في التاريخ أيّ تقدّم أساسيّ أو نموّ وازدهار في أيّ حضارة لم تستلهم قيمها المعنويّة وتستمدّ قوّتها الدافعة من النبع الإلهيّ الّذي لا ينضب. وإن لم تقدّم فترات التردّي الحضاريّ السابقة على ظهور الرسالات السماويّة شيئاً لكفاها إظهارها، بصورة قاطعة، أنّ الاحتياجات والملمّات الكبيرة التي تعتري الأمم لا يمكن مواجهتها وعلاجها بخيارات وبدائل إنسانيّة، أوبما يقع في دائرة الابتكار الإنسانيّ الذي لا يغني عن الإبداع المستمدّ من هداية السماء.

وخلاصة القول إنّ الكلمة الإلهيّة باقية بدوام المشيئة الإلهيّة والسلطة الربّانيّة، ولكن قد يخفت إلهامها ويفتر تأثيرها نتيجة لما يحيط البشر من حلكة الظنون وظلام الأوهام وآفة النسيان الموروثة من مخلّفات النفس والهوى مع مرور القرون والسنين، وما يحيطها من انهيارات خلقيّة وتراكمات الأفكار الضبابيّة وضعف في الروابط الأسريّة وتطاول الأعناق بالنفاق ونقض العهود والمواثيق… وما إلى ذلك من تلك المآسي الّتي تحيط بالبشريّة والمآزق والأزمات التي تواجهها.

4. تدرّج الكلمة الإلهيّة وتناسبها

يبزغ ضوء الشمس ساعة إشراقها تدريجيّاً إلى أن تبلغ وقت الضحى فتنشر نورها على بقاع الأرض المختلفة، ولا يقتصر فيضها وهدى نورها على قوم دون سواهم، فإذا بلغت سَمْتَها حقّقت أشدّ إشراقها حتّى تكاد تقضي على ظلّ الأجسام في طريق شعاعها. وفي هذا مثال يحاكي إشراق الكلمة الإلهيّة التي يعمّ نفعها وصلاحها على مدى انتشار ندائها واتساع دائرة دعوتها كوراً من بعد كور حتّى تدرك الناس كافة وتوحّدهم بالعدل والإحسان. وآية عدلها هي ترك الناس أحراراً ليكون خيارهم هو الحدّ والميزان اللذين يميّزان بين الأنام. فيكون منهم الشقيّ ومنهم السعيد، وتتمّ الرفعة إلى أسمى الدرجات مكافأة للمقبلين، ويكون السقوط إلى أسفل الدركات هو جزاء المنكرين وبذا تولد أمم وتطوى أخرى في طيّ النسيان. وذلك باعتبار أنّه لا يوجد ظلم أشدّ على النفس من حرمانها من التداوي بما تهدف إليه الكلمة الإلهيّة.

}وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا{

فالكلمة الإلهيّة نعمة سابغة وحكمة بالغة ونور إلهيّ يتنزّل من السماء ليبدّل النفوس ويقلّب القلوب، فإن أسلم النّاس إليها قلوبهم وخضعوا لحكومتها عن رضاء وصدق ويقين، وعملوا وأصلحوا من شأنهم فقد أصبحوا في خلق جديد تتجدّد الحياة على وجه الأرض بانتشارهم ورسوخ سؤددهم، ويفوزون بما وعدهم ربهم، وينالون الغاية العظمى من الدين. أمّا الّذين استكبروا وأعرضوا فيسوء حالهم وتفوتهم فرصتهم الكبرى في الرقيّ والتقدّم ويحرمون أنفسهم من مجد الدنيا ومن العروج إلى أبواب الملكوت في الآخرة.

ومن العلل التي يتعلّل بها المنكرون في كلّ دور أنّ الكلمة الإلهيّة جاءت بأحكام على خلاف ما ألفوه في سابق أيّامهم، ونزل أمرها مغايراً لما وجدوا عليه آباءهم وأسلافهم، وفاتهم إدراك سبب الاختلاف وحكمة التجديد وغاية التبديل. إنّ الأحكام التي تستحدثها الكلمة الإلهيّة ليست من إملاء الهوى ولا سعياً للمباينة والاختلاف وإنّما استدعتها ضرورات كلّ من متابعة التقدّم ومستلزمات مواكبة العروج في مراقي النضج الروحانيّ وما تفرضه مسايرة مقتضيات التحضّر الماديّ. وكلّ هذه عوامل قد لا يكون ظهورها لائحاً في بداية شروقها ولكن تتّضح معالمها مع الأيّام. فمن وظائف الكلمة الإلهيّة موالاة تهذيب الإنسان وإرشاد نفسه في طريق كمالها، ومواصلة إزكاء المواهب العقليّة والوجدانيّة الكامنة في ذاته، وإيقاظ الروح الأبديّة الراقدة بين جوانحه. وكلّ ما جدّ من أحكامها ووصاياها نعمة تتناسب غزارتها وشدّتها مع هذه المطالب علاوة على الكثير من الغايات الأخرى التي قد يقصر فكر المعاصرين لشروقها عن الإحاطة بها، ولكن تكشف عنها الأيّام والأزمان المقبلة.

فحقيقة الأمر أنّ الإنسانيّة في مجموعها تمرّ بأطوار شبيهة بالأطوار الّتي يمرّ بها الأفراد حيث تختلف مداركها العقليّة وقدراتها وملكاتها الروحانيّة من زمن إلى آخر، وذلك بصورة مماثلة للأطوار الّتي يمرّ بها الإنسان جسمانيّاً من طور النطفة والعلقة إلى طور الطفولة ومنه إلى طور الصّبا ثمّ طور المراهقة إلى أن تكتمل قواه جسمانياً ومعنويّاً في طور البلوغ. وأمرُ اللّه وكلمته مقدّر على قدر طاقة الطّور الّذي أدركته الإنسانيّة في وقت ظهورهما، أو بمعنى أكثر دقة عون الكلمة الإلهيّة وغاية رسالتها المستمرة للإنسانيّة هو إنضاج طاقتها المعنويّة الكامنة وفقاً لما يتيحه الطور الّذي بلغته مادّيّاً وروحانيّاً، فالكلمة الإلهيّة إنّما تنزّل على قدر الطور الّذي يمرّ به عباد زمانها.

وهذا ما تؤكّده الآية الكريمة: }لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا…{

كما أنّ الكلمة الإلهيّة في الوقت نفسه أداة تؤهّل البشريّة لسموّ أكبر وتيسّر لها الانتقال إلى طور أكثر نضجاً، فتعينها على إنماء مداركها الفكريّة وصقل قدراتها الروحانيّة وزيادة إمكاناتها الحضاريّة حتّى تصل إلى درجة الرشد والبلوغ. وقد كان آخر الأطوار الّتي مرّت البشريّة بها هو طور النّبوة الّذي ختمه الرسول محمّد (ص) والّذي يعتبر خطوة أساسيّة في طريق بلوغ البشريّة سنّ الرشد والنضج.

إذن فتدرّج الكلمة الإلهيّة في الكشف عن الحقائق الروحانيّة من دور إلى دور وسعيها المتواصل لتربية الإنسان وإنماء مداركه الفكريّة شبيه بالتدرّج الّذي يصاحب أداء مهامّها في داخل الدّور نفسه. كما لا يخفى على المتأمّل الحصيف أنّ الآثار المكنونة في الرسالة الإلهيّة لا تظهر جميع أسرارها ومنافعها ولا تبيّن مكنوناتها لأوّل وهلة، ولكن يتمّ ظهور تربيتها وإصلاحها وحضارتها بالتدريج. وكما ذكرنا من قبل أنّها مثل ضياء الشّمس وحرارة شعاعها الّتي لا تظهر بكمال قوتها وقدرتها فجأةً أو مرّةً واحدة عند شروقها وذلك لطفاً بالكائنات ومسايرة لحدود طاقاتها. هذا التدرّج في الكشف عن مكنون التعاليم والأحكام الدينيّة يعتبر رحمة كبيرة من الله وذلك حتّى يتناسب مع ظروف الإنسان وإمكاناته مادّيّاً ومعنويّاً لأنّه من أصول تربيته ولزوم تعليمه. وهذه حقيقة قد لا يفقهها إلاّ الّذين بحثوا وتأمّلوا في حكمة تبسّط أحكام الأديان في بدايتها وما يطرأ عليها من تغيير يتطلّبه تطوّر الأفراد وتبدّل أوضاع المجتمع مع مرور الوقت.

ولكن ينبغي أن لا يؤوّل ذلك التدريج والتناسب، ولا يؤخذ على محمل تبعيّة أحكام الدين لتطوّرات شؤون الدنيا وكأنّه أمر عارض فرضته مجريات الزمان على الشرائع السماويّة استجابة لمقتضيات جدّت أولم تكن في الحسبان. فالحقيقة على عكس ذلك، فرؤى الكلمة الإلهيّة تتعدّى الحاليّ من المطالب المعيشيّة. وأهمّ إنجازها هو الإعداد للمستقبل القريب والبعيد معاً. فمن خصائصها الفريدة استباق الأحداث والسبق والتقدّم على التطوّر الإنسانيّ بغرس البذور التي سيعتمد مستقبل الأيّام وآتي الأزمان على ثمارها. فالكلمة الإلهيّة قدر مقدور من القِدم ويجب فهم أسلوبها ومنهجها في ضوء تدرّجها في الكشف عن مآل التعاليم الدينيّة بالقدر الذي تستوعبه طاقة العقل البشريّ، وعلى النحو الذي يتقبّله وجدان الناس في كلّ مرحلة من مراحل تطوّرهم في سلّم العروج إلى الرشد والبلوغ.

هذا الواقع المشهود الذي يقرّب إلى الأفهام الخطّة الكبرى في الغاية من إرسال الرسالات السماويّة متوالية الواحدة تلو الأخرى حتّى ترقى بالإنسان ويصبح العالم الأدنى بالتدريج مرآة تعكس جمال حقائق العالم الأعلى وكمالها. فتتجلّى في عالم الأجسام صفات الأرواح وخصائصها، ويتحلّى العباد بالصفات الرحمانيّة. ويتحقّق الملكوت الإلهيّ على الأرض وتتحقّق مشيئته تعالى كما هي في السّماء.

ثانياً: شواهد تاريخيّة على تأثير الكلمة الإلهيّة

ولنعد من باب التذكرة قراءة تاريخ الأديان على ضوء ما ذكرناه عن سمات الكلمة الإلهيّة من كونها بدء الأمر في كلّ رسالة، وأصل التجديد والخلق في كلّ دور، وباب الحياة الأبديّة إلى الملكوت الأعلى، ومن فيضها تظهر الحضارات ويتقدّم البشر سواء المؤمنون منهم أوغير المؤمنين ولكن بتفاوت في الدرجات.

وقد يكون من الضروريّ التأكيد على أنّ إحدى الفرضيّات الأساسيّة في هذا البحث هي أنّ كلمات اللّه التي تشتمل عليها كلّ الكتب السماويّة متطابقة في حكمتها وقدسيّتها وغاياتها. فناموس الكون والقوانين الّتي تحكم ظواهره لا تختلف عن الكلمات الموحى بها إلى المرسلين لأنّهما صادرتان عن ذات واحدة وإرادة واحدة.

}مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ…{

وهذا التطابق ينصرف أيضاً إلى المشابهة اللازمة بين عالم الغيب وعالم الشهود. ولهذا فإنّ فهم ما ينمّ عنه عالم المحسوسات فهماً صحيحاً، كما أسلفنا، قد يعين على فهم بعض ما خفي من أسرار عالم المعنويّات مع التسليم بأنّ الأوّل هو انعكاس لهذا الأخير الذي هو الأصل والمبدأ مع الفارق الشاسع بين الأصل وظلّه رغم وجود المشابهة على نحو ما.

والخلاصة هي ضرورة التأكيد على أنّ هدف الدين الأسمى وغايته القصوى هي تغيير أحوال هذه الأمم وتبديلها، وانتشال أفرادها وجماعاتها من وهدة السّقوط إلى حيث يستقيم أمرهم على قدر استعداداتهم وقدراتهم وفقاً للطور الّذي بلغه ويمرّ فيه نضجهم. وأمثلة التاريخ مهما بلغ إيجازها واختصارها تكون خير دليل على أنّ مجيء الكلمة الإلهيّة هي بعث ونشور.

1. موسى عليه السلام

ومن خلال تاريخ الأديان نرى كيف كان شأن بني إسرائيل في مصر وما كانوا يعيشونه من ذلّ وامتهان. وكيف بدّلت الكلمة التي حملها موسى عليه السلام عبوديّتهم بالعزّة وأطلقتهم إلى آفاق من الحرّيّة مادّيّاً ومعنويّاً، فأصبحوا مؤمنين بإله واحد لا شريك له ولا شبيه وكانوا له من المسلمين، بل وسُمّوا بشعب اللّه المختار في ذلك الحين وخرجوا من مصر ينشدون المستقبل الّذي وعدهم به ربّهم.

 

بدأت الكلمة بعثها ونشورها بين هؤلاء النّاس الّذين عاشوا أجيالاً بعد أجيال في ربقة الرّق والخمول، وتركوا ديارهم وهاموا في الصحارى بحثاً عن الأرض الموعودة. فأنشأتهم الكلمة الإلهيّة نشأة أخرى وخلقت منهم الفاتحين الّذين بكلّ شجاعة أسّسوا مملكة عظيمة وبلغوا في المعارف والعلوم والأخلاق شأواً بعيداً. فحمل فلاسفة اليونان رحالهم قاصدين ما عندهم من العلوم والمعارف راغبين في معرفة أسرار تقدّمهم ورقيّهم. فقارن بين ما بلغوه من شأو وبين مصير فرعون وآله الّذين كانوا يسومونهم سوء العذاب، وكيف كان جزاء من أبى واستكبر؟ وكيف باء الفرعون ومن معه بالخزي العظيم؟

أليس من الإعجاز أن يقوم إنسان مثل موسى عليه السلام، وهو الذي فرّ من وجه العدالة خوفاً من أهل مصر، في مواجهة أمّة عنيدة عتيدة بفرعونها وكهنتها وجيوشها وسحرتها بمفرده؟ وكيف خلق من المستعبدين فيها أمّة ذات شأن عظيم سادت في زمانها ما جاورها من الدول والبلدان؟

فكيف تحقّق له مثل هذا النصر؟

وكيف يتمّ له مثل هذا الفوز إن لم يكن بتأييد الكلمة الإلهيّة وقدرتها على النفوذ؟

ذلك هو النفوذ وتلك هي السلطنة الّتي لا يجرؤ المفكّر الحصيف على تجاهلها ولا يتسنّى لمنصف بصير أن ينكرها.

ومع كلّ ما تحقّق في حياة موسى من معجزات خارقة فإنّ أعظم ما جاءت به رسالته لم يظهر في أيّام حياته بل تجلّى وظهر بالتّدريج. فتوحّدت قبائل بني إسرائيل في أمّة واحدة أظلتها مملكة يهودا بعد موت موسى، وواصلت تقدّمها إلى أن بلغت شأواً بعيداً في ظلّ سليمان الحكيم وغدا الشعب الذّليل قدوة ومثالاً للشعوب التي كانت متقدّمة عليه في الحضارة وفائقة في القوة والبسالة إلى أن حلّ أجلها المحتوم.

2. عيسى عليه السّلام

”الشّعْبُ الجَالِسُ في ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُورَاً عَظِيمَاً. والجَالِسُونَ في كُوْرَةِ المَوْتِ وظِلَالِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ. مِنْ ذَلِكَ الزّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ ويَقُولُ تُوبُوا لأَنّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السّمَواتِ.“

}وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ{

وما أن خبا ضياء رسالة موسى حتّى عاد الضياء مع ربيع الملكوت الإلهيّ المتجلّي في رسالة السيّد المسيح وكلمة اللّه. فكيف استقبله بنو إسرائيل الّذين كانوا قد استغرقوا في المادّيّات وعزفوا بالكلّيّة عن الروحانيّات وغلب عليهم حبّ الذات وغرّتهم الدنيا وانشغلوا بها؟

لقد أضلّ بني إسرائيل استكبارهم عند مجيء المسيح، بل وكبُر عليهم أن يكون ابن الناصرة هو المسيح المنتظر. فما كاد يعلن عن اقتراب ملكوت اللّه ودعوته لهم إلى الروحانيّات والتخلّص من أدران الماديّات وشوائبها حتّى وقع أسيراً في أيدي علمائهم من الظَلَمة الجهلاء فحكموا عليه بالصلب بقصد القضاء على الكلمة الّتي جاءت من عند اللّه.

فهل أطفأوا النّور المشرق من مشكاته؟

قام المسيح الشّاب الّذي كان، في نظر العموم، وضيع الأصل ومحتقراً لنسخه وتبديله لشريعة رسخت منذ ألف وخمسمائة سنة، شريعة لو تجاوزها أحد في ذلك الزمان أدنى تجاوز لوقع في خطر مهلك عظيم. ولكنّ هذا الشّاب نسخ الشريعة الموسويّة العتيقة بقوة خارقة وقام على تربية نخبة اصطفاها من أذلّاء بني إسرائيل وأسّس لهم العزّة الأبديّة مرّة أخرى بل أسّس السّعادة الكليّة للبشريّة.

وأعلن لقومه الّذين وضعوا على رأسه إكليلاً من الشوك رسالته، فسخروا بشدّة من حقيقة أنّ نوره سيشرق ويسطع على العالم بأسره، وهزأوا من ادّعائه بأنّ فيوضاته ستحيط بالإنسانيّة وبأنّ جميع أعدائه سيخضعون لها.

فهل تحقّق ما قاله السيّد المسيح؟

وهل ارتفع علم ذلك المظلوم إلى الأوج الأعلى؟

حدّثي يا تواريخ! واشهدي يا وقائع!

لقد انتشرت كلمته لتملأ الآفاق بألحان الملكوت، واستمرت في نموّها وانتشارها حتّى خضعت لها أكبر الممالك والأمم وصارت جميع الّتيجان المرصّعة بالجواهر خاضعة لتاج المسيح الّذي كان مصنوعاً من الشوك. لقد وصلت الكلمة الإلهيّة إلى كلّ أطراف المعمورة بكلّ جلال وكمال. لأنّ بهذه الكلمة وبها فقط تبنى الحضارات وتؤسّس. وهذه هي سنّة اللّه الّتي ليس لها من تبديل أو من تحويل. فالكلمة الإلهيّة منتصرة لا محالة، وصدق اللّه العظيم حيث قال:

}كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ{

وهنا يجدر بنا التوقّف للحظة والتأمل في السؤال التالي:

أليست القدرة على تغيير العادات المتأصّلة والتقاليد المتحجّرة في حدّ ذاتها معجزة خارقة تفوق أيّ معجزة ماديّة أخرى؟

3. محمّد عليه السلام

وكما سبق أن ذكرنا بأنّ الكلمة الإلهيّة هي النّور الّذي تحيا به البشريّة وأنّه لا عدّ لها ولا نفاد. وبالإضافة إلى ذلك أنّ معانيها لا تحدّها حدود لكونها النعمة الأزليّة الباقية من دون نهاية وفيض الرحمة الشاملة بلا توقّف.

 

}يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{

في الآية السابقة كما نلاحظ أنّ اللّه يخاطب أهل الكتاب من اليهود والنصارى مبيّناً أنّ ما جاء به محمّد من اللّه هو النّور ذاته وهو الكتاب المبين. وهو النور الّذي عرفوه من قبل، وأنّ غاية هذا النور الكبرى ومقصده هو إخراجهم من الظلمات إلى النّور وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.

ولنقرأ التاريخ حتّى نتذكّر كيف كان شأن العرب في شبه جزيرتهم قبل إشراق الكلمة المحمّديّة وما كانوا عليه من الجهل والبداوة والوحشيّة، وما كانوا يرتكبونه من فواحش ينأى عنها كلّ ذي عقل أو ذي جنان. فعلى الرغم من اشتهاره بينهم بمكارم الأخلاق وما كان يتخلّق به من أفضل الصفات إلا أنّه، وكما هي العادة، ما قوبل إلا بالقسوة والتكذيب والقمع والتهديد.

وهنا يتكرر السؤال نفسه وهو:

هل تركوا الرسول يقول كلمته ويبلّغ دعوته إن كانت حقّا فعلى الحقّ أن يسود وإن كانت باطلا فإنّ الباطل، لامحالة، سيذبل ويموت؟

يسجّل التاريخ أنّهم قاموا عليه بكلّ ظلم وعناد وتبرأ من دعوته أهله وقبيلته بمجرد إعلانه لكلمة التوحيد، وإبلاغهم بأنّ مجيئه ما هو إلا رحمة من الربّ المجيد، فحاكوا المؤامرات لقتله وضربوا عليه وعلى من آمن بدعوته حصاراً شديداً وشنّوا عليهم الحروب والغزوات للقضاء على هذا النّور المبين.

ونعود إلى التساؤلات نفسها مرّة أخرى بل ومرّات لأنّها تتكرّر في كلّ رسالة ومع كلّ رسول.

فهل توّقفت دعوته؟

وهل كلّت همّته في سعيه بمفرده إلى توصيل نغمات القدس إلى كلّ الآذان وتطهيرها من الوقر بآيات القرآن؟

وهل تحقّق لهم ما كانوا به يحلمون؟

إذن فليروِ لنا التاريخ بصفته خير شاهد على تأثير الكلمة الإلهيّة الّتي حملها إليهم. إنّ ما حدث من تحوّل لهؤلاء القوم في سنوات معدودات كان أمراً معجزاً حيث انتقلوا من حضيض الجهل إلى قمّة العلم والعرفان وأسّسوا حضارة واسعة ونشروا ما توصّلوا إليه من العلوم والاكتشافات في الفلك والطب والرياضيّات والصنائع والفنون والمعارف المختلفة في كلّ أطراف الأرض. وأصبحت تلك القبائل المتوحّشة المتحاربة المتنافرة أمّة واحدة ودولة عظمى كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً، فعبرت حدودها القارّات في الوقت الّذي كان فيه باقي العالم يغطُّ في عميق السبات، ويعجّ في ظلمات الجهل والتخلّف والخرافات.

وبعد أن اطّلعنا على شيء من آثار الكلمة الإلهيّة في بعث الأمم الهابطة الحائرة ونشورها في عالم الشهود. وما ذكرناه إلاّ للاستدلال على الخلق والإبداع والتبديل الّذي تشاؤه الإرادة العلوّية في عالم الغيب، وللتأكيد على مراد الكلمة الإلهيّة وهو، بلا شكّ، انتشال البشريّة الضالّة من وهدة الحيرة وانقطاع الرجاء، لتجمع قلوبهم على الحب والصفاء، وتزكّيهم بمكارم الأخلاق، وترفع مراتبهم بشرف خدمة الإنسانيّة لوجهه تعالى، وتجعل لهم نوراً يمشون به في النّاس، وأمّا ما زاد على هذه النعم فإنّما هو عارض مآله إلى زوال، وإلى نعمة لا تدوم.

بعد ذكر هذه الشواهد التاريخيّة التي ما هي إلا جزء بسيط من تجارب البشر. ومن ثمّ قد يكون من المفيد أن ننهي هذا الفصل بالتساؤلات التالية:

هل أدركت البشريّة خطأها على مرّ العصور والأزمان؟

وهل تعلّمت درسها وأخذت العبرة من قصص الأمم الغابرة؟

إذن فاسمحوا لنا أن نرجئ الإجابة عن هذه التساؤلات إلى الفصول الأخيرة من الباب الثاني من هذا الكتاب.

الفصل الثاني أساليب الكلمة الإلهيّة وصورها

تتراوح آيات الكتب المقدّسة في عباراتها بين الإفصاح والإضمار، أو الصريح والخفي، وتتنوّع معانيها بين القريب والبعيد، والظاهر والباطن، فمن آيات الكتب السماويّة ما يأتي محكماً وصريحاً، ومنها ما يُعرّض ولا يفصح، ومنها المتشابه الّذي يحتمل أكثر من معنى، ومنها المشكل الذي لا يفهم معناه حتّى يدلَّ عليه غيره. وبهذا التنوّع تتشكّل الحقائق وتتصوّر الحكمة في أمثال وتشبيهات وقصص وواقع ملموس ومعنى معقول. ولكن تظلّ هذه الآيات، مع اختلاف صورها تعكس وتعبّر عن جوهر واحد، ومن ثمّ تحافظ على الوحدة في الأصول مع السماح بالتنوّع في الفروع.

وهذا الاختلاف في أساليب الكلمة الإلهيّة يبعث على البحث والتأمّل، ويناسب اختلاف قدرات الناس على فهم النصوص المقدّسة وإدراك الغايات السامية الكامنة فيها. ولكن هناك أيضاً من آيات الكتب السماويّة ما لا سبيل إلى فهم المراد منها على وجه اليقين، إلاّ أن تُظهر المشيئة الإلهيّة ذاتها هذا المراد وتجريه على لسان رسول لاحق، فيستبين هذا المراد لمن شرح اللّه صدورهم بالإيمان على قدر خلوصهم وانقطاعهم عن شؤون النفس والهوى، وعلى مقدار بعدهم عن العناد والجدال بغير حقّ.

من الثابت تاريخيّاً عدم ظهور كلّ معطيات الرسالات السماويّة في وقت ظهورها، وتلوح نعمها مع مرور الوقت حتّى تستنفد عطاءها وتخرج كلّ ثمارها بالتدريج. ومن الرّاجح أنّ سبب انتهاج الرسالات السماويّة أسلوب الكشف المتدرّج لأثر ومكنون التّعاليم الإلهيّة يرجع إلى طبيعة البشر وقدراتهم العقليّة المحدودة في استيعاب المبادئ والأفكار الجديدة التي تخالف ما ألفوه في تراثهم الفكريّ. والمقصود من كشف الحقائق الدّينيّة بالتّدريج هو أنّ ما يعلّمه الدّين للإنسان ويطالبه بالالتزام به يأتي متناسباً مع القدرة الفكريّة الّتي يتمتّع بها النّاس وظروف عيشهم في وقت معيّن. ولكن غايته هي رفع مستواهم مادّيّاً ومعنويّاً والأخذ بأيديهم في طريق التقدّم اللامتناهي. فمن مآثر الكلمة الإلهيّة أنّها مناهج تربويّة تتناسب مع درجة النّضج الّذي بلغه البشر ومقادير ما تحصّلوا عليه من قيم أخلاقيّة وفضائل روحانيّة. فإن لم يوجد هذا التناسب تعذّر على المتلقّين للتّعاليم الجديدة استيعاب الجديد المقدّم لهم على نحو يؤدّي إلى تقوية إيمانهم، وتهذيب أخلاقهم، وتقويم سلوكهم، وتنمية مداركهم.

إنّ الصّعاب الّتي يصادفها البشر في تأقلمهم مع الفكر الجديد، والوقت الّذي يحتاجون إليه ليبدّلوا الأفكار الّتي نشأوا في ظلّها ووجدوا عليها آباءهم، بالإضافة إلى الصعوبات الأخرى التي يواجهونها في ما يختصّ بتغيير سلوكهم، وإعادة تنظيم أساليب حياتهم، كلّ هذا يدعونا إلى عدم الاستهانة بالجهد والوقت اللازمين لمن صدق إيمانهم حتّى يتمكّنوا من تحرير إراداتهم من سطوة الطّبيعة ومن القوى الغريزيّة المتسلّطة على جوارحهم، وحتّى يتمكّنوا في الوقت نفسه من الخلاص مما اعتادوه من عادات لترسيخ المستوى الجديد للفضائل الإنسانيّة في نفوسهم، واكتساب السّمات والصّفات الملكوتيّة وفقاً للتّعاليم الّتي تلقّوها حديثاً وهم في كلّ ذلك ليسوا سواء.

لذا تأخذ الكلمة الإلهيّة صوراً وأشكالاً متعدّدة، لأنّها خطاب عام غير منحصر في مستوى فكريّ معيّن، ولكنّه موجّه إلى عموم المستويات الفكريّة لتروي ظمأ الجميع إلى المعرفة، وحتّى يجد فيها كلّ اتجاه فكريّ غذاءً روحانياً، كما يجد فيها كلّ مشرب ومأرب رزقاً سماويّاً يناسب ما طبع عليه أفراده. ومع ذلك لا تقف غايات الكلمة الإلهيّة عند الخطاب العامّ المتناسب وإنّما تسعى أيضاً، ولعلّ هذا على رأس غاياتها، إلى جمع هذا الشّتات وتوحيد اتّجاهاته ووصل روافده ليتقارب ويلتقي في مجرى متّحد في أهدافه. وإزاء هذا التنوّع في الشّكل مع الاتّحاد في المضمون يجد الأسلوب المجازيّ مرتعاً فسيحاً من المرونة في نقل المعاني في صور متناسقة مع سُبُل التفقّه وشعاب الفلسفة. فسواء أكان النهج إلى أسرارها بالاستقراء أم بالاستنتاج فإنّ الحقيقة التي تنعكس فيها واحدة لا تتغيّر.

سيقدّم هذا الفصل نماذج من الأساليب التي تأتي بها الكلمة الإلهيّة وهي؛ القصص والأمثال والتكرار.

وأمّا المتشابهات فسنعاود الحديث عنها بشيء من التفصيل في الفصل التالي الذي سيتناول موضوع التأويل. أمّا ما لا سبيل إلى كشف مراده إلا بتحقّق المشيئة الإلهيّة فتجريه على لسان من تصطفيهم من المرسلين، وهو الذي نأمل من خلال هذا الكتاب أن يصل إليه الباحث عن الحقيقة بإخلاص والواصل إليها بالإنصاف الذي يقتضي أن يرى المرء نور الحقيقة بعينيه لا بأعين العباد، ويعرفها بعقله وجنانه لا بعقول غيره وجنانهم.

أوّلاً: القصص

من خصائص القصص ترجمة المعاني المجرّدة إلى الواقع وصبّها في أحداث ملموسة، وفي سرد هذه الأحداث وبين طيّاتها تفصيل للمعنى الإجمالي والتعبير عن المعاني المجرّدة في شكل مجسّم.

وتقدّم السطور التالية بعض الأمثلة لهذا الأسلوب الإخباريّ مما تزخر به الكتب المقدّسة، وما هو حقّا جدير بالتّفكّر والتأمّل. فحاشا للّه أن تكون هذه القصص وردت في الكتب السماويّة لسرد أحداث الماضي أو لرواية التاريخ فحسب، ولكنّ المواقف الواردة فيها تدعو للتّفكّر والتّأمّل واستخراج العبرة من معاني أحداثها سواء أكانت حقيقة أم مجازاً للانتفاع بها في الحاضر. ولعلّ هذا هو الغرض الأساسيّ من تكرار أحداث القصّة الواحدة أكثر من مرّة. ففي ذلك دلالة على عظمة المربّي الأكبر ورحمة المعلّم الأعظم وسعيه المتواصل واستخدامه مختلف الأساليب لإبلاغ رسالته لأولي الألباب، ولهداية الأجيال المتعاقبة إلى حقائق لا بدائل لها، فبها وحدها تتحدّد أحوالهم ومصائرهم. لأنّ أحداث القصص ما هي إلا خطاب ليرى أبناء كلّ جيل النّاموس الذي تحكم قواعده وجودهم ومآلهم. وهذا ما يبدو لنا أنّه مراد اللّه منها:

} لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ{

ويوضّح القرآن الكريم بأنّه لم يقصص علينا إلا بعضاً من أنباء الرسل وأخبار الأنبياء. فعدد الّذين ذكرت أسماؤهم لم يتجاوز السبعة والعشرين نبيّاً، وهو عدد ضئيل بالنسبة إلى تعداد البشر منذ بدء التاريخ، مع اعتبار انتشارهم في بقاع الأرض المترامية الأطراف، واختلاف ألسنتهم، وقلة وسائل الاتصال فيما بينهم أو صعوبتها إن وجدت.

فقد يكون ذكر هؤلاء الأنبياء دليلاً على تواتر الأديان من دون توقّف في خطّة إلهيّة ترمي إلى إظهار الطيف الذي يمكن أن تُرى فيه أسماء اللّه الحسنى في عالم الوجود، والصور العديدة التي تعكس في العادة صفاته تعالى كلّ في حدود إمكاناتها وقدرتها التي فطرت عليها.

ولعلّ قصّة يوسف عليه السلام التي وصفت بأحسن القصص تقدّم أنموذجاً حيّاً لأدب القصّة الجامعة لعديد من المعاني، وتعرض للحكمة دروباً لا حصر لها. فيوسف، عليه السلام، وهو بطل القصّة يظهر طوراً في ثوب الغلام المظلوم الذي يباع في الأسواق بلا حول ولا قوّة، ويرتدي في طور آخر ثوب الرّائي الذي بلغ من الحكمة شأواً بعيداً، ثمّ يلبس رداء الحاكم المهيمن على مصالح البشر ومنقذهم من عذاب وهلاك محتوم. وفي الوقت ذاته يقدّم يوسف، عليه السلام، للفهم والتحليل مستوى آخر صادقاً لأطوار الحقيقة، ونظرة الفلسفات المركّزة على ثوبها الجديد لا على قوامها أو على شأنها الدّائم، ويعرض مثالاً لمواقف النفعييّن عندما يهدّد صدق الحقيقة مصالحهم ويطمس عدلها مكانتهم. فيودّ الّذين يخشون سيادتها إلقاءها في جبّ البهتان وإخفاءها في ظلام الفقدان مع أنّهم أولى الأنام بمناصرتها وتأييدها. ولكن الحقيقة لا تلبث أن تلوّح قيمها على يد غيرهم ويجذب جمالها من يهوى الجمال لذاته ويرجو النّفع من ورائه فيعرضونها بما يتّفق مع مأربهم وهواهم، وفي ذلك ظلم لها وإفساد لغايتها، إلى أن تحرّرها حكمتها وجلاء نبوءتها من أغلال النفعيّين والمستأثرين، فيعلو شأنها وتنشر جناح عدلها وحكمتها على الأمصار وتنقذ من كانوا بالطغيان مهدّدين. حينئذ وحينئذ فقط لا يسع أعداءها بالأمس إلاّ أن يخرّوا لها ساجدين.

وفي هذا الإطار نفسه يعرض يوسف الأطوار التي تمرّ بها الرسالات السّماوية وما يعترض سبيل كلمات اللّه. فأوّل المكذّبين لها والمناوئين هم إخوانها من أهل الرّسالات السّابقة وزعماؤها فيسارعون إلى التّضامن والتّآمر عليها، ويطمرون حقيقتها بأكاذيبهم التي ما أنزل اللّه بها من سلطان، وينشرون قميصها ملطخاً بما تسعفهم به شياطينهم من بهتان. يريدون أن يطفئوا نور الله الساطع في حجتها البيضاء. أمّا المنافقون والمغرضون فينتهزون الفرص ليفوزوا بمغانمها إن تمّ لها النصر، وينعموا بسؤددها إن كُتب لها الحكم واستقرّ مقامها على عرش السيادة. فإن لم تتحقّق مآربهم سجنوا أهلها في غياهب البهتان، وقيّدوا حقائقها بأغلال الزّور والبطلان، إلى أن تحيق بالقوم الملمات وتحيط بهم نوائب السنين العجاف فيذّكّر أولو الألباب نبوءاتها وتحليلها لرؤاهم، وما بشّرت به من نعم فلا يجدون مناصاً من مناشدة عونها، والاستعانة بهدى مبادئها وقيمها. فتعود الرسالة الإلهيّة التي جسّمها دور يوسف لتتبوّأ مكانها الطبيعيّ في المجتمع. وفي كلّ هذه الأحوال يظلّ يوسف الذي يمثّل الحقيقة الدينيّة صادقاً لا ينسب إلى نفسه ما ليس له محدّثا بنعمة ربّه الذي ألهمه الحكمة وآتاه العلم والرؤية الجليّة.

كلّ هذه المعاني وكثير غيرها تعرضها قصص الكتب السّماويّة بصور شتّى ونماذج متباينة وردت في قصص الرسل والأنبياء. والدرس الأساسيّ الذي يمكن استخلاصه من مجرى أحداث كلّ هذه القصص هو نمط التكذيب الذي تُقابَل به كلُّ رسالة سماويّة، واعتراض الناس عليها لأنّ أحكامها ومبادئها لا تتفق مع ما نشأوا عليه وما وجدوا عليه آباءهم، من جهة، ولأنّهم لا يجدون فيها ما يحقق أهواءهم ومصالح دنياهم العاجلة من جهة أخرى. وإزاء شعورهم بأنّ اعتراضهم يستند إلى حجج واهية يلجأون إلى اتّهام الرسل والأنبياء بالسحر والجنون والضلال. حتّى يكاد يكون هذا النمط من السلوك قاعدة لا استثناء لها، وقانوناً ثابتاً يميّز الرسالات السماويّة عن غيرها من الأفكار البشريّة والنظريّات العلميّة التي يسهل على الناس قبولها بقليل من التدقيق والتحليل.

هذه معانٍ تواردت في كثير من السور، على سبيل المثال في كلّ من سورة هود وسورة يونس وسورة نوح، أو كما توجزها قصّة إبراهيم الذي ألقاه قومه في النار فكانت برداً وسلاماً بأمر ربّها، كما تصدق على ما ترويه سيرة موسى مع فرعون وعيسى بن مريم مع قومه وعلى اليهود بوجه خاص.

وفي هذا الصدد سنأخذ على سبيل المثال سورة القمر لنتأمل ما اشتملت عليه من موجز بليغ لبعض قصص الأنبياء مع أقوامهم، وما كرّرته من العِبَر التي يلفت الله سبحانه وتعالى النظر إليها من خلال الآيات. فعلى الرغم من أنّ عرض القصص فيها كان موجزاً إلا أنّ جميع القصص المذكورة ركّزت على الإشكاليّة الرئيسيّة وهي؛ جريمة التكذيب التي تتكرّر في كلّ رسالة. فاستهلّت كلّ قصّة بفعل التكذيب (كذّبت)، كما ذكرت التهمة الشائعة التي يُنعت بها كلّ رسول وهي تهمة الجنون.

فكانت القصّة الأولى المذكورة في سورة القمر هي قصّة نوح مع قومه:

}كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ… وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدكِرٍ{

يتضّح لنا باختصار أنّ الهدف الرئيس من ذكر هذه القصّة هو التأمّل في عاقبة المكذّبين في كلّ دورة وفي كلّ رسالة. ثمّ تتوالى في السورة بعد ذلك الأنباء الّتي وصلتهم عدّة مرّات وكان من المفروض أن تكون رادعاً ومزدجراً لهم.

}وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ{

تلك الأنباء الّتي وصلتهم في صورة قصص رائعة تقرّب إليهم الأوامر الإلهيّة بالإسلام إلى المشيئة الإلهيّة والتسليم بها لأنّ كلّ أمر مستقر. وهذا ما ذكرته الآيتان الثانية والثالثة من سورة القمر.

}وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ{

هذا هو جوهر القصّة الّذي بيّنته الآيات ببلاغة وإيجاز ومع التعقيب بسؤال تقريريّ عن كيفية العذاب الّذي وقع على كلّ الأمّة كنوع من التأكيد الضمنيّ حتّى لا يغيب الهدف عن ذهن القارئ فلا تتكرّر المأساة في الدورات التالية. ولكن لا يخفى على القارئ بأنّه سبحانه يختم القصّة بسؤال آخر مضمّناً الإجابة عليه بأنّ كثيراً من النّاس لن يعتبروا ولن يتذكّروا.

ثمّ تأتي الآيات التالية بقصة جديدة وهي قصّة هود عليه السلام مع قومه:

}كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدّكِرٍ{

بدأت قصّة عاد بالجُرم الّذي يحذّر اللّه من ارتكابه وهو التكذيب. ثمّ أتبع هذا الجُرم في الآية نفسها بالدعوة إلى النظر إلى ما وقع من عذاب. ثمّ لخّص القصّة في آيتين وأتبعها بالسؤال التقريريّ في الآية التالية لها.

نلاحظ تكرار السؤال نفسه مرتين في قصّة واحدة هي قصّة عاد، وهو كيف كان العذاب الإلهيّ. ثمّ يختم القصّة بالسبب الرئيسيّ من سرد هذه القصص مع التذكير بأنّه سبحانه وتعالى جعل هذا القرآن في وقتنا الحاليّ ميسّرا ليساعد الناس على التذكّر. ثمّ يختم بالتساؤل نفسه وهو هل سيكون هناك من يتذكّر؟

}كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ… فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدّكِرٍ{

والبداية نفسها في قصّة ثمود الّتي كذّبت أيضا بالنذر ثمّ سرد القصّة. ويأتي السؤال التنبيهيّ وهو كيف كان عذاب اللّه لهؤلاء المكذبين. وتنتهي القصّة بتكرار السبب نفسه الّذي من أجله جعل الله القرآن ميسّراً وهو التذكّر.

}كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُر… َفذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ{

وفي قصّة لوط البداية ذاتها مع سرد القصّة في إيجاز، كما انتهت بالنهاية نفسها وهو تعريف أهل القرآن لماذا جعله اللّه ميسّراً لهم وهل سيكون هناك من يتذّكر؟

}وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ * أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ{

وهكذا في قصّة آل فرعون بدأها بالتأكيد على أنّهم على الرغم من أنّهم كغيرهم قد جاءتهم النذر. إلا أنّهم كذّبوا بموسى ولم يعبأوا بهذه النذر ثمّ تأتي القصّة نفسها للتحذير كبقيّة القصص السالفة ولكن الأسلوب اختلف فيها بعض الشيء.

وتأتي خلاصة السورة في الآيات التالية:

}بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرّ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ{

في الآيات الأخيرة من سورة القمر نجد خلاصة القول وهو الحديث عن الساعة الّتي اقتربت وظهرت أشراطها بانشقاق القمر بأنّها ستكون أدهى وأمرّ. كما يصف سوء حال المجرمين الّذين سيرتكبون جريمة التكذيب وهو الجرم الّذي تكرّر في القصص المشتملة عليها السورة. ويبيّن السبب في جعل القرآن ميسّراً حتّى يتحقّق التذكّر وحتّى لا يُرتكب هذا الجرم عندما تأتي ساعة قيام مبعوث آخر من اللّه كرسول أو كمظهر إلهيّ يحمل رحمة الله تعالى وتعاليمه إلى البشريّة. ثمّ التأكيد على أنّ الأمر الإلهيّ هو أمرٌ واحد وإن اختلفت الأسماء أو تنوّعت الشرائع.

إذن فما هي العبرة الّتي نأخذها من هذه السورة الّتي احتوت على بعض قصص الأنبياء بشكل مختصر؟

ما من مبعوث إلهي أتى إلّا وقام الملأ بتكذيبه واتّهامه بالجنون والسحر وافتروا عليه وعلى من اتبعه بالإفك والبهتان.

} وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ{

}وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ{

العقاب الإلهيّ الواقع بلا هوادة على كلّ أمّة كذّبت رسولها، واختلفت صنوف العذاب من أمّة لأخرى. هذا ما لخصته سورة القمر التي بين أيدينا، وما احتوت عليه كثير من السور مثل سورة هود، وسورة يونس وغيرهما من السور الكريمة.

ما من أمّة إلا وقد خلت، فلا خلود لأمّة دون أخرى:

}وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ{

}قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ{

وقد يتوارد على أذهاننا بعض التساؤلات والطروحات التي تحتاج إلى شيء من التأمّل والتفكير؛ ألا تصدق أيضاً هذه الأمثال على أحاديث وعلامات الساعة التي يمكن إدراكها وتفهم مضمونها بمعانٍ لا تتعارض مع ما وضعه اللّه من ناموس للطبيعة إذا حملنا ألفاظها على محمل المجاز؟

وهل ظلمة الشمس التي تناقض حقيقة الشمس وخصائصها وسقوط النجوم دون تحديد للمكان الذي يمكن أن تسقط فيه، أو تحديد موضع الجنّة التي عرضها كعرض السموات والأرض تشير إلى معان أخرى أم المقصود بها ظاهر معناها؟

وهل كان آدم عليه السلام لايعي ولايعقل حتّى أكل من شجرة العرفان مع صعوبة تصوّر خطاب إلهيّ موجّه إلى غير مميّز، وفهم حكمة صدور كلام إلهيّ يأمر من لا يعقل ولا يفهم؟

أليس في ذلك تعارض مع كون العقل مناط الأحكام الإلهيّة ويدور معها وجوداً وعدماً، وهو أمر بعيد عن العدل الإلهيّ الذي لا يحاسب ولا يجازي مخلوقاً لا يميّز؟

ثانياً: ضرب الأمثال

قد يسترعي انتباه من اعتادوا دراسة الكتب المقدّسة إكثارها من ضرب الأمثال باعتبارها مرجعاً تربويّاً، وحرصاً على استعمال أحد الأساليب التعليميّة الناجعة لتعميم المفاهيم والأفكار المراد إبلاغها إلى النّاس وتبسيطها في الوقت نفسه حتى تتيح لكلّ فرد، مهما قلّ نصيبه من التعليم، فرصة التدبّر وإعمال فكره مستقلاً وبدون حاجته لآراء الغير من أجل الوصول إلى المقصد الإلهيّ المكنون في كلماته وآياته.

وهذا ما توضّحه الآيات في عدّة مواضع نأتي منها على سبيل المثال بالآيتين التاليتين:

} وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ{

} … وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{

وسبق أن وجّه تلاميذ المسيح سؤالاً إليه في هذا الصّدد:

«فَتَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَالٍ؟ فَأَجَابَ: لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَأَمَّا لِأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ، فَإِنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى وَيُزَادُ وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ، مِنْ أَجْلِ هَذَا أُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَالٍ لأَنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَسَامِعِينَ لاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ، فَقَدْ تَمَّتْ فِيهِمْ نُبُوَّةُ إِشَعْيَاءَ: تَسْمَعُونَ سَمْعاً وَلاَ تَفْهَمُونَ وَمُبْصِرِينَ تُبْصِرُونَ وَلاَ تَنْظُرُونَ، لأَنَّ قَلْبَ هَذَا الشَّعْبِ قَدْ غَلُظَ وَآذَانَهُمْ قَدْ ثَقُلَ سَمَاعُهَا. وَغَمَّضُوا عُيُونَهُمْ لِئَلَّا يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ، وَلَكِنْ طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ وَلِآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ، فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ وَأَبْرَاراً كَثِيرِينَ اشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ وَلَمْ يَرَوْا وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا.»

فبيان السيّد المسيح يوضّح أنّ علّة العمى ليست عوراً في العيون، ولا علّة الوقر مرض في الآذان، بل هي القلوب الّتي صارت قاسية وغليظة فلا ينفذ إليها نور الكلمة الإلهيّة، ولاتردّد أوتارها النغمة الربّانيّة.

وفي الآية التالية نلاحظ تكرار المعنى نفسه:

}أَفَلَم يَسِيرُوا فِي الأَرضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور{

}ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ{

ونجد التعبير نفسه عن قسوة القلوب وتشبيهها بالحجارة في الآية التالية:

}ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{

وفي النصّ التالي من إنجيل متى يشرح المسيح بعض الأمثال الّتي ضربها لتلاميذه بشكل مبسّط ولكنّه في الوقت نفسه عميق. وفيه يوضّح كيف تستقبل أراضي القلوب المختلفة ماء الحياة الّذي يأتي في صورة الكلمة الخلاّقة الّتي تحيي الأرض بعد موتها.

«فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ الْبَيْتِ وَجَلَسَ عِنْدَ الْبَحْرِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ السَّفِينَةَ وَجَلَسَ. وَالْجَمْعُ كُلُّهُ وَقَفَ عَلَى الشَّاطِئِ، فَكَلَّمَهُمْ كَثِيراً بِأَمْثَالٍ قَائِلاً: هُوَذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَجَاءَتِ الطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ، وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ فَنَبَتَ حَالاً إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ، وَلَكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ، وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الشَّوْكِ فَطَلَعَ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ، وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَراً بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ، مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ.» 

ولم يترك المسيح عليه السلام هذا المثل من دون مزيد من التفسير والتوضيح بل تفضّل بشرح المثال السابق كما يلي:

«فَاسْمَعُوا أَنْتُمْ مَثَلَ الزَّارِعِ: كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةَ الْمَلَكُوتِ وَلاَ يَفْهَمُ فَيَأْتِي الشِّرِّيرُ وَيَخْطَفُ مَا قَدْ زُرِعَ فِي قَلْبِهِ. هَذَا هُوَ الْمَزْرُوعُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَالْمَزْرُوعُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَحَالاً يَقْبَلُهَا بِفَرَحٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي ذَاتِهِ بَلْ هُوَ إِلَى حِينٍ. فَإِذَا حَدَثَ ضِيقٌ أَوِ اضْطِهَادٌ مِنْ أَجْلِ الْكَلِمَةِ فَحَالاً يَعْثُر،ُ وَالْمَزْرُوعُ بَيْنَ الشَّوْكِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَهَمُّ هَذَا الْعَالَمِ وَغُرُورُ الْغِنَى يَخْنُقَانِ الْكَلِمَةَ فَيَصِيرُ بِلاَ ثَمَرٍ، وَأَمَّا الْمَزْرُوعُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَيَفْهَمُ. وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِثَمَرٍ فَيَصْنَعُ بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ.» 

ولا يخفى على المحلّل دقّة هذا التصنيف الواقعيّ الرائع وعمقه، فهو يتحدث بالأمثال عن اختلاف البشر وتنوّعهم. فقسّمهم إلى فئات مختلفة تحدّد كلّ فئة حسب ردّ فعلها عند نزول الكلمة الإلهيّة الجديدة مع المبعوث التالي. فمن الواضح هنا أنّ الزارع هو كناية عن الرسول الحامل للكلمة الإلهيّة والمشار إليها هنا بالبذور الّتي ينثرها على أرض القلوب، فيلقيها على (الناسوت) أيّ الناس كافّة من دون استثناء أو تمييز ولكن يتفاوت الناس في استجابتهم للكلمة الإلهيّة. وهذا ما يوضّحه النصّ حيث يقسّم النّاس إلى فئات وفقاً لاستعداداتهم الروحانيّة:

الصنف الأوّل: فصيل يسمع الكلمة ولا يفقهها، على الرغم من ضرب الأمثال ورواية القصص وبيان المرسلين لها، وذلك لأنّ عدم الفهم لايكمن في صعوبتها فاللّه يخاطب النّاس على قدر عقولهم، ولكن يرجع سبب عدم الفهم إلى الحجبات الّتي امتلأت بها نفسه، والحواجز والسواتر الّتي أقامها حول فكره وغلّف بها عقله ووجدانه. وأكثر هذه الحجبات خطورةً تلك التي أشار إليها السيّد المسيح بالشرير الّذي يأتي ويأخذها من قلبه. فعمل الشرير يقوم به ما يختلقه العباد من أوهام وما يتبعونه من سنن الأوّلين.

والصنف الثاني: يشير إلى أولئك الّذين يستمعون إلى الكلمة الإلهيّة، ويستجيبون لها في عجلة، ولكن لا يبذلون جهداً لتثبيت جذورها في قلوبهم، ولا يتعهدونها بالحفظ والرعاية، فيكون إيمانهم سطحيّاً، لا يثبت أمام عواصف الامتحان، ولا يتحمّل قواصف الافتتان، لأنّ أيّ دين يقابل في بدايته بالتكذيب والاستهزاء، ويُجمع القوم على معارضته ومحاربته، ويصرّون على عدم إفساح الطريق للحقيقة الجديدة لتأخذ فرصتها وتثبت صدقها وأحقّيّتها، وخاصّة أصحاب المنافع والمصالح والزعامات والمؤسّسات الدينيّة السائدة وقت ظهور تلك الحقيقة. لذا يكون من الصعب على مثل هذا الصنف من النّاس تحمّل الاضطهاد، ومواجهة الصعاب فيتعثرون ويسقطون ولايستقيم لهم عود.

والصنف الثالث: يتمثّل في تلك البذور المنثورة بين الأشواك، وهذا هو حال الكثير من النّاس وهم الّذين تلهيهم أمور الحياة الدنيا وعوارضها الّتي لا تنتهي، وما يتعلق بها من شهرة وجاه ومال وسؤدد، وبنين وبنات، ومشروعات وممتلكات، فتخنق هذه الأشواك الدنيويّة النبتة الجديدة ولا تمنحها الفرصة لتنمو وتثمر وتؤتي أكلها في الصدور، فتكون النتيجة ضياع الفرصة على صاحبها بما شغلته الدنيا وما فيها من أمور.

أمّا الصنف الرابع: فهو تلك الأرض الجيّدة وتلك النّفوس الطيّبة الّتي تستشعر سموّ الكلمة الإلهيّة، وتتذوّق نعماءها، فتؤمن بها إيماناً عميقاً، وتعمل بكلّ جهدها للمحافظة عليها، وتضحّي بكلّ غال وثمين من أجل الحصول على ثمارها التي تختلف من شخص إلى آخر لأنّ قدرات النّاس تختلف، وطاقاتهم تتباين، وصفاء نفوسهم وخلوص نواياهم يتفاوت.

إذن لا يخفى مقصود هذه الأمثال على أولي الألباب، ولنرجع البصر مرّة أخرى إلى الرسالات السماويّة السابقة وتواريخها لنرى هذه النماذج المختلفة تتكرّر في كلّ دور وتعود إلى الظهور مع كلّ كور، والأمثلة كثيرة يمكننا الرجوع إليها في الرسالات السماويّة المعروفة لدينا من دون استثناء. لذا فلكلّ فرد فرصته لاختيار طريقه إلى اللّه وذلك من خلال استجابته لكلماته فور إدراكه لأحقّيّتها وتأكّده من صحّتها. فإمّا أن يذعن لإرادة اللّه عندما يجيء الوعد وتحين الساعة ويقوم النّاس لرب العالمين، وإمّا أن يسير مسار الضالّين التائهين المذكورين في الأمثلة السابقة، والعاقبة معروفة ومذكورة بوضوح كامل في جميع الكتب والأسفار.

ونعود مرّة أخرى إلى تطابق الأمثلة في الكتب المقدّسة، ففي الآيات التالية تشابه لما ذُكر آنفاً من تصنيف:

}أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ * لِلَّذِين اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ{

والسؤال المحوريّ، والذي يتوارد على الأذهان في كلّ ظهور هو:

كيف يستطيع الإنسان أن يميّز الكلمة الإلهيّة عن غيرها من الكلمات البشريّة الكاذبة؟

وهنا أيضاً تتجلّى الرحمةُ الإلهيّة التي لا تترك الإنسان في أيّ وقت من الأوقات. فيوضّح اللّه جلّ وعلا بالأمثال كيف يمكن للإنسان الّذي يأتي اللّه بقلب سليم أن يميّز الكلمة الطيّبة من الكلمة الخبيثة الّتي يجتثّها اللّه من فوق الأرض ولا يكون لها من قرار ولا استقرار.

«اِحْذَرُوا الأَنْبِيَاءَ الدَّجَّالِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ إِلَيْكُمْ لاَبِسِينَ ثِيَابَ الْحُمْلانِ، وَلَكِنَّهُمْ مِنَ الدَّاخِلِ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ! مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يُجْنَى مِنَ الشَّوْكِ عِنَبٌ، أَوْ مِنَ الْعُلَّيْقِ تِينٌ؟ هَكَذَا، كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تُثْمِرُ ثَمَراً جَيِّداً. أَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيئَةُ، فَإِنَّهَا تُثْمِرُ ثَمَراً رَدِيئاً. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُثْمِرَ الشَّجَرَةُ الْجَيِّدَةُ ثَمَراً رَدِيئاً، وَلاَ الشَّجَرَةُ الرَّدِيئَةُ ثَمَراً جَيِّداً. وَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تُثْمِرُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُطْرَحُ فِي النَّارِ. إِذَنْ مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ.»

}ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء{

فنحن لا نلاحظ تطابق هذه الأمثلة الواردة في الكتب السماويّة كما هو مشهود في الأمثلة السابقة فحسب، بل نلاحظ أيضا تطابق تشبيه الكلمة الإلهيّة بالشجرة الطيّبة الّتي تبقى وتستمر. فهي تضرب بجذورها في أعماق الأرض، فتنمو وتمتد فروعها إلى عنان السماء، وتكون ثمارها حضارة وتقدّماً في أركان الأرض، وتؤسّس مدنيّة لم يسبق لها مثيل. وفي الآية التالية يؤكد الله المقياس الواضح على صحّة الرسالة الإلهيّة بقوله:

}وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ{

إنّ سرعة الاستجابة للكلمة الصادقة وانتشارها ونموّها وازدهارها، واستمرارها على الرغم من المقاومة الضارية التي تواجه بها لهي خير دليل على صدقها. ولذا فإنّ الله يعلن غضبه الشديد من أولئك الذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب لكلماته، بل يلعنهم ويعدهم بعذاب شديد. وقد يجادل البعض بأنّ الكثير من الفلسفات المعروفة لاقت رواجاً واستجابة واسعة مثل الفكر الشيوعيّ على سبيل المثال. وهنا يجدر بنا الانتباه إلى أنّ مثل هذه الفلسفات لم تنسب نفسها إلى الله ولم تدّعِ بأنّها دين بل على العكس من ذلك فالكثير منها ينكر وجود الله سبحانه وتعالى. كما يثبت لنا التاريخ بأنّها لا تستمرّ طويلاً ويثبت بطلانها بعد سنوات أو عقود قليلة. وهناك الكثير من الأمثلة على مصير تلك الدعاوي البشريّة وكيف أنّها اجتثت من فوق الأرض ولم يكن لها من قرار. أمّا الكلمة الإلهيّة فهي تستمرّ وتزدهر يوماً بعد يوم ولقرون عدّة تؤتي أُكلها بإذن ربّها في كلّ حين. وفي الآية التالية أبلغ ردّ وأبدع بيان لعاقبة المدّعين على الله والمتقوّلين بغير ما أراد سبحانه علت قدرته، وعمّت سطوته، وهو بكلّ شيء عليم.

}وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ{

فمع أنّ الرحمة والنعمة والمعارف الّتي تحملها الكلمة المباركة شاملة ولابدّ أن تصل إلى عموم الخلق إلاّ أنّه، كما سبق وذكرنا، بأنّ إدراكها واستيعابها يكون بدرجات مختلفة، كما أنّ جلّ معانيها ومغازي حكمتها لاتدرك بأكملها في البداية لأنّ لها خفايا أخرى لاتنكشف إلا في مواقيت محدّدة تقدّرها الحكمة الإلهيّة.

ثالثاً: التكرار

إنّ تكرار اللفظ نفسه في أكثر من آية، وفي مواضع مختلفة لا بدّ وأن يكون له دلالة. وإنّ ما ذكرناه عن أهمّيّة تتبّع الآيات الإلهيّة في الأسفار السماويّة وإمعان التأمّل فيها سيساعدنا على إدراك معناها وعلى الاقتراب من مغزاها.

وفي السطور التالية سنتتبّع لفظة «إسلام» لعلاقتها الوطيدة بأطروحات هذا البحث ومعطياته.

والإسلام هو اسم للرسالة السماويّة التي جاء بها محمّد (ص) في مستهلّ القرن السابع الميلاديّ. والّذي انتقلت به البشريّة جمعاء في خطوات واسعة من بؤرة الجاهليّة إلى مراتب عليا من الرقيّ والمعرفة والمدنيّة. ونحن الآن لسنا بصدد التعريف بالدين الإسلاميّ، وهو غنيّ عن التعريف، ولكنّنا بصدد التأمّل في بعض الآيات القرآنيّة الّتي اشتملت على لفظتي “الإسلام” و “المسلمين” لندرك بعضاً مما تنطوي عليه من معان قد يكون من شأنها أن توصّلنا إلى شيء من المراد الإلهيّ، وتفتح على وجوهنا أبواباً لم نكن لنطرقها من قبل.

سنبدأ تأملنا للآيات بالدعوة الكريمة التالية:

}قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{

هذه دعوة كريمة موجّهة إلى أهل الأديان للتفاهم على أن يركّزوا أبصارهم على ما هو مشترك بينهم وما سيكون سبباً في وحدتهم، وهو تلك الكلمة السواء المشتركة بين جميع الديانات؛ ألا وهي كلمة التوحيد والإقرار بأنّه لا إله إلا الله الفرد الواحد الصمد، وأنّ كلّ ما عداه محو صرف. هذا بالطبع هو أسّ أساس جميع الرسالات السماويّة ثمّ يذكّرهم بعدم الشرك به سبحانه وذلك باتخاذ ما يدّعيه بعض الناس سبيلاً وحجّة. أو بنقض العهد وتجاهل الميثاق الإلهيّ الذي أخذه الله من عباده. وفي هذه الحالة يبيّن الله لهم أنّهم يتّخذونهم من بعضهم أرباباً من دون الله.

وممّا لا شكّ فيه أنّه بوحدانيّة اللّه المطلقة تتحقّق أيضاً وحدة رسله تعالى لأنّهم جميعاً مرايا الحقّ الّتي تعكس الأنوار الإلهيّة بكمالها وجلالها، وبهم تتحقّق وحدة الكتب السماويّة لكونها من مصدر واحد، كما تتحقّق أيضاً وحدة الدين الّتي لا تنفصم عراها مهما تعدّدت الأسماء ومهما تنوّعت شرائعها. فدين اللّه كان ولايزال واحداً، وسيبقى دائما واحدا، وهذه هي الشهادة التي انتهت بها الآية السابقة: }… فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{

ولنتدبّر بعض الآيات الّتي تكرّر فيها هذا اللفظ، ونقارنها ببعضها بعضاً علّنا نتمكّن من الكشف عن حوريّات المعاني الكامنة في أصداف تلك الآيات، والوصول إلى المعنى القرآنيّ المقصود لكلمة «مسلم».

}وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ{

}… قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{

}وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ{

وحتّى فرعون ادّعى زوراً وبهتاناً أنّه آمن بالله وأصبح من المسلمين لإرادة إله بني إسرائيل.

}وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ{

}فلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{

والآية التالية تبيّن مَن هم المؤمنون وكيف يستسلمون إلى الإرادة الإلهيّة، ويستجيبون للآيات التي تتلى عليهم، ويقرّون بأحقيتها وأنّهم كانوا مسلمين من قبل.

}الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ{

وهذا ما أخبر به الرسول الكريم أمته بأن يسلموا لله وذكّرهم بأنّ الإسلام هو الدين الأساسيّ الذي جاء به أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وسار عليه كلّ من جاء بعده من الرسل والنبيين:

}وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ{

وفي هذا سيكون الرسول شهيداً على المسلمين. ومن ثمّ سيكون المسلمون شهداء على الناس في الامتثال والتسليم بأنّ الإسلام هو دين الله الواحد الذي لا يتغيّر.

ويصرّح القرآن، كما رأينا في الآيات السابقة، بأنّ الإسلام مطلب كلّ رسالة إلهيّة وشرط الاستجابة لكلّ ّدين سماويّ هو التسليم بالإرادة الإلهيّة، والقبول بما ارتضاه الله لعباده المخلصين.

فما من رسول أتى إلا دعا إلى الإسلام، وما من رسالة أوحيت إلا وكانت إسلاماً وتسليماً إلى الله، وما من وصيّة نزلت لأتباعها إلا وكانت أن لايموتوا إلا وهم مسلمون.

وقد يكون في الآية التالية تحديد صريح وواضح لمعنى الدين ومعنى الإسلام بشكل عامّ وهو ملّة إبراهيم حنيفاً.

}وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا…{

وإنّ إسلام المؤمن وجهه إلى اللّه يعني خضوعه الخالص لإرادته بتمام الإيمان والثقة، وكمال الإذعان والاطمئنان إلى كلّ ما يرسله الله رحمة من عنده على لسان مبعوثيه ورسله المصطفين.

وقد كتب د. عبد الله دراز العالم الإسلاميّ المعروف:

«ماهذا الدين المشترك الذي اسمه الإسلام، والذي هو دين كلّ الأنبياء والمرسلين؟ إنّ الذي يقرأ القرآن يعرف كنه هذا الدين: أنّه هو التوجّه إلى الله ربّ العالمين في خضوع خالص لا يشوبه شرك، وفي إيمان واثق مطمئنّ بكلّ ما جاء من عنده، على أيّ لسان وفي أيّ زمان ومكان دون تمرّد على حكمه، ودون تمييز شخصيّ، أو طائفيّ أو عنصريّ بين كتاب وآخر من الكتب السماويّة أو بين رسول ورسول» هكذا يقول القرآن:

}ومَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِين الْقَيِّمَةِ{

وهذا هو نفسه ماطلبه الرسول الكريم في دعوته لأمّته بأن يكونوا من المسلمين في الآية التالية:

}قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{

ومن الطبيعيّ أن يعلن الرسول (ص) إكمال رسالته وإتمامها على أكمل وجه كما ذكرت الآية:

}الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا…{ 

فبكمال الرسالة أتمّ الله والرسول عليهم النعمة على أن يكون الإسلام اسماً لرسالته، كما هو تسليم لمشيئته تعالى، وفي ذلك فصل الخطاب. فلقد أتّم عليهم الحجّة، وارتضى لهم هذه النعمة الكبرى.

ثمّ يؤكد بكلّ وضوح الإطار العامّ لدين الله الواحد:

}إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ{

ثمّ يوجّه إليهم الوصيّة نفسها التي أوصى بها إبراهيم ويعقوب أبناءهم وهي أن لا يموتوا إلا وهم مسلمون.

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ{

ويختتم الوصيّة بالقول الفصل لكلّ من يريد أن يحيد عن طريق الله الواحد وعن صراطه المستقيم، ويبتغي غير دين الله الواحد المنزل على المرسلين وهو الإسلام ويختار عليه ديناً آخر:

}قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ{

أليس في كلّ ما سبق من آيات توضيح من الله للإطار الإلهيّ العام لمعنى كلمة إسلام الجامعة المانعة وشمولها لجميع الرسالات السماويّة؟

«… فالإسلام في لغة القرآن ليس اسما لدين خاص، وإنّما هو اسم للدين المشترك الذي هتف به كلّ الأنبياء، وانتسب إليه كلّ أتباع الأنبياء، وهكذا نرى نوحاً يقول لقومه }… وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ{ ويعقوب يوصي بنيه }… فلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ{ وأبناء يعقوب يجيبون أباهم }… وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{ وموسى يقول: }…إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ{ والحواريون يقولون لعيسى: }… وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{ بل إنّ فريقاً من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن قالوا: }… إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ{ وبالجملة نرى اسم الإسلام شعاراً عاماً يدور في القرآن على ألسنة الأنبياء وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخيّة إلى عصر النبوّة المحمّديّة. ثمّ نرى القرآن يجمع هذه القضايا كلّها في قضيّة واحدة يوجّهها إلى قوم محمّد يبيّن لهم فيها أنّه لم يشرع لهم ديناً جديداً، وإنّما هو دين الأنبياء من قبلهم }شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ{ ثمّ نراه بعد أن يسرد سيرة الأنبياء وأتباعهم ينظمهم في سلك واحد، ويجعل منهم أمّة واحدة لها إله واحد كما أنّ لها شريعة واحدة: }إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ{»

وخلاصة القول هي أنّ الإسلام جوهر دين اللّه وأساسه. وبناء على ذلك فهو يطلق على جميع الرسالات الإلهيّة الّتي هي في حقيقتها دين اللّه الواحد الّذي دعا إليه جميع المرسلين وأوصوا به أتباعهم. ويطلق اسم مسلم على كلّ من أسلم وجهه لله كما يطلق في الوقت ذاته على كلّ من آمن بالرسالة المحمّديّة.

وفي الآية التالية خلاصة العبرة لمن يعتبر وأجلّ الذكرى لأولي الألباب.

}مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{

وقد يكون من المفيد توضيح معنى كلمة “حنيف”: والحنيف هو المائل إلى المشيئة الإلهيّة كلما تجدّدت.

إنّ ما تناوله البحث عن الكلمة الإلهيّة، على الرغم من أنّه لايتجاوز قطرة ضئيلة في خضم معانيها الّتي ليس لها من آخر، سواء ما جاء في هذا الفصل أو في غيره من فصول الكتاب ما هو إلا محاولة لإدراك شيء من أهمّيّة تواجد الكلمة الخلاّقة في حياة البشر، وتذكرة لعمق ماتتركه في النفوس من تأثير، وما ينتج عنها من تآلف بين القلوب المتنافرة، وما تحقّقه من سلام ووئام بين الأنام، وما تحدثه من تغيير لإعادة تشكيل المنظومة الإنسانيّة، وفتح أبواب الرحمة أمام الجميع للمشاركة في تحقيق أحلام البشريّة ببناء عالم يسوده السلام والوئام، ويعمّ فيه الخير لكلّ الأنام وتتأسّس المدنيّة الإلهيّة على الأرض.

تناولنا أيضاً فكرة أنّ الكلمات الإلهيّة تأتي مناسبة لمستوى النضج البشريّ في وقتها وزمان نزولها، حتّى يتمكّن العباد من استيعابها والعمل على تطبيقها في حياتهم اليوميّة، وتناولنا أمثلة من التاريخ تدلّ على قوّة الكلمة الإلهيّة وسلطنتها نفوذها، مع استعراض موجز لبعض الصور والأساليب التي تأتي بها من قصص، وأمثال، وتكرار، حتى يتسنّى للعباد فهمها، والتمتّع بسحرها، وحتى يتذوّق العباد رشحاً من جنّة وجودها، ويشكرون الله على رحمة نزولها.

وهنا يكون من الضروري أن ننهيّ هذا الفصل بالأسئلة التالية:

هل توصّل أصحاب الأديان إلى معاني الكلمة الإلهيّة في كتبهم المقدّسة؟

وإذا كان كذلك فلماذا هذه الحروب المدمّرة، وهذه الدماء المراقة بوحشيّة في كثير من بقاع الكرة الأرضيّة باسم الدين؟

فلننظر حولنا لنتساءل أين تأثير الكلمة الإلهيّة في وقتنا الحالي؟

سنحاول سويّاً الإجابة عن هذه التساؤلات عن طريق تناولنا لبعض السدود والموانع التي يبنيها البشر بالظنون والأوهام، فتحول دون الفهم الصحيح لمضمون الكلمة الإلهيّة؛ وأوّل هذه السدود العاتية هو موضوع التأويل البشريّ الذي سنعالجه في الفصل التالي.

الفصل الثالث الــتأويـــــــل

بعد أن عرّفنا الكلمة الإلهيّة وحدّدنا صفاتها، ونظرنا إلى قوّة تأثيرها، وتأمّلنا حدّة نفوذها، واطّلعنا على جلال سلطانها، وتأكّدنا من حتميّة طاعتها وضرورة الامتثال لها، وبعد أن تناولنا بعضاً من صورها، وقبساً من أساليبها نرى لزاماً علينا إذا أردنا الإحاطة بالمشكلات التي تصادفها أن نتطرّق إلى شيء من الحُجب والعوائق التي تحول دون إدراك جانب هامّ من مقاصدها، ويكون تجاهلها سبباً في حرمان أمم بأسرها من فيض رحمتها وعموم خيراتها.

لذا سيتناول هذا الفصل مشكلات تأويل الكلمة الإلهيّة، وما يحيط بها من مصاعب وفتن لا يبدو أنّ جمهور المفسّرين والمؤوّلين قد احترزوا، بما فيه الكفاية، من وهداتها ونتائجها. ولا يغيب عن الكثير من المثقفين والمتبحّرين في العلوم الدينيّة ما ينطوي عليه موضوع التأويل من تحديات بالغة وعثرات أهلكت أمماً سابقة ولا يزال تجنّب هذه العثرات عاصياً على بعض من الأمم الحاضرة.

والموضوع برمّته ليس جديداً على المفكرين والمصلحين الدينيين، فهو من أكثر الموضوعات تعقيداً، وعلى الرغم من كثرة الحديث فيه منذ بداية الدّعوة المحمّديّة إلا أنّه مازال في حاجة ماسّة لإعادة طرح عدد من جوانبه على بساط البحث في وقت تضاعفت فيه التحدّيات أمام هذه الأمّة البيضاء، واستفحلت مشكلاتها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة واستنفدت قواها الفكريّة وحرمت الفكر الدينيّ من نيل قسطه من البحث العلميّ والتفكير المنهجيّ مما يحدونا لبذل جهدنا في هذا الفصل لمعالجة موضوع التأويل من زوايا قد أهملها كثير من الباحثين في الماضي سواء أكان ذلك بقصد أم عن غير قصد.

فلقد أدلى الكثير من العلماء والفقهاء والمفسّرين في موضوع التأويل هذا بدلوهم، وأفاضوا فيه واستفاضوا دون أن يصلوا مع ذلك إلى نتائج يقينيّة مُسلّم بها. فكما احتار فيه السّلف تعثّر فيه الخلف. فلقد كان منهم المتشدّد وكان منهم المتساهل، وكان منهم أيضاً المتفلسف وقليل منهم كانوا معتدلين في آرائهم وموضوعيّين في تحليلهم. وعلى كلّ حال فقد اختلفوا كثيراً واتفقوا قليلاً. وفي الحقيقة لن يكون مجدياً في بحثنا هذا عرض أقوالهم المتباينة، كما لن يكون من المفيد سرد ما توصّلوا إليه من نتائج تقوم بأسرها على الظنّ فما يغني الظنّ من الحقّ شيئاً.

إنّ غاية ما يصبو إليه هذا البحث هو الوصول إلى السبيل السويّ الذي يعين القلب العامر بالإيمان على الاعتماد على تأويل يمدّه بفهم واضح لمراد الله. والمعلوم أنّ مراد الله ومشيئته لا يبلغهما العبد بالاعتماد على كلام عباد قد تفرّقت بهم السّبل، وشتتت أفكارهم المذاهب والمؤسّسات الدينيّة، وغالباً ما تباينت مقاصدهم عن البحث المنزّه عن الميل إلى مدرسة فكريّة أو أخرى. فلا نفع في كلّ ذلك للمؤمن الذي يروم أن يكون النور المشرق من الكلمة الإلهيّة هادياً له إلى مراد من بعثها بالحقّ. فإن بلغنا ذلك فبتوفيق من الله وإلاّ فليشفع لنا حسن القصد وبذل الجهد.

بعض ما قيل في التأويل

في بداية الأمر سنحاول التعرّف على المعنى اللغويّ للفظ «التأويل» من المعاجم العربيّة من دون تفاؤل كبير في العثور على ضالتنا المنشودة في صفحاتها التي غلب اهتمامها بضبط اللفظ على التعمّق في معناه:

جاء في لسان العرب لابن منظور في معنى التأويل: «أوّل الكلام بمعنى تأوّله ودبّره وفسّره، وقوله عزّ وجلّ: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} أيّ لم يكن معهم علم تأويله، وهذا دليل على أنّ علم التأويل ينبغي أن يُنظر فيه.

وقيل ما معناه لم يأتهم ما يؤول إليه أمرهم في التكذيب به من العقوبة ودليل هذا قوله تعالى: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ…} والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصليّ إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما تُرك ظاهر اللفظ. ويقال “ألتُ” الشيء إذا جمعته وأصلحته فكان التأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ واضح لا إشكال فيه.

وقال الليث: التأوّل والتأويل تفسير الكلام الذي تختلف معانيه ولا يصح إلاّ ببيان غير لفظه.

وأمّا قول الله عزّ وجلّ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ}؛ فقال أبو إسحاق: معناه هل ينظرون إلا ما يؤول إليه أمرهم من البعث، وقال: وهذا التأويل هو قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ…}؛ أيّ لا يعلم متى يكون أمر البعث وما يؤول إليه الأمر عند قيام الساعة إلا الله { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا…} به أيّ آمنّا بالبعث، والله أعلم.

وقال أبو منصور: وهذا حسن. وقال غيره: أعلم الله جلّ ذكره أنّ في الكتاب الذي أنزله آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب لا تشابه فيه فهو مفهوم معلوم، وأنزل آيات أخر متشابهات تكلّم فيها العلماء مجتهدين، وهم يعلمون أنّ اليقين الذي هو الصواب لا يعلمه إلا الله، وذلك مثل المشكلات التي اختلف المتأوّلون في تأويلها وتكلّم فيها من تكلّم على ما أدّاه الاجتهاد إليه، وقال: وإلى هذا مال ابن الأنباري…».

كما جاء في لسان العرب عن ابن الأثير: “والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصليّ إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ…” ومعنى ذلك أنّ المؤوِّل يستبدل الكلام الذي استغلق فهمه بكلام واضح يرجِّح ظنّه أنّه المقصود من المتشابه. وهذا تعريف يفتح المجال لاختلاف المعنى باختلاف المؤوّلين ويبعد عن الموضوعيّة. وقيل أيضاً أنّ المحكم ما كان معناه جليّاً واضحاً ظاهراً لا يحتمل إلاّ وجهاً واحداً لا يقع فيه اشتباه، والمتشابه فيه خفاء واشتباه يعرف معناه الراسخون في العلم.

وهناك قول مأثور عن جابر بن عبد الله أنّه قال: «المحكم ما علم العلماء تأويله، والمتشابه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل». وقد وصفها بعض السابقين بقولهم: «ليس لهنّ تصريف وتحريف وتأويل»، فقد «يدلّ لفظها على شيء والعقل على خلافه»، و«استأثر الله بعلمها».

وقال أبو حامد الغزاليّ في قانون التأويل بأنّ التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام فتأويل الخبر هو عين المخبر به، وتأويل الفعل نفس الفعل المأمور به…، وقال تعالى: }هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ…{

وفي النصّ التالي يعرض الأستاذ فريد وجدي رأيه في التأويل: «لم يكتف الإسلام بما كرّره من وجوب الوقوف مع مدلولات الألفاظ في الحدّ المسموح به، ولكنّه سند ذلك بتحفّظ آخر أدلّ على ما يريده من كلّ ما سبق وذلك أنّه لما أطلق القرآن الكريم على عيسى (عليه السلام) أنّه روح منه في قوله تعالى: }… كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ...{ قال النصارى يكفينا ذلك توهّماً منهم أنّ إطلاق كلمة روح الله على عيسى تدلّ على بنوّته له، فأنزل الله في دفع هذا الضرب من التأويل قولاً فصلاً لا عذر لمتقوّل على الدين بعده. بقوله: }هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ{، بهذه الآية أوصد الله آخر باب لتأويل آيات القرآن الكريم وألفاظه وفقا لما تتطلّبه الأهواء، أو لتأييد بعض الآراء، والمتأمّل في كلّ هذه التحفّظات، يرى إلى أيّ مدى وصل تشديد الكتاب الكريم على أهله في لزوم الحرفيّة في الدين. وإنّ ديناً هذا شأنه كان يجب أن لا توجد فيه فِرَقٌ يخالف بعضها بعضاً، ولكن الطبيعة البشريّة تتغلّب على جميع الحوائل الأدبيّة والماديّة، وتظهروجودها قويّة متشدّدة…»

ما هو التأويل؟

نظراً لتباين الآراء في المراد بالتأويل كما ورد في السطور السابقة والأقوال والحجج المتبادلة بين المفسّرين نرى أنّ من الخير لبلوغ معنى دقيق وبيّن لمراد الله بالتأويل أن نستعين بآيات الكتاب السّماويّ نفسها لنبلغ فهماً يُعتدّ به لكلمة “التأويل” بمعناها القرآنيّ أو معناها الكامل الذي يضيف إلى معاني الألفاظ المقصد الروحاني، ويهتدي في البحث عن المعنى بالغاية والحكمة من النّص وسياق الكلام، ولا يتسنّى ذلك إلاّ بالرجوع إلى الكتب السماويّة ذاتها.

فمشكلة تأويل آيات الكتب السماويّة ليست قصراً على القرآن الكريم، وإنّما تنزّلت الآيات المتشابهات أيضاً في الكتب المقدّسة السابقة على الإسلام. فالتأويل الإلهيّ للآيات المتشابهات هو سنّة الله سبحانه وتعالى في جميع الرسالات السماويّة، وله غايات أبعد بكثير من مجرد إيضاح معنى كلمة أو جملة في كتابه العزيز. لذا اختص الله نفسه صراحة ببيان تأويل المتشابه من آياته بنفيه ِعلم غيره بتأويلها. ومهما يعزّ على العباد فَهم المقصود من تنزيل آيات في الكتب السماويّة وتكليفهم بطاعتها بينما لا يعلم تأويلها ومعناها إلاّ هو، فإننا نؤمن بأنّ لذلك حكمة وغاية كما سنرى فيما بعد.

وأجلّ من ذلك أنّ الله نفى إمكانيّة إدراك الناس لتأويلها مع أنّها ألفاظ لغتهم المألوفة. وهذا يوضّح أنّ المقصود بالتأويل الصحيح ليس المعنى اللغويّ للألفاظ، ولا الاستنتاج الذي يمكن للبشر التوصّل إليه بالتفسير لأنّ ذلك أمر ميسور لا استحالة فيه لكثير من أهل العلم. وتزداد صعوبة هذه المسألة وأهميتها في أنّه ما لم يصل الناس إلى تأويل المتشابهات وفهمها سيكون من الصعب عليهم فهم المعنى الذي توخاه الله بكلمات مثل الساعة والصراط والحساب التي أخذ العامّة بمعانيها اللفظيّة متغاضين بالكليّة عن قوله تعالى: }… وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ…{ والصعوبة نفسها تظهر عند محاولة فهم الرسوخ في العلم، وتحديد العلم المقصود.

فالتأويل الذي اختصّ الله به نفسه إذاً هو من ألزم العناصر لفهم ما جاء في كتابه العزيز كاملاً، الأمر الذي يقتضي، كما سنرى من خلال هذا البحث، أنّ الفهم الصحيح للكلمات الإلهيّة يحتّم ضرورة تنقية القلوب والعقول من تلوّث التأويلات البشريّة إذا ابتغينا الوصول إلى حقيقة يرتاح إليها قلب المؤمن ووجدانه.

ولنبدأ بحثنا في موضوع التأويل بالتأمّل في الآية السّابعة من سورة آل عمران:

}هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ{

ولا جدال أمام صراحة هذه الآية بأنّ آيات الكتاب العزيز ككلّ كتاب سماويّ تنقسم إلى صنفين؛ فهي إمّا آيات محكمات، وإمّا آيات متشابهات، ولكن على ما يبدو أنّ هذه الآية نفسها قد تشابه معناها على المفسّرين حيث اختلفوا في تحديد المتشابه وتعريف المحكم فقيل فيهما:

المحكم: ما وضح معناه، والمتشابه: ما أغلق معناه.

المحكم: ما تأويله تنزيله، والمتشابه: ما لا يدرى إلا بالتأويل.

المتشابه: القصص والأمثال، والمحكم: ما سواها.

المحكم: ما يعرف معناه الراسخون في العلم والمتشابه ما ينفرد الله بعلمه.

المتشابه: الحروف المقطعة، والمحكم: ما سوى ذلك.

المحكم: ما عرف المراد منه، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه.

وأيّاً كان التعريف الدقيق فإجمالاً؛ الآيات المحكمات هنّ أمّ الكتاب وأصله ولا يحتجن، في الرأي الغالب، إلى تأويل أو تفسير، ويمكن لكلّ عاقل مُلم باللغة أن يعرف معناها. أمّا المتشابهات فعلى نقيض المحكمات فيستحيل على البشر معرفة معناها على وجه اليقين إلاّ بالرجوع إلى مصدر الوحي والإلهام كما تؤكد الآية الكريمة.

ثمّ تشير هذه الآية إلى الذين في قلوبهم زيغ وهو ميل وانحراف يغرران بهم ويستعجلانهم بتأويل ما لا علم لهم به، فيستدرجهم الغرور إلى تأويل المتشابهات ابتغاء لأمرين: أولهما: التأويل ابتغاء التأويل ذاته، وذلك إظهاراً لعلم يزهون به أو دعماً لمكانة ينعمون بها في دنياهم. وثانيهما: ابتغاء الفتنة والتشويش في خضمّ المعارك الفكريّة التي يخوضونها، وتأييداً للدعوات المذهبيّة التي يميلون إليها، متجاهلين أنّ للتأويل ميقاتاً يأتي فيه وهدفاً يرمي إلى تحقيقه، وأنّ هذا التأويل الإلهيّ قد يأتي في زمن أجيال تختلف بالكليّة عن أجيالهم، وفي مراحل وأطوار للأمّة تختلف عن تلك السائدة في زمانهم.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ الكتب السّماويّة على تفاوت أزمنتها واختلاف أممها تشتمل على موضوعات ومدارك يمكن جمعها وتصنيفها في ثلاثة أقسام:

أوّلاً: أحكام الشرائع والسنن

وذلك من قبيل العبادات مثل: الصلاة والصوم والحجّ …والمعاملات كالبيع والكراء والمبادلة وغيرها، ثمّ آداب السلوك والأخلاق الفاضلة من صدق وأمانة ورحمة…

ثانياً: الوقائع والأحداث الماضية

ومنها قصص الأنبياء والمرسلين السابقين…

ثالثاً: الأمور والأحداث الغيبيّة

من قبيل الإنباء عن مصائر الأمم والرسالات التالية، والقيامة والحشر والنشر والموت والحياة، وظلمة الشمس والقمر وسقوط الكواكب وانفطار السماء وتبديل الأرض وأمثالها.

فنلاحظ أنّ جلّ آيات القسم الثالث هي أحوج إلى التأويل من غيرها، ومع ذلك لا مناص من ضرورة أخذ التحذير الصريح الوارد في الآية السابقة في الاعتبار، واليقين بأنّ تأويلها مقصور على علم الله مع الخلاف الذي ثار في كيفيّة قراءة هذه الآية؛ فمن الناس من قال بوجوب الوقف في الآية على لفظ الجلالة، وبذلك يقتصر علم هذه الآيات وتأويلها على الله وحده، وأنّ عبارة “… والراسخون في العلم…” هي كلام مستأنف، ومنهم من قال أنّ “… الراسخون في العلم…” معطوف على لفظ الجلالة، أيّ أنّ الراسخين في العلم أيضاً يعلمون تأويل الآيات المتشابهات، ويقفون على ما أغلق فيها من أسرار! وما يدرينا، لعلّ الخلاف في قراءة الآية لا يُسفر عن خلاف في معناها أياًّ كان موضع الوقوف.

والسؤال الذي لا مناص من توجيهه إلى الذين يرجّحون الرأي الثاني هو:

من هم الذين بلغوا إلى هذه الدرجة العالية من الرسوخ في العلم بحيث يستوي علمهم بتأويل هذه الآيات بعلم الله سبحانه وتعالى؟

إذا كان الله، جلّ جلاله، قد استأثر بعلم تأويل هذه الآيات، واختصّ هذا العلم بنفسه أوّلاً ثمّ من بعده لمن وصفهم، بالراسخين في العلم، فإنّ هذا الأمر يفرض علينا توخّى الدقة العلميّة في تحديد هؤلاء المتميّزين بهذه الصفة العليا وهذا المقام الأسنى.

ألا يتضمن التخصيص والتمييز المنصوص عليهما في الآية إلى قدسيّة هذا التأويل وتنزيهه عن علم البشر لكونه معنى مستوراً في غيب الأسرار الإلهيّة؟

ألا تشير الآية المذكورة إلى استحالة الوصول إلى المعاني المكنونة المخزونة في الآيات المتشابهات إلاّ لمن كان مؤيّداً بالمشيئة الإلهيّة؟

}… وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء…{ 

وهل المقصود بالعلم في هذه الآية هو ذلك العلم المكتسب الذي في متناول عامّة الناس في المعاهد والجامعات سواء أكانت دينيّة أم غير دينيّة؟

أم أنّ المقصود هو العلم اللدنيّ الذي يوحي الله به أو يقذفه في قلب من يصطفيه من عباده؟

أليس العلم المقصود في الآية المباركة مشروطاً ضمناً أن يكون علماً يقينيّاً وليس ظنيّاً يحتمل الصواب والخطأ ككلّ علوم البشر؟

فشتّان بين هذين النوعين من العلم؛ فالعلوم المكتسبة هي مجموع الخبرات التي استقاها الإنسان من بيئته ومن تجاربه ومن دراسته ومن استنتاجاته من الطبيعة، وكلّ ذلك مع احتماله للصواب والخطأ محدود بما تيسّر للإنسان أن يبلغه من فهم لجزء لا يتعدى قطرة من محيط في كون ممتلئ بأسرار لا حدّ لها. أمّا العلم الإلهيّ فهو شامل للكون ومحيط لما فيه فلا مناسبة للمقارنة بين نوعي العلم المذكورين.

وعلاوة على ذلك ألا يُحتمل أن يكون الراسخون في العلم هم الذين لا ينطقون إلا بما أوحى الله إليهم، ولا يتصرّفون في القول إلا إعراباً عن مراد الله ومشيئته، فيكون علمهم بمراد الله من آياته المتشابهات علماً استفاضوه من علمه اللدنيّ الذي لا يزيغه هوى ولا يشوبه ظنّ؟

إنّ هذه التساؤلات وأمثالها تفرضها علينا السوابق التاريخيّة لمحاولات البشر في تأويل متشابهات الكتب السماويّة السابقة. ولذا قد يعين تحليل أمثلة من هذا التأويل ودراستها على فهم واقعيّ لما أسفرت عنه المحاولات البشريّة من ضياع وخسران وذلك لبُعدها عن مراد الله.

أمثلة للتأويل الخاطئ للكلمة الإلهيّة

والمثل الصارخ في هذا المضمار هو تفسير الفريسيين للنبوءات التي جاءت في العهد القديم عن علامات ظهور المسيح، والتي كان مراد الله منها أن تكون عوناً لبني إسرائيل على التعرّف عليه والإقبال على رسالته، فأحالها التأويل البشريّ المسبق إلى حجاب غليظ أضلّهم عن نوره. فمن المعلوم أنّ الفريسيّين هم أشهر فرق أحبار اليهود في الاهتمام بتفسير التوراة واستنباط أحكامها، وتمتّعوا بنفوذ كبير بين شعب بني إسرائيل، وقد كان تحليل رؤاهم للعلامات التي استخرجوها للاستدلال على الظهور المسيحيّ من الأسباب الرئيسة التي دفعت بالكثير من اليهود إلى إنكار دعوة المسيح عند ظهوره والحكم بصلبه، على الرغم من مواصلة إصرارهم على ترقّبهم الدائم وانتظارهم لمجيء الملك الممسوح والمخلّص لبني إسرائيل بالصورة التي رسمها لهم الفريسيّون في تأويلهم للآيات المتشابهات.

وليكن عرض بعض الأمثلة للنّصوص التي اعتمد عليها الفريسيّون في تأويلهم نقطة البداية في هذا البحث وأكثرها من سفر إشعياء:

مثال من العهد القديم:

«ويخرج قضيب من جذع يسّى وينبت غصن من أصوله. ويحلّ عليه روح الرّبّ روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوّة روح المعرفة ومخافة الرّبّ.»

«لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ. وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَصْلَ يَسَّى الْقَائِمَ رَايَةً لِلشُّعُوبِ، إِيَّاهُ تَطْلُبُ الأُمَمُ، وَيَكُونُ مَحَلُّهُ مَجْدًا. وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ السَّيِّدَ يُعِيدُ يَدَهُ ثَانِيَةً لِيَقْتَنِيَ بَقِيَّةَ شَعْبِهِ، الَّتِي بَقِيَتْ، مِنْ أَشُّورَ، وَمِنْ مِصْرَ، وَمِنْ فَتْرُوسَ، وَمِنْ كُوشَ، وَمِنْ عِيلاَمَ، وَمِنْ شِنْعَارَ، وَمِنْ حَمَاةَ، وَمِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ. وَيَرْفَعُ رَايَةً لِلأُمَمِ، وَيَجْمَعُ مَنْفِيِّي إِسْرَائِيلَ، وَيَضُمُّ مُشَتَّتِي يَهُوذَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَطْرَافِ الأَرْضِ.»

«وَيَخْرُجُ سُكَّانُ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ وَيُشْعِلُونَ وَيُحْرِقُونَ السِّلاَحَ وَالْمَجَانَّ وَالأَتْرَاسَ وَالْقِسِيَّ وَالسِّهَامَ وَالْحِرَابَ وَالرِّمَاحَ، وَيُوقِدُونَ بِهَا النَّارَ سَبْعَ سِنِينَ.»

ومن تفسير الأحبار لأمثال هذه النبوءات تجمّع لديهم تصوّر خالوه كاملاً وشاملاً للأعمال التي سيقوم المسيح بإنجازها لخلاص البشريّة وعلى رأسها شعب بني إسرائيل، وكان تصوّرهم إجمالاً يفيد أنّ المسيح أو ”الملك الممسوح” الذي ينتظره بنو إسرائيل سيعيد تأسيس مملكة داود وإعادة أمجادها الغابرة، ويعيد بناء هيكل سليمان أو معبد أورشليم، ويجمع شمل اليهود المشتتين في العالم على أرض مملكة تحاكي مملكة داود، كما يعيد تطبيق أحكام الشّريعة اليهوديّة على النّحو الذي كانت عليه من قبل، فتُقدّم الذّبائح والأضاحي، وتعود حرمة أيّام السّبت وأعياد اليوبيل طبقاً لجميع الشّروط والأوصاف المدوّنة في التّوراة التي لا يتحقّق مجيء الموعود إلاّ بحدوثها وصيرورتها كاملةً. وأضحت صورة هذه الشّروط من المعتقدات الأساسيّة في الفقه اليهودي، ومن يخالفها يعتبر خارجاً عن الشّريعة ومتمرّداً على مؤسّسها نفسه، ومن لا يؤمن به ومن لا يتمنّى مجيئه ينقصه الإيمان بالأنبياء وبالتّوراة لأنّ التّوراة تشهد قائلة:

«يردّ الرّبّ إلهك سبيلك ويرحمك ويعود فيجمعك من جميع الشّعوب الذين بدّدك إليهم الرّبّ إلهك إن يكن قد بدّدك إلى أقصاء السّماوات فمن هناك يجمعك الرّبّ إلهك ومن هناك يأخذك ويأتي بك الرّبّ إلهك إلى الأرض التي امتلكها آباؤك فتمتلكها ويحسن إليك ويكثرك أكثر من آبائك.»

وباستقراء النّبوءات الواردة في العهد القديم (التوراة) في ضوء الاستنباط الذي انتهى إليه تصوّر الفريسيّين في تفسيرهم لها يمكن استخلاص الأسس التي بنوا عليها منهجهم في التّأويل والتّفسير:

أوّلاً: اعتمد تفسيرهم على معاني الألفاظ الحقيقيّة في اللّغة الجارية مستبعدين احتمال أن يكون لها معان مجازيّة، وفسّروا لفظ “الملك الممسوح” على أنّه ملك متوّج بمعناه الجاري سياسيّاً، فلم يعطوا أيّ اعتبار مثلاً لقول السيّد المسيح أنّ مملكته ليست من هذا العالم، بما يعني أنّه ملك ولكن على مملكة روحانيّة وأنّ عرشه في الملكوت السّماويّ.

ثانياً: أضاف منهجهم إلى حرفيّة تأويل النبوءة آنيّة تحقّقها، فلم يدخلوا في اعتبارهم عنصر الزّمن كعامل يحتاجه تحقّق النّبوءات عن المسيح، وتوقّعوا أن تكون الأوصاف والظروف التي حدّدتها النّبوءة متوفّرة من بداية مجيئه. فالمسيح سيكون ملكاً متوّجاً، وبانياً للهيكل، وجامعاً لشتات اليهود، ومحقّقاً للسّلام بين الأمم منذ لحظة ظهوره. هذا على الرّغم من أنّ تاريخ بني إسرائيل يثبت أنّ الوعود الإلهيّة التي أبلغها موسى إليهم اقتضى تحقيقها وقتاً غير قليل وكان مصحوباً بتغيرات عظيمة في حياة الشّعب سواء على الصعيد الاجتماعيّ أو على الصعيد الروحانيّ، فخلاص بني إسرائيل وخروجهم من مصر لم يتمّ آنيّاً، ولا كان كذلك بلوغهم إلى الأرض الموعودة أو تأسيس مملكتهم في ظلّ عرش داوود وسليمان.

ثالثاً: لم ينتبه الفريسيّون في تفسيرهم إلى أنّ مرور الوقت ليس ضرورة لتحقّق النّبوءات فحسب بل هو عامل هامّ أيضاً لاكتمال معناها، فلم يكن المقصود بخلاص بني إسرائيل متوقّفاً على خروجهم من تحت سيطرة فرعون مصر فحسب، بل اكتمل معناه بتهذيب سلوكهم وتغيير أسلوب حياتهم وتطوير نمط تفكيرهم وفقاً لأحكام الشّرع وتعاليمه، فالمقصود بالخلاص في الكلم الإلهيّ لا يقتصر على معناه الماديّ فقط.

رابعاً: من بين الشّروط التي وضعها الفريسيّون لتأويل نبوءات مجيء المسيح عودة تشكيل مجالس القضاة والرجوع إلى تقديم الذبائح والأضاحي في الهيكل كما كان قديماً في عهد داود وسليمان، متجاهلين سنّة التّطوّر التي غيّرت ظروف حياة شعب إسرائيل، وغيّرت عاداتهم، وبدّلت فكرهم الدينيّ، مع أنّ إلغاء ما أدخله التطوّر إلى الحياة العامّة والخاصّة والرجوع إلى ما كان عليه الحال في سابق الأزمان أمر لم يذكر التّاريخ حدوثه في أيّ أمّة سابقة، مما يرجّح استحالته.

لهذا خلق تأويل الفريسيّين لنبوءات العهد القديم (التوراة) بما اشترطوه من سمات وصفات الملك الذي أنبأت بقدومه التوراة حجاباً غليظاً منع بني إسرائيل من رؤية الجوانب الإيجابيّة في الرّسالات السّماويّة اللاحقة لرسالة موسى، لأنّ تأويلهم اقتصر على المعاني الحرفيّة للألفاظ كما حدّدتها لغة البشر في زمن تأويلها، واستبعدوا احتمال أن تكون لها معان مجازيّة. فتكرّر تبعاً لذلك إنكار الذين تمسّكوا بمنهج الفريسيّين وفكرهم لكلّ ما ظهر من رسالات سماويّة حتّى الوقت الحاضر.

ولكن قد يكون الأحقّ باللّوم من الفريسيّين لاستخدامهم لمثل هذا المنهج المعيب من دون تحفّظ في تأويل الكتب السّماويّة، أولئك الذين حذّرهم الله من التأويل وما يترتّب عليه من فتنة البسطاء حتّى ولو حسنت نواياهم.

وقد يكون أيضاً من دواعي التّعجّب أنّ غير قليل من المفسّرين، مسيحييّن كانوا أم مسلمين اقتفوا أثر الفريسييّن من دون الاستفادة من خطئهم، فاتّخذوا المنهج الحرفيّ نفسه في تفسير الكلمة الإلهيّة بصفة عامّة، وفي تأويل المتشابهات منها بصفة خاصّة، على الرغم من ظهور غبينة هذا المنهج وعوره، بل وفساده وبطلانه.

يتّضح لنا من كلّ ذلك أنّ مضار الاستعجال بالتّأويل أكثر من نفعه للأمّة، فهو وإن كان فيه نفع في تفنيد ادّعاءات الأنبياء الكذبة، إلاّ أنّ مثل هذا النفع المحدود لا يقاس بخسران التكذيب لدعوات الأنبياء الصادقين، والذي ثبت وتكرّر وقوعه من جرّاء هذا التأويل البشريّ للمتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلاّ الله.

إنّ الفتنة التي تقع فيها الأمّة بأسرها عندما يظهر التأويل الإلهيّ الصحيح الذي بشّرت به الآيات المتشابهات نفسها تكون، في كثير من الأحيان، قاسية وعاصية على معظم الناس لما فيها من مواجهة لتأويلين: أحدهما مألوف موروث عن السلف، والآخر تأويل جديد يقول به الرسول اللاحق عند ظهوره. فيكون من الصعب على أفراد الأمّة أن يتبيّنوا الغثّ من الثمين ويميّزوا بين الحقّ والباطل، فيستسلم الكثير منهم لما يقوله المتأوّلون متعلّلين بأنّ مسئوليّة الخطأ يتحمّلها القائل بالتأويل الفاسد، وهذه فرية أخرى نشرها بعض رجال الدين لضمان ولاء أتباعهم. وقد يكون واجباً بما أوتوا من علم إدراك الحكمة من قوله تعالى: }فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ{ ففي لفظ “ثمّ ” الذي هو حرف عطف دال على الترتيب مع التراخي ويعني أنّ هناك ميقاتاً تالياً لنزول التأويل. ولا يخفي على كلّ ذي فؤاد طاهر فهم هذا التصريح الواضح من جانب الحقّ، سبحانه وتعالى، بأنّه قد اختصّ ذاته بالبيان والتأويل. فتشير الآية إلى أنّ هناك مرحلتين لتحقق فوائد الكلمة الإلهيّة: أولاهما: هي قراءة القرآن واتّباع ما جاء في محكم آياته. وثانيهما: مرحلة تالية تأتي بعد ذلك بتأويل ما تشابه منه، بل إنّ الآيات حدّدت أنّ هذا التأويل موقوت يأتي في يوم لاحق، وهذا ما تؤكده أيضا الآية التالية:

}هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ…{

وهنا يتّضح أنّ البيان الذي سيأتي من الله سيكون في يوم آتٍ ومقدّر في علم الله.

فما عساه يكون هذا التأويل الذي وعد الله تعالى بمجيئه؟

وكيف سيأتي هذا التأويل؟

التأويل البشريّ وسنن الأوّلين

زخرت الكتب المقدّسة بقصص الذين كذّبوا رسل الله حين جاءوهم بتأويل كلماته على نحو مخالف لما توقّعوه وتعارفوا عليه ورسخ في أذهانهم من قبل، وهي تدعو كلّ عاقل للتّفكر في سهولة الوقوع في شرك التأويلات البشريّة وما يمكن أن تورّثه من ضلال بسبب أوهام المفسّرين وتصوراتهم في التأويل. وأنّى لتأويل البشر بعلمهم المحدود أن يصل إلى غيب مراد الله من آياته المتشابهات؟

إنّ خوض الخائضين في هذا المضمار، والعجلة في تحريك اللسان بما لم يعلموا من تأويل الكتاب، الذي اختصّ الله نفسه بعلم معانيه، يزيد من شدة الافتتان بهذه البشارات والإشارات المغلقة بدلاً من إجلاء معانيها. بل إنّ مثل هذه المحاولات تضع حجاباً بين الله وعباده فتحرمهم من إدراك الحقيقة، وتمنعهم عن رحمة الاهتداء بكلام المرسلين فيقومون بالاعتراض والتكذيب بغير علم، وربما عن حسن قصد، لاتّباعهم للمتأوّلين على الله بانتهاج سنّة الأوّلين التي نهى الله عنها، وحذّر من سوء عاقبتها، كما جاء في الآيات التالية:

}قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّة الأَوَّلِينَ{

}وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِين{

وللأسف فإنّ سنّة الأوّلين التي هي رفض الأنبياء والمرسلين نتيجة لتعصّب الأمم وإصرارها على الاستمرار فيما وجدوا عليه الآباء والأجداد وما توارثوه منهم من أمور عقائديّة هي، في الحقيقة، أقرب إلى العادات والتقاليد منها إلى الديانات وأصولها. تلك السُنّة التي تتكرّر في كلّ رسالة على الرغم من التحذير الإلهيّ الصارم من اتّباعها لأنّها تناقض وبشكل مباشر سنّة الله في إرساله الرسل. وهي تلك السنّة الباقية والتي ليس لها من تبديل أو تحويل، والتي هي العهد الأبديّ بين الخالق وخلقه.

وفي الآيتين التاليتين تلخيص رائع لهذا العهد الدائم الذي يأخذه الله من عباده بأن يؤمنوا بمن يرسله لهم من رسل مع علمه الكامل باتّباعهم لسنن الأوّلين وإصرارهم على الحنث العظيم. وهنا يكشف الله سبحانه وتعالى عن سوءتهم ويفضح سبب تمسّكهم بسنن الأوّلين وهو آفة الاستكبار ومرض المكر السيء. ثمّ يؤكد لهم في تحدّ صارخ أنّ سنّة الله ليس لها من تبديل أبداً، ولا من تحويل قط.

}وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا{

ويدخل في سنن الأوّلين تلك التأويلات البشريّة التي يعجّل بتأويلها مفسّرو كلّ عصر وعلماؤه من دون علم أتاهم ولا كتاب مبين، فأضّلهم الله على علم وكانوا من الضالين المضللين. فكما رأينا سابقاً عندما أتى المسيح بن مريم بتأويل المتشابهات في التوراة والتي كانت تبشّر بمجيئه رفضها بنو إسرائيل وسخر منها علماؤهم وذلك لمخالفتها لما كان بين أيديهم من تأويلات الفريسيّين التي أضلّتهم. وقد حسم القرآن الكريم الجدل في كذب المؤوّلين بقوله:

}… وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ…{

إنّ التوراة ليست ممتلئة بالبشارات والعلامات الدالة على المجيء الأوّل للمسيح فحسب، بل هي ممتلئة أيضاً بالبشارات الدالة على مجيئه الثاني أيضاً. ولكن يكفينا ما تقدّم من الأمثلة وعلى من يريد المزيد أن يطّلع على الكتب المقدّسة ليتأكد من أنّ الله لا يبخل على عباده بالمعرفة وأنّ رحمته وسعت كلّ شيء.

وعندما أشرق النور المحمّديّ مذكّراً أهل الكتاب بما لديهم من آيات متشابهات على رأسها التبشير بقدومه عليه الصلاة والسلام في كتبهم فكيف كان استقبال علمائهم للتأويل الحقيقيّ لتلك الآيات المتشابهات؟ وهل ياترى قوبل بالترحيب؟ أم أنّه، وكما هو المعتاد، قوبل بالرفض والتكذيب؟

فالجميع يعلم ما عاناه الرسول (ص) من هؤلاء المكذبين، وكيف أنّ اعتراضهم كان استناداً إلى ما كان في خزائنهم من أوهام التأويلات البشريّة، وما اكتنزوه من أضغاث التحريفات الشيطانيّة الناتجة عن الخوض في المتشابهات والمعتمدة على ليّ معاني الآيات. فالتحريف في حقيقته قد يكون باستبدال لفظ بآخر في موضعه أو قد يكون بتغيير المعنى المقصود بمعنى آخر يأتي على هوى المفسّر وميوله. ونلاحظ بكلّ جلاء أن الصنف الثاني هو الأكثر شيوعاً بين أصحاب الديانات المختلفة.

}فبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين{

مثال من العهد الجديد (الإنجيل)

 

ومثال آخر من الأمثلة العديدة من المتشابهات التي وردت في العهد الجديد (الإنجيل) الدّالة على مجيء المبعوث التالي بعد المسيح، والتي قيل بتحريفها، وبتغيير معانيها وليّها، ابتغاء الحيلولة دون انتشار رسالة محمّد (ص) ودعماً لرفض دعوته وتكذيبها.

«ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ. وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تِيجَانٌ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ اسْمٌ مَكْتُوبٌ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ إِّلاَ هُوَ. وَهُوَ مُتَسَرْبِلٌ بِثَوْبٍ مَغْمُوسٍ بِدَمٍ، وَيُدْعَى اسْمُهُ كَلِمَةَ اللهِ. وَالأَجْنَادُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ كَانُوا يَتْبَعُونَهُ عَلَى خَيْل بِيضٍ، لاَبِسِينَ بَزًّا أَبْيَضَ وَنَقِيًّا. وَمِنْ فَمِهِ يَخْرُجُ سَيْفٌ مَاضٍ لِكَيْ يَضْرِبَ بِهِ الأُمَمَ. وَهُوَ سَيَرْعَاهُمْ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ، وَهُوَ يَدُوسُ مَعْصَرَةَ خَمْرِ سَخَطِ وَغَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ.»

فلو نظر أهل العدل والإنصاف بعين البصيرة إلى النصّ السابق، لوجدوا أنّ هذه العلامات بأسرها تصف الرسول (ص) وتنطبق عليه انطباقا تاماً. فهو يدعى كلمة الله أيّ رسول من الله، وهذه هي البشارة نفسها التي وسم بها الله ابن مريم بقوله:

}يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ…{

هذه الكلمة هي المسيح، وهي أيضا تمثّل الآتي بعد المسيح من السماء كأيّ رسالة تأتي من سماء العزّة الأحدية، راكباً فرساً ويُدعى بالصادق وبالأمين. وأنّ التاريخ ليؤكد بأنّ الصادق الأمين كان الاسم الذي أطلقته قريش على الرسول (ص) قبل بعثته، وهذا ما حدّدته النبوءة سالفة الذكر.

ولو تدبّرنا ماجاء في القرآن عن هذا الموضوع لوجدنا أن عيسى بن مريم عندما أعلن دعوته لبني إسرائيل كان مصدّقاً لما جاء في التوراة ولِمَن جاء من رسل الله من قبل، وفي الوقت نفسه كان مبشّراً بمن سيأتي من بعده ومحدّداً لصفاته حتّى لا يرفضه قومه متّبعين بذلك سنن الأوّلين.

}وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ{

وفي الآية السابقة نرى أنّ الرسول يذكّرهم بالعهد الذي أخذه عيسى من أمّته، والبُشرى التي بشّرهم بها وقت إعلانه لرسالته، وهو مجيء الصادق الأمين.

ثمّ يكمل النصّ الصفات التي تنطبق على محمّد (ص) وهي أنّه يحكم بالعدل، وممّا لا شكّ فيه بأنّ صفات العدل والأمانة والصدق كلها متوفّرة بتمامها وكمالها في كلّ من يختاره الله من رسله ويصطفيه لحمل رسالته، فكلّ واحد منهم، بلا شكّ، جامع لجميع كمالات العالم الإنسانيّ، ولكن ليس كلّ الأنبياء والرسل كانت عندهم فرصة تأسيس دولة وتولي حكومتها، أو قيادة أمّة والقيام بتوجيهها وقيادتها كما كان ذلك متوفّراً للرسول فقد أنشأ أمّة وأسّس دولة وقام بقيادتها في بعض الحروب والغزوات، لذا أوضح النصّ أنّ الآتي باسم الله سيحكم بالعدل، وأنّه سوف يحارب، وأمّا في قوله بأنّه ستكون على رأسه تيجان كثيرة فهو إشارة إلى تلك الأمم التي دانت برسالته وخضعت لسلطنته وحكومته مثل الفرس والروم وما إلى ذلك من الدول والحضارات ذوات التيجان وأصحاب الصولجان. ثمّ يواصل النصّ ذكر الصفات التي يتحلى بها ذلك الآتي باسم الربّ.

فهل وعى أهل الإنجيل الدرس؟

وهل تحاشوا ما عابوا عليه اليهود في تشبثهم بالتأويل البشريّ الخاطئ للآيات المتشابهات، ذلك التأويل الذي حرمهم من لقاء الله في يوم مجيء عيسى عليه السلام؟

وليس أدعى إلى اليأس والقنوط من التضارب والاختلاف في تأويل المتشابهات على نحو يؤدى إلى ضلالة الأجيال الحاضرة من كثرة تنوّعها واختلافها مع الحقائق التي كشف عنها العلم حتّى حجبت المعاني السامية الكامنة في أصداف الآيات الإلهيّة، وأودت بكثير من الناس إلى حالات متفاقمة من اليأس من الكلمات الإلهيّة والانصراف عنها، بل والعزوف بالكلّيّة عن كلّ ما يمتّ إلى الدين بصلة.

ليس بسرّ أنّ حياة الأمم مثل حياة البشر إذا استنفدت أغراضها واكتملت مهامّها وبلغت قواها المعنويّة إلى منتهاها تسودها الفوضى الفكريّة ويضعف وازعها الدينيّ، ويختلط عليها أمر الدين فتهجر جوهر تعاليمه وتنشغل عن روح أحكامه، وتتشبّث بظاهرها على نحو يفوّت المقصود منها، ويتحوّل همها إلى المهاترات الدينيّة والخلافات المذهبيّة، وتتكالب عليها النوائب ويحيطها اليأس من كلّ جانب، وتفتنهم الماديات، ويعزفون عن الروحانيّات.

بلا شكّ فعندما تصل الأمم إلى حضيض هبوطها يكون ذلك إيذاناً بمرحلة تجدّد حياتها المعنويّة وبعث قواها الروحانيّة فلا ينصلح حال الأمم في أواخرها إلاّ بما صلحت به في أوائلها، وتلك هي سنّة الله التي لن تجد لها تبديلاً ولا تحويلاً.

والآن فلننظر حولنا ونتساءل هل بلغ بنا الحال إلى هذا المآل؟

إنّ آيات القرآن الكريم قد كرّرت في أكثر من موضع أنّ تأويل المتشابهات آت لا محالة. لذا فليكن همّ المؤمن الصادق أن يقف على هذا التأويل الإلهيّ المعبّر عن مراد الله بيقين لا يتطرّق إليه وهن أو تردد. وفي ذلك بشارة للمؤمن بأنّ الله باعث، بكلّ تأكيد، أحد الراسخين في علمه اللدنيّ ليبلّغ إلى الناس مغزى هذا التأويل ومعناه، والله لا يخلف الميعاد، فيكون التأويل آية صدقه ودليلاً قاطعاً على رسالته الموعودة.

ولا يمكن لذوي العلم والمعرفة أن ينكروا أنّ هناك عدداً من آيات الكتاب تنطوي على أمر إلهيّ للمسلمين حتّى ينتظروا ما وعدهم الله به من رحمة. ذلك الوعد الإلهيّ الذي يحمل بين طيّاته بشرى مجيء البيان الحقّ للآيات المتشابهات على لسان من يصطفيه الله من خلقه لإبلاغها إلى بني الإنسان. تلك الآيات التي تتلوها أجيال بعد أجيال على مدى قرون طوال وتبقى معانيها خافية في عالم الغيب إلى أن يأتي ميقاتها ويكشف الله سرّها الذي لابدّ وأن يكون على قدر عظيم من الأهمّيّة للحياة البشريّة. فلقد تنزه الكلام الإلهيّ عن العبث.

إنّ الله، جلّ وعلا، قد تحدّث بكلّ وضوح وجلاء عمّا سيحدث في المستقبل وما هو إلا تكرار لما حدث في الماضي وهو ما يتكرر مع مجيء كلّ رسول. ولنتأمل سورة البيّنة حيث فيها تفصيل لكثير من الأمور وبيان لها:

}لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ{

في الآية الأولى وعد بمجيء البينة، ولكن ما المقصود بتلك البيّنة التي ستأتي؟

تأتي الإجابة في الآية الثانية:

}رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ{

ثمّ يبيّن الله سبحانه وتعالى في السورة نفسها متى حدث هذا الخلاف والفرقة بين أهل الكتاب ولماذا حدث.

}وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ{

فلنقارن بين البيّنة الأولى التي ستأتي في المستقبل، وبين البيّنة الثانية التي أتت بالفعل. لقد أجمع المفسرون بأن البينة الثانية هي الرسول محمّد (ص). إذن فعلينا أن ندرك لحن القول وأن نفطن إلى ما تعنيه الآيات من إشارات.

وتبيّن الآية التالية متضمّنة شيئاً من التعجّب وهو كيف يقع الخلاف بين أهل الأديان السابقة عندما يأتي رسول جديد على الرغم من أنّ ما جاء به وما دعا إليه لم يكن إلا ما جاء به الرسل السابقون من توحيد لله، وتطبيق لعباداته!! وفي الحقيقة دائماً ما يكون التطبيق الجديد بطرق أخرى تختلف في الشكل عن سابقتها لتتناسب مع مقتضيات الزمان وظروف المكان.

}وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ{

ولكنّ هذا الرفض وهذا التكذيب ما هو إلا درب من سنن الأوّلين التي نهى الله عباده عن اتّباعها.

فهل من سبيل لينجوَ المسلمون من عاقبة الافتتان بسنّة الأوّلين، فلا تأخذهم العزّة بالإثم، ولا تغرّنّهم أقوال السالفين الذين حقّ عليهم القول بما اتبعوا الظنون والأوهام.

}ومَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا{؟

وهل تصبح التأويلات البشريّة حجاباً يصرفهم عن التصديق بالتأويل الإلهيّ عندما يحمله إليهم المبعوث السماويّ؟

وهل سيجدون العبرة فيما زخر به كتاب الله من تحذيرات؟

على العموم، حسبنا جميعاً الآية التالية:

}فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ{

من المسلّم به أنّ التأويل الإلهيّ مثله مثل تنزيل الآيات المحكمات والمتشابهات ليس للإنسان في تصديقه والتسليم بما جاء فيه اختيار لأنّه خطاب رحمانيّ منزّل بوحي عزيز مقتدر، ومراده كشف عوالم الغيب وهداية عالم الشهود وقبوله بالروح والريحان. فهو شرط لتحقّق السلام وبه وحده يتبدّل حال الأمم من اليأس والقنوط بالسكينة والطمأنينة اللتين لا تتأتّيان إلا للفئة القليلة التي اكتسبت «قلوب يعقلون بها»… قلوب تقدّست عن اتّباع التقليد الموروث لمجرّد أنّه تراث آل إليهم ميراثاً سهلاً عن آبائهم ويغتنمون الفرصة التي أتاحتها لهم الرحمة الإلهيّة ويأخذون بأيدي الرضاء والقبول تأويل الآيات المتشابهات وإن اختلف عما تصوّروه حالما يأتيهم نبؤها ويقولون في سرّهم وعلنهم: آمَنَّا كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله، وحتّى تنعم قلوبهم بالسكينة والسلام، ويفوزون بما وعد الله به المصدّقين من خير ونعمة في الدنيا والآخرة.

والخلاصة هي أنّ المتشابهات في الكتب السماويّة سنّة إلهيّة ولا يعلم تأويل المتشابهات إلاّ الله، والتأويل الإلهيّ يختلف بالكلّيّة عن التأويل البشريّ الذي أساسه، في أحسن الفروض، هو الظنّ وليس اليقين. وكما نعلم جميعاً بأنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً. ودائماً ما يكون عماد المفسّرين في تأويلهم الظنيّ هو المفهوم اللغويّ لا المراد الإلهيّ. وحيث إنّ الغاية من تنزيل الكلمات الإلهيّة بمحكمها ومتشابهها ليست سوى إبلاغ معانيها إلى الناس، وحثّهم على طاعتها واتّباعها. لذا يجب التسليم بمجيء الوعد الإلهيّ الصريح بتأويل المتشابهات واليقين بأنّ لتأخير كشف الله عن تأويل المتشابهات حكمة بالغة سندركها في يوم مقدور.

لقد بذل الكثير من العلماء محاولات لبيان هذه الحكمة لكنّها لم تكن موفقة، في نظرنا، في إيجاد بيان مقنع. فكلّ المحاولات تتفق على أنّ من وراء تنزيل المتشابهات حكمة إلهيّة لا شكّ فيها، ولكنّها في الوقت نفسه عجزت في مجموعها عن الكشف عنها. ولعلّ مرجع ذلك هو أنّ معظمها ركّزت تحليلها وتعليلها على ما جاء في كتاب سماويّ واحد بينما ظاهرة الآيات المتشابهة سُنّة واردة في كلّ الكتب السماويّة، وإلاّ فكيف نفهم ما جاء في الإصحاح الأوّل لحزقيال مثلاً:

«فَنَظَرْتُ وَإِذَا بِرِيحٍ عَاصِفَةٍ جَاءَتْ مِنَ الشِّمَالِ. سَحَابَةٌ عَظِيمَةٌ وَنَارٌ مُتَوَاصِلَةٌ وَحَوْلَهَا لَمَعَانٌ، وَمِنْ وَسْطِهَا كَمَنْظَرِ النُّحَاسِ اللاَّمِعِ مِنْ وَسْطِ النَّارِ. وَمِنْ وَسْطِهَا شِبْهُ أَرْبَعَةِ حَيَوَانَاتٍ. وَهذَا مَنْظَرُهَا: لَهَا شِبْهُ إِنْسَانٍ…»

أو ما جاء في رؤيا يوحنا:

«وَظَهَرَتْ آيَةٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ: امْرَأَةٌ مُتَسَرْبِلَةٌ بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهَا، وَعَلَى رَأْسِهَا إِكْلِيلٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ كَوْكَبًا، وَهِيَ حُبْلَى تَصْرُخُ مُتَمَخِّضَةً وَمُتَوَجِّعَةً لِتَلِدَ.»

أو ما جاء في القرآن:

}خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ…{

ومن ذا الذي يستطيع أن يقدّم بيقين كامل معنى لهذه النّصوص وأمثالها العديدة إلاّ إذا كان معززاً بشديد القوى وأوحي إليه معناها والمراد منها؟

فالذي يهمّ العباد ليس ظنّ المفسّرين ولا سعة علمهم ولكن معرفة الحقيقة، والوقوف على مراد الله بوجه اليقين. وهذا التأويل اليقينيّ الموعود في كلّ الرسالات قد تحقّق في الأديان السابقة على لسان الذين اصطفاهم الله واختصّهم بوحيه وأمرهم بالشهادة لمن سبقهم من الأنبياء، والتبشير بمن يلحقهم من المصطفين، وأمرهم في الوقت نفسه بإنذار المكذبين بالرسالات الإلهيّة.

إذن فكشف أسرار المتشابهات، وتأويلها وإظهار معانيها المستورة لهو الدليل القاطع والبيّنة التّامة على صدق المبعوث الإلهيّ، وهو حجّة بيمينه على الذين في قلوبهم ظنّ. وهكذا تجري سنّة الله التي لا مبدّل لها من قديم الأزمان.

ومن أجل إجابة أكثر تفصيلاً سنتناول في الفصل التالي قضيّة من أهمّ القضايا في موضوع التأويل وأكثرها جدلاً بين أصحاب الأديان، وهي قضيّة ختم النبوّة وختم الرسالة التي تدّعيها كلّ أمّة والتي تزعم بها بطلان ما يأتي من بعد رسالتهم من رسالات.

الفصل الرابع الخاتميّة وتأويلها

في الفصل السابق تناولنا فكرة التأويل بشيء من التفصيل مع التعريف بمعنى التأويل. وتطرّقنا إلى ما اشتملت عليه الكتب السماويّة من آيات متشابهات تحتاج إلى تأويل، وأنّ ذلك ليس موجوداً في القرآن فحسب بل هو موجود في جميع الكتب المقدّسة السابقة. ويمكننا الرجوع إلى ما يتوفّر منها بين أيدينا في الوقت الحالي. أمّا في هذا الفصل فنتناول مثالاً جديداً لهذا التأويل الخاطئ للكلمة الإلهيّة وما نتج عن هذا التأويل من عواقب وخيمة على من اتّبعوه من الأمم السابقة. ونظراً للأهميّة البالغة لهذا الموضوع خصّصنا له فصلاً كاملاً.

إنّ ما يشكّل عاداتنا، ومواقفنا في الحياة يرجع، وبلا شكّ، في الغالب إلى البيئة المحيطة التي ينشأ فيها الفرد، كما تعود تصرّفاتنا بل وحتّى توقّعاتنا إلى ما تعلّمناه في الصغر سواء أكان ذلك من الوالدين والأسرة أم من المدرسين والأساتذة أم من العلماء والسلطة الدينيّة. وبناء على ذلك تتشكّل معتقداتنا وتبنى آراؤنا وتتبلور شخصيّاتنا. فينعكس كلّ ما تعلّمناه في تصرّفاتنا وفي نظرتنا إلى الآخرين بل وفي تقييمنا لهم وتقبّلنا لوجودهم بيننا أو عدمه.

وقد يكون من المثير حقّاً ظاهرة تواجد أفراد وجماعات كثيرة من معتنقي الديانات السابقة والتي تقدّر أعمار بعض منها بآلاف السنين. وقد يكون من الطريف أيضاً أنّ كلّ فئة منهم تعتقد اعتقاداً يقينيّاً بسلامة ديانتها وبطلان ما سواها من ديانات. فنرى أنّ كثيراً من أصحاب هذه الديانات يعلن صراحة عن اكتفائه بالدين الذي ولد عليه ونشأ عليه والإقرار بعدم الحاجة إلى دين آخر مهما تغيّر الزمان ومهما تطوّرت أساليب الحياة، فيصرّون على البقاء على ما توارثوه عن الآباء والأجداد لأنّ ما تعلّموه فقط هو الصحيح وما دونه باطل حتّى ولو جاء بمثل ما يؤمنون به من مبادئ وقيم.

وقد يكون من الأكثر إثارة أن يخوض كلّ واحد منا التجربة ويسأل نفسه لماذا هو يدين بهذا الدين أو بذاك؟ لا يهمّ بأيّ دين من الأديان يؤمن سواء أكان من الديانات المعروفة أم من غيرها من الديانات الكثيرة غير المعروفة. علينا أن نتريّث ونتأمّل مليّاً في هذا السؤال قبل أن نجيب بصدق عليه. نحن على يقين بأنّ أكثر الإجابات، إن لم تكن جميعها، على الرغم من اختلاف الأساليب وتباين الحجج؛ ستكون لأنّهم ولدوا على هذا الدين ولن يموتوا إلّا عليه.

وقد تُوصّلُنا هذه النتيجة إلى تفسير بعض التساؤلات التي قد تخطر على أذهاننا بين الحين والآخر مثل:

لماذا لم يؤمن البوذيّون مثلا بموسى عليه السلام ومن تلاه من الرسل؟

ولماذا لم يؤمن البوذيّون و اليهود بالمسيح عليه السلام ومن جاء من بعده؟

ولماذا لم يؤمن البوذيّون واليهود والمسيحيّون بالرسول محمّد (ص)؟

وعلينا أن نتأمّل بتؤدة في تاريخ الأديان التي وصلت إلينا وبحياد شديد، وبنظرة موضوعيّة بعيدة كلّ البعد عن أيّ تعصّب لدين من الأديان للتعرّف على السبب الرئيسيّ لهذه الظاهرة المتكرّرة على مرّ العصور والدهور.

لقد حلّل القرآن الكريم هذه الظاهرة تحليلاً موضوعيّاً في أكثر من موضع، وأوضح بجلاء شديد السّر الذي يكمن وراء هذه الإشكاليّة ألا وهو الاستكبار والرغبة في الجدال. هذان، وبلا أدنى شكّ، هما الدافعان الأساسيّان وراء اعتقاد كلّ أمّة بأبديّة شريعتها وختم رسالتها لكلّ ما سبق من الرسالات. لذا لايكون إلا الإعراض والتكذيب لمن يظهره الله من عباده المختارين، وردّ الفعل المتوقّع ليس إلا الطريق المسدود الذي يسلكونه وهو اتّباع سنن الأوّلين.

}وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ{

إنّ عقدة الخاتميّة التي تدّعيها كلّ أمّة، واسمحوا لنا بأن نسمّيها عقدة لأنّها هي المِعول الهادم الذي تُقابَل به كلّ رسالة جديدة، وتكون في الوقت نفسه السبب الرئيسيّ في سقوط الأمم في هاوية الهلاك. وفي حقيقة الأمر هي الدافع المتكرّر دائماً وأبداً وراء إعراض كلّ أمّة عن الإيمان بمن يأتي بعد رسولهم من رسل، وسبب الغفلة عن تحذير كلّ رسول إلى أمّته من اتّباع سنن الأوّلين وتكرار دعوى الجاهليّة الأولى بأنّهم وجدوا آباءهم على أمّة وأنّهم على آثارهم “مهتدون” أو “مقتدون“.

وكما يثبت تاريخ الإنسانيّة بأنّ ادّعاء المدّعين وإعراض المعرضين لا يقوى في كلّ دورة على حجب الأشعّة الساطعة من شموس الهداية الربّانيّة ومهابط الوحي الإلهيّ لأنّها مصدر الحياة ليس للعالم الإنسانيّ فحسب، بل للمخلوقات جميعها والكائنات بأسرها، ولكلّ ما يحتويه الكون برمته من الغيب والشهود.

وليس من العجب أن يتناسى الناس قصص الأنبياء التي تحفل بها كتبهم المقدّسة، وما فيها من العبرة الكاملة ولكنّ العجب كلّه يكون في تمادي البشريّة في غفلتها، وتكرار العمل نفسه الذي كانوا ينكرونه على أسلافهم من الأمم السابقة.

واسمحوا لنا بالاقتراب قليلاً من أحوال هذه الأمم اليوم لنتصوّر كيف سيكون الحال لو أنّ أتباع كلّ دين نشأوا منذ الصغر على ما صرّح به رسلهم، وامتلأت به كتبهم السماويّة التي يؤمنون بها من تأكيد على استمراريّة الرسالات الإلهيّة، أو لو فطنوا إلى ما جاء فيها من توضيح لسنّة الله التي لا تتغيّر ولا تتبدّل؛ وهي تتابع الرحمة الإلهيّة واستمرارها وذلك بإرسال الرسل. هذا بالإضافة إلى ما اشتملت عليه الآيات من تحذير صريح من التكذيب بالرسل والإعراض عنهم وما أشارت إليه بوضوح عن الوعد والوعيد بمعاقبة من يتّبعون سنن الأوّلين على الرغم من تلك الحقيقة الثابتة التي تؤكدها الآيات وهي استمراريّة السنّة الإلهيّة. وهنا يجدر بنا أن نتساءل أيّ سنّة تكون أعظم وأجلّ من إرسال رسله لعباده؟ أليست هي الرحمة الإلهيّة، والغيث الرّبانيّ الذي لا ينقطع؟

نعود مرّة ثانية ونتساءل: لو تعلّم البشر منذ الصغر هذه الحقائق التي يحفل بها كتابه هل سيكون ردّ فعلهم مختلفاً عندما يعلن الرسول التالي رسالته؟

وهل كانوا سيصبحون أكثر تقبّلاً للأخبار التي تبشّر بتتابع رموز الهداية من الرسل والمبعوثين؟

وهل كانت كلّ الأمم ستبقى الأمّة الواحدة المذكورة في كتاب الله، تلك الأمّة التي لا تجد اختلافاً في دين الله الواحد على الرغم من تنوّع شرائعه لتتناسب مع مقتضيات الزمان؟

وهل كان هذا الاعتقاد سيجنّب البشريّة المعذّبة الكثير من الحروب المدمّرة، والاعتداءات السافرة، بل والإبادات الكاملة التي ترتكب في كلّ زمن من الأزمان باسم دين من الأديان؟

وهل كان سيتحقّق السلام بين بني البشر والوئام بين بني الإنسان؟

سنحاول الاقتراب تدريجيّاً من عقدة الخاتميّة، وسيكون مثالنا في ذلك من القرآن الكريم الذي هو آخر الكتب المقدّسة التي بين أيدينا وأكثرها توثيقاً. لذا سنحاول أن نختبر بعض الأمثلة للتأويل البشريّ وما أدّى إليه من سوء الفهم لبعض الآيات، واللبس الذي من خلاله تولّدت فكرة الخاتميّة.

سنتحدّث عن الآية التي تناولت فكرة الخاتميّة وأُسيء فهمها سواء أكان ذلك عن قصد أم عن غير قصد. ذلك الفهم الخاص الذي تشكّلت بناء عليه معتقدات أمّة بأكملها. على أن نضع في الاعتبار أنّ ما سنتوصّل إليه من نتائج ينطبق بالتمام والكمال على كلّ ما جاء في الكتب السماويّة السابقة من آيات تمّ تأويلها بالمفهوم نفسه وهو أنّ رسالاتهم كانت الرسالات الخاتمة. وبالتالي يمكننا الإجابة عن الأسئلة السابقة عن أسباب تواجد أناس يدينون بديانات عديدة لا تعدّ ولا تحصى في كلّ ركن من أركان البسيطة، ويقينهم الكامل بأنّ الكتب التي جاءت بعد كتابهم ليست سماويّة، وبأنّ مَن ادّعي الرسالة من بعد رسولهم ليس من عند الله، وبأنّ ما جاءوا به من دين فهو ليس سماويّاً. هكذا يصدر الحكم القاسي من كلّ أمّة بإغلاق باب الرحمة الإلهيّة بعد رسالتهم، وانقطاع الوحي الصمدانيّ بعد رسولهم، وعزوف الله بالكلّيّة عن مخاطبة خلقه وهداية عباده.

أوّلاً: سورة الأحزاب

}مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا{

نبدأ تحليلنا لهذه الإشكاليّة بالآية السابقة مع ضرورة الانتباه إلى أنّها الآية الوحيدة في القرآن التي تنفرد باشتمالها على لفظة “خاتَم”. لذا فمن الضروريّ أن نتأمّل هذه الآية في سياق السورة كاملة وليست بمفردها منقطعة عن ما قبلها وما بعدها كما يفعل البعض علّنا نصل إلى لبّ المعنى المقصود منها.

1. السياق العام للسورة

كما هو معروف بأنّ القرآن نزل منجّماً على الرسول (ص) في ثلاثة وعشرين عاماً، إلا أنّ ترتيب الآيات كان بوحي من الله، وتحت رعاية الرسول نفسه، لذا فالبناء المتماسك للسورة لا يسمح بالاقتراب من فهم آية من الآيات منقطعة عن السياق العامّ للسورة. كما يكون من القصور النظر إلى اللفظ منقطعاً عن سياق النصّ، بل يتحتّم علينا النظر إلى اللفظ من خلال النصّ، وتدبّر النصّ في ضوء السياق العامّ للسورة. هذا بالإضافة إلى الرجوع إلى ما يقترن بالفكرة نفسها من آيات، وما يقترن بها من دلالات تاريخيّة، ومعرفة الأسباب المنطقيّة للنزول حتّى يتسنّى لنا الوصول إلى جوهر الفكرة، وإلى إدراك الغرض الأساسيّ الذي من أجله استعملت لفظة “خاتَم” تجنّباً لأيّ سوء فهم يكون من شأنه حرمان أجيال وأجيال من الرحمة الإلهيّة والنعمة الربّانيّة، فيقعون في نيران الضلال وهلاك العصيان.

إنّ اسم السورة هو سورة “الأحزاب” وقد ذكر لفظ “الأحزاب” سبع مرات في سور مختلفة، وبتدبّر معانيها نجد أنّ المقصود منها هو تلك الجموع التي تألّبت على النبيّ (ص) وتظاهرت على حربه. وقد يكون في الآية ٢١ من السورة ما يعكس المضمون العام لهذه السورة بكاملها:

}لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا{

فسورة الأحزاب بآياتها الثلاث والسبعين تدور حول بيان مقام الرسول (ص) مع كلّ من آل البيت ومجتمع المؤمنين. على الرغم من أنّها سمّيت باسم إحدى غزوات الرسول (ص) إلا أنّ الحديث عن الغزوة نفسها لم يتجاوز التسع عشرة آية بدءاً بالآية التاسعة. ولعلّ الحكمة الإلهيّة من وراء ذلك هي قوّة دلالة هذه الغزوة على بيان مقام الرسول (ص).

أمّا فيما يتعلّق بالحديث عن لفظة “خاتم” فلقد جاء في أسباب النزول بأنّ هذه الآية نزلت من أجل تطبيق حكم جديد من أحكام الأحوال الشخصيّة، وهو ليس إبطال حكم الميراث للابن المتَبَنّى فحسب، بل وإبطال حكم التبنّي نفسه والذي كان سائداً في الجاهليّة فكانوا يطبّقون الأحكام الخاصّة بالابن الشرعيّ على الابن المتبنّى بالكامل.

2. السياق التمهيديّ لآية الخاتميّة

}مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُوراً * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا{

لقد جاء في الآيتين ٣٨ و٣٩ السابقتين لآية الختم المذكورة توجيه صريح إلى مجتمع المؤمنين مبيّنا لهم مقام الرسول عليه السلام، وضرورة امتثالهم لما يأتي به النبيّ من أحكام وأوامر، مع التأكيد على أنّ مهمّة الرسول هي تبليغ ما أُمر به من الله من دون حرج أو خوف من أن يصدم القوم في معتقداتهم أو في تغيير عاداتهم السابقة.

ونرى روعة التطابق بين الآية ٣٨ و الآية الرئيسة وهي الآية 40 موضوع بحثنا من الناحية اللفظيّة أوّلاً وذلك في البدء بكينونة النفي “ما كان”. وثانيا من الناحية المعنويّة حيث تبثّ كلّ منهما روح الاعتزاز والإكبار للنبيّ (ص) والتنزيه الكامل لحضرته. كما نلمس التمهيد والتخفيف عن النبيّ فيما فرض الله عليه من تبليغ أمر مخالف تماماً لما اعتاد عليه القوم، وتذكيره بأهميّة تبليغ ما فُرض عليه من دون حرج أو ما قد يسمّى تواضعاً لتبرير الشعور الذاتيّ للنبيّ موضّحاً أنّ هذه هي سنّة الله ويجب اتّباعها لأنّ كلّ أمر مكتوب ومقدّر من لدنه. مؤكّداً بأنّ الرسل الذين يبلّغون رسالات الله لايخشون سواه على الرغم من استنكار أقوامهم وحتّى المؤمنين منهم خاصّة عند إبطال عادات أو أمور كانوا يعتقدون بأبديّتها على مرّ الدهور والأزمان. وهذا ما تؤكّده عبارة “الذين خلوا من قبل”.

ثمّ يأتي بعد ذلك الحكم الذي يجب أن يبلّغه الرسول لقومه دون حرج والذي يقوّض واحداً من أهم قوانين الأحوال الشخصيّة المعمول بها في ذلك الوقت، وهو أنّ الابن بالتبنّي ليس كالابن الشرعيّ، وبالتالي لاتسري عليه القوانين نفسها. وهذا ما سنتناوله بشيء من التفصيل.

3. التقييم الإلهيّ للشخصيّة المحمّديّة في آية الخاتميّة

بعد أن بيّنت الآيات بأنّ الرسول يجب أن يبلّغ أوامر الله من دون حرج، وبأنّ هذه هي سنّة الله ومشيئته. يأتي الحكم القاطع والنفي الباتّ في أن يكون محمّد (ص) أباً لأحد من رجال هذه الأمّة مع التأكيد على صفته ومكانته بأنّه رسول الله وخاتم النبيّين.

وهنا نتساءل، لماذا ذكر الله عبارة “وخاتم النبيّين” في هذا السياق؟

وما علاقتها بالموضوع الذي تتحدّث عنه السورة بأكملها، وعلى وجه الخصوص الآيات التي مهّدت لهذه الآية؟

بل ماعلاقة ختم النبوّة بتنزيه الرسول عن كونه أباً لأحد من أبناء هذه الأمّة في الآية نفسها؟

وما علاقة إبطال عادة التبنّي بموضوع عقائديّ بل ومصيريّ وهو ختم النبوّة؟

فهل لنا أن نلاحظ بأنّ السياق بترتيبه المنطقيّ يشتمل على النقاط التالية، وهي:

رفع الحرج عن الرسول في تبليغ ما أمره الله به.

تنزيه الرسول عن تمييزه بمقاييس التفاخر القبليّ وهي الذرية من الذكور، ولفت النظر إلى ما يتميّز به مقامه بأنّ الله اصطفاه دون سائر البشر ليكون رسول الله المؤيّد بالسلطنة الإلهيّة التي تفوق أيّ سلطان. لذا لن يكون أباً لأحد من رجال هذه الأمّة. فكما هو معروف أنّ أبناء الرسول الذكور قد توفّاهم الله قبل أن يبلغوا الحُلُم لذا عايره بعض الكفار ونعتوه بلقب “الأبتر” بسبب عدم بقاء أحد أولاده الذكور كي يحمل اسمه. وقد جاء الرد الإلهيّ على هذه المعايرة في سورة الكوثر:

}إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ{

الاستدراك بلفظة “لكن” للتنبيه إلى مقام الرسول ودرجته العظيمة بينهم وهي أنّه رسول الله.

وإذا تتبّعنا تسلسل الآيات نجده واضحاً ونرى كيف أن السياق متماسك، ولكن لماذا جاء العطف التالي على عبارة “رسول الله” بعبارة أخرى وهي “خاتم النبيين“؟

وهل في هذا إخبار بموضوع جديد وهو انقطاع الرسالات وتوقّف الوحي بعد ذلك؟

وهل من المعقول خروج الآيات عن السياق العام للسورة وتجاهل أسباب نزول الآيات ليخبرنا الله بقضيّة مصيريّة جديدة كهذه؟

وهل بمثل هذا الاختصار الشديد والاقتضاب الحاد يُعلن الرحمن الرحيم عن انتهاء الرسالات السماويّة وانقطاع الوحي الإلهيّ وإغلاق أبواب الرحمة وانقطاع الصلة الأبديّة بين الخالق والمخلوق والاكتفاء بما نزل في القرآن الكريم؟

وهل بمثل هذه البساطة والغموض في الوقت نفسه يخبرنا الله بهذا التغيير الجذريّ في سنّته التي أكّد في كثير من الآيات بأنّها باقية وليس لها من تبديل أو تحويل وكأنّما يخبرنا بموضوع عابر؟

ولماذا جاءت “خاتَم” بالفتحة وليس “خاتِم” بالكسرة؟

ولماذا فرّق الله بين رسول ونبيّ، وذكر الختم للنبيّ ولم يذكره للرسول؟

في لفظة “خاتم” تأكيد على انتهاء وراثة النبوّة واستبدالها بالخلافة:

دعونا نتوقّف قليلاً لنتأمّل في الآيات علّنا نصل إلى إجابة لبعض هذه التساؤلات المنطقيّة التي قد يكون من حقّ كلّ واحد أن يتفكّر فيها ويجد لها جواباً شافياً كافياً.

ألا يكون ذكر عبارة الختم هذه تأكيداً ضمنيّاً بأنّه لن يكون للرسول ابن ذكر ليس فقط بالتبنّي بل ولا حتّى من صلبه؟

وهل بهذا الافتراض ينسجم المعنى مع سياق الآية والموضوع الذي تتحدث فيه؟

بالرجوع إلى ما ذكره الزمخشريّ في تفسيره لهذه الآية بأنّه لوعاش لمحمد ابن لورث النبوّة كما كان معروفاً و متّبعاً من قبل، وبذلك لن يكون محمّد هو خاتم النبيّين، لأنّ النبوّة كانت تورّث لأبناء الرسل كما نرى في أنبياء بني إسرائيل. وقد أكّد النبيّ (ص) على هذه النقطة عند وفاة ابنه إبراهيم وهو طفل.

فقد جاء في فتح الباري لشرح صحيح البخاري: قوله : (ولو قضي أن يكون بعد محمّد نبيّ لعاش ابنه إبراهيم ولكن لا نبيّ بعده) هكذا جزم به عبد الله بن أبيّ، وفي مثل هذا لا يقال بالرأي، وقد توارد عليه جماعة : فأخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس قال: ” لمّا مات إبراهيم ابن النبيّ (ص) صلّى عليه وقال: إنّ له مرضعات في الجنّة ولو عاش لكان صدّيقاً نبيّاً، ولأعتقت أخواله القبط.”

وهنا يتضح بجلاء أنّ عبارة “خاتم النبيّين” جاءت في مكانها من السياق، بعد أن بينّ لهم الله الحقيقة الكبرى وهي عدم أبوّة الرسول لأحد وأنه لو كان الله يريد أن يورّث النبوّة بعد الرسول (ص) لما توفّي أبناؤه الذكور من قبل أن يبلغوا الحلم، ولبقيت النبوّة في أبنائه الذين من صلبه.

وبذلك يكون قد ردّ الله على تساؤلات اليهود في ذلك الوقت عن توريث النبوّة لزيد الابن المتبنّى، والتي أكّدها في الآيتين 4 و 5 من السورة نفسها وهو النفي الواضح لهذا الادّعاء.

}ومَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا{

ولنتأمل الحديث التالي الذي يبيّن فيه الرسول السبب في ختم النبوّة:

حدّثني محمّد بن بشّار حدّثنا محمّد بن جعفر حدّثنا شعبة عن فرات القزاز قال: سمعت أبا حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدّث عن النبيّ(ص) قال:

«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلّما هلك نبيّ خلفه نبيّ وإنّه لا نبيّ بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا: فما تأمرنا قال: فوا ببيعة الأوّل فالأوّل أعطوهم حقّهم فإنّ الله سائلهم عما استرعاهم.»

من خلال السبب المذكور في ختم النبوّة في هذا الحديث ندرك تأكيد قانون التقدّم والتطوّر الذي تكتسبه البشريّة بمرور الأزمان، ونطّلع على مدى الرقيّ الفكريّ الذي يحدث مع مجيء كلّ رسالة سماويّة. وفي الحقيقة فإنّ البشريّة ستغرق في الفَناء والركود إذا ما توقّف هذا القانون. فحتى وقت بني إسرائيل كان هناك حاجة ماسّة إلى الأنبياء ليسوسوا البشر ويساعدوهم على التحوّل الروحانيّ الذي يحتاج إلى أزمان وأزمان. ولكن مع تطوّر البشريّة في زمن الرسول وما سيليه من أزمان سيقوم الخلفاء بعمل أنبياء بني إسرائيل.

4. كلمة "خاتم" تتويج لمضمون السورة

نرى من السياق العام لسورة الأحزاب أنّ كلمة “خاتَم” جاءت تتويجاً للهدف الرئيس من السورة ككلّ من تكريم مجتمع المؤمنين كلّه وخاصة موقفهم في غزوة الأحزاب التي كانت من أصعب ما واجههم من غزوات. ومن ثمّ تكريم أهل البيت وأمهات المؤمنين. وبالتالي جاء تكريم الرسول الذي يصلي عليه الله وملائكته كما جاء في الآية ٥٦. ثمّ جاءت قمّة التكريم في أنّه لم يكن أباً لأحد من رجالهم بل حسبه أنّه رسول الله وهذا أسمى تكريم لمن اصطفاهم الله من أخيار البشر.

لقد أقرّ الله في أكثر من موضع في القرآن الكريم أنّه لا يفرّق بين أحد من رسله. كما تنطبق قاعدة عدم التفرقة هذه على تفضيل بعض الرسل على بعض لأنّ كلّ رسول في ساعة ظهوره يكون مفضّلاً على كلّ من سبقه من الرسل ومن ثمّ مطاعاً في كلّ ما يأتي به حتّى ولوكان مختلفاً عما جاء به الرسل السابقون. وفي هذا عدم تفرقة بينهم جميعاً فهم في كلّ من الدنيا والآخرة حائزون على أسمى المزايا الروحانيّة التي لا يتصوّرها بشر. أمّا المزايا الماديّة الدنيويّة فعلى الرغم من أنّها في الأساس لا تكاد تساوي شيئاً بالنسبة إلى المزايا الروحانيّة إلا أنّ كلّاً منهم يكون حائزاً تماماً على كلّ ما يكفيه وفقاً لمقتضيات الزمان والمكان.

أمّا باعتباره رسول الله فقد بيّنت سور غافر والنساء والجن الأمرَ القاطعَ بالتحريم لمن يظنّ أنّ الله لن يبعث بعد محمّد رسولاً. وكما أوضحنا قبل ذلك في سورة البيّنة وذكرها لمظهر الوحي الإلهيّ الذي سيأتي ويلقاه المؤمنون بعد نهاية أجل الأمّة الحالية.

5. الخاتميّة تنطبق على الرسل السابقين دون اللاحقين

قد يكون من البديهيّات العقليّة أن يكون كلّ نبيّ خاتماً لكلّ من سبقه سواء ظهر له مثيل بعد ذلك أو لم يظهر. فمثلا إذا قلنا أنّ فلاناً كان خاتم الملوك الفراعنة من حكام مصر فالمقصود أنّه آخرهم بالنسبة لمن سبقه من الملوك الفراعنة بصفة أساسيّة. ولكن ربّما يكون في التقديرات الإلهيّة الغيبيّة ظهور حاكم آخر بصفته ملكاً فرعونيّاً أو ملكاً غير فرعونيّ أو ملكاً متفرعنا. فمعنى الختم هنا لا يعني الإغلاق أو الانتهاء. وأيضا قد يتغيّر اللقب فبدلاً من أن يكون لقبه ملكاً يصبح لقبه إمبراطوراً. فهل تغيير اللقب يبدّل طبيعة عمله بأنّه الحاكم الآمر الناهي، وبأنّه السلطة المخوّلة بالحكم على الرغم من اختلاف لقبه من ملك إلى إمبراطور؟ وقد لا يظهر أيّ حاكم بالمرّة بعد ذلك.

ولننظر إلى الفعل الناسخ “كان” والحرف الناسخ “لكن” نرى فيهما تركيزاً على النظر إلى تميّز الرسول على كلّ من سبقه من الرسل والنبيّين وهذا التميّز ذُكر بعد كلمة “ولكن” ويلاحظ أنّ النصب في كلمتي “رسول” و”خاتَم” وقع بسبب اتحادهما في العطف على الخبر للفعل الماضي الناقص “كان” وهذا الخبر هو كلمة “أبا” فجاء في كلمة رسول المتقدّمة عن كلمة النبيين لفتة قويّة وجادّة بأنّ انطباق كلمة خاتم يكون على السابقين وليس المقصود بها الختم المطلق الذي يعني “لن يبعث الله من بعده رسولا”.

6. مقام الرسالة ومقام النبوّة

وليس بخافٍ على أولي الألباب والنهى ماجاء في الآية من تفريق واضح بين المقامين الكريمين؛ مقام الرسالة ومقام النبوّة. فالخَتم له معان متعدّدة إن انطبقت فهي تنطبق على مقام النبوّة فقط كما هو واضح في الآية المذكورة، وكما هو مؤيّد بالأحاديث التي ذكرنا بعضاً منها على سبيل المثال. وكما رأينا كيف علّل الرسول (ص) ذلك بأنّه لم يعد هناك احتياج إلى من يقوم بترويج الرسالة الإلهيّة المرسلة مع الرسول ويتولّى مساعدة الناس على فهمها وتطبيقها. أليس هذا ما بيّنه الحديث السابق؟ وألا يشير ذلك إلى أنّ انتهاء مقام النبوّة إلى ما حققته البشريّة بعد الرسالة المحمديّة من تطوّر ورقيّ في مستويات الفكر والمعرفة إلى الدرجة التي يمكن للخلفاء أن يقوموا بما كان يقوم به الأنبياء من ترويج للرسالة والمساعدة على فهمها وتطبيقها؟

أمّا مقام الرسالة فهو شيء آخر لأنّ الرسالة الإلهيّة هي الأساس الذي يعكس النور السماويّ للبشريّة على قدر استعدادها وتطوّر قدراتها برسالة تتناسب مع ما حقّقته من رقيّ وتطوّر في الفهم. فهو سبحانه الرحمن الرحيم الذي لا يحمّل أيّ نفس إصراً ولا يكلّفها إلا ما يكون في وسعها وعلى قدر طاقتها. فالحقّ دائماً يتدرّج بعباده فيسمو بهم من طور فكريّ إلى طور آخر أعلى وأرقى ليوقظ النفوس ويحيي الضمائر ويشعل الأرواح وينير البصائر، فتتبدّد الأوهام وينقشع الظلام الذي يحيط بالبشر من حين إلى حين. وهذه الظلمة لا تعني أبداً انقطاع النور أو اختفاءه، حاشا وكلا، بل تعنى احتجابه عن الوصول إليهم بما وضعوه من حواجز الظنون و حوائط الأوهام المسماة بسبحات الجلال فتجعلهم يضلّون سواء السبيل. ولكن إنّ ربّك لبالمرصاد. لذا فمقام الرسالة باق والغيث الإلهيّ، لا غرو، هاطل في وقته وميعاده.

وعلى الذين يحرّكون ألسنتهم بتأكيد إغلاق باب الرسالات الإلهيّة، وادعاء أنّ الله ختم الرسالة بختمه للنبوّة أن يعيدوا التأمّل في الآية السابقة، ويمعنوا التفكير فيها ليفطنوا إلى ما جاء فيها من تفريق واضح بين المقامين. عليهم أن يعودوا إلى كتاب الله بقلب سليم بخضوع وتقوى مرّة بعد أخرى ليتدبّروا الآيات بإخلاص وتقوى مرّة ومرّات للوصول إلى حقيقة معانيها.

}… وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {

7. التفضيل ينطبق على جميع الرسل

لقد كان من الممكن الاكتفاء بتمييز محمّد (ص) بأنّه رسول الله، ولكن جاء تمييزه أيضاً بأنّه خاتم النبيين، لأنّ مجيئة هو شهادة من الله على أنّ البشريّة قد وصلت إلى مرحلة جديدة من مراحل الرقيّ والنضج وأصبحت في مرحلة من النضج لا تحتاج إلى الأنبياء الذين يعلّمونها الرسالة المرسلة ويساعدونها في التحوّل الروحانيّ كما كان يحدث من قبل بعد كلّ رسول.

إنّ التكريم يكون بأنّه سلطان الرسل الذين خلَو من قبله وإمامهم، وأنّ كتابه هو أمّ الكتاب؛ أيّ المهيمن على كلّ ما سبقه من الكتب. والتكريم أيضاً بأنّ أمّته كانت مفضّلة على العالمين في زمانها وبأنّها كانت خير أمّة أخرجت للناس. هذه هي سنّة الله في كلّ من يرسله بتفضيل بعضهم على بعض، كلّ في وقته وزمانه. وهكذا تكون المساواة بين جميع الرسل حيث لا يفرّق الله بين أحد منهم بينما يكون تفضيل كلّ رسول بخاتميّته في وقته؛ فكلّ رسول قبل محمّد (ص) كان في المقام نفسه أيّ خاتماً لمن سبق من المرسلين، وفاتحاً لمن سيأتي بعده من المبعوثين.

وفي سورة الأنعام أكّد الله سبحانه وتعالى أنّه فضّل كلّ رسول وكلّ نبيّ على العالمين، وذلك بعد أن ذكر أسماء ثمانية عشر نبيّاً ورسولاً قال:

}… وإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ{

وأُتبعت هذه الآيات مباشرة بأخرى تتحدّث عن آل البيت لأيّ نبيّ منهم:

}وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{

}… لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ{

وقد جاءت لفظة “كُلّاً” في الآية الأولى لتفيد الإطلاق في الشمول والعموم وبوجه خاص في ظل عدم التفرقة بين أحد منهم، كما تفيد لفظة “أحد” في الآية الثالثة الشمول والعموم أيضاً.

ونتساءل هنا مَن هؤلاء الرسل والأنبياء الذين يجب عدم التفريق بينهم أو تفضيل بعضهم على بعض؟

وهل هم جميعاً معروفون؟

}وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ{

}إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا{

فنرى أنّ الآية ١٦٣ اشتملت على أسماء أحد عشر رسولاً مع إضافة اسم موسى في الآية التالية ١٦٤ وفي الآية ١٦٣ أسماء مجموعتين من النبيين كالأسباط والذين هم من بعد نوح. وهذا هو السرّ في استعمال تعبير «بعضهم على بعض» لأنّه من المستحيل على العقل البشريّ المحدود استيعاب جميع الرسل الذين يتجاوز عددهم كلّ مايمكن من الحدود. فما يستوعبه العقل البشريّ هو البعض دون الكلّ.

8. النبوّة، والرسالة، والمظهريّة

نحبّ أن نعيد التأكيد على أنّ بحثنا هذا لا يتعدّى كونه دعوة للـتأمّل في الآيات الإلهيّة مع طرح لبعض التساؤلات والأفكار التي تساعدنا على استعمال العقل عملاً بما أمرنا الله في كثير من آياته. فنحن نحرص كلّ الحرص على عدم الخوض في أيّ تفسيرات أو الدخول في ترّهات المجادلة التي يلجأ بعضهم إليها من أجل إثبات نظرياتهم غير مبالين بليّ المعاني أو إخراجها عن مضمونها. وهذا الذي يعتبر في العرف الإلهيّ تحريفاً للكلام عن مواضعه. فلسنا ممن يهتمون بتفنيد مثل هذه النظريّات أو معارضة تلك الادّعاءات. نحن نعتمد في بحثنا على ما قد تشير إليه الآيات الإلهيّة. لذا نطرح بعض (الأطروحات) المنطقيّة كي تساعدنا على التأمّل فيما ذكره الله في كتابه آملين الوصول إلى فهم يقرّبنا منه ويجعلنا ممّن يتّبعون صراطه.

ولمعالجة إشكاليّة الرسالة والنبوّة، والتفريق بين المقامين، علينا أن نقوم بتدبّر الكتب السماويّة السابقة، والاطّلاع على المصطلحات الخاصّة بها والتي تطلق على حامل الرسالة الإلهيّة من الله إلى عباده.

فهل كلمة “نبيّ” أو “رسول” كانت معروفة قبل مجيئها في القرآن الكريم؟

وإن كانت موجودة فهل كانت تحمل المفهوم نفسه الذي نفهمه من القرآن الكريم؟

بالبحث في كتاب العهد القديم (التوراة) نجد أنّ كلمة “رسول” جاءت في عدّة مواقع ولكن كلّها تحمل المعنى الأوّليّ لها وهو الشخص الذي يحمل رسالة أو أخباراً من شخص أو أكثر إلى شخص آخر أو مجموعة من الناس. وفي كتاب العهد الجديد (الإنجيل) كانت بالإضافة إلى المعنى الأصليّ تطلق على الحواريّين الاثني عشر، فيقال الرسل الاثنا عشر أو يقال بولس الرسول وهكذا.

لذا فإنّ منزلة الرسول أو الرسل في الإنجيل أقلّ شأناً من منزلة عيسى عليه السلام. فهو حامل الرسالة الإلهيّة وموصّلها إلى البشريّة. أمّا رسله وهم الحواريون فقد كانوا يقومون بالمهمّة التي كان يقوم بها أنبياء بني إسرائيل. لذا فإنّ المسيحيّ لا يقبل بأن تقول عن عيسى أنّه رسول.

وبالنظر إلى كلمة “نبيّ” نجد أنّها قد تكرّرت كثيراً في التوراة ويقصد بها الأنبياء سواء أكانوا من السابقين أم من الحاليّين. وفي الأنجيل أيضاً جاء لفظ “نبيّ” في مواضع عدّة إشارة إلى أشعيا النبيّ وغيره من أنبياء بني إسرائيل وكيف أنّهم كانوا يقتلون الأنبياء أو يطردونهم، ولكنّها ذكرت مرّة واحدة عن يسوع النبيّ حيث قالتها الجموع عنه.

وهنا يأتي سؤال بديهيّ وهو ما المصطلح أو اللقب الذي كانوا يطلقونه على رسلهم أيّ حاملي الرسالة الإلهيّة؟

بالنظر إلى التوراة نجد أنّ موسى كان يذكر باسمه وبدون ألقاب. وفي الإنجيل أيضا كان يذكر موسى باسمه ولم ينعت بلقب نبيّ سواء في الإنجيل أو في التوراة على الرغم من أنّ القرآن نعته بأنّه كان رسولاً نبيّاً. أمّا عيسى فلم يذكر بهذا الاسم في الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد. أمّا في التوراة فلقد ذكرت كلمة المسيح مرّتين. ولقب “مسيح” بمشتقاته ذكر كثيراً في الإنجيل. فلقد كان يطلق على عيسى؛ ابن الله ويسوع ويسوع المسيح ولم يذكر لقب رسول أو نبيّ عليه إلاّ في الموضع المذكور آنفاً. أمّا القرآن فقد نعته بأنّه كان رسولاً.

وبناءً على ذلك يجب التنويه إلى أنّ كلّ رسالة تأتي تعطي معلومات أكثر من الرسالة السابقة وأعمق لتتناسب مع ماوصلت إليه البشريّة من نضج روحيّ وفكريّ على السواء. لذا قد يتغيّر المصطلح أو اللقب الذي ينعت به من اصطفاهم الله رحمة للعالمين ليضفي معانيَ أجلّ وأعظم من سابقتها، وحتّى يتسنّى للبشر إدراك شيء من هذه المقامات بشكل أوضح. فمصطلح رسول بجلال معناه الحاليّ لم يأت إلّا في القرآن الكريم. بل والأكثر من ذلك فقد تمّ إضفاء هذه المقامات العالية على كلّ المبعوثين السابقين، بل وقد تمّ تصنيفهم في بعض آيات القرآن بناء على ذلك، فحدّدت الآيات فئة منهم بأنّهم كانوا رسلاً، وآخرين بأنّهم كانوا أنبياء، و فئة ثالثة بأنّهم كانوا أنبياء ورسلاً. وإنّ في هذا التفريق الظاهر والواضح لعبرة لأولي الألباب.

لذا فمن الجدير بالذكر أنّ حضرة بهاء الله لم يذكر قط عن نفسه أنّه كان رسولاً أو نبيّاً. ونظراً لأنّ البشريّة مع تقدّم الوقت ووصولها إلى أعتاب مرحلة عظيمة من مراحل النضج قد آن لها أن تعرف أكثر عن تلك النفوس العظيمة التي تأتي في كلّ دورة لهداية البشر. لذا فقد جاء حضرة “بهاء الله” كمظهر إلهيّ أو مظهر لأمر الله. وهذا مصطلح جديد لم يُعرف من قبل. وهو لم يطلقه على نفسه فحسب، بل نعت به كلّ الرسل السابقين، وأشار به إلى الرسل اللاحقين. وهذا التعبير يلقي ضوءاً أكثر على مقامات تلك النفوس المختارة، ويبين أنّهم يحملون الصفات الإلهيّة ويعكسون الكمالات الربّانيّة. وهنا يجب التأكيد على أن هذا لا يعني الحلول، والعياذ بالله، وكما فسّره البعض فهو سبحانه منزّه عن الصعود والهبوط، والحلول والنزول، بل يعني هذا أنّ مظاهر أمر الله هم المرايا الصافية التي تعكس الصفات الرحمانيّة والفضائل الربّانيّة من دون ستر ومن دون حجاب.

ثانياً: بين سورتي غافر والجنّ

في سورتي غافر والجنّ يجد القارئ آيات بيّنات توضّح بالتفصيل عقدة الخاتميّة التي تنتاب كلّ أمّة وخاصّة بعد انتهاء أجلها ومجيء الميقات الإلهيّ بقيام الساعة الموعودة تجديداً للعهد الأبديّ والميثاق السرمديّ بين الله وعباده وبين الله ورسله وبين الرسل والبشر كافّة.

1. تحليل عقدة الخاتميّة

}وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ{

تدعونا الآية السابقة إلى التأمّل في حالة البشر في كلّ دورة إلهيّة ممثّلة في قصّة يوسف عليه السلام. فعند مجيء المبعوث الإلهيّ يكون ردّ الفعل هو التكذيب والتشكيك. ولكن بعد إتمام الإيمان وانتهاء أجل الأمّة التي قام بتأسيسها ينكرون ظهور رسالة جديدة، وفي الآية السابقة كانت الرسالة الجديدة تتمثّل في ظهور موسى عليه السلام، وهنا تدّعي الأمّة السابقة بأنّ رسولها هو خاتم المرسلين وذلك إمعاناً في تكذيب الرسول الآتي من الله.

والآن دعونا نتأمّل في الرّدّ الإلهيّ ببطلان هذا الادّعاء الجائر بإغلاق أبواب السماء، فيذكر بأنّ هذا هو طريق الضلال الذي يهيم فيه كلّ مسرف في الأوهام ومغال في الظنون التي ليس لها أساس من الصحّة. إن مثل هذه الادعاءات لا تقوم في حقيقة الأمر إلّا على الشّكّ والريبة حتّى في ما جاءهم من الآيات البيّنات. وقد تجاهلوا حقيقة أساسيّة وهي أنّ كلّ رسول كان شاهداً على من جاء من قبله، وكان مبشراً بمن سيأتي من بعده، وكان نذيراً لأمّته من عاقبة التكذيب بمن يظهره الله في حينه ووقته. هذه التحذيرات التي لم يبخل بها رسول من الرسل على قومه حماية لهم وحتّى لا يصبحوا من المغضوب عليهم ومن الضالين عن الصراط المستقيم ساعة قيام الرسول التالي. وحتّى لا يجادلوا في آيات الله بغير سلطان أتاهم وبذلك يطبع الله على قلوبهم فلا يشعرون بفحوى الكلمة الإلهيّة ولا بشذا رحيقها. وهذه من دون شكّ هي النتيجة الحتميّة لادّعاءات الأمم الباطلة وتشبثها بعقدة الخاتميّة.

2. قمّة المقت الإلهيّ للمخالفين

          }الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ{

وما أروع التحليل الإلهيّ لعقدة الخاتميّة التي تُبتلى بها الأمم. فكما نرى في نهاية الآية السابقة كيف يصف الله كلّ مَن يدّعي عليه بالباطل توقف إرسال الرسل وينعته بأنّه متكبّر جبّار. فالتكبّر هو العلة الكبرى والتجبّر هو رفع راية العصيان والوقوف أمام الإرادة الإلهيّة. ولنتأمّل في الآية التالية ونلاحظ ما جاء فيها من تأكيد للتحليل نفسه:

}وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ{

وهل يغيب عن ذهن أحد أنّ هذا الاستكبار نفسه كان أسلوب إبليس في عدم امتثاله للإرادة الإلهيّة واعتراضه على الأمر الإلهيّ بالسجود لآدم على الرغم من أنّ آدم كان بشراً.

}وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ{

وقد بيّنت آيات القرآن الحوار الجدليّ الذي أراد إبليس به تبرير عصيانه للمشيئة الإلهيّة لسبب يعتقد في قرارة نفسه بأنّه سبب منطقيّ حيث إنّ الله خلق آدم من طين وخلقه هو من عنصر أقوى وأعظم وهو النار. لقد كبر عليه أن يتواضع ويسجد لآدم وهو بشر. إذن فانظر كيف كانت عاقبة هذا الاستكبار الذي منع إبليس المبلس من الامتثال للأمر الإلهيّ في الحال بالتسليم للإرادة الإلهّية والخضوع للمشيئة الأوّليّة. وهذا هو الفرق بين إبليس و بقيّة الملائكة الذين امتثلوا للأمر الإلهيّ في الحال ومن دون جدال أو حوار. وبناء على ذلك الاستكبار والعصيان انتقل إبليس كما بيّنت الآية من صفوف الملائكة وأصبح في زمرة الكافرين فصار من الضالين المغضوب عليهم إلى أبد الآبدين.

أليست آفة الضلال هي ذلك الاستكبار؟

أليس ادّعاء كلّ أمّة بأنّها الأمّة الخاتمة، ورسولها هو الذي لن يكون من بعده رسول يُعتبر نوعاً قاتلاً من الاستكبار الذي حدّده الله في أكثر من آية من آيات كتابه الكريم؟

هناك الكثير من الآيات التي تبيّن أنّ آفة الكفر سببها هو الاستكبار، لذا سنكتفي بالآية التالية لتأكيد هذا المعنى ونرجو الرجوع إلى آيات الكتاب للتمعّن في هذا التحليل الإلهيّ الرائع:

}فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا{

حقاً إنّ في قصص الأنبياء لعبرة، لذا فقد تكرّرت كلّ قصّة من هذه القصص مراراً وتكراراً وفي كلّ واحدة منها يلفت الله النظر إلى عناد الأمم السابقة و تكبّرهم ورفضهم التسليم أو الخضوع لتلك الحقيقة الإلهيّة، فطبع الله على قلوبهم أقصى درجات المقت والغضب نتيجة لهذا التكبّر، وما يتبعه من إسراف وإبلاس وتشكيك في الحقيقة الثابتة بأنّ كلمات الله ما لها من نفاد ورسالاته ما لها من انقطاع.

وفي الآية التالية مسك الختام عن عاقبة هؤلاء المستكبرين المكذّبين.

}إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ{

وهكذا يتبيّن أنّ مفهوم الخاتميّة الذي تدّعيه الأمم هو مفهوم مخالف شرعيّاً للمقصود منها، وبعيد كلّ البعد عن المفهوم المذكور في الآيات. وأنّ الظنّ بأنّ الله لن يبعث الرسل مضادّ تماماً للمشيئة الإلهيّة في التواصل مع العباد والتي لن يكون لها من تبديل أو تحويل.

وهل من المعقول أنّ كلمة “خاتم” بحروفها الأربعة تلغي سنّة الله في أن يبعث بعد محمّد (ص) رسلاً تترى؟

}ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لّا يُؤْمِنُونَ{

3. التحريف الفرعونيّ لمعنى الخاتميّة

لقد كان في إضافة عبارة “خاتم النبيين” دون كلمة مرسلين تأكيد لقمّة المقت الإلهيّ لمن يحرّف كلمة خاتم هذه إلى ذلك التحريف الفرعونيّ المذكور في سورة غافر بقولهم:

}… لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً…{

لذا فإنّ الذي يحاول أن يلوي المعنى بتفضيل رسوله على أيّ رسول آخر مثله بإضفاء صفة الخاتميّة المطلقة عليه يكون مثله كمثل الأجيال الأخيرة من الفراعنة بعد قرون مضت من ساعة ظهور يوسف كرسول في مصر. فكما شرحت الآيات أنه بمجرّد أن قامت ساعة ظهور موسى استكبروا وكذّبوه على الرغم من خوارق معجزاته وظهور بيناته. بل لقد تشبّثوا بما كان عليه آباؤهم والسّلف السابقون لعلّها تنقذهم وهم على شفا حفرة من نار المصير المجهول، ونفوسهم تغلي بقولهم {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ}. فقالوا عن يوسف الذي يوقنون بتفضيله على من سبقه من الرسل رغماً عن شكّهم فيما جاءهم به من وحي على مدى نفوذ رسالته. وما كادت الأجيال الأخيرة منهم تتخلّص من شكوكها فإذا بهم يفاجأون بظهور موسى وقيامه بالدعوة ممّا زلزل أراضي قلوبهم. لذا تطرّفوا في ظنّهم وزاغت قلوبهم في مدى خاتميّة يوسف وبدلاً من أن تكون خاتميّته محدودة بزمن رسالته فقط جعلوها أبديّة مطلقة بتحريفهم لمعنى الزمن المحدّد لهذه الخاتميّة، فردّدوا ادّعاءاتهم الظنيّة بأنّه }… لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا{ بل وصدّقوا هذا الادّعاء حتّى صاروا يعتقدون أنّه أصبح حكماً مطلقاً وإلى الأبد.

ونلاحظ أنّه بناء على حادثة التحريف هذه؛ انتقل الحديث من النصف الأوّل لهذه الآية الذي كان على لسان مؤمن آل فرعون إلى ما في النصف الثاني من الآية على لسان الحقّ جلّ شأنه مع التواصل المستمرّ لما يليها من آيات على لسان العظمة والحقّ بتقييم فوريّ لهذا التحريف المعنويّ الخطير الذي تبرز خطورته في أنّه من سنن الأوّلين التي تتكرّر كلّما قرّرت المشيئة الإلهيّة إرسال رسالة بقوله تعالى: }… كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ، الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ{

وهنا خلاصة التحليل بأن الله يطبع على قلوبهم وهذا حكم عام يشمل كلّ قلب متكبّر جبّار لأنّهم يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم.

فما السلطان الذي يأتيهم، أو ينتظرون مجيئه؟

}هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ{

وزاد الله ذلك بياناً في قوله:

}هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ{ 

4. تحريف الجنّ للخاتميّة

لقد أوضحت الكثير من الآيات بأنّ الخطأ الذي أوقع الأمم في الهلاك هو أنّهم بنوا برهانهم في الختم وانقطاع الوحي الإلهيّ على الظنون والأوهام، وتركوا ما أُرسل به المرسلون من آيات يقينيّة تؤكد سنّة الله التي ليس لها من تبديل أو تحويل في إرسال مظاهر أمره ومكامن وحيه مؤكّدين وجود الله ومنفّذين لميثاقه الذي لا ينفصم ومرشدين عباده إلى ما يحبّ ويرضى.

ولنتأمل الآية التالية:

}وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا{ 

أيّ أنّ رجالاً من الجن ممن يقولون على الله الكذب قد ظنّوا بتأويلاتهم الشيطانيّة كما ظننتم يامن تتقوّلون على الله كذباً سواء أكنتم من النصارى أم من اليهود أم من الوثنيّين، إذ عبّرت هذه الأحزاب الدينيّة الثلاثة عن معارضتها أو اعتراضها على الرسول في زمنه بأنّ الجنّ قد ظنّوا كما ظنّ أتباع هذه الأديان الثلاثة أن لن يبعث الله أحداً.

فأيّ صراحة ووضوح أكثر من هذا؟

فهنا يبيّن سبحانه وتعالى بأنّه حتّى الجنّ ظنّوا أي بنوا حكمهم على وهم محض. ثمّ تعقبها عبارة “كما ظننتم” أنتم أيّها الإنس بأنّ الله لن يبعث أحداً. و بعبارة أخرى أنّهم بنوا حكمهم بانقطاع الوحي الإلهيّ على الظنّ المنافي للإرادة الإلهيّة، بل وتبدو جرأتهم في استعمال أداة النفي “لن” التي تفيد النفي المطلق في المستقبل وفي هذا جرأة كبيرة على الله. لقد تكرّرت العبارة نفسها واستعملت أداة النفي عينها من قوم يوسف في سورة غافر بقولهم «لن يبعث الله من بعده رسولا».

ألا يشير تكرار عبارة “لن يبعث الله” مرتين، الأولى مطلقة في سورة الجن بقولهم “أحداً” والثانية محدّدة في سورة غافر بقولهم “رسول” إلى ضرورة إعادة التفكير فيما نشأنا عليه من أفكار ومعتقدات؟

وهل أورد أولئك الذين يجزمون بتوقّف سنّة إرسال الرسل أيّ دليل عقليّاً كان أم نقليّاً لتبرير هذا الإجحاف والتعدّى في حقّ الله وحقّ البشر؟

أليس من المؤسف أن نجد ادّعاء الخاتميّة وتكبيل المشيئة الإلهيّة وإغلال يد الرحمة الربّانيّة من الإنس والجنّ منذ أقدم العصور؟

ألا يدعونا إتمام الله لنوره واستمرار سنّته في إرسال الرسل على الرغم من ادّعاء آل فرعون الخاتميّة بعد يوسف عليه السلام واستمرار مجيء الرسل مثل موسى ومن تلاه من الرسل الكرام لليقين بأنّ سنّة الله لا تتبدّل ولا تتغيّر؟

ثالثاً: بيانات في مواضع أخرى

  1. اليدان المبسوطتان تنفيان فكرة الخاتميّة

 

}وقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ{

قد يساعد التركيز على ماجاء في وسط هذه الآية في بيان ما جاء في نهايتها أيضاً، وهذا بناء على المبدأ المتّفق عليه بعدم التركيز على جزء من الآية دون إتمامها بما يليها. فنجد في وسط الآية عبارة “ما أنزل إليك من ربك” وهو الوحي الذي أنزل إلى الرسول، وإنّ هذا الوحي سيزيد كثيراً من اليهود طغياناً وكفراً بدلاً من التقوى والإيمان لأنّهم يرفضون أن يقبلوا هذا الوحي الجديد بالتدّبر والتعقّل والتفكّر. وهذا ما أشارت إليه الآية الرابعة من سورة الإسراء عن فسادهم:

}وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا{ 

وكما يحدّثنا التاريخ عن إفسادهم الأوّل حين أنكروا رسالة المسيح بن مريم، وتحريفهم للمعاني الإلهيّة في كتابهم بأنّ يد الله مغلولة. والإفساد الثاني كان بإنكارهم ما أنزل إلى الرسول محمّد من ربّه  بالحجّة نفسها، وادّعائهم انقطاع الوحي الإلهيّ، وبناء على ذلك رفضوا الرسالة السماويّة. أمّا إن كانوا قد حقّقوا علوّاً فسوف يحطّمون هذا العلوّ تحطيماً إن عادوا وأساءوا وكفروا وأنكروا فتكون جهنّم محاصرة لمن يصرّ على الكفر منهم، أمّا إن أحسنوا فعسى ربّهم أن يرحمهم بهذه الكلمات الإلهيّة المنزّلة على رسل الله. إذن فاليدان مبسوطتان بما أنزل على الرسول من ربّه وما أنزل على المسيح من قبله وما سينزل من بعده لأنّ الله ينفق كيف يشاء إيجاباً أو سلباً لمن أحسن أو لمن أساء.

2. وحدة الأمّة الإلهيّة، وبيان الأمّة الوسط

 

بالتأمّل في سورة البقرة بآياتها المائتين وست وثمانين، نلاحظ أنّ الآية التي توسّطتها تتحدّث بصراحة تامة عن وسطيّة الأمّة الإسلاميّة. وبذلك يكون المسلمون شهداء على السابقين ويكون الرسول في الوقت نفسه شهيداً عليهم. لأنّه كأيّ رسول من الرسل يأتي شاهداً ومبشراً ونذيراً.

}وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا…{

لم ترد كلمة “وسط” في القرآن كلّه سوى في تلك الآية التي يتضح معناها من سياق الآية نفسها.

فماذا تعني إذن كلمة “وسط”؟

وهل استعملت في هذه الآية وفقاً للمعنى الأصليّ لها في اللغة العربيّة وهو التوسّط بين شيئين سابق ولاحق أو التوسّط في الأمور أيّ الاعتدال بين المتناقضين؟

وهل تختلف في المعنى عن “أوسطهم” المذكورة في الآية التالية؟

}قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ{

قد يساعدنا التأمّل في الآية التالية على إجابة الأسئلة السابقة.

}تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ{

وكما هو متّفق عليه بأنّ منهجنا في البحث سيعتمد بشكل مباشر على التأمّل في الآيات وفهمها من خلال سياق السورة وارتباطها بما قبلها وبما بعدها من آيات. بالنظر إلى الآيتين ١٤٠ و١٤١ السابقتين للآية المذكورة نلمس أنّ الله يوجّه الخطاب إلى أتباع الرسول (ص) سواء أكانوا من أصل نصرانيّ أو من أصل يهوديّ أومن أصل وثنيّ بأنّهم أصبحوا الأمّة الوسط بين الأمم حتي يكونوا شهداء على من سبقهم من الأمم. فبماذا إذن يشهدون؟

سيشهدون بما ذكرته الآية ١٤٠من سورة البقرة وهي:

}أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{

فالشهادة هي أنّ جميع النبيين والمرسلين بمن فيهم موسى وعيسى لم يكونوا هوداً أو نصارى بل كانوا مسلمين بتسليمهم للمشيئة الإلهيّة وتسليمهم بما يقضي به ربّهم. وكيف أنّه بمجرّد قيام ساعة ظهور الرسول عليه السلام انشقّ النصارى عن أمّة الإسلام التي كانوا فيها منذ ظهور عيسى عليه السلام لأنّهم لم يسلموا وجوههم لإرادة ربّهم عندما حان أجل أمّتهم وانضموا بعصيانهم إلى من سبقوهم من أمم مثل اليهود وغيرهم فصار هؤلاء النصارى أشدّ الناس ظلماً لأنفسهم عندما كتموا الشهادة التي عندهم من الله.

ومن ثمّ يتبيّن لنا أنّه على الرغم من تفضيل الله لبني إسرائيل على العالمين وذلك عندما أسلموا وجوههم إلى الله وآمنوا بموسى عليه السلام وساروا على شريعته إلّا أنّهم انحرفوا وكتموا شهادتهم عن الناس في زمن كلّ من عيسي ومحمّد عليهما السلام ففقدوا هذا التفضيل لأنّهم انحرفوا عن الصراط المستقيم وخرجوا من زمرة المؤمنين وأصبحوا بذلك غير مسلمين.

لذا فإنّ الأمّة التي تسلم وجهها إلى الله وتمتثل لإرادته في كلّ دورة تبقى هي الأمّة المؤمنة منذ سالف القرون والأعصار. ومن ثمّ تصبح هي أمّة الله الواحدة، ولكنّ من يرفض من هذه الأمّة الامتثال للمشيئة الإلهيّة ويعرض عن الإيمان بمن يأتي من الرسل يصبح منشقّاً عن أمّة الله الواحدة.

وقد تساعدنا الآية التالية على إدراك شيء من المنظور السماويّ للأمّة الواحدة

}كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{

وكذلك قوله:

}وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ{

وهنا قد يحتاج الأمر إلى وقفة للتأمل العميق في الآية التالية:

}كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ{

3. من هم الكافرون حقًّا؟

 

تلخّص الآية التالية بعض ما تمّ استعراضه من الادّعاءات البشريّة وتبيّن درجة المقت الإلهيّ لكلّ من يتشدّق بمثل هذه الادّعاءات الكاذبة وتعطي تعريفاً صريحاً للكافرين وتأكيداً واضحاً للحكمة الإلهيّة في نعتهم بصفة الكفر.

}إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا{ 

ومن الجدير بالذكر أنّ هذه هي الآية الوحيدة في القرآن التي اشتملت على هذه العبارة الموضّحة لمعنى الكفر والمؤكّدة له: «أولئك هم الكافرون حقّا».

بعد أن تناولنا في هذا الفصل واحداً من أعتى السدود المانعة لانسياب الكلمة الإلهيّة واستمرارها لتحيي أراضي القلوب بعد موتها. وهوعقدة الخاتميّة التي تصاب بها الأمم عند حلول أجلها والسبب في ذلك، كما ذُكر آنفا، يعود إلى الـتأويل الخاطئ.

فماذا إذن بعد التأويل الخاطئ؟

سنتناول في الفصل التالي عقدة أخرى، وهي فكرة صلاحيّة الأديان على مرّ الدهور والأزمان. تلك الفكرة التي تدّعيها كلّ أمّة وترفض من خلالها الإذعان للمشيئة الإلهيّة والسنّة الربّانيّة.

الفصل الخامس الشريعة الأبديّة ودوام الصلاحيّة على مرّ الأزمان

في الفصل الرابع تحدّثنا عن إحدى عقبات التأويل الخاطئ وهي فكرة الخاتميّة التي ادّعتها معظم الأمم وألصقتها بدينها اعتماداً على ما في كتابهم من آيات تفيد كمال الرسالة الإلهيّة التي بين أيديهم وهيمنتها على ما سبقها من ديانات والمكانة السامية التي قدّرها الله لرسولهم. ومن ثمّ استخلص فقهاء تلك الديانات فكرة أنّ دينهم، بشكل خاص، سيكون باقياً وصالحاً على مدى العصور والأزمان المقبلة. فروّجوا لهذه الفكرة بكلّ ما أوتوا من حنكة وذكاء.

هذا على الرغم من أنّ كلّ أمّة عابت على سابقتها اختلاق مثل هذه الادّعاءات غير المنطقيّة والناتجة وبشكل مباشر عن التأويل الخاطئ لآيات كتابهم. ولكنّهم، وبكلّ بساطة، وقعوا في الخطأ نفسه وادّعوا ما ادعاه السابقون من ختم رسالتهم وأبديّة شريعتهم لأنّها هي الشريعة الكاملة والصالحة للتطبيق رغم تغيّر العصور والأزمان. وتجاهلوا بذلك الحقيقة الثابتة بأنّ كلّ دين يتنزّل من عند الله كاملاً من حيث توافق أحكامه لوقته وتمام تنظيمه لشؤون أمته في المدّة المقدّرة له والأجل المحدّد من الله تعالى لبقائه. فإنّ الله سبحانه هو جوهر الكمال وأصله وبالتالي لا يرسل إلا الأمر الكامل في وقته والصالح لعصره وزمانه.

ومقولة “الإسلام صالح لكلّ زمان ومكان” شعار يكثر تكراره عن طريق التقليد وكأنها قضية مسَلّم بها، بل وكأنها إحدى الثوابت التي قام عليها الدليل دون محاولة جدّية من المفكرين المسلمين لتحليل هذه المقولة الشائعة وإثباتها عقلاً أو نقلاً، وإلاّ فيكون من الأفضل أن يُستبدل بها ما هو أكثر اتفاقاً ومضمون القرآن الكريم.

}وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ{ 

وما من شكّ في أنّ الكلمة الإلهيّة هي الوسيلة السّماويّة والمعبر الربانيّ للتواصل بين المطلق والنسبيّ. فالخالق سبحانه هو المطلق والنسبيّ هو المخلوق. وعن طريق الكلمة الخلّاقة يتحقّق الإيمان الذي يسعى به الإنسان إلى الحقيقة المطلقة. لذا يتحتم عند إقرارنا بنسبيّة الإيمان أن ندرك شدّة احتياجه إلى التطوّر وإلى النموّ حتّى ينضج. لذا فهو يتغيّر حسب مقتضيات الزمان والمكان ويتبدّل حسب درجات النضج التي تنتقل بالبشريّة من طور إلى طور أسمى وأكمل. ومن ثمّ يكون من طبيعة تقييد الإيمان وهو النسبيّ بقيود الثبات وعدم التغيّر طريقاً يؤدي إلى الجمود ويفضي إلى بطلان تطبيق أحكام الدين. وبالتالي لا يستفاد به في الحياة اليوميّة ولا في حياة المجتمعات. وهذا هو السبب الرئيسي لإصابة الأمم بالتخلّف الروحانيّ والماديّ معاً وعلة ركونها إلى الكسل والخمول.

ولقد عبّرت الآية التالية عن أنّ هناك مراحل لنموّ الشخص وبالتالي مراحل لنموّ إيمانه:

}قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{ 

وفي هذه الآية نجد تعبيراً صريحاً بأنّ الإسلام بمعناه المحدّد برسالة محمّد (ص) هو درجة من درجات الإيمان وهو الإذعان للإرادة الإلهيّة وقبول الرسول والعمل بما جاء به. وفي ذلك إشارة إلى أنّ الإنسان سيظل يسعى للمعرفة على طريق الإيمان دون أن يبلغ كمال الحقّ أبداً لكونه غيب منيع مطلق لايُدرَك بأيّ حال من الأحوال.

وتكمن حقيقة الإيمان في الإدراك الكليّ بأنّ إيماننا مهما كان عميقاً هو في الحقيقة نسبيّ، ومن ثمّ فلا مجال للتعصّب القميء لعقيدتنا أو إيماننا، أو الانحراف المَرَضيّ نحو الشعور بالنزعة التفوقيّة والرغبة النرجسيّة في التفاخر على الآخرين والتعالي عليهم.

إنّ إدراك الفرد بأنّ الإيمان نسبيّ سيساعده كثيراً على النظر إلى الآخرين بالمنظور نفسه، وبالتالي سيحترم معتقداتهم ويتخلّص من قبح الشعور بالأفضليّة والفوقيّة على من يؤمنون بشيء يختلف في كثير أو قليل عمّا يؤمن به أو يعتقده. ومن ثمّ سيرتقي بفكره عن الانحدار في منزلق الحكم على إيمان الآخرين وعقائدهم سواء أكان ذلك بالخطأ أو بالصواب. بل وسيقوده ذلك إلى تحري الحقيقة بحياديّة كاملة وحرّيّة مطلقة.

وإذا نظرنا حولنا نرى الكثير من دعاوى الإصلاح التي تعلو على كلّ منبر. ونلاحظ محاولات شتّى لتستعيد الأمّة صحوتها. كما نلمس المبادرات المخلصة والمقترحات المتنوّعة من أجل إحياء الدين وإحياء التراث وإنقاذ الأمّة من الهبوط والانحدار.

لقد كثرت بالفعل الأقلام الدّاعية إلى التطوير، وامتلأت المكتبات والجرائد بالأفكار القيّمة. ولكن يقابلها على النقيض أقلام أخرى تؤمن بنظريّة المؤامرة أو التآمر على الإسلام، وتعادي كلّ من يحاول الإصلاح وتتّهمه بالخيانة وبالعداء الصارخ للإسلام، بل تتجاوز ذلك أحياناً إلى اتهام كلّ من يحاول الإصلاح بالكفر والخروج عن الدين.

ومن الجدير بالذكر أنّ بعض الكتّاب المسلمين الذين يرون أنّ ما يطلق عليه الإسلام حاليّاً هو ليس بالإسلام الأصليّ الذي جاء به الرسول (ص). من هؤلاء الدكتور خالد أبو الفضل في كتابه الذي أثار ضجّة كبيرة في الأوساط الثقافيّة سواء العربيّة أو الغربيّة. اسم هذا الكتاب السرقة الكبرى وفيه يبيّن الكاتب أنّ جوهر الإسلام هو الاعتدال ولكن المتشدّدين سرقوا هذا الجوهر وحوّلوه إلى إسلام آخر يسوده التعصّب والجمود ويرفض التعدّدية بشدّة ولا يتقبل وجود الآخر.

وقد بيّن أبو الفضل بأنّ ما يدّعيه المتشدّدون من تفسيرات تبعد كثيراً عن حقيقة الإسلام السمحة. وبيّن أنّ هذه التفاسير قد أساءت إلى الإسلام بدرجة كبيرة وأدت إلى ربط الإسلام في كثير من الأذهان بالإرهاب والعنف والتعصّب. وييّن أنّ هؤلاء المتشددين يعتقدون خطأ أنّ سلوكهم هذا ما هو إلا دفاع عن الإسلام.

وفي تحليله لظاهرة السرقة ذكر أنّ هناك أسباباً سهّلت للمتشدّدين ذلك. هذا بالإضافة إلى تأكيده على وجود انشقاق فعليّ بين المسلمين المعتدلين والمسلمين المتشدّدين. ناهيك بالانشقاق بين المذاهب المتنوّعة والفرق المختلفة.

وبالعودة إلى مقولة صلاحيّة الإسلام نرى أنّه من واجب المتأمّل البصير أن يسترجع التاريخ ويستقرئ الواقع في محاولة لاختبار مدى صحّة هذه المقولة التي لم ترد في القرآن الكريم، وليس من سُنّة الله التي كرّر ذكرها في القرآن ببعث الرسل تترى ما يرجّح صحّتها. كما لم يتواتر عن النبيّ محمّد (ص) حديث صحيح أو قول صريح يؤيّدها.

والشيء بالشيء يذكر فقد عقد مؤخراً مجموعة من كبار العلماء المسلمين مؤتمراً في مدينة ماردين جنوب شرقيّ تركيا. ولقد أعلن العلماء في نهاية المؤتمر أنّه لم يعد هناك مجال لتطبيق فتاوى ظهرت في القرون السالفة مؤداها تقسيم العالم إلى “دار إسلام” و”دار كفر “. ففي الوقت الحاضر المتّسم بقيام دول بأنظمة مدنية تحافظ على الحقوق الدينيّة والعرقيّة والقوميّة ينبغي أن يُعلن أنّ العالم برمته يعتبر”دار سلام وتسامح وتعايش”. وقد أيد المعلّقون المسلمون هذا الاتجاه الذي اتخذه المؤتمر لأنّه كان معنيّاً بإعادة تفسير الإسلام في ضوء الظروف السياسية المتغيّرة. ويعدّ هذا الإعلان من أكثر المحاولات جديّة من قِبل التيار الرئيس لعلماء الدين المسلمين لإعادة النظر في فهم الأجيال السالفة لنصوص الكتاب على أساس اختلاف ذلك الفهم عن الحقيقة السائدة في الزمن الحاضر والظروف التي جدّت منذ ذلك الوقت على الأمّة الإسلاميّة.

إنّ أوّل ما ينبغي أن يتناوله المحلّل عن هذه المقولة هو إيضاح الغموض الذي وردت به عبارة هذا الشعار وعدم تحديدها للمقصود بالإسلام.

فهل المقصود هو جوهر الإسلام الذي هو دين الله الواحد الأبديّ السرمديّ بمعناه الوارد في القرآن والذي نعت الله به كلّ الأنبياء والرسل السابقين وسمّاهم بالمسلمين؟ وهل هو نفسه الذي نادى به جميع الأنبياء والمرسلين السابقين؟ وهل هو الذي يعنى التسليم الفوري والمطلق للإرادة الإلهيّة؟

أم أنّ المقصود هو الإسلام بأركانه الخمسة ومجموع المعتقدات والأحكام التي فرضها القرآن الكريم على أتباع الرسول محمّد (ص)؟

لقد تناولنا هذا الموضوع الحيويّ بشيء من التفصيل في الفصل الثاني من هذا البحث ونرجو الرجوع إليه. فمن خلال التأمّل في الآيات التي تحدّثت عن الإسلام توصّلنا إلى بعض النتائج التي قد تساعد على إلقاء الضوء على المقصود بالإسلام وعلى هذا الأساس يمكن الحكم على صحة الشعار المذكور ودقته.

أمّا إذا كان المقصود بالإسلام هنا هو الشريعة المحمديّة فسنجد أنّ هناك جانباً آخر من هذه المقولة يحتاج إلى تحديد ماهو دليل صلاح أو صلاحيّة الإسلام لكلّ زمان وكل مكان.

فهل صلاح الإسلام في زمان ومكان معيّن يعني خضوع أهل ذلك الزمان وذلك المكان لشريعته؛ أيّ يجعلون أحكامها في المعاملات والعقوبات والأحوال الشخصيّة هي القانون الجاري تطبيقه في المجتمع؟

أم أنّه يكفي للقول بصلاحه إقرار أغلبية أهل ذلك الزمان وذلك المكان بانتمائهم إلى الدين الإسلاميّ الذي أخذوه عن آبائهم حتّى ولو لم يحرصوا على تطبيق أحكامه؟

إنّ الصعوبة التي تطرحها الأسئلة السابقة هي في الواقع ناجمة عن غموض مفهوم المجتمع الإسلاميّ. كما يعود أصل الصعوبة إلى عدم وجود تعريف متّفق عليه لمفهوم المجتمع بصفة عامة، وإلى اختلاف المتخصّصين في تعريفهم للمجتمع تبعاً لاختلاف العنصر الذي يركّزون عليه. ومع ذلك فإنّهم متفقون على أنّ المجتمع يتكوّن من بشر تربطهم علاقات منتظمة ومستديمة تشكّل أنماطاً متميّزة لتفكيرهم وسلوكهم والقيم التي يتمسكون بها بحيث تصبح هذه الأنماط نظاماً ملزماً يشعر أفراد المجتمع بواجب اتباعه.

وتكفينا هذه الخصائص المتّفق عليها لتعريف مصطلح (المجتمع الإسلاميّ) في مضمار بحثنا هذا، وبناء عليه يمكن أن يتمتع المجتمع بوصف ”إسلاميّ“ إذا كان طرز تفكير أفراده وقيمهم التي يتمسكون بها، وأسلوبهم في تنظيم شؤونه العامّة وسلوكهم مطابقاً لما ورد في القرآن وما اشتملت عليه أحكام شريعته على نحو ملزم. وهذا تعريف يتفق مع ما يذهب إليه أكثر المهتمين بالشؤون الإسلاميّة.

إنّ التركيز في هذا التعريف واقع على المعتقدات الإسلاميّة والأحكام الشرعيّة كما يتفهّمها أفراد المجتمع الإسلاميّ وقادته في زمان معيّن كمصدر للقواعد التي يعتمد عليها أفراد المجتمع؛ في معاملاتهم التجاريّة وشؤونهم السياسيّة، وفي علاقاتهم الاجتماعيّة سواء أكان ذلك في علاقاتهم الداخلية أم في علاقاتهم مع المجتمعات الأخرى. ولكن هذا التعريف النظري يختلف مع ما سجّله المؤرخون عن المراحل التي مرّت بها المجتمعات التي تسمّت بالإسلاميّة على الرغم من الفوارق الملموسة بين السلوك السائد بين أفرادها والقيم والأحكام التي جاء بها الإسلام.

وللإيجاز في ما هو معلوم للمطّلعين على التاريخ يكفينا الوصف الذي يقدّمه محللون لا يتطرّق الشك في نزاهتهم العلميّة أمثال أحمد أمين للمجتمعات الإسلامية أيّام العباسيين من مجالس اللهو والشراب، وما كان يجري فيها من خلاعة ومجون… وانتشار القمار حتّى في حانات الفقراء. هذا بينما كانت أيّام الدولة الأمويّة على النقيض من هذا بما ساد فيها من بطش وإراقة للدّماء وبتر للرقاب حماية لسؤدد المُلك.

أمّا المجتمعات التي مازالت مسماة «مجتمعات إسلاميّة» منذ سقوط الدولة العباسيّة إلى وقتنا الحاضر فمليئة بأمثلة مروّعة لنماذج من السلوك تشهد على أنّها، إلاّ القليل الذي لا حكم له، تواصل ابتعادها عن المُثُل والقواعد التي جاء بها الإسلام واشترطها على كلّ من أراد أن يكون مسلماً. إنّ أنماط الحكم والتشريعات التي حكمت «المجتمعات الإسلاميّة» وتحكمها في الحقبة التي نتحدّث عنها تشهد بالشُقّة المتّسعة بين الواقع وبين المبادئ التي أوصى الإسلام أتباعه بها.

ونحن بالطبع لا نذهب إلى الزعم بأنّ انشقاق نظم المجتمعات الإسلاميّة كان خياراً شاءه المسلمون، وإنّما نرى في الظروف والملابسات التي أحاطت بهذه المجتمعات ولازمت تطوّرها قوى فرضت على المجتمع التخلي تدريجياً عن المثل والقواعد الإسلاميّة.

وهنا نتساءل أهو ناموس الحياة التي تأبى بقاءها على حال واحد؟

وعلى الباحث أن لا ينسى أنّ الأمم التي سبقت الإسلام كانت هي الأخرى صاحبة أديان سماويّة كاملة الإحكام والتنظيم، وقد توقّع أهلها أيضاً أنّ كمالها دليل على بقائها نافذة إلى الأبد. لأنها إبداع إلهيّ والله حافظ لكلماته.

فهل تراهم غالوا في توقّعاتهم هذه؟

الحقّ أنّ القول بصلاحيّة الإسلام لكلّ زمان مقولة محبّبة لقلب كلّ مسلم، ولكنّ الإسلام كلمة إلهيّة كغيرها من الكلمات الإلهيّة التي سبقتها واستوفت أجلها، ومن الخطر الدؤوب المفاضلة بين الأديان الصادرة عن مشيئة إلهيّة واحدة، والتي تتحد جميعها في سموّ مقاصدها، وهي هداية البشر “كلّ من عند الله“ ولا وجه للتفرقة بين نور إلهيّ وآخر فهذه المقولة وليدة فكر إنسانيّ يعوزه سند من كلام الله، بل هي في حقيقة الأمر مخالفة لما جاء في كتاب الله.

فقد سبق توضيح أنّ هذه المقولة نفسها أو ما شابهها قد وردت ولا تزال تتردّد على لسان أتباع الأديان الأخرى بدافع الحبّ والإجلال لدياناتهم، ومازالت بقايا الأمم السالفة تتوهّم أنّ دينها كامل وأنّ شرعها صالح إلى يومنا هذا كما كان في غابر الأزمان.

وفي السطور التالية مقالة ننقلها كمثال يعكس بعض أفكار الأمم السابقة عن أبديّة شريعتها وما يرددونه حتّى في وقتنا الحالي وبعد مرور آلاف السنين على شريعتهم، وذلك على الرغم من مجيء شرائع أخرى تالية لشريعتهم. في هذا المقال يعبّر أحد القساوسة المسيحيين بشيء من السخريّة والتعجّب من اعتقاد اليهود بأبديّة شريعتهم في الوقت الذي يتعجّبون من مجيء الرسول محمّد (ص) على الرغم من أنّ شريعة المسيح هي الشريعة الأبديّة وأنّ من يأتي بعده سيكون فقط لتأكيد أنّ شريعة عيسى هي الشريعة الكاملة.

«يعتبر السبتيّون أن شريعة العهد القديم (مطلقة وغير قابلة للتغيّر)، ويعرف مَن قرأ كتاباتهم أنّهم يشوّهون الحقيقة الخلاصيّة بقولهم إنّ: (الوصايا العشر) التي أُنزلت على جبل سيناء هي (مقياس البرّ)، وهي تجزي من يطيعها، وتؤمّن له (حرية مطلقة)، (والفرح والسعادة)، (والتمتّع بالحياة الأبديّة). ويعلّلون انحرافهم بقولهم: إن الشريعة (القديمة) هي (الكلمات الوحيدة التي نطق بها الله على مسمع أمّة بكاملها). ويدّعون أنّ حفظها (ويسمّونه: المبدأ العام)، يجب اليوم، لأنّ نعمة الله (لا تلغي الشريعة)، وذلك أنّهم يعتقدون بأنّ الشريعة هي: (قانون عالمي يُلزم كلّ الأجناس والشعوب التي على وجه الأرض…). وما يثير الضحك حقّاً ويبيّن سخافة هؤلاء المبدعين، هو قولهم إنّ مجيء ابن الله إلى العالم ليتألم ويموت لم يكن لمجرّد فداء العالم، فلقد أتى (ليعظّم الشريعة ويكرّمها) هذا وغيره له صداه في الفكر اليهوديّ الحديث. ففي حوار أقمته مع رجل يهودي سألني: لماذا تبشّرون بيسوع، ونحن، كما نوّه، لا نؤمن بأنّه أتى، ويسوعكم نفسه ما طلب هذا، وإنّما كلّف أتباعه بأن يبشّروا بالشريعة (ويقصد: العهد القديم)؟»

ثمّ يكمل مستطرداً:

«لا أعلم كيف يستطيع السبتيّون أن ينادوا بأبديّة الشريعة القديمة، وهم يوافقون على أنّ ناموس الفرائض الذي أُبطل بموت المسيح، لا يقدر على أن يقدّم للإنسان الخاطئ (علاجاً)، ويعرفون تالياً أنّ (إنجيل المسيح وحده هو الذي يستطيع أن يحرّر الإنسان من دينونة الخطيئة ولوثاتها)، ويبقون على موقفهم المنحرف لو لم يكونوا في خدمة الديانة اليهوديّة. إنّ هذا التناقض (القول إن الشريعة القديمة أبديّة بأنّها لا تشفي الخطاة) لا يقع فيه سوى المغرضين الذين يتعدّون الشريعة. لا يهم أن يعترف السبتيّون بتهوّدهم، وإنّما المهم أن لا يسمع المؤمنون لهم وأن يحفظوا أنفسهم بحق المسيح».

فانظر كيف يعيب الكاتب على اليهود اعتقادهم بأبديّة شريعتهم نظرا لكمالها، ويدّعي هو استمراريّة شريعة المسيح لأنّ فيها العلاج الشافي لكلّ الأمراض مهما اختلفت العصور وتبدّلت الأزمان.

ومن الجدير بالانتباه أن نرى أحد أسباب اعتراض اليهود على المسيح وتكذيبهم له هو أنّه كسر شريعة موسى وغيّر فيها، وكان من المفروض أن يستمرّ في اتّباعها وعدم تغييرها.

ألا يدعونا ذلك إلى إعادة النظر في ما ندّعيه من شعارات وما نردده من مقولات ولا نحذو حذو السابقين حتّى لا يعيد المسلم المأساة نفسها؟

وهل يُغفل عن سخط القرآن على الأمم السابقة بما افتروا على الله، واتّباعهم ما ألفُوا عليه الآباء والأجداد، واستبدلوا ما توارثوه من الظنون والأوهام بالتسليم بما أنزل الله والخضوع لإرادته تعالى؟

إنّ ما يدّعيه أتباع الديانات القديمة نتيجة لجهلهم بتفاصيل ما جاء في كتبهم لا ينطبق على المسلم الذي لا عذر له بعد أن أصبح القرآن ميسّراً وفُرص الاطلاع عليه مهيأة.

ومن ثمّ فإنّ خيار المسلم الذي يشهد ويلمس عدم مطابقة سلوك ونظام وقيم مجتمعه مع أحكام ونظم ومبادئ دينه لأيّ سبب من الأسباب ينحصر في عدد محدود من المواقف:

فهو إمّا أن يختار استمراره على ما لقّنه أبواه، وإمّا أن ينخرط في الفكر العلمانيّ، وإمّا أن يتطلّع إلى مجيء دين سماويّ جديد يصل ما انقطع بين الإنسان وخالقه.

واسمحوا لنا أن نناقش المعطيات الثلاثة، ونلقي بعض الضوء عليها في السطور التالية، علّها توقظ في نفس أبناء الأمّة الإسلاميّة حسّ الخطر المحدق بهم.

أوّلاً: الاستمرار على ما لقّنه الآباء

من بين ما يروى من الأحاديث النبوية قول رسول الله:

«ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء. هل تحسّون فيها من جدعاء؟» ثمّ يقول: }… فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ…{

والفطرة هي مجموعة من القدرات والمواهب التي تزوّد الطبيعة الطفل بها منذ نشوئه في رحم أمّه لتهيئه للحياة وتعينه على السلوك ككائن اجتماعيّ، فهي من الموروثات كالخصائص البشريّة التي تنقلها الطبيعة عبر سلالات الإنسان، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات يكمّل كلّ منها الآخر في أداء وظائفه:

فمنها ما يخصّ الجسد بما في ذلك الغرائز بأنواعها، ومنها ما يتعلّق بالعقل كالذكاء والقدرة على الإبداع، ومنها ما يرجع إلى النفس الإنسانيّة كالإيمان ووازع الضمير. وهذه القدرات كامنة في المولود وتنمو معه حتّى تظهر تجلّياتها بالتدريج في تفكيره ومشاعره وسلوكه عبر مراحل نموّه المختلفة، ولكن لايمنع هذا إمكانيّة تأثرها بالتقاليد السائدة في البيئة، وبالمعارف المكتسبة، أو اصطباغها بالنتائج التي تسفر عنها الخبرة والتجربة الشخصيّة.

والآية المستشهد بها في الحديث النبوي تحدّد معنى الفطرة وهي أن يقيم الإنسان وجهه للدين حنيفاً، وهذه هي ملّة إبراهيم وذلك بإسلام الوجه لله كما أوضحت ذلك الآية ١٢٥ من سورة النساء، والتي ناقشناها من قبل.

}فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ{ 

وإنّ الحديث الذي ينسبه الرواة إلى الرسول يفرّق بين القدرات الموروثة والمعارف المكتسبة. فيوضّح أنّ الطفل يولد كائناً مستعداً للإيمان ولكن لا دين له، ثمّ يتلقى الدين الذي يلقّنه له أبواه أو مجتمعه الذي ينشأ فيه. لأنّ التعاليم الدينيّة جزء من المعارف المكتسبة، مثلها في ذلك مثل علم الكتابة أو علم الحساب. فعلى الرغم من أنّ الطفل يولد ولديه القدرة على تعلّمها إلا أنّ هذا لا يغنيه عن الحاجة إلى معلّم يلقّنه هذه العلوم.

يقودنا هذا الحديث إلى مسألة أخرى لا تقلّ أهميّة عما سبق، وقد أثارها القرآن الكريم في كثير من آياته تنبيهاً وتحذيراً للناس بأنّ تلقين الآباء أو المجتمع لدين معيّن لا يعفي المرء من مسئوليّة البحث عن مراد الله عندما يصل إلى علمه أيّ نبأ أو خبر. والآية التالية تبيّن ضرورة تحري الحقيقة وتبينها. وتؤكد على عدم الاستهانة بما يأتينا من أنباء أو أخبار بغض النظر عن صفة من حملها إلينا من الناس صالحاً كان أم طالحاً، وهذا إمعان في التكليف بتحري الحقيقة.

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ{

}وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ * يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {

ولم تتردّد آيات الكتاب الإلهيّ في إدانة العديد من الأمم السابقة بحكم مبرم ودمغ أتباعها بالجهل والعصيان لأنّهم توانوا في قبول الدين المرسل إليهم اكتفاء بما تلقّوه من الآباء.

وفي الآيات التالية وصف رائع لهذه الجدليّة التي تظهر في كلّ رسالة وما أغنى الكتب الإلهيّة بمثل هذه القصص:

}وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ{

مما يقطع بأنّ الواجب الأوّل للإنسان المؤمن أن يتأكّد بنفسه من حقيقة الدين الذي يحمل مراد الله لزمانه ووقته.

}وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا{ 

إنّ الدين الحقّ اسم يصدق على الأديان السماويّة كلّها بصفتها خطاب إلهيّ موجّه إلى البشر. والثابت أنّ الأديان اللاحقة صدّقت بقدسيّة ما سبقها من أديان وأقرّت بمضمونها المعبّر عن إرادة الله الواحد. وتتواصل الأديان المتتابعة من خلال ندائها المشترك إلى الخير، ودعوتها المتكرّرة إلى الهدى. أمّا العامل الذي يفرّق بين الأديان فلا يزيد عن كونها لم تتنزّل في وقت واحد، بل جاءت في أزمنة مختلفة، وكلّ منها يحمل بين طيات أحكامه وتعاليمه وسمات الزمان الذي ظهر فيه وإن بقيت رسالتها جميعاً في هداية الناس إلى خير السبل التي تقرّبهم إلى الله تحت الظروف والأطوار السائدة في الزمان الذي ظهرت فيه. وهي بالضرورة متنوّعة في اختلافها من زمان إلى آخر. فكلّ شريعة تعالج المشكلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والخلقيّة المسيطرة على الناس في زمانها على نحو يتناسب مع نصيب أهل ذلك الزمان من الترقّي الاجتماعي وحصيلتهم من العلوم والمعارف الدينيّة والدنيويّة على السواء.

وبناءً على ذلك لا يجوز أن يعني اتّباع دين من الأديان أو يتضمن التمسك بمبادئه حكماً ببطلان الأديان الأخرى أو تكذيب رسلها أو المساس بقدسيّتها، لأنّها جميعاً كلمات إلهيّة غايتها هداية البشر وصلاح شؤونهم في الحياة الدنيا وما بعدها. وإنّما ينبغي أن يكون الاقتناع الدينيّ مبنيّاً على أساس أنّ الدين الذي يتخذه المرء سبيلاً إلى خالقه هو الدين الذي تنزّل لعصره وزمانه. علاوة على المبادئ التي تناسب درجة الرقيّ الإنسانيّ والتقدّم الفكريّ في وقته، سواء أكان هذا الاقتناع يخصّ الدين الذي تلقّاه المرء عن أبويه أم يتعلق بدين غيره. ولأنّ الهدف الأسمى والمراد الخالص للعبد ينبغي أن يكون إسلامه الوجه إلى ربّه والتسليم بما أنزله الله سبحانه والاستمساك بعهده وما ارتضاه من دين للزمان الذي يعيش فيه.

}وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}

ومن دون أدنى شكّ فإنّ تعدّد الأديان في المجتمع الواحد لا يخلو من افتتان عسير خاصة إذا خلط الفكر السائد في المجتمع بين الاقتناع الشخصيّ بالدين والعصبيّة الدينيّة والمناصرة لقومه، وعلى الأخص إذا لم يكتف الآباء بتلقين دينهم للأبناء فحسب بل يجعلون بقاء الأبناء عليه تعبيراً عن وفائهم وولائهم لهم.

لهذا فإنّ على الأجيال الحاضرة أن تعي قدر مسئولية كلّ فرد فيها عن اختيار الدين الذي يتّبعه أو لايتّبعه بحريّة واستقلال، وأن يُحترم قراره لأنّه وحده الملتزم به، وهو وحده الذي يتحمّل تبعات اختياره. والمهم هو ألّا يتخذ المرء الاستمرار على الدين الذي لقّنه له أبواه مبدأ ملزماً فيصبح الدين تقليداً موروثاً وليس توجّهاً إلى الله سعياً لمرضاته تعالى.

ثانياً: الانخراط في الفكر العلمانيّ

إن لم يجد الإنسان مبتغاه في الدين الذي تلقاه عن أبويه فقد يبحث في الخيار الثاني وهو تبنّي المجتمع للفكر العلمانيّ. والفكر العلمانيّ على درجات من التشدّد والتسامح فأحد طرفيه لا ينكر وجود الدين ولا يعارضه ويعتبره أمراً شخصياً متروكاً للأفراد بعيداً عن الحياة العامة وإدارة شؤون المجتمع ككل. وفي هذا المضمار يتساوى في نظر هذا الفريق أتباع الأديان جميعاً طالما أنّ لكلّ منهم أن يراعي أحكام دينه وتعاليمه في حياته الخاصة من دون أن يلزم بها المجتمع، أو يطالب بفرضها على الآخرين من خلال تطبيقها على السياسة العامّة للدّولة وقوانينها. ويوفّر هذا الطرف العلمانيّ للأفراد إمكانات ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينيّة بوصفهم جماعات دينيّة في معابدهم، وما دام أنّهم يتولون تمويلها ورعاية شئونها من دون تحميل الأموال العامة عبء ذلك، كما يسمح هذا الطرف لهم بنشر ما يؤازر معتقداتهم أو ينادي بها ما دام أنهم لا يتعرضون إلى مهاجمة غيرهم من الأديان. وتتجه كثير من الدول في الوقت الحاضر إلى هذه المدرسة الفكريّة.

أمّا الطرف الآخر للعلمانيّة فلا يعترف بالأديان ولا بالقيم الدينيّة كمرشد أو رائد في الحياة سواء أكانت حياة خاصّة بالأفراد أو عامّة للمجتمع. فهو بذلك اتّجاه فكريّ أقرب إلى الإلحاد. ومن ثمّ فهو يميل إلى كبح الأفكار الدينيّة والقضاء على أيّ فرصة لذيوعها. فلا يسمح بممارسة أيّ شعائر دينيّة على نحو ظاهر، ولا يتساهل في بناء أماكن للعبادة أيّاً كان نوعها. وبذلك يقضي على وجود الدين حتّى كحركة فكريّة كما حدث في ظلّ بعض النظم العالميّة المعروفة.

ويوجد بين هذين الطرفين للفكر العلمانيّ مواقف عدّة منها ما يستلهم أفكاره من الطرف الأوّل ومنها ما يستهدي بما يقول به الطرف الآخر، وفي كلّ الحالات يرتدّ الفكر الدينيّ عن مكان الصدارة في المجتمع ويتبوأ مكانه الفكر العلمانيّ فيصبح هو المصدر الأوّل لقواعد سلوك أفراده، وخزانة للحلول في الأزمات الاجتماعيّة والسياسيّة. بالإضافة إلى فقد الأحكام الشرعيّة منزلة القانون العام الجاري في مختلف شؤون المجتمع مكتفياً بالمجال الذي يفسحه التشريع المدنيّ في الدولة، كما هو الحال مثلاً في مجال الأحوال الشخصيّة في الوقت الحاضر في كثير من بلاد الشرق الأوسط وبعض دول شرق آسيا.

كما يلتزم الدين بما يفرضه عليه هذا التشريع المدنيّ من قيود وواجبات كما لو حرّم عليه مثلاً المساس بحريّات الفكر والتعبير وإن تعارضت مع الأحكام الدينيّة بل وإن هاجمت الدين. أو كما لو فرضت عليه عدم التعرّض للأبحاث العلميّة وبرامج التعليم وغير ذلك من أساليب توجيه المجتمع المتعارف عليها في المجتمعات العلمانيّة والنظم الليبرالية. وبعبارة موجزة تهيمن أجهزة الدولة، لا الدين أو الشرع، على الأسس التي يقوم عليها المجتمع، وعلى تحديد مفهوم المصلحة العامة وفقاً للرؤية السياسيّة التي يرسم معالمها النظام العام.

ولعلّ هذه المنزلة المتدنيّة للفكر الدينيّ، والمكانة المتواضعة للأحكام الشرعيّة التي يصوّرها العرض المبسّط السريع أعلاه في النظام العلمانيّ لا ترضي كثيراً من الجماعات الإسلاميّة التي تقاوم الاتجاه المشهود في عدد من المجتمعات الإسلاميّة ممن يتبنون بعض مظاهر العلمانيّة استجابة للمطالب المتزايدة من المثقفين لحماية الحريّات الشخصيّة، واحترام حقوق المواطنة، واشتراك المرأة في الحياة العامة. هذا التدافع في الاتجاهات الفكريّة والتناقض في تحديد الأهداف يسفر عن الانقسام الجليّ في بعض المجتمعات الإسلاميّة والانقسام المتواري في بعضها الآخر. كما يقوم شاهداً على اختلاف الظروف والزمان وأثرهما على نفوذ وسؤدد الدين. ويكشف عن الصراع الذي عرفته مختلف الحضارات بين جمود النظم الدينيّة بطبيعتها، وبين حيويّة المجتمعات الإنسانيّة وميولها للتغيّر.

ثالثاً: التطلّع إلى مجيء دين سماويّ جديد

وللذين لا يجدون في الدين الذي تلقوه عن آبائهم ما يرضي ضمائرهم عن اقتناع جديّ ولا يجدون في العلمانية الغذاء الروحانيّ الذي يحتاجون إليه فلا سبيل لهم إلاّ البحث الفردي المستقل وهم على يقين تام بأنّ الله لا يترك عباده المخلصين من دون هدى في ظلام ديجور الماديّة. وهذا هو الخيار الثالث.

وعلى الرغم من شدة وقع مثل هذا الاقتراح والدهشة التي قد يثيرها طرحه على طاولة البحث إلا أنّه حدث جليل وقع في الماضي مراراً وتكراراً عبر التاريخ. والقصص القرآنيّ، كما أشرنا آنفاً، يكثر من رواية الأديان التي بعثها الله في الماضي لأمم لم تكن تنتظر ديناً جديداً. بل وكذّبت بما جاءها متمسّكة بالدين الذي ألفت عليه آباءها ويحدوها اليقين بأنّه لكماله وسموّ تعاليمه صالح لكلّ زمان ومكان أو أنّه لا دين بعده. وما زالت هناك جماعات تمارس أدياناً يرجع تاريخها إلى آلاف السنين ولا يرون موجباً لتغيّر دين آبائهم واعتناق دين آخر.

ولا يفوتنا أنّ ما ورد ذكره في القرآن من الأديان السابقة لا يعدو بعضاً من عدد لا حصر له من الأديان المتتابعة. وقد ذكرت سورة الأنعام وحدها ثمانية عشر من الأنبياء والمرسلين.

}وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ{

فلا غلوّ في القول بأنّ مثل هذا التكرار المتعدّد والمنتظم للأديان يرقى، من دون شكّ، إلى مرتبة السنّة الإلهيّة التي لا تتبدّل ولا تتغيّر، وهذا بحكم القرآن الكريم ذاته. وهذا يتسق تماماً وأسماء الله الحسنى ونعوته السرمديّة، ومنها نعت نفسه تعالى بالهادي والباعث والنور والرحمن الرحيم والمحيي والخالق، وهي وبعث الأديان صنوان.

إنّ شبهة الذين كذّبوا بالأديان السماويّة في السابق نتجت عمّا وجدوه في الإبداع الإلهيّ من كمال، وهو وصف متحقّق في كلّ الكلمات الإلهيّة ولم يمنع ذلك من إرسال الله لرسله تترى. لأنّ من غايات تتابع الأديان إعادة النضرة والخشوع إلى قلوب العباد إذا ما طال عليها الأمد وقست قلوبهم وفسق كثير منهم وجاوزوا حدود الله وآثروا أهواءهم على طاعته.

}أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{

فهل يوجد ما هو أبلغ من هذا الرد الإلهيّ على دعاة أبديّة الشريعة في كلّ دورة؟

أليس في هذا الخطاب الإلهيّ الموجّه للمؤمنين «للذين آمنوا» لخير دليل على حتميّة استمرار الرسالات الإلهيّة؟

وهل الاستفهام التعجبيّ الذي انطوى عليه قوله “ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم” يتضمن الدعوة إلى الإيمان بمن يأتي بعد الرسول الكريم؟

ألا توحي الآية بالدعوة الرحيمة للذين آمنوا بأن يتبعوا الدين الحقيقيّ وهو إسلام الوجه لله والخضوع لإرادته، وما نزّل من الحقّ؟

ومَن يقصد بالمؤمنين الذين يوجّه الخطاب إليهم، سواء في هذه الآية أو حتىّ في كلّ آيات القرآن؟

ألا ينفرد الذين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام بهذا اللقب ولا يطلق أبداً على من سواهم؟

ألا يتضح من عبارة “لا يكونوا” تحذير صريح من أن يتّبعوا الأمم السابقة، فيحيدوا عن الصراط المستقيم؟

وهل في عبارة “طال عليهم الأمد” إشارة إلى رغبة أهل الكتاب في إضفاء الأبديّة على شريعتهم، وفي ادعائهم بصلاحيتها لكلّ زمان ومكان؟

تساؤلات جمة تثيرها هذه الآية الجامعة المانعة، والتي تذيب القلوب الغلف وتخرجها من أكنّتها، وتبدّد ما يُغلّفها من ضبابية الظنون وكثافة الأوهام التي أحاطت عيون الأنام وغشت عقولهم. فهي حقّاً خلاصة القول والإيجاز المبدع لجوامع الكلم، فنجد فيها؛ الدعوة إلى الإيمان، والتحذير من السير في طريق الشيطان، وفيها التحليل الموضوعيّ لأسباب رفض السابقين وهو اعتقادهم بأبديّة الشريعة وصلاحيّة الدين.

ومن الجدير بالانتباه هنا أنّ علّة بعث الإسلام لم تكن لنقص فيما سبقه من أديان. ولكن تعود إلى ما طرأ على قلوب أهلها من قسوة وتحجّر من جراء طول الأمد ومرور الزمن مما سهّل لهم إهمال تعاليم دينهم، واتّباع ما زيّنته لهم أهواؤهم. وما قسوة القلوب هذه إلا لطول المدة و تقادم الأزمان. وهذا أمر يصدق على أتباع كلّ الأديان وبالطبع لا يستثنى منه المسلمون بدليل أنّ الآية الكريمة أوثقت قسوة القلوب والفسق بطول الأمد ومضيّ الوقت على وجه الإطلاق.

فلا مبرّر إذن للظّن بأنّ أهل الإسلام هم غير البشر الذين سبقوهم بينما الأحاديث النبوية والواقع المشهود يؤكد أنّهم يتبعون سنّة الأمم التي سبقتهم شبراً بشبر.

وذلك كما روي عن الرسول (ص) في الحديث التالي:

“لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتّى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟”

وذكر هذا القانون الكونيّ، وطرح هذه السنّة الإلهيّة التي لا مبدّل لها يحمل بين طيّاته الأمل في رحمة الله. فكما تحيا الأرض الهامدة بنزول غيثه، تلين القلوب التي قست بنزول كلماته، وتحيا القلوب التي أماتها الهجر الطويل بنزول نوره المبين. فقسوة القلوب ومظهرها الخارجي هو الفسق والاستهتار بالالتزام الدينيّ واللامبالاة، وعلّة هذه الحالات مرور الوقت الطويل الذي ينسي الإنسان مسؤولياته وواجباته الدينيّة.

أليس هذا ما علّمه القرآن لقوم يعقلون؟

ألا يكون هذا واحداً من الأسباب الداعية لتتابع الأديان، وهي كثيرة، فلا يقبل اليوم إنكار سنّة من سنن الله التي لا تتغيّر بعلل واهية تنسجها عناكب الظنون والأوهام؟

ولعلّ غاية أخرى من الغايات العديدة لتتابع الأديان أنّها وسيلة سماويّة لتحرير الإنسان من ربق العالم الماديّ الذي تحكمه الطبيعة بفضل ما وهبته الفطرة من وجدان متميّز بالإدراك والمعرفة، ومن ثمّ السموّ به إلى معارج العالم الروحانيّ اللامتناهية.

فتسلسل الأديان يماثل منهاجاً تعليميّاً للرقيّ الروحانيّ والتربية الإنسانيّة. فكلّ دين لاحق يزيد في تقدّم ورقيّ الإنسان نحو الكمال الذي لا نهاية له. وشُبهة صلاحية دين معين لكلّ زمان هي بمثابة إيقاف للخطّة الإلهيّة وإنكار للناموس السماويّ الذي وضعته المشيئة العليا لدنوّ عباده من أعتاب الصفات والكمالات الإلهيّة، وهو أمر لا يقبله الوجدان ولا يجد العقل له مبرّراً.

لقد تواصلت ظاهرة الأديان المتتابعة من دون توقّف منذ الأزل، ولا يوجد اليوم جديد يرجّح منطقيّاً أو علميّاً انقطاع هذا التسلسل المنتظم. ومن الخطأ افتراض تغيّر مفاجئ من دون دليل حاسم يستند إليه ويقدّم مبرراً مقنعاً له.

والكتب المقدّسة مملوءة بذكر الرجعة أو العودة وتدعو أتباعها للانتظار. وقد سبق بيان أنّ كلّ أمّة تنتظر مجيء مبعوث إلهيّ، ولكنّها تضع له شروطاً أهمّها أن لا يكسر شريعتها على الرغم من صعوبة تطبيقها لاختلاف زمانها، وانقضاء وقتها. وعلى الرغم من عزوف الناس عنها لاستحالة القيام بها في ظروف تختلف كثيراً عن الوقت الذي نزلت فيه. ومن العجب العجاب أنّهم يحرّمون التغيّر على الله باعث الرسل بينما يسمحون لأنفسهم بتغيّر القوانين والأحكام وتعديلها لتتناسب مع العصر وتتماشى مع الزمان. وكأنّهم يعلمون أكثر من المشرّع الأعظم بحاجة الزمان والمكان.

}قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{

وبذلك تظلم كلّ أمّة نفسها، بل وتظلم أكثر الأجيال التالية بعدها بهذا الادعاء وصدق الله في قوله:

}أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ{

وفي الختام يجب التنويه إلى أنّ ما تناوله البحث في الفصول الخمسة الأولى التي شكلت الباب الأوّل منه اشتمل على التعريف بالكلمة الإلهيّة مروراً بصورها وأساليبها مع شواهد من التاريخ لعظمة تأثيرها. ومن ثمّ كان التحليل المتأنّي لمعاني الآيات ومقارنتها بما يساعد القارئ على تعميق إدراكه لأهمّيّة وجود الكلمة الإلهيّة وحتميّة استمرار نزولها نظراً لعظمة تأثيرها، على الرغم ممّا يبنيه القوم من سدود، وما يضعون من عقبات لوقف انسيابها وإطفاء نورها. فالكلمة الإلهيّة علاوة على أنّها ضرورة للحياة وعلى إشعاعها يتوقّف دوام الوجود الإنسانيّ، فهي أيضاً جنّة ونعيم روحانيّ للإنسان.

لذا سيتناول الباب الثاني في فصوله الخمسة لمحة عن هذه الجنّة الروحانيّة في يوم من أيّام الله ولقائه.

فالجنّة لغة هي البستان الناضر، ولكنها في الكتب السماوية تعني منزلة روحانيّة. ويكثر ذكرها ولكن في صور مجازيّة لتقريب العالم الغيبيّ إلى الأفهام. فالجنّة الروحانيّة تتميّز بوجودها في الدارين: الدنيويّة والأخرويّة، ولكن كثيراً ما يضرب الله الأمثال بالجنّة المادّيّة لتوضيح مفهوم الجنّة الروحانيّة وبيانه. تلك الجنّة التي خصّ الله بها المؤمنين وحتّى تكون الباعث والمشوّق كي تحيا البشريّة حياة روحانيّة.

وعلى الرغم من أنّه يوجد بين أتباع الديانات مَن لا يروق لهم هذا الفهم إلا أنّ جميع الكتب المقدّسة عامرة بتلك الصور المجازيّة. ومن ذلك ما جاء في الآيتين التاليتين:

}وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ{. كما يقول تعالى إمعاناً في بيان هذه الحقيقة القويّة:}وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون{.

فالحقيقة أنّ أصحاب هذه الأجساد المقتولة هم أحياء بأرواحهم بين يدي العناية الإلهيّة منذ اللحظات الأولى لاستشهادهم. وهذا يعني أنّه بفضل إيمان تلك الأرواح قد انتقلت أرواحهم من الدنيا إلى العالم الآخر منتعشة بالإيمان وتواصل نموّها الروحانيّ الذي سبق أن استمدّت منه حيويّتها في العالم الدنيويّ. وهذه صورة من معاني الجنّة الروحانيّة. كما نرى من مظاهر التواصل والاستمرار الدائم لهذا النمو في البيان الإلهيّ في الآيتين التاليتين للآية سالفة الذكر في قوله تعالى:

{…َفرحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، و{يسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ…}

ويقودنا الحديث عن الحياة الروحانيّة إلى ذكر ما هو ضدها وهو الموت الروحانيّ الذي جاء في البيان الإلهيّ في قوله تعالى: }… لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا…{ فيكون الهيكل الروحانيّ بين الموت وبين الحياة بما لديه من إمكانيّات الحياة.

أمّا الروح المؤمنة فهي ذلك الفؤاد الذي يعقل ويتذكّر من ذلك الرزق الإلهيّ الذي هو عبارة عن المقصود الإلهيّ والمعاني التي تحويها الكلمات الإلهيّة. وهذا هو المقصود من جنّة الكلمة الإلهيّة التي تتغذّى منها الروح على قدر إيمانها بما تفوز به من إلهامات المشيئة الربانيّة والهداية الإلهيّة. فالفؤاد متى انفصل عن الجسد يبدأ تقدّمه من المرتبة التي نالها في الدنيا ثمّ يزيد عليها حيويّة لا تنقص إطلاقاً بل قد تتضاعف، والله يضاعف لمن يشاء في الجزاء.

إنّ الجسد مركب من عناصر جسمانيّة، ولا بد لكلّ تركيب من تحليل، لكنّ الروح ساذج مجرد لطيف روحانيّ باق أبديّ ربانيّ.”

وفي بيان حضرة عبد البهاء التالي توضيح لذلك:

“إنّ النشأة الأخرى نسبتها إلى النشأة الأولى كنسبة النشأة الأولى إلى نشأة الأرحام، أما كان عالم الأرحام بالنسبة إلى هذا العالم أوهاماً وأحلاماً؟ كذلك النشأة الدنيويّة أوهام بالنسبة إلى النشأة الأخرويّة، ولما انتقل الإنسان من عالم الأرحام إلى عالم الإحساس كُشف عنه الغطاء وزال الحجاب وأدرك ما لم يدركه ويتصوره في الحياة الدنيا، إنّما الفرق أنّ الإنسان لا يتذكر ما طرأ عليه في عوالم الأرحام، أمّا في النشأة الأخرى يتذكر كلّ ما مرّ عليه في النشأة الأولى، فكيفية النشأة الأخرى أمر معقول دون محسوس ونسبتها وقياسها قياس النشأة الأولى بالنسبة إلى عالم الأرحام، فهل كان من الممكنات تصوّر السمع والبصر والعلم والإدراك في الأرحام ولو كان من قبيل الأوهام؟ لا والله بل إن النشأة الأخرى تظهر لمن كشف عنه الغطاء، وإذا أراد بيانها يضطر أن يضع الأمر المعقول في قالب محسوس وذكره حتّى السامع يتأكد وجود العذب والعذاب بصورة نعيم وجحيم.” 

أمّا عن «النشأة الآخرة» فيتفضل حضرة بهاء الله موضّحاً بدايتها بقوله:

وأمّا ما سألتَ عن الروحِ وبقائِهِ بعد صعوده فاعلم أنّه يصعد حين ارتقائِهِ إلى أن يحضر بين يدي الله في هيكل لا تغيّره القرونُ والأعصارُ ولا حَوادثُ العالم وما يظهرُ فيه ويكون باقياً بدوامِ ملكوت اللهِ وسلطانهِ وجبروتهِ واقتداره.

أيّ أنّ كلّ هيكل روحانيّ سينتقل من الدنيا إلى الآخرة على هيئة أبديّة خالدة وفقاً لما اكتسبه من حسابه في فترة وجوده في الدنيا. وهكذا تسمو الروح في الآخرة عن سابق حياتها مع الجسد؛ سموّاً وارتقاء وعظمة متضّمنة التخلّص من المشكلات التي كانت تنبع من مجالات الحياة الدنيا. وبفضل هذا السموّ الروحانيّ الأخرويّ يصير تفكير الروح أكثر صفاء ونقاء وأعظم نموّاً ونماء.

و نختم القول بالتأكيد على أنّنا لا نتردد جميعا في الاتفاق على أنّ الكلمة الإلهيّة لدى جميع المستويات البشريّة متى وضعت موضع العمل والالتزام بها هي في ذاتها جنّة لا تفوقها ولا تسمو عليها أيّ جنة من الجنات الماديّة.

الباب الثاني جنّة الكلمة الإلهيّة هي أيّام الله ولقاؤه عن طريق كلماته في دين الله الواحد "هذا دين الله من قبل ومن بعد"

           الفصل الأوّل

                          أيّــام الله ولقــاؤه  

 

تناول الباب الأوّل من هذا البحث الكلمة الإلهيّة من نواح عدّة؛ تعريفها وكنهها وأساليبها وأمثلة وشواهد على عظمة تأثيرها، والأسباب والعقبات التي تؤدّي إلى إساءة فهمها مثل التأويل الخاطئ وعقدة الخاتميّة واعتقاد أصحاب كلّ دين من الأديان بأبديّة شريعتهم وصلاحيّتها لكلّ زمان ومكان. وقد تناولنا في موضوع التأويل الآيات التي تحدّثت عن الميثاق الإلهيّ والوعد القاطع بمجيء يوم للتأويل السماويّ، ذلك التأويل الذي قد يكون مخالفاً بالكليّة لكلّ ما جاء من التأويلات البشريّة السابقة، والذي قد يكون أيضاً بعيداً كلّ البعد عن محدوديّة التوقّعات السالفة. لذا سنتناول بالبحث موضوعين رئيسيّين في هذا الفصل أوّلهما: الوعد الإلهيّ باللقاء والمتذكّرون لهذا الوعد، وثانيهما: نار الحرمان من هذا اللقاء.

أولاً: الوعد الإلهيّ باللقاء

وفي هذا القسم سنتناول حتميّة تحقّق الوعود الإلهيّة باللقاء، وكيفيّة هذا اللقاء.

1. إنّ وعد الله حقّ

بعد أن تعرّفنا على بعض صور التأويل البشريّ المخالفة لآيات الله وكيف  انحرف هذا النوع من التأويل بالفكر الإنسانيّ عن الحقيقة وأضلّه عن الصراط المستقيم، على الرغم من الوعود الإلهيّة المتكرّرة باستمراريّة العلاقة بين الله وعباده كعهد أبديّ وميثاق سرمديّ لا ينفصم بأيّ حال من الأحوال.

}الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ{

والوعد الإلهيّ الذي سنتناوله بالبحث في هذه الصفحات سيكون الوعد بمجيء التأويل لمحو الشبهات وتثبيت الآيات.

}بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ{

فما هو إذن هذا اليوم الموعود؟

وما مقدار ذلك اليوم؟

ومتى يأتي هذا الوعد؟

سنعالج الموضوع باتّباع المنهج المتفّق عليه وهو التّأمّل في بعض الآيات التي تحدّثت عن هذا الموضوع ومقارنة بعضها ببعض حتّى تساعدنا على إدراك شيء من المقصود باليوم الإلهيّ.

}وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ{

يحدّد الله مقدار اليوم الإلهيّ مبيّناً أنّه يختلف في مقداره عن أيّامنا العاديّة فهو يساوي ألف سنة مما نعدّه نحن من أيّام وأسابيع وشهور وسنين. وعبارة “مما تعدّون” تؤكد هذا الاختلاف.وإمعاناً في أهمّيّة هذه النقطة الحاسمة تكرّر مقدار اليوم الإلهيّ واختلافه عن أيّامنا العاديّة في سورة السجدة:

}اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ{

تضفي الآية السابقة بعض الضوء على أيّام أخرى من أيّام الله ومنها الأيّام الستّة التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما. ثمّ يلفت الله سبحانه النظر إلى أنّه بعد استوائه على العرش يقوم بتدبير الأمر الذي ينزل من السماء إلى الأرض. ثمّ يخبرنا بالتالي عن مدّة عروج هذا الأمر مرّة ثانية في يوم من أيّام الله التي تساوي ألف سنة من الأيّام التي نعدّها نحن.

إذن بعد معرفة مقدار اليوم الإلهيّ علينا أن نتوقّف قليلاً لنتساءل ما هو هذا الأمر الذي يتحدّث عنه الله في هذه الآية؟

وما هو المقصود بتدبيره من السماء إلى الأرض ثمّ عروجه مرّة ثانية إلى السماء؟

لذا قد يساعدنا التأمّل في الآيات التالية على الوصول إلى المقصود من كلمة “الأمر

}إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ{

نلاحظ أنّه يوجد بعض التشابه بين هذه الآية وبين سابقتها من سورة السجدة في ذكر خلق السماوات والأرض، والاستواء على العرش، ثمّ تدبير الأمر والشفاعة ولكنّه يختمها هنا بسؤال تقريريّ وهو أفلا تذكّرون؟

}ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ{

توضّح الآية الأخيرة أنّ الشريعة هي جزء من الأمر الإلهيّ، وكما هو معروف بأنّ الله جعل لكلّ رسول شرعة ومنهاجاً.

وقبل أن ندخل في التفاصيل قد يكون من المفيد أن نكمل الصورة هنا بالنظر إلى بعض صحيح الأحاديث عن عبارة الأمر الإلهيّ.

«لا يزال من أمّتي قوم ظاهرين على الناس ، حتّى يأتيهم أمر الله».

«لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ، لا يضرّهم من خذلهم، حتّى يأتي أمر الله وهم كذلك».

وقوله: «لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا، فيقول: لا إنّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمّة»…

ألا يكون المقصود بـ«الأمر» في ما سبق من النصوص هو الرسالة الإلهيّة التي تأتي من السماء؟

بمقارنة هذه الأحاديث مع الآيات السابقة نفطن إلى أنّ المقصود  بعبارة “أمر الله” هو الرسالة السماويّة التي تنزل من السماء. وأنّه عندما يأتي الأمر التالي ستكون طائفة من أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم ثابتين على دينهم الحقّ إلى يوم القيامة حيث ينزل عيسى بن مريم عليه السلام.

إنّ التعرّف على المقصود من كلمة الأمر في الآيتين الرابعة والخامسة من سورة السجدة سيساعدنا على تحديد الموعد التالي للقاء الله بعباده، وتفضّله عليهم بإرسال أمر جديد لتكون لهم نشأة أخرى ويعاد بعثهم مرّة ثانية. والآية التالية تشير إلى هذا البعث.

}وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ{

ومن ثمّ تتطهّر النفوس وتسمو الأرواح فتصبح الأرض غير الأرض والسماء غير السماء. وزيادة في التأكيد فلنتأمّل الآية التالية لعل فيها ما يضفي على الموضوع وضوحاً أكثر:

}اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا{

هنا نجد اختلافاً في العلاقة بين السماوات والأرض وبين مفهوم “الأمر” فلقد تحدّثت هذه الآية عن السماوات السبع والأراضي السبع، وكيف أن الأمر الإلهيّ يتنزل بينهن. إذن هذه عمليّة متّصلة ومستمرّة وهي تنزّل الأمر الإلهيّ بين السماوات والأرض، وفيها تحديد للسماوات بسبع في وقت نزول القرآن ومثلهن من الأراضي التي يتنزّل الأمر بينهنّ أو عليهنّ.

فإلى أيّ شيء تشير السماوات السبع والأراضي السبع؟

وهل المقصود بالسماوات هو ذلك الفراغ اللامتناهي الذي أثبت لنا العلم أنّه ليس سوى أبخرة وفراغات؟

أم قد تكون هناك معانٍ أخرى أعمق وأعظم؟

}الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ{ 

من خلال الآية السابقة يتّضح لنا بأنّ هناك معاني أخرى غير المعنى المادّيّ للسماء أو السماوات بدليل أنّ الله يلفت نظر القارئ إلى حقيقة معيّنة وهي تطابق السماوات السبع. ومن الواضح الجليّ أنّ الغرض هنا ليس مقتصراً على الإخبار بحقيقة معيّنه وهي أنّه لا يوجد في خلق الرحمن من تفاوت أو اختلاف، بل إن الله يستطرد بعد هذا الخبر بأمرٍ مبرم وتحدٍّ صارخ وهو “ارجع البصر” أي ابحث وشاهد الأمور بعينيك. ثمّ يستطرد ثانياً مجيبا بسؤال تقريريّ وهو “هل ترى من فطور؟” فهو لا ينتظر منّا الإجابة لأنّه يعلم أنّ هذه حقيقة ولا يمكن لذي بصر أن ينكرها. ثمّ يكرّر هذا التحدّي مرّة ثانية بتكرار الأمر السابق “ثمّ ارجع البصر كرّتين“. ثمّ يكمل معلناً نتيجة التحدّي أنّ البصر سينقلب راجعاً إليك خائباً حسيراً. لأنّ البصر لن يجد أيّ عيوب أو اختلافات وسيذعن إلى الحقيقة الإلهيّة وهي تطابق السماوات السبع.

إنّ مثل هذه الآيات تحتاج إلى التأمّل وإعمال الفكر حتّى يرتشف الباحث عن الحقيقة رشحاً من المقصود. ويصل إلى معنى يتناسب مع سياق الآيات. فلو كان الله يقصد بالسماوات السبع تلك الأسقف التي يُعتقد أنّها تغلّف الأرض، أو أيّا كانت حقيقتها، يكون التحدّى هنا غير عادل وحاشا لله أن يصدر أمراً غير عادل أو أن يكلّف الناس فوق طاقتهم. لأننا إذا أرجعنا البصر في السماوات الماديّة (هذا إن كان هناك سماوات ماديّة) كما يطلب الله منّا في هذه الآية، فلن نرى سوى السماء الدنيا أو السماء الأولى بالبصر المجرّد، أو حتّى بالمناظير الدقيقة المتخصّصة والمتوفّرة في وقتنا الحاليّ. ولماذا استعمل فعل «ارجع» الذي يفيد الرجوع والمراجعة؟

أليس الرجوع إلى شيء يكون لشيء حدث وليس شيئاً سيحدث في المستقبل؟

وألا تكون المراجعة هي إعادة النظر في شيء محدّد أو أمر معيّن وملموس؟

إذن لماذا يطلب إرجاع البصر في السماوات السبع التي هي أصلاً ليست موجودة أو من المحال أن نصل إليها حتّى نقارنها ببعض وندرك ما بينها من تطابق على الرغم من أنّ البصر يعجز عن النفاذ من السماء الأولى؟

ثمّ التأكيد على الوصول إلى الحقيقة وهي أنّه ليس بين السماوات السبع هذه من تفاوت أو اختلاف، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل طلب إرجاع البصر مرّتين، حتّى لا يكون هناك أدنى شكّ، في تلك الحقيقة البيّنة، وهي أنّه لا يوجد في خلق الرحمن أيّ تفاوت أو اختلاف.

ولننظر إلى الآية التالية:

}اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ{

وفي هذه الآية نجد أنّ الله رفع السماوات بغير عمد، فأيّ عمد يقصد؟

ثمّ يقول «ترونها» فكيف يتسنّى لنا أن نراها؟

أم هل يكون المقصود أنّه سبحانه رفعها بالفعل بعمد ولكن نحن لا نراها؟

وهل قوله تعالى: }وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون{ يضفي بعض الضوء على المعنى المقصود؟

ونعود لنتساءل ما هي علاقة الاستواء على العرش وتسخير الشمس والقمر بتدبير الأمر الإلهيّ؟

وما هو المفيد في ذكر هذه الظواهر الكونيّة المتكرّرة في كثير من الآيات التي يُفصّلها، سبحانه،  لتساعدنا على الإيقان بلقاء الله؟

}أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ{

فلننظر إلى الاستفهام التقريريّ والإنكاريّ في الوقت نفسه تعجّبا من الذين كفروا على الرغم من رؤيتهم كيف كانت السماوات والأرض رتقاً، ففتقهما الله.

فهل من الممكن أن يكون المقصود في هذا السؤال هو تلك الظاهرة الكونيّة والخاصة بتكوين الأرض منذ ملايين السنين؟

وهل من الممكن أن يبقى بشرٌ على قيد الحياة في أثناء هذا الانفجار الكونيّ ليروي ما رآه بعينيه؟

ولماذا يخص الله الذين كفروا فقط بهذا السؤال ولم يوجهه إلى الناس جميعاً؟

وما علاقة هذه الظاهرة الكونيّة، إن كانت من المعاني المقصودة، بالكفر أو الإيمان؟

وما علاقة هذا الحدث بالماء الذي جعل الله منه كلّ شيء حيّ؟

وهل يكون المقصود بماء الحياة شيئاً آخر سوى الكلمة الإلهيّة التي تحيي الأموات الذين لا يشعرون أيّان يبعثون؟

بعد التأمّل العميق ومقارنة الآيات، وتحكيم العقل والمنطق في مثل هذه التساؤلات، ندرك بشيء من اليقين أنّ السماوات المذكورة في الآيات لها معان أخرى أوسع بكثير من حدود المعنى الظاهريّ، بل وأجلّ وأعمق ليس فقط مرّة واحدة بل مرّات ومرّات من المقصود السطحيّ الذي ورد في كثير من التفسيرات. لذا يجب مقارنة الآيات من خلال السياق حتّى يمكننا أن نرتشف ولو قدرا ضئيلاً من مكنوناتها ونعي شيئاً من أسباب نزولها.

ألا يجوز أن يكون المقصود بالسماوات في هذه الآيات هو سماوات الأديان التي في حقيقتها ما هي إلا دين واحد؟

ألا تكون كلمة فتق إشارة إلى نسخ بعض الآيات أو نسيانها من الرسالات السابقة وذلك بسب تطوّر الفكر الإنسانيّ ونموّه مثل نموّ الجسد على الثوب وتمزّقه؟

أم هل يكون المعنى المقصود بالفتق هو تعدّد الرسالات وتنوّع الأمم بعد أن كانت رتقاً في كتاب حفيظ؟

وهل في الآية التالية ما قد يشير إلى ذلك؟

}وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{ 

إذا وافقنا على أنّ هناك معاني أخرى أعمق لهذه العبارات سيكون من السهل إرجاع البصر إلى ما لدينا من كتب للرسالات السابقة للتأكّد من تطابقها وكمالها وتمامها ومجيئها من مشكاة واحدة، ومن ثمّ لا نرى في خلق الرحمن من تفاوت.

أضف إلى ذلك ما نراه اليوم من العلوم التي تتناول دراسة الأديان ومقارنتها. فمادة الأديان المقارنة أصبحت تدرّس في الكثير من جامعات العالم للوصول إلى حقيقة هذه الأديان والتعرّف على مدى تقاربها وعموم تشاركها ووحدة دلائلها على أنّها من مصدر واحد، وتسعى إلى هدف واحد، وتشتمل على قيم ومبادئ واحدة. أليس هذا خير دليل على أنّ رسل الله ما جاءت إلا بالحقّ وليس بعد الحقّ إلا الضلال المبين؟

وهذا ما ذكرته الآية ٥٣ من سورة الأعراف التي سبق ذكرها أكثر من مرّة وهي تعتبر من الآيات الرئيسة التي يدور حولها بحثنا هذا:

}… يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ…{

وهو عندما يأتي يوم  التأويل الموعود يقرّ الذين نسوا كتاب الله بأنّ جميع رسله  قد جاؤوا بالحق.

وهنا نؤكّد على أنّ طرحنا لهذه التساؤلات  ليس له من هدف سوى التذكير بما دعا إليه القرآن الكريم في أكثر من موضع بتدبّر الآيات، وبضرورة إعمال الفكر فيها للوصول إلى بعض المقاصد المكنونة التي قد تكون خافية على كثير من المفسّرين إذ كان جلّ اهتمامهم منصبّاً على الألفاظ ومعانيها الحرفيّة أو على القواعد النحويّة أو على الصور البلاغيّة الرائعة الموجودة في الآيات. وقد غاب عنهم، للأسف الشديد، الكثير فنسوا أو تناسوا أنّ هذا الكتاب جاء هدىً ورحمةً للناس. ولا تتمّ الهداية من دون فهم لآلئ المعاني الثمينة التي احتوتها أصداف الكلمة الإلهيّة بشتّى صورها وأشكالها، وقوة تأثير هذه الآيات على المؤمنين فيكون فيها الشفاء والرحمة، وعلى العكس يكون على الظالمين الخسارة.

}ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا{

فهذا الكتاب الكريم شفاء للمؤمنين من أمراض النفس والهوى، وليس كتابا للبلاغة أو النحو والصرف، فتلك العلوم التي ابتدعت من أجل امتلاك القدرة على تلاوة القرآن وليست لتكون مقياساً تقاس به الكلمة الإلهيّة. فكلام الله هو الأساس على الإطلاق ولايصحّ بأيّ حال من الأحوال أن يقاس بالقواعد التي وضعها البشر. والدليل على ذلك أنّ بعض آيات القرآن الكريم جاءت مخالفة بالكليّة لتلك القواعد المبتدعة بعد نزول القرآن بعدة عقود.

كما سبق أن ذكرنا، بأنّ هذا البحث ما هو إلّا رحلة تفكّريّة وتأمّليّة في كلمات الله التي تتحدّث عن موضوع واحد للحصول على غَرفة أو حتّى رشفة من هذا البحر الموّاج ونحن على يقين بأنّ كلّ واحد يمكنه أن يأخذ على قدر ما يستطيع من الفهم. فلا أحد ينكر أنّ قدراتنا تختلف وهذا هو العدل الإلهيّ فهو يحاسبنا فقط على قدر استطاعتنا لفهم كلماته وآياته، وليس على فهم الآخرين كما يتصور البعض. وإنّ فهم الكلمات الإلهيّة ليس مقصوراً على فئة من العباد دون أخرى. فكلّ إنسان مدعوّ إلى هذه المائدة السماويّة ليأخذ منها على قدر استطاعته.

“… والحال أنَّ فهم الكلمات الإلهيّة، وإدراك بيانات الحمامات المعنويّة، ليس له أيّ دخل بالعلم الظّاهريّ. بل هو منوط بصفاء القلب، وتزكية النّفوس، وتجرّد الرّوح. كما هو مشهود الآن في فئة من العباد الّذين ما عرفوا حرفًا من رسوم العلم، لكنّهم جالسون على رفرف العلم، ورياض قلوبهم مزيّنة بأوراد الحكمة وأنهار المعرفة، من سحاب الفيض الإلهيّ فطوبى للمخلصين من أنوار يوم عظيم”

مع الإقرار بأنّ كلام الله يختلف بالكليّة عن كلام البشر على الرغم من أنّه يستعمل حروف اللغة التي يستعملها القوم المنزلة إليهم الرسالة. إلّا أنّ كلام الله يتجاوز حدود الحروف والألفاظ فيسمو بما أراد بها من معان لم يمسسها من قبل إنس ولا جان ولم تخطر على قلب بشر ولن يدرك كامل معانيها إنسان. وهنا تكمن الحكمة في نزول الكلمات الإلهيّة بلسان القوم الذين نزلت فيهم إمعاناً في الإبداع والإعجاز.

}نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ{

}فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا{

}فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ{

}وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}

إنّ الله دائماً ما يدعونا إلى التفكير وإلى إرجاع الأمور إلى أسبابها.  فهو في الآية الأولى يبيّن السبب في مجيء القرآن بلسان الرسول العربيّ وذلك ليبشّر المتّقين وينذر به قوماً لدّاً. ثمّ في الآية التالية بأنّه يسّر القرآن بلسان الرسول العربيّ للناس لعلّهم يتذكّرون. وفي الآية الثالثة يؤكّد حكمته من إرسال الرسل بلسان قومهم وذلك حتّى يتبيّنوا طريق الهداية ويكون لهم الخيار النابع من صميم قلوبهم، وبناء على جهاد أنفسهم في السلوك إلى الله لفهم ما جاءت به الآيات وليس بناء على فهم الآخرين ممّن هم أكثر علماً أو أعظم شأناً. وهذه هي مهمّة الرسل فهم يأتون بلغة القوم حتّى يتحقّق المبدأ الرئيس من إرسالهم وهو ليكونوا شهداء على الناس، ويكونوا مبشرين بما سيأتي، ومنذرين من عاقبة تكذيب الرسل، ومذكّرين لأقوامهم بأيام الله وهذا ما خُتمت به الآية الأخيرة في عبارة “وذكّرهم بأيّام الله”.

ونعود مرّة أخرى للحديث عن أيّام الله ونواصل رحلتنا التأمّليّة في بعض الآيات الكريمة التي تبيّن أهميّة معرفة أيّام الله وتكلّف رسل الله أن يذكّروا أقوامَهم بأيّام الله. فبعد أن عرفنا ما هو يوم الله؟ وما مقداره تقريباً؟ نرى أنّه لا مجال لمنكر بأنّ لله أيّاماً وأيّاماً ونلاحظ في الآية السابقة كيف يطلب الله من موسى عليه السلام عندما جاء أشرق بيوم ربّه ليخرج قومه من الظلمات إلى النور بما كان يحمل من كلمات شافية محيية أن يذكّرهم بأيّام الله السابقة واللاحقة. وإنّ في قصص الأنبياء في أيّام الله السابقة لذكرى وفي ما آلت إليه عواقب الأمور بعد أن كذّبوا بمجيء يوم الله لعبرة لأولي الألباب.

أمّا التذكير بأيّام الله اللاحقة والتي ليس لها من نهاية فهو ضروريّ وحتميّ ليكون الناس على علم ودراية، وعلى حذر وحيطة أيضاً من وقوعهم في الضلال باتّباع سنن الأوّلين.

ثمّ تأتي بعد ذلك الحكمة البالغة في ضرورة التذكير بآيات الله كواحدة من مهامّ الرسل الكرام

}فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ{

2. كيف سيكون اللقاء؟

وبما أنّ لقاء الله هو وعد حق. لذا يكون من البديهيّ أن نتساءل كيف سيكون هذا اللقاء؟

قد يكون من المفيد أن نتصوّر كيف يكون شعور الطفل الذي فقد أمّه لفترة عندما يلقاها. أو كيف يشعر العائد إلى وطنه عندما تطأ قدماه أرض الوطن العزيز بعد معاناة الغربة المريرة وما يحيطها من كربة النفي وشقاء البعد والهجران. بل وكيف يكون شعور العبد الواثق تمام الثقة بالله من تحقّق الوعد مع خالقه لا سيما عندما تتذكّر روحه ما بينها وبين خالقها من عهد وميثاق فتتوجّه إلى من صدق وعده وهو ذلك الوعد بلقائه.

ومع احترامنا الكامل لتلك الأمثلة التقريبيّة لمعنى اللقاء علينا أن نطّلع على شيء من ذروة الكلام وأحسنه وهو ما ذكر في مواضع قرآنيّة شتّى سنأتي منها على سبيل المثال ببعض الآيات من سورة الكهف:

}إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا، خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا{

هؤلاء هم السعداء ومصدر سعادتهم هو إيمانهم الكامل ويقينهم الذي لا يتزعزع بتحقّق الوعود السماويّة واستمراريّة النعم الربّانيّة بتواصل الكلمة الإلهيّة وعدم نفادها. لأنّها في الحقيقة هي رحمة الله وسنّته الدائمة كما جاء الاستطراد التالي في الآية التالية لها:

}قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا{ 

ثمّ يأتي بعد ذلك التأكيد على وحدانيّة الله ووحدة رسله الذين يصطفيهم من خيرة البشر هدى ورحمة منه لهداية عباده، وإعدادهم للّقاء التالي في يوم من أيّام الله شارحاً الوسيلة لكلّ من يرجو لقاء الله في يومه الموعود بقوله:

}قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا{

مع التأكيد في الآية التالية على تحقّق الوعد الإلهيّ باللقاء التالي، وتأكيد ضرورة وجود الرغبة والمثابرة للوصول إلى هذا الفوز العظيم. ذلك الفوز الذي يصعب على كثير من الناس الوصول إليه. وحقا ما يلقّاها إلا ذو حظٍّ عظيم.

}مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الّلَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{

قد أوضحت الآيات أنّ لقاء الله لآت لاريب فيه فهو وعد الحقّ. وعلينا أن نلاحظ أنّ هناك شروطاً لمن يرجو اللقاء الموعود من صميم فؤاده وهي المذكورة في الآيات السابقة من سورة الكهف.

والسؤال هنا هل سيأتي الله جلّ وعلا للقاء عباده؟

وهل المقصود من لقاء الله هنا هو لقاء الغيب المنيع الذي ما مثله كفواً أحد؟

فلنتأمّل الحديث التالي علّه يلقي بعض الضوء على المقصود بهذا اللقاء.

«إن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هل تضارّون في القمر ليلة البدر؟” قالوا: لا يا رسول الله، قال: “فهل تضّارون في الشمس ليس دونها سحاب؟” قالوا: لا يا رسول الله، قال: “فإنّكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتّبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس… وتبقى هذه الأمّة فيها شافعوها أو منافقوها فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا، فإذا جاءنا ربّنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربّنا، فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظهري جهنّم، فأكون أنا وأمّتي أوّل من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهمّ سلّم سلّم…»

هناك أكثر من حديث تحدّث عن رؤية الله في يوم القيامة ولقائه، وفي الحديث السابق توضيح لهذه الرؤية بشكل يجعلنا نتساءل:

هل الربّ هنا يقصد به “الله” الذي هو غيب منيع؟

وإن كان كذلك…!

كيف أنّ الناس سينكرون الربّ في أوّل الأمر؟

وما المقصود بأنّ الربّ يأتي في صورة غير التي يعرفونها؟

وهل منّا من يعرف صورة الربّ سبحانه وتعالى؟

وهل من الممكن، والعياذ بالله، تجسيم هذه الصورة أو تحديدها؟

وهنا يجب أن نتريث قليلاً قبل الإجابة عن الأسئلة السابقة؛ وعلينا ان نتأمل بشيء من الحيطة إلى ملحوظتين: الأولى: كما جاء في الحديث بأنّ الله يأتي إليهم ويقول: أنا ربّكم، ولا يقول أنا الله، والثانية أن لا أحد يتحدّث في ذلك اليوم سوى الرسل. وفي ضوء الحديث التالي قد نصل إلى المراد من رؤية الله:

«قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أمتاه، هل رأى محمّد صلى الله عليه وسلم ربّه؟ فقالت: لقد قفّ شعري ممّا قلت، أين أنت من ثلاث، من حدّثكهن فقد كذب: من حدّثك أن محمّداً صلّى الله عليه وسلم رأى ربّه فقد كذب، ثمّ قرأت: }لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ{، ومن حدّثك أنّه يعلم ما في غد فقد كذب، ثمّ قرأت: }يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ…{، ولكنّه رأى جبريل عليه السلام في صورته مرّتين.»

وإنّ في هذا الحديث عن عائشة أمّ المؤمنين ما يوضّح شيئاً من الغموض الذي يحيط بهذا الموضوع، وما ذكرته من آيات بيّنات قد يشير إلى الجواب الشافي لهذه النقطة الجوهريّة.

وفي الآية التالية توضيح لما سيأتي في يوم الوعد:

}هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ…{

والقارئ المنصف لا بدّ وأن يصل إلى جوهر ما طرحته الآيات الإلهيّة والأحاديث النبويّة الصحيحة من توضيح لمفهوم هذا اللقاء الذي يتكرّر بين الله وعباده وذلك عن طريق لقاء آياته التي تأتي بواسطة ممثّليه ممّن اصطفاهم وفضّلهم على العالمين، لتحيي الأرض بعد موتها، وتعيد للبشريّة صفاتها وكمالها.

“قل يا ملأ الأرض لا تقاسوا خلق الآيات بخلق شيءٍ ولا ظهورها بظهور شيءٍ إن أنتم تعرفون، قل إنّ الآيات بنفسها مرآت الله لأنّ فيها انطبعت صفات الله إن أنتم تشعرون، وإنّها هي أوّل خلق حكت عن الله في ظهور أسمائه وصفاته إن أنتم تفقهون، وبها خلق الله خلق ما كان وما يكون إن أنتم تشهدون، قل إنّها لصُورُ الأمر ينفخ روح الحيّ الحيوان في هياكل الّذين هم إلى وجه القدس يتوجّهون، وإنّها لحجّة الّتي بها ثبت أمر الله من قبل القبل ويثبت إلى آخر الذي لا آخر له إن أنتم فيها تتفكّرون، إنّ الذين يكفرون بآيات الله ويلعبون بها أولئك كفروا بالله في أزل الآزال وأولئك هم الذين بنار الله لا يصطلون، قل يا قوم قد شرّعنا لكم شرائع الأمر وصرَّفنا الآيات لعلّ أنتم بها تهتدون، قل إنّ الله يمتحن الذين هم يدّعون الإيمان في أنفسهم وهذا ما رقم في ألواح عزٍّ مكنون.”

وبلاشكّ فإنّ الكلمة الإلهيّة المنزّلة على الرسل تستمرّ ومعها تستمرّ سلطنة هؤلاء الرسل الروحانيّة حتّى بعد صعودهم للرفيق الأعلى وإلى أن يعرج الأمر الإلهيّ إلى السماء حيث أتى، وينتهي اليوم الإلهيّ الحاليّ عندما تحين ساعة نزول الأمر الإلهيّ التالي فيتحقّق لقاء جديد مع الله بمجيء البيّنة التالية ونزول الرحمة الإلهيّة.

ومن ثمّ يصبح الرسول التالي صاحب السلطان الروحانيّ على الوحي المنزّل، وتكون كلمته هي النافذة خلال يومه أو دورته. وعلينا ألّا نغفل بأنّ هذا اللقاء المتكرّر والمتجدّد له مواقيت مقدّرة وأيام محدّدة لايعلمها إلا الله، ولكن حدودها معروفة بأنّ كلّ يوم من أيّام الله يقدّر بألف سنة كما هو مذكور في الآيات. تلك إذن هي أيّام الله التي يجب أن نتذكّرها ونأخذ العبرة من دروسها القيّمة.

وقد جاء في سورة الصبر:

}… أَمَا نَزَّلْنَا مِنْ قَبْلُ يَوْمَ يَأْتِي اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ، فَإِذَا جَاءَ فِي غَمَامِ الأَمْرِ عَلَى هَيْكَلِ عَلِيٍّ بِالْحَقِّ أَعْرَضْتُمْ وَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا، وَأَمَا نُزِّلَ يَوْمَ يَأْتِي رَبُّكَ أَوْ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ وَإِذَا جَاءَ بِآياتٍ بَيِّناتٍ بِمَ أَعْرَضْتُمْ عَنْها وَكُنْتُمْ فِي حُجُبَاتِ أَنْفُسِكُمْ مَحْجُوبًا، قُلْ إِنَّ اللهَ كَانَ مُقَدَّسًا عَنِ الْمَجِيءِ وَالنُّزُولِ وُهُوَ الْفَرْدُ الصَّمَدُ الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَلَنْ يَأْتِيَ بِذَاتِهِ وَلَنْ يُرَى بِكَيْنُونَتِهِ وَلَنْ يُعْرَفَ بِإِنِّيَّتِهِ وَلَنْ يُدْرَكَ بِصِفَاتِهِ وَالَّذِي يَأْتِي هُوَ مَظْهَرُ نَفْسِهِ كَمَا أَتَى بِالْحَقِّ بِاسْمِ عَلِيٍّ وَجَمَعْتُمْ عَلَيْهِ بِمَخالِيب البَغْضَآءِ وَأَفْتَيْتُمْ عَلَيْهِ يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَآءِ وَمَا اسْتَحْيَيْتُمْ عَنِ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَسَوَّاكُمْ وَكَذَلِكَ أَحْصَيْنَا أَمْرَكُمْ فِي أَلْواحِ عِزٍّ مَحْفُوظًا…{

ثانياً: نار الحرمان من اللقاء

 

بعد أن تناولنا فكرة أيّام الله وكيفية لقائه، وفي ضوء المعطيات السابقة، علينا أن نتدبّر الآيات لنرى بعض الأسباب التي أدّت بالكثير من الناس إلى إنكار مثل هذه الحقائق ويضربون نوعاً من الحصار الشامل على عقولهم وقلوبهم.

1. اليأس من لقاء الموعود أو عدم الرغبة في هذا اللقاء

 

}وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا{

}وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ{

تؤكد الآيتان السابقتان أنّ عدم تذكّر آيات الله التي أمر بتذكّرها هي أكبر ظلم يقع من الإنسان على نفسه لأنّ سنّة الله التي لا تتبدّل هي استمرار أيّام الله بنزول آياته، وأنّ ساعة ظهور يوم الله هي من علم الساعة المؤكّدة. فعلى الرغم من الأمر الصريح للرسل بتذكير أممهم بأيّام الله وبأنّها، لا محالة، آتية ومستمرّة، وبالتحذير من الإعراض عنها لأنّ في ذلك ظلماً كبيراً لأنفسهم، إلا أنّ هناك الكثير ممن لا يرجون أيّام الله التي هي عينها لقاء الله.

وفي الآيات التالية وصف بليغ لأحوال الأمم عند مجيء الآيات الإلهيّة وكيف تكون ردود أفعالهم:

}قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{

}إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ{

نلاحظ أنّ في الآية الأولى من هذه المجموعة بيان بأنّ هناك نوعين من البشر، أوّلاً المؤمنون بيوم الرسول محمّد والآخرون هم الذين يرفضون لقاء الله في يوم جديد، ولا يرجون أيّام الله لأنّهم قرّروا بأنّ أيّام الله قد انتهت، وبأنّ ما هم عليه من اعتقاد هو الصحيح ولن يكون لله أيّام أخرى. وقد تساعدنا رؤية هذه الآية في ضوء عبارة “لا يرجون لقاءنا” التي جاءت أربع مرات في القرآن ثلاث منها في سورة يونس التي تشتمل على الكثير من قصص الأمم السابقة، وتشير بوضوح إلى عاقبة المكذّبين.

}وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ…{

}وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا{

إنّ إعراض هؤلاء عن أيّام الله وآياته، يعني إعراضهم عن لقاء الله الذي وعدوا به أكثر من مرّة في الكتب والألواح، وكما تبيّن الآية كانوا يرفضون الإيمان بالقرآن المنزّل لأنّهم كانوا لا يرجون لقاء الله عن طريق لقاء آياته وهو القرآن في ذلك الوقت. فلم يكتفوا بحجّة واحدة وكانوا يجادلون في آيات الله ويتجاوزون ذلك ويطلبون بكلّ جرأة من الرسول أن يأتي لهم بقرآن آخر أو يبدّله بقرآن على مقايسهم وقواعدهم التي اعتادوها من قبل.

وفي الآية الثانية يتمادون في طلباتهم إمعاناً في رفضهم لهذا اللقاء ويغالون بمطالبة الرسول بأن ينزّل عليهم الملائكة أو أن يروا ربّهم.، وما طلبوا ذلك إلا استكباراً ورغبة في الجدال وإصراراً على الحنث العظيم.

وقد لا يتوقّف الأمر عند الإفصاح بعدم الرغبة في لقاء الله أو عدم رجائهم للقائه  بل يتعدّاه إلى الكفر بآيات الله والكفر بلقائه الذي وعدوا به:

}وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم{

إنّ اليأس من تحقّق الوعود الإلهيّة يعني اليأس من رحمة الله ولقائه في اليوم الموعود فيكون مصيرهم سوء العذاب، وما كانوا بهذا اليأس إلا أنفسهم يظلمون.

}أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ{

2. معنى الحرمان من اللقاء

قد لا يخفى على ذي بصر بعد التأمّل في الآيات تكرار مفهوم الرجعة والمجيء التالي بعد الرسالة الحاليّة، وهذا الأمر لا يقتصر على القرآن فحسب، بل يتكرّر في الكتب المقدّسة لكافّة الديانات. فهناك تأكيد على حتميّة هذه الرجعة بعد انقضاء الأجل المقدّر لكلّ أمّة. لذا نرى أنّ أصحاب كلّ دين ينتظرون على الرغم من اعتقادهم بأنّ شريعتهم هي الشريعة الأخيرة، وبأنّ رسولهم هو الرسول الخاتم، إلّا أنّهم في الوقت ذاته على يقين بأن هناك مجيئاً تالياً، فنجد أنّ اليهود ينتظرون إيليّا ويسوع، والمسيحيين ينتظرون المسيح، والمسلمين ينتظرون المهدي وعيسى. وكلّ أمّة تنتظر هذه الرجعة وهذا المجيء الآتي باسم الربّ، ولكنّهم يعتقدون أنّ مجيئه هذا سيكون بشروط وضعوها هم بأنفسهم من دون سلطان أتاهم وهي؛ أنّه سيأتي لينشر شريعتهم القائمة ويعيد لأمّتهم مجدها الزائل، فاليهود يعتقدون بأنّ المسيح سيأتي لإعادة مجد داود وتطبيق أحكام التوراة، والمسيحيون يرون بأنّه سيأتي ليثبت لليهود بطلان ظنّهم، وأنّه سيعيد شريعة المسيح ويعيد للأمّة مجدها، وفي الوقت نفسه يعتقد المسلمون بأنّ المسيح سيأتي بالتأكيد ليحكم بالإسلام ويبطل ادّعاءات المسيحيّين واليهود، وغيرهم.

ولنتأمّل النصّ التالي من سورة الصبر:

«… وَهَذَا مِنْ قَوْلِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ كُلُّ الأُمَمِ فِي عَهْدِ كُلِّ نَبِيٍّ فَكُلَّما جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ رُسُلِ اللهِ قَالُوا لَسْتَ أَنْتَ بِمُرْسَلٍ وَخُتِمَ النُّبُوَّةُ بِالَّذي جَاءَ مِنْ قَبْلُ وَكَذلِكَ زَيَّنَ الشَّيْطَانُ لَهُمْ بِأَعْمالِهِمْ وَأَقْوالِهِمْ وَكانُوا عَنْ شَاطِئِ الصِّدْقِ بَعِيدًا، فَاذْكُرْ لَهُمْ نَبَأَ مُحَمَّدٍ مِنْ قَبْلُ إذْ جَاءَ بِسُلْطانٍ مُبِيَنًا، قَالَ يَا قَوْمِ هَذِهِ مِنْ آيَاتِ اللهِ قَدْ نُزِّلَتْ بِالْحَقِّ أَلاَّ تَخْتَلِفُوا فِي أَمْرِ اللهِ ثُمَّ اجْتَمِعُوا عَلَى شَاطِئِ عِزٍّ مَنِيعًا، وَيَا قَوْمِ فَانْظُرُوا إِلَيَّ بِنَظْرَةِ اللهِ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَكُمْ وَلا تَكُونُوا بِمِثْلِ الَّذِينَ هُمْ دَعُوا اللهَ فِي أَيَّامِهِمْ وَلَيالِيهِمْ وَلَمَّا جَاءَهُمْ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَأَنْكَرُوهُ وَكَانُوا عَلَى أَصْنَامِ أَنْفُسِهِمْ مَعْكُوفًا، وَقَالَتِ الْيَهُودُ تَاللهِ هَذَا الَّذِي افْتَرَى عَلَى اللهِ أَمْ بِهِ جِنَّةٌ أَوْ كَانَ مَسْحُورًا، قَالُوا إِنَّ اللهَ خَتَمَ النُّبُوَّةَ بِمُوسَى، وَهَذَا حُكْمُ اللهِ قَدْ كَانَ فِي التَّوْرَاةِ مَقْضِيًّا، وَلَنْ يُنْسَخَ شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ بِدَوَامِ اللهِ وَالَّذِي يَأْتِي مِنْ بَعْدُ يُبْعَثُ عَلَى شَرِيعَتِهَا لِيَنْتَشِرَ أَحْكَامُهَا عَلَى كُلِّ مَنْ عَلَى الأَرْضِ وَكَذلِكَ كَانَ الأَمْرُ مِنْ سَمَآءِ الْحُكْمِ عَلَى مُوسَى الأَمْرِ مَنْزُولاً، وَالَّذِينَ أُوتُوا الإِنْجِيلَ قَالُوا بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ وَكانُوا مِنْ يَوْمَئِذٍ إِلَى حِينَئِذٍ مُنْتَظِرًا وَأَطْرَدَهُمُ اللهُ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ الْعَرَبِيِّ فِي سُورَةِ الْجِنِّ وَإِنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُم أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ أَحَدًا، فَوَاللهِ يَكْفِي كُلَّ مَنْ عَلَى الأَرْضِ هَذِهِ الآيَةُ النَّازِلَةُ وَمَا كُنِزَ فِيهَا مِنْ أَسْرارِ اللهِ إِنْ يَسْلُكُوا فِي سُبُلِ عِزٍّ مَعْرُوفًا، قُلْ قَدْ بَعَثَ اللهُ رُسُلاً بَعْدَ مُوسَى وَعِيسَى وَسَيُرْسِلُ مِنْ بَعْدُ إِلَى آخِرِ الَّذِي لا آخِرَ لَهُ بِحَيْثُ لَنْ يَنْقَطِعَ الْفَضْلُ مِنْ سَمَاءِ الْعِنَايَةِ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ وَلا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَكُلٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَحْضَرِ الْعَدْلِ مَسْؤُولاً.»

على كلّ حال فإنّ ما نريد أن نصل إليه هو أنّ هناك انتظاراً لعودة مبعوث إلهيّ، وهذا يعني استمراريّة الرسل ويناقض بالمرّة ما يدّعون من خاتميّة ومن إغلاق تام لأبواب  لنزول الغيث الإلهيّ على البشر. ولقد ضرب الله لنا مثلاً بابن مريم الذي سيأتي كعلامة من علامات الساعة، وكان التساؤل الذي يفرض نفسه لماذا ابن مريم وليس محمداً أو موسى أو غيرهم من الرسل؟

ولقد عالجنا هذا التساؤل من قبل في موضوع التأويل.

3. الاستكبار هو الإعراض عن المشيئة

على الرغم من أن كثيراً من الملل في حالة انتظار لهذا الموعود الإلهيّ، ويحسبون الحسابات ويقيمون الصلوات من أجل مجيئه والتعجيل بوصوله إلا أنّ كلّ أمّة لها تصوراتها الخاصّة لهذا المجيء، ومن التعليقات الطريفة التي ذكرها الكاتب الأميركي ويليم سيرس في هذا الموضوع :

«فمازال هناك ترقّب شديد لظهور المسيح في أماكن عديدة من العالم، ولكنّي أدركت بأنّ التعرّف عليه سيكون عسيراً جداً مادام أنّه مُنتظر أن يكون أبيض في أوروبا، وأسود في إفريقيا، وأصفر في الشرق الأقصى، وأسمر في الجزر، وأحمر عند هنود أميركا. وتضاعفت صعوبة مهمّتي عندما علمت أنّ من المتوقع أن يكون مسيحيّاً في الغرب، وهندوسيّاً في الهند، وبوذيّاً في الصين، ويهوديّاً في إسرائيل، ومسلماً بين العرب، وزرادشتيّاً بين الفرس».

وفي هذا الصدد نأتي بالحديثين التاليين ملتمسين منهما بعض الضوء على هذا المجيء، ولعلّه يبيّن لنا بعض الأمور التي تحيّرت فيها الأمم.

«لا تقوم الساعة حتّى ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتّى لا يقبله أحد».

“والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتّى لا يقبله أحد، حتّى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها ثمّ يقول أبو هريرة : واقرأوا إن شئتم} وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا{

بالنظر إلى الحديث الأوّل نجد أنّ الرسول يخبر بقرب نزول ابن مريم قائماً حاكماً بالعدل، وهذا العدل سيتحقّق في كسره للصليب، وقتله للخنزير، وإبطاله لقانون الجزية.

أليست هذه الأمور الثلاثة التي سيبطلها هي جزء مما سيقوم به من أعمال يتحقّق بها تأسيس العدل على الأرض، وتبديل الظلم والجور الذي امتلأت به؟

دعونا نتفكّر قليلاً في هذه الأمور الثلاثة المذكورة، والتي سيقوم المسيح بإبطالها ليحقق العدل المنشود:

أليس الصليب هو رمز للشريعة المسيحيّة؟

أليس عدم أكل لحم الخنزير هو أحد تعاليم التوراة الرئيسة، وإن كان شاركهم فيما بعد المسلمون في ذلك الحكم؟

وهل هناك من ينكر بأنّ دفع الجزية من غير المسلمين أحد القوانين التي انفردت بها الشريعة الإسلاميّة؟

لقد اختار الرسول (ص) في هذا الحديث رموزا لكلّ من الشرائع الثلاث المعروفة في الوقت الحاليّ، وهي اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام وأشار إلى إبطالها في ذلك اليوم فلماذا؟

أليس ليبدّلها بشريعة جديدة تتناسب مع الزمان ومع ما وصلت إليه البشريّة من تطوّر ونضج؟

4. المشيئة في الاستبدال

وهنا يجدر بنا أن نتروّى قليلاً ونكون صرحاء مع أنفسنا، فهل يكون لأحد من البشر العادييّن الحقّ في نسخ شريعة أوالقدرة على إبطال قانون إلهيّ جاء به الرسل من قبل؟

ومن ثمّ يكون الجواب الصادق هو أنّ هذه السلطة هي سلطة إلهيّة بحتة لا يقدر عليها إلا الله أو من يجتبي من رسول أو مصطفى. وهذا هو الذي يحدث عند مجيء اليوم الإلهيّ الجديد حيث يأتي المبعوث الإلهيّ بشريعة جديدة قد تثبّت بعض القوانين السابقة و تنسخ البعض الآخر، أوقد تنسخها جميعاً لأنّها تكون في ذلك الوقت قد أدّت مهمّتها في وقتها، وأصبحت لا تتواكب مع تغيير الوقت واختلاف الزمان. أو قد يتمّ ذلك لحكمة أخرى لا يعلمها إلا الله.

وفي الحقيقة هذه هي المعجزة الحقيقيّة التي تعتبر من خوارق العادات عند مجيء الرسول أيّ رسول فيكون لديه السلطة الكاملة في تغيير القوانين وتبديلها. وبناء على ذلك يستجيب لهذا التغيير قلّة قليلة في أوّل الأمر، ثمّ تزداد الاستجابة تدريجيّاً. ولكن وهذا هو الإعجاز الحقيقي فهذه القوانين الجديدة لا تنتشر بين الذين يؤمنون بها فحسب، بل وبين الذين لم يؤمنوا بها بعد. وهنا يتحقّق القول الإلهيّ بأنّهم يسجدون لله طوعا وكرها.

والآية التالية تبيّن الحقّ الإلهيّ في النسخ والتغيير. هذا التغيير يأتي على أيدي المرسلين وفي ذلك من إعجاز روحانيّ كبير ومعجزة حقيقيّة تدوم على مرّ الدهور والأزمان وتبقى عبرة لأهل العقول ولكلّ ذي قلب سليم.

}مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{

ثمّ إنّ هناك إشارة ثانية في الحديث الثاني وهي أنّ في ذلك اليوم تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها! ألا يكون ذلك إشارة إلى تغيير في الشريعة؟ فالصلاة  هي عماد الدين، أيّ دين من الأديان وإن اختلفت في شكلها وفي ذلك اليوم ستكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها. ونلاحظ هنا استعمال الأداة “حتّى” قبل الفعل الناقص “تكون” لتفيد الصيرورة والتغيير.

وهنا نتساءل: ألا يشير ذلك إلى أنّ المسيح المنتظر من أكثر ملل الأرض سيأتي برسالة جديدة وشرع جديد؟

ألا تكون الإشارة إلى المجيء التالي في يوم القيامة تعبيراً عن ساعة قيام المظهر الإلهيّ بنداء يرتفع بين الأرض والسماء؟

وهل بهذا البعث الجديد يتمّ اللقاء بين الله وخلقه فيتجدّد العهد والميثاق بين الحقّ والخلق، ويمنّ الله على المؤمنين بالمقام المحمود، ويعاقب الذين ظلموا أنفسهم لأنّهم كانوا لا يرجون لقاء الله بالخزي والخسران؟

وأخيراً فهذه صيحة إلهيّة تبيّن كيف سيكون اللقاء:

}يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ{

ونختتم هذا الفصل بهذا المقتطف من سورة الصبر:

“… إِذًا فَأَلْقِ عَلَيْهِمْ مَا غَرَّدَتْ بِهِ حَمَامَةُ الرُّوحِ فِي رِضْوَانِ قُدْسٍ مَحْبُوبًا، لَعَلَّ يَتَّبِعُونَ مَا فُسِّرَ فِي الْخَتْمِ عَنْ لِسَانِ الَّذِي كَانَ رَاسِخًا فِي الْعِلْمِ فِي زِيَارَةِ اسْمِ اللهِ عَلِيًّا، قَالَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ الْخَاتِمُ لِمَا سَبَقَ وَالْفَاتِحُ لِمَا اسْتُقْبِلَ وَكَذلِكَ ذَكَرَ مَعْنَى الْخَتْمِ مِنْ لِسَانِ قُدْسٍ مَنِيعًا، كَذلِكَ جَعَلَ اللهُ حَبِيبَهُ خَاتِمًا لِمَا سَبَقُوهُ مِنَ النَّبِيِّينَ وَفاتِحًا لِمَا يَأْتِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ مِنْ بَعْدُ إذًا تَفَكَّرُوا يَا مَلأَ الأَرْضِ فِيمَا أَلْقَيْنَاكُمْ بِالْحَقِّ لَعَلَّ تَجِدُونَ إِلَى مَكْمَنِ الأَمْرِ فِي شَاطِئِ الْقُدْسِ سَبِيلاً، وَلا تَحْتَجِبُوا عَمَّا سَمِعْتُمْ مِنْ عُلَمائِكُمْ ثُمَّ اسْأَلُوا أُمُورَ دِينِكُمْ عَنِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ رَاسِخًا فِي عِلْمِهِ وَكَانَتْ الأَنْوَارُ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ مُتَلأْلأً وَمُضِيئًا، يَا أَيُّها النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ وَلا تَتَّخِذُوا الْعِلْمَ مِنَ الْعُيُونِ الْمُكَدَّرَةِ الَّتي كَانَتْ عَنْ جِهَةِ النَّفْسِ وَالْجَهْلِ جَرِيًّا، فَاتَّخِذُوهُ مِنَ الْعُيُونِ السَّايِلَةِ السَّائِغَةِ الصَّافِيَةِ الجَارِيَةِ العَذْبَّةِ الَّتي جَرَتْ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ وَجَعَلَ اللهُ للأَبْرَارِ فِيهَا نَصِيبًا…”

والخلاصة هي أنّ هناك عهداً أبديّاً بين الله وعباده، وقد أخبرنا بهذا العهد في كلّ كتاب من كتبه المقدّسة، كما يجدّده على لسان كلّ رسول في كلّ رسالة، وحتّى لا يغفل البشر عن هذه الحقيقة، وحقّاً ما هو على الغيب بضنين.

إذن فلقاء الله يكون عن طريق لقاء الكلمة الإلهيّة التي يحملها المبعوث الإلهيّ التالي هدى ورحمة للعالمين.

لذا سنتناول في الفصل التالي موضوع الدين، وعلاقة الدين بالعهد الأبديّ بين الله وعباده الذي تحدثنا عنه في هذا الفصل، ومدى حاجة البشريّة إليه، وهل هناك تعدّد في الأديان أم أنّ دين الله واحد؟

الفصل الثاني الدين وحاجة البشر إليه

كما اتّضح لنا في الفصل السابق أنّ الميثاق الأبديّ بين الله وعباده بلقائهم على فترات في يوم من أيّامه هو أمر حتميّ ولا محالة واقع. وإنّ هذا اللقاء المتكرّر يكون عن طريق لقاء رسله ومظاهره الحاملين لرحمته في آيات بيّنات في رسالة كاملة في وقتها ومكمّلة في الوقت نفسه لدينه الواحد، ومطبّقة للشريعة المناسبة لدرجات تطوّر البشريّة ونموّها في وقت نزولها. لذا قد يكون من المنطقيّ لهذا البحث أن يتناول موضوع الدين الذي هو مظهر الرحمة الإلهيّة كما يتناول مراجعة دور الدين في حياة الأمم.

وقد يبادر البعض بالقول إنّ موضوع الدين موضوع شائك ومعقّد، ومن الصعب الخوض فيه لأنّنا لن نصل إلى نتائج ترضي الجميع.

وبناءً على ذلك سنطرح الأطروحات التالية في شكل أسئلة قد تساعد الإجابة عليها في التعمّق بعض الشيء في لبّ هذا الموضوع وهي:

١. ما هو الدين وماذا تعني كلمة دين؟

٢. ما هو الهدف الإلهيّ من إرسال الدين، وما دور الدين في حياة الفرد وفي حياة المجتمع؟

٣. هل البشريّة مازالت في حاجة إلى الدين بعد هذا التطوّر الذي وصلت إليه؟

٤. ما موقف الإنسان من الدين؟ وهل له الحقّ في اختيار الدين الذي يناسبه، أو في تغييره وتطويره ليحقّق قناعاته الخاصة؟

  1. ما هي المعايير الموضوعيّة لتعريف الدين على نحو علميّ وتمييزه عن غيره من الحركات الفكريّة والمذاهب الفلسفية؟

ولنبدأ بطرح كلّ سؤال على حدة ونحاول الإجابة عليه بعد الاطلاع على ما جاء في هذا الموضوع من تجارب وآراء ثمّ تحليلها والرجوع إلى بعض المراجع التي قد تساعدنا على الوصول إلى إجابات شافية كافية لهذه الأطروحات.

1. ما هو الدين وماذا تعني كلمة دين؟

يعتبر تعريف الدين من أكثر المصطلحات الفكريّة واللغويّة تعقيداً. وعلى الرغم من أنّها كانت ومازالت الشغل الشاغل لكثير من الناس على اختلاف أجناسهم ومستوياتهم ومعتقداتهم. إلّا أنّهم لم يصلوا إلى تعريف محدّد، ولم تصل بهم كثرة البحوث والتعريفات على تنوّعها في هذا الموضوع إلى تعريف يتوافق وآراء الناس جميعاً أو حتّى يوافق عليه معظمهم.

فمن منظور التاريخ البشريّ نجد أنّ معنى الدين قد تطوّر تطوّراً كبيراً على مرّ الأيّام ليتّخذ عدداً هائلاً من المفاهيم والطقوس في الثقافات المختلفة وبين الشعوب المتباينة العادات جزئيّاً أوكليّاً. وقد نجد اختلافاً في التفسيرات الجذريّة لدين معيّن حتّى بين أبناء مجتمعات يرتبط بعضها ببعض بروابط عرقيّة وحضاريّة هي في حقيقتها قد تكون أقدم تاريخيّاً من حيث تبنّيها للدين.

وعلى كلّ حال فعلينا أن نقرّ منذ البداية بصعوبة صياغة تعريف واحد يتوافق وجميع الآراء. فمن المعروف أنّ هناك العديد من التعاريف التي تتصارع فيما بينها؛ منها ما يكون لغويّاً أو منطقيّاً، أو ما يكون مصطلحيّاً لوضع مفهوم شامل وواضح بحيث يشتمل على كلّ النزعات الفكريّة للبشر. إلّا أنّ هذه الجهود لم توفّق حتّى الآن في وضع تعريف نهائيّ محايد لمعنى الدين أومعنى التديّن.

ومما يزيد الأمر عسراً أنّ كلّ دين له نواح خاصة به سواء في الشعور أو في الاعتقاد أو في طرق العبادة وطقوسها. كما أنّ هناك تفاوتاً في فهم الدين، وعلى سبيل المثال فإنّ فهم الأقوام البدائيّة للدين يختلف بالكليّة عن فهم الأقوام المتقدّمة حضاريّاً لهذا المفهوم. ناهيك باختلاف الطوائف والشعوب وتباين معتقداتها ونزعاتها والفروقات المتفاوتة بينهم في سلّم الحضارة وسلسلة التقدّم.

فبعض الأقوام مثلاً يتفهّمون الدين على أنّه الأنظمة والسيطرة والتقاليد والموروث. في الوقت الذي يراه آخرون أنّه مجرد أساليب العبادة وما تحتويه من المراسم والطقوس. ومجموعة أخرى ترى فيه الإلهام والتقديس. بينما تضفي طوائف أخرى شيئاً من القصص والأساطير إلى مفهومها للدين.

فالدين أو الديانة في اللغة من الفعل “دان، يدين” أيّ: خضع ودان بكذا إذن فهي ديانة أو دَيِّن. ومَن تديّن بذلك فهو متديّن. لذا فالدِّين هنا يُراد به ما يَتَدَيَّنُ به المرء ويدين به من اعتقاد وسلوك. وبمعنى آخر هو طاعة المرء والتزامه بمَا يعتنقه من أفكار ومبادئ وقيم.

ولكن تعريف الدين يجب أن لا يتوقّف عند حدود المعنى اللفظيّ بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى تحديد المفاهيم المعروفة عن الدين. فعلى سبيل المثال ذهب بعض الغربيّين إلى تعريف مفهوم الدين بأنّه لا يخرج عن كونه نتيجة لمجهودات البشر في بحثهم عن الحقيقة. وبناء على ذلك لايرون أنّ مؤسّسي الأديان رسلاً من الله يوحى إليهم، بل هم فقط باحثون عظماء وفلاسفة أذكياء، وما هذه الديانات التي جاءوا بها إلا نتاج بحثهم عن الحقيقة. وبالتالي لايرون ما في الأديان من اتّحاد وتكامل ويركّزون فقط على ما بينها من اختلاف لتأكيد نظريّاتهم والترويج لها.

وعلى الجانب الآخر نرى أصحاب الديانات المختلفة يتصارعون فيما بينهم من أجل التأكيد بشتّى الوسائل أنّ الدين الذي يؤمنون به هو الدين الصحيح وأنّ ما عداه من الأديان باطل بالكليّة أو غير صحيح. ونتيجة لتشدّدهم ومغالاتهم لم يفطنوا إلى أنّ الاختلافات الموجودة في بعض تعاليم الأديان السماويّة تعود إلى اختلاف متطلّبات الوقت وحاجات الزمان وليس لنقص في هذا الدين أو ذاك، ونسوا أنّ الحقيقة الدينيّة نسبيّة وليست مطلقة، وأنّها مستمرة وأنّ مبادئها الأساسيّة متطابقة وأهدافها السامية واحدة، ولاتعكس في مضمونها إلا حقيقة واحدة هي أنّ الأديان مكمّلة لبعضها بعضاً. 

وقد يكون من الضروريّ هنا التأكيد على أنّ الإكمال لايعني نقص الدين السابق أو عدم كماله، لأنّ كلّ دين في وقته كامل وصالح لزمانه، ومع تطوّر البشريّة يأتي الدين التالي بما يتناسب مع مراحل تطوّر البشريّة وتقدّمها، فيتكامل كلّ دين مع ما سبقه من الأديان. لذا لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تكون الأديان هادمة لبعضها بعضاً كما يدّعي ذلك كثير من المتشدّدين في الحكم على أيّ دين جديد.

وقد يتبادر إلى كثير من الأذهان أنّ المقصود بالدين هو تلك الأعداد الكبيرة من الفِرق والمذاهب المنتشرة بشكل واسع في جميع أنحاء العالم في الوقت الحالي. بالإضافة إلى ذلك توجد مجموعات أخرى ترى أنّ الدين هو واحد من النظم العقائديّة الكبرى المستقلة التي عرفها التاريخ على مرّ الدهور والأزمان. وهناك من يرى أنّ المقصود بالدين ببساطة هو المنهج الذي يختاره الفرد في رحلة الحياة، بالإضافة إلى شعوره العميق بتلك العلاقة القويّة التي تربطه مع الحقيقة المطلقة وهي الخالق جلّ جلاله، «وفي هذا الإطار من التفكير يصبح الدّين صفةً تميِّز شخصية الفرد، ودافعاً لا يخضع لمؤثرات أيِّ تنظيم، أو يغدو تجربة من التجارب سهلة المنال وعامة الانتشار. ولكنَّ الأغلبية من أصحاب الأفكار الدينية سوف ينظرون إلى مثل هذا الموقف على أنّه موقف يخلو من تلك السلطة بالذات التي تفرض الانضباط على النفس، وينفي وجود أيِّ نفوذ لتوحيد الصفوف وهو الأمر الذي يعطي الدين معناه. وقد يذهب بعض معارضي هذا الموقف إلى الزّعم بأنّ المقصود بالدين عكس ذلك، إذ هو حسب قولهم يعني منهجاً للحياة يتبناه أناس من أمثالهم هم يتِّبعون أسلوباً معيشيّاً صارماً يحتويه من شعائر دينيّة وطقوس يوميّة وتعفّف وإنكار للذات يميّزهم عن سائر أفراد المجتمع. فإنّ هذه المفاهيم المختلفة مشتركة أيضاً إذا نظرنا إلى المدى الذي تحاول فيه احتواء ظاهرة متعارف عليها، ظاهرة لا سبيل للإنسان إلى نيلها إطلاقاً، ولكنّها تصبح تدريجياً حبيسة حدود مفاهيم من وضع الإنسان سواء أكانت هذه المفاهيم تنظيميّة أم لاهوتيّة أم تجريبيّة أم شعائريّة».

وعلى كلّ حال نرى أنّه من الإجحاف أن ينكر البعص ماقدّمته الأديان من إسهامات كبيرة في ترقّي الأسرة الإنسانيّة وتقدّمها.

والخلاصة أنّ كلمة “دين” المستعملة في تاريخ الأديان لها معنيان؛ المعنى الأوّل هو تلك الحالة النفسية التي نسميها التديّن، والآخر هو تلك الحقيقة الخارجيّة التي يمكن الرجوع إليها في العادات الخارجيّة أو الآثار الخالدة أو الروايات المأثورة؛ وهي تعنى جملة المبادئ التي تدين بها الأمّة اعتقاداً وعملاً، وقد يكون هذا المعنى هو الأكثر شيوعاً. “بيد أنّ هذه التحليلات الاشتقاقيّة كلّها إنّما تكشف لنا عن جذر المعنى وأصله في اللغة، ولا تصوّر لنا حقيقة واضحة وافية كما هي في عرف الناس واصطلاحهم بل لاتزال المسافة منفرجة بين المعنى اللغويّ، والمعنى العرفيّ وذلك أنّه ليس كلّ خضوع وانقياد يسمّى في العرف تديّناً”.

ويضيف الدكتور دراز بأنّ الدين هو:

“الدين هو الاعتقاد بوجود ذات، أو ذوات، غيبيّة علويّة لها شعور واختيار ولها تصرّف وتدبّر للشؤون التي تعني الإنسان، اعتقاد من شأنه أن يبعث على مناجاة تلك الذات الساميّة في رغبة ورهبة، وفي خضوع وتمجيد” وبعبارة موجزة هو “إلإيمان بذات إلهيّة جديرة بالطاعة والعبادة.”

2. ما هو دور الدين في حياة الفرد وحياة المجتمع؟

إنّ الله خلق الإنسان وفي طبيعته شدّة الحاجة إلى الروحانيّات شأنها في ذلك شأن الحاجة إلى الطعام وإلى الشراب، فكما خلق الله الطعام والشراب لعلاج الجوع وإطفاء العطش فهو يرسل الرسالات لسد حاجة الإنسان إلى الروحانيّات.

وهذا مايؤكده حضرة بهاء الله:

“رَأسُ الفِطْرَةِ: هو الإِقرارُ بالافتقار والخضوعُ بالاختيار بين يَديِ اللّه الملک العزيز المختار.”

إنّ الدين هو أحد أعصاب الحياة الجماعيّة وشرايينها، بل هو أقوى عناصرها مثله مثل اللغة وأساليب التعامل والتفكير، وما إلى ذلك من العناصر المؤثّرة في المجتمعات. ومن ذا الذي ينكر أنّ الجماعة هي حارسة تلك المقوّمات وأنّها هي منهلها المورود للأجيال الحاضرة وناقلها إلى الأجيال المقبلة؟

“غير أنّ المسألة ليست في صيانة الأديان القائمة وتخليدها، بل في نشأة الديانات الجديدة وتكوينها. ثمّ لا ننكر ما للجماعات من أثر خطير في التمهيد لهذه النشأة والتمكين لها؛ فالأمم حين تقف في مفترق الطرق بين القديم والجديد تستطيع في بعض لحظاتها التاريخيّة أن تغيّر مجرى تاريخها بقبولها للدين الجديد أو برفضها إيّاه.”

قد يكون من المفيد الاطلاع على تاريخ الأديان المتوفّرة لدينا في الوقت الحاضر، والتعرّف على دوافع التحوّل التي كانت تنقل أمّة أو أكثر من مرحلة دنيا إلى مراحل أعلى وأسمى كثيراً مما كانت عليه في السابق.

ومن المسلّم به أنّ الديانات هي أُمّ الحضارات ونبع الفضائل والكمالات. وتتابعها هو الّذي مهّد طريق الرّقي الفكريّ، والسموّ الخلقيّ، والتقدّم الاجتماعيّ الّذي سلكته شعوب الأرض عبر أحقاب التّاريخ. فما من حضارة خلت من هذا الجوهر الّذي أمدّها بالقدرة والحيويّة والإلهام، وقاد أهلها إلى أوج المجد ومعارج الابتكار، ولكن إلى حين.

يأتي الدين لتحقيق هدفين أساسيّين:

أوّلهما: شموليّ وثابت لا يتغيّر بتغيّر الزمان أوالمكان وهو زيادة معرفة البشر بالخالق سبحانه، لأنّ ما يأتي به الرسل هو الطريق الوحيد لتعميق هذه المعرفة، وبالتالي يتحقّق التسليم الكامل للإرادة الإلهيّة، والخضوع التام للمشيئة السماويّة.

وثانيهما: يمكن القول بأنّه خاص بكلّ دين، لذا فهو متغيّر من دين إلى آخر؛ وهو تلك العلوم والمعارف التي تعين الخلق في مراحل رقيّهم الروحانيّ بما يتناسب مع العصر الذي يعيشون فيه، فتساعدهم على تأسيس علاقاتهم مع الآخرين، وتمدّهم بالقدرة على مواجهة ما قد يستجدّ من صعوبات وما يواجههم من تحدّيات تختلف باختلاف مقتضيات الزمان وتتنوّع من مكان إلى مكان.

“كلّ دين من الأديان الإﻟﻬيّة المقدّسة التي نزلت حتّى اليوم منقسم إلى قسمين: أحدهما الروحانيّات وهي معرفة الله وموهبة الله وفضائل العالم الإنسانيّ والكمالات السماويّة، وهذا القسم يتعلق بعالم الأخلاق وهو الحقيقة والأصل. وجميع أنبياء الله دعوا الناس إلى الحقيقة، والحقيقة هي محبة الله ومعرفة الله وهي الولادة الثانية، وهي الاستفاضة من الروح القدس، وهي وحدة العالم الإنسانيّ، وهي الألفة بين البشر، وهي المحبّة والصداقة، وهي العدل، وهي المساواة بين البشر. وقد روّجها وأسّسها أنبياء الله جميعاً. ومن ثمَّ فالأديان الإﻟﻬيّة واحدة.

والقسم الثاني من الدين متعلّق بالجسمانيات وهو فرعيّ وليس أساسياً ويحدث فيه التغيير والتبديل بحسب مقتضيات الزمان. فالطلاق مثلاً جائز في شريعة التوراة وليس جائزًا في شريعة السيّد المسيح. وفي شريعة موسى كان السبت، وفي شريعة المسيح نسخ ذلك الأمر. فجميع هذه الأمور تتعلّق بالجسمانيّات ولا أهمّيّة لها وهي تتغيّر وتتبدّل حسب مقتضيات الزمان… وخلاصة القول إنَّ هذا القسم الذي يتعلّق بالعالم الجسمانيّ يحدث فيه التغيير والتبديل تبعاً لمقتضيات الزمان.”

ولكن للأسف الشديد فإنّ كثيراً من أصحاب الديانات لم يفطنوا إلى الفرق بين ما هو ثابت وما هو متغيّر في أيّ دين من الأديان، لذا احتدم الصراع بينهم. وقد يكون من المثير حقّاً أنّ كلّ أمّة لا تدّعي ثبات قوانينها وشريعتها فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى التكذيب لكلّ ما يأتي بعدها من شرائع قد تختلف في الشكل عن شريعتهم إلا أنّها تتفق كلّ الاتفاق في الهدف والمضمون.

وقد يكون من المفيد أن نتذكر دائماً الهدف الرئيس من الدين وهو التكامل الروحيّ للمجتمع الإنسانيّ خلال مراحل متعاقبة ومستمرّة فهذه وبدون أدنى شكّ هي المهمّة الأساسيّة للدين، وبناء على ذلك نلاحظ أنّ الأساسيّات التي تشكّل دين الله الواحد ثابتة، أمّا الفروع فهي التي تختلف حسب مقتضيات الزمان، وحسب مراحل البلوغ التي تصل إليها البشريّة في كلّ دورة من الدورات.

“إنّ استمرار تعاقب الأديان ليس مجرّد ظاهرة مطّردة سجّلها التّاريخ فحسب، وإنّما هو العروة الوثقى الّتي تربط الإنسان بفاطره، والقوّة الّتي تواصل إنماء خصائصه، والنّهج القويم الّذي يضمن له بلوغ الغاية الّتي خلق من أجلها، والشّرب الّذي يمدّ وجدانه بما يرقّى بأدنى غرائزه إلى أفلاك المُثُل العليا، والرّبيع الّذي يجدّد فيه روح البطولة والبذل والعلا ويمدّه من حين إلى حين بالطّاقة الرّوحانيّة اللاّزمة لإنماء المواهب الكامنة في ذاته. كما أنّ تصوّر انتهاء هذه المصادر للقوى المعنويّة تصوّر تقليديّ ردّده أتباع كلّ دين بدافع الولاء والإخلاص، واستندوا إلى روايات حمّلوها أكثر مما تحتّمل، ولكن حقيقة الأمر أنّ هذا التّصوّر لا يعتمد على فهم صحيح لمعاني الكتب السّماويّة، ولا يستند إلى حقيقة علميّة، ولا يستقيم مع الغايات الّتي تتوخّاها الأديان، ولا يصمد للتّحليل والبحث المنزَّهَيْن عن التّعصُّب والتّزمّت.”

وهنا يأتي السؤال الذي يتردّد على ألسنة الكثير وهو:

3. هل البشريّة مازالت في حاجة إلى الدين بعد هذا التطوّر الذي وصلت إليه في الوقت الحالي؟

 

قد يكون من الضروريّ أن نبدأ من واقعنا الحاليّ، ونتأمّل مليّاً في حالة البشريّة من حولنا وما اعتراها من وهن وضعف، وما أحاطها من كوارث وأزمات، وما أصابها من انحلال وفساد. إنّ حالة العالم اليوم تثير الحيرة والفزع والاضطراب، وتجعل كلّ فرد يتساءل في نفسه لماذا لا تتحقّق العدالة والمساواة على الرغم مما نشاهده من تقدّم علميّ؟ فعلى الرغم مما نشاهده كلّ يوم من مخترعات، وما يتوفّر الآن من أدوات كان من شأنها أن تحقّق أحلام البشر في عالم يسوده السلام والوئام إلا أنّنا لا نرى حولنا إلا المتناقضات التي تغذّيها أديان متعدّدة، وفي كثير من الأحيان تكون متصارعة، فيدّعي أصحاب كلّ دين أنّهم وحدهم الذين يمتلكون الحقيقة المطلقة، وهم في حقيقة الأمر لا يعرفون شيئاً عن هذه الحقيقة. ناهيك بسرعة الانحدار والانهيار التي تتفاقم يوماً بعد يوم، وكأنّما هذا العالم فقد رشده وغاب عنه وجود من أنشأه وخلقه مما جعل الأسرة الإنسانيّة بعد أن خاب أملها وغاب وعيها تصبح لعبة رخيصة تتقاذفها الأمواج في يد شرذمة قليلة من الناس تحدّد مسارها وتتلاعب بمصيرها.

ولكن لا غرابة في ذلك لأنّ هذه هي النتيجة الحتميّة للابتعاد الشاسع عن الله والانجراف الكبير بعداً عن صراطه المستقيم، ذلك الصراط المرسوم بشكل واضح في جميع الكتب السماويّة من دون استثناء، سواء ماعرفناه منها أوما لم نعرفه. ولكن للأسف فلا يرجع إلى تلك الكتب أو يطّلع عليها سوى قلّة قليلة، بل وأقلّ القليل من تلك القلّة هم الذين يدركون ما جاء فيها من بشارات وما اشتملت عليه من تحذيرات كان من شأنها أن تساعد البشريّة على الثبات على الصراط.

ولا غرو فقد يكون أيضاً في أحداث القرن العشرين ما يساعد على الإجابة عن هذا السؤال المصيريّ. فكما هو معروف ومسجّل بأنّ الفلسفة الماديّة قد طغت طغياناً واسعاً بتفسيراتها الماديّة البحتة للحقائق في بواكير ذلك القرن، وما من شكّ في أنّها أثّرت تأثيراً كبيراً في العقول إلى درجة أصبح فيها هذا المفهوم الماديّ بمثابة دين عالميّ يسيطر على الكثير من الأذهان، ومن ثمّ يفرض سيطرته على سلوك المجتمعات المختلفة واتجاهاتها. وللأسف الشديد لقد انتزع هذا الاتجاه بجرأة شديدة كلّ مارسّخته الأديان من عوامل التربية الإنسانيّة التي عرفتها البشريّة وآمنت بها لآلاف السنين.

فبدأ الفرد يبالغ في مطالبته بما أسماه بالحرّيّة وقام بتطبيقها على كلّ شيء وفي كلّ ما يعتقد. وقد واصل المجتمع تمزيقه لروابط كان قد اعتادها منذ أقدم الأزمان، واعتبر الأديان أفيوناً تتعاطاه الشعوب، لذا اعتبرت أعدادٌ متزايدة من الناس أنَّ الأديان ومؤسَّساتها أصبحت غير مناسبة بالمرّة لتأسيس حضارة حديثة. فما كان منهم إلا أن بدّلوا القيم الدينيّة بالشهوات النفسيّة التي تشبع أطماعهم الماديّة، وتحقّق طموحاتهم السياسيّة. بل إن كثيراً من الناس اعتقدوا أنّهم قادرون على تولّي زمام أمورهم، فغالوا في اعتقادهم أنّ بوسعهم حلّ المعضلات المتعلّقة بالقضايا الرئيسة في الحياة، والقدرة على تطوير الإنسان وتدبير شئونه السياسيّة والاجتماعيّة بما توصّلوا إليه من إنجازات ماديّة، واكتشافات علميّة، وبذلك الفيض الكبير من البحوث التحديثيّة، والحوارات الفكريّة مدّعين أنّ ما تعلّمته البشريّة من القيم والمثل الأخلاقيّة وضوابطها قد رسخ بالفعل على مدى العقود والقرون وأصبح متأصّلاً في النفوس، وصار جزءاً من الطبيعة الإنسانيّة. ومن ثمّ فإنّ البشريّة أصبحت في الوقت الحاليّ لا تحتاج إلى أيّ إسهامات دينيّة أو عقائديّة، بل وزادت جرأتهم بادّعاءات سقيمة أدّت إلى الإلحاد وإلى إنكار وجود الله.

وهنا يجدر بنا أن نتساءل عمّا يدّعيه البعض من إنكار وجود خالق لهذا الكون، والاعتقاد بأنّ ما في هذه الأكوان من مخلوقات ما هو إلا من إنتاج الطبيعة ومن مخلفات الظواهر الكونيّة، فهل يكون هناك هدف للحياة؟

وإذا كان الإنسان لا يمثّل إلا وجودًا ماديًا مؤقتًا، وحقيقة هذا الوجود ما هي إلا بطون تدفع وأرض تبلع كما يقال! فما الفرق إذن بين الإنسان وبين الحيوان الذي يسير وراء ملذاته فقط ولا يهمّه من هذه الدنيا سواها؟

أليست علاقة الإنسان بخالقه هي الجوهر الذي يضفي على الحياة معنى ويحدّد لها هدفاً وسبباً؟

إنّ ما أحرزته البشريّة من تقدّم بسيط في بعض المجالات، وما طرأ عليها من تحسّن وقتيّ، بل في الحقيقة هو ظاهريّ أو مظهريّ في الظروف المعيشيّة والشؤون الحياتيّة لم يغرّهم فقط بل لقد غرّر بهم فاعتقدوا أنّ هذه الأمور ستكون سبباً في تحقيق ما تحلم به البشريّة من سعادة وسلام وأمان.

ونتساءل بعد مرور أكثر من قرن على ظهور هذه النزعة الماديّة هل تحقّق ما كانوا يطمحون إليه؟ وهل نالت البشريّة مرادها وتحقّق حلمها؟

إنّ المقتطف التالي من رسالة بيت العدل الأعظم إلى أهل العالم يضع النقاط على الحروف لتوضيح الصورة بشكل جليّ:

“لقد آنَ الأوانُ كي يُسأل الذين دَعَوا النّاس إلى اعتناق العقائد الماديّة، سواءً كانوا من أهل الشّرق أو الغرب، أو كان انتماؤهم إلى المذهب الرّأسماليّ أو الاشتراكيّ، آنَ الأوان ليُسأل هؤلاء ويُحاسَبوا على القيادة الخُلُقِيّة التي أخذوها على عواتقهم. فأَيْنَ “العالم الجديد” الذي وعَدَت به تلك العقائد؟ وأَين السّلام العالميّ الذي يُعلِنون عن تكريس جهودهم لخدمة مبادئه؟ وأين الآفاق الجديدة في مجالات الإنجازات الثّقافيّة التي قامت على تعظيم ذلك العِرق أو هذه الدّولة أو تلك الطّبقة الخاصّة؟ وما السّبب في أنَّ الغالبيّة العُظْمَى من أهل العالم تنزلق أكثر فأكثر في غياهب المجاعة والبؤس في وقتٍ بات في متناول يد أولئك الذين يتحكَّمون في شؤون البشر ثرواتٌ بَلَغَت حدَّاً لم يكن لِيَحْلُم بها الفراعنة ولا القياصرة، ولا حتّى القوى الاستعماريّة في القرن التّاسع عشر؟

إِنَّ تمجيد المآرب الماديّة، وهو تمجيد يُمثِّل الأصول الفكريّة والخصائص المشتركة لكلّ تلك المذاهب، إِنَّ هذا التّمجيد على الأخصّ هو الذي نجد فيه الجذور التي تُغذِّي الرّأي الباطل الذي يدَّعي بأنَّ الإِنسان أنانيٌّ وعدوانيٌّ ولا سبيل إلى إصلاحه. وهذه النّقطة بالذات هي التي يجب جلاؤها إذا ما أردنا بناء عالم جديد يكون لائقاً بأولادنا وأحفادنا.

فالقول بأنّ القِيَم الماديّة قد فشلت في تلبية حاجات البشريّة كما أَثبتت التّجاربُ التي مَرَّت بنا، يفرض علينا أَنْ نعترف بصدق وأمانة أَنَّه أصبح لِزاماً الآن بَذْلُ جَهْدٍ جديد لإيجاد الحلول للمشكلات المُضْنِية التي يُعانيها الكوكب الأرضيّ. فالظّروف التي تحيط بالمجتمع الإنسانيّ، وهي ظروف لا تُطاق، هي الدّليل على أَنَّ فَشَلنا كان فشلاً جماعيّاً بدون استثناء، وهذه الحالة إِنَّما تُذْكِي نَعْرَة التّزمُّت والإصرار لدى كلّ الأطراف بَدَلَ أن تُزيلها. فمن الواضح إذَن أنَّ هناك حاجة مُلِحَّة إلى مجهودٍ مشترك لإصلاح الأمور وشفاء العِلَل. فالمسألة أساساً مسألةُ اتِّخاذ مَوْقِف. وهنا يَتَبادَر إلى الأذهان السّؤال التّالي: هل تستمرّ الإنسانيّة في ضلالها مُتمسِّكة بالأفكار البالية والافتراضات العقيمة؟ أم يَعْمِد قادتها متَّحدين، بِغَضِّ النّظر عن العقائد، إلى التّشاوُر فيما بينهم بعزيمةٍ ثابتة بحثاً عن الحلول المناسبة؟”

وبعد أن أوضح بيت العدل الأعظم لأهل العالم الصورة الكاملة بعد غياب الدين لفترة ليست بالقصيرة، يوجّه النصيحة إلى الذين يأملون في إصلاح ما أفسده الدهر، ويسعون لتحقيق حلم البشريّة الذي طال انتظاره في النصّ التالي:

“ويجدُر بأولئك الذين يهمّهم مستقبل الجنس البشريّ أن يُنْعِموا النّظر بالنّصيحة التّالية: “إذا كانت المُثُل التي طال الاعتزاز بها، والمؤسَّسات التي طال احترامُها عبر الزّمن، وإذا كانت بعض الفروض الاجتماعيّة والقواعد الدّينيّة قد قَصَّرت في تنمية سعادة الإنسان ورفاهيته بوجهٍ عامّ، وباتت عاجزةً عن سدّ احتياجات إنسانيّة دائمةِ التّطوّر، فَلِتندثِرْ وتَغِبْ في عالم النّسيان مع تلك العقائد المُهْمَلة البالية. ولماذا تُستثنَى من الاندثار الذي لا بدّ أن يُصيب كلّ مؤسّسة إنسانيّة في عالمٍ يَخْضَع لقانونٍ ثابت من التّغيير والفَنَاء. إِنًّ القواعد القانونيّة والنّظريًّات السّياسيّة والاقتصاديّة وُضِعت أصلاً من أجل المحافظة على مصالح الإنسانيّة ككلّ، وليس لكي تُصْلَب الإنسانيّة بقصد الإبقاء على سلامة أيّ قانون أو مبدأ أو المحافظة عليه.”

وكما هو معروف بدأت ردود الفعل المقابلة في نهاية القرن العشرين بعد الفشل الذريع لتلك التجارب المريرة. وبدأت الدعوة إلى إحياء الدين. وبالفعل أصبحت هذه الدعوة موضوعاً جوهرياً يستأثر بالأهميّة وأصبحت من أكثر الأمور التي شغلت فئات مختلفة في كلّ بقعة من بقاع الأرض.

ولكن ماذا كان تأثير تلك الدعوة إلى إحياء الدين؟

“ما كان من تلك الدعوة إلاّ أن اجّجت الصراعات المذهبيّة والطائفيّة القديمة فعادت بشكل لا يقلّ شراسة عما عرفته البشريّة في الماضي. فأصبحت الظواهر التي اعتبرت من وقتٍ قريب من مخلّفات عصر يتّسم بالجهل وعدم المعرفة مادّة للبحث والاستقصاء.”

“إذن، فإذا كانت الإنسانيّة قد وصلت إِلى هذا المنعطف من الصّراع الذي أصابها بحالة من الشّلل، فإنّه بات لِزاماً عليها أنْ تثوب إلى رشدها، وتنظر إلى إهمالها، وتُفكِّر في أمر تلك الأصوات الغَاوية التي أَصْغَتْ إِليها، لكي تكتشف مصدر البلبلة وتدرك اختلاف المفاهيم التي تُروَّج باسم الدّين. فأولئك الذين تمسّكوا لمآرب شخصيّة تمسُّكاً أعمى بحَرْفيَّةِ ما عندهم من آراء خاصة مُتزمِّتَة، وفرضوا على أتباعهم تفسيرات خاطئة ومتناقضة لأقوال أنبياء الله ورسله، إن أولئك يتحملون ثقل خلق هذه البلبلة التي ازدادت حِدَّةً وتعقيداً بِمَا طرأ عليها من حواجز زائفة اختُلِقت لتَفْصِلَ بين الإيمان والعقل، وبين العِلم والدّين. وإذا راجعنا بكلّ تجرّد وإنصاف ما قاله حقّاً مؤسِّسو الأديان العظيمة، وتَفَحَّصْنا الأوساط التي اضطُرّوا إلى تنفيذ أعباء رسالاتهم فيها، فلن نجد هناك شيئاً يمكن أن تَسْتَنِد إِليه تلك النّزاعاتُ والتّعصّباتُ التي خَلَقت هذه البلبلة والتّشويش في الجامعات الدّينيّة في العالم الإنسانيّ وبالتّالي في كافّة الشّؤون الإنسانيّة.”

“ولا مناص من أن نعترف بأنّ عودة ظهور الحَمِيَّة الدّينيّة المُتطرِّفة في العديد من الأقطار لا تعدو أن تكون تشنُّجاتِ الرَّمَق الأخير. فالماهيّة الحقيقيّة لظاهرة العنف والتّمزُّق المتَّصلة بهذه الحميّة الدّينيّة تشهد على الإفلاس الرّوحيّ الذي تُمثِّله هذه الظّاهرة. والواقع أَنَّ من أغرب الملامح الواضحة وأكثرها مدعاة للأسف في تفشِّي الحركات الرّاهنة من حركات التّعصّب الدّينيّ هي مدى ما تقوم به كلّ واحدة منها ليس فقط في تقويض القِيَم الرّوحيّة التي تسعى إلى تحقيق وحدة الجنس البشريّ، بل وإلى تقويض تلك الإنجازات الخُلُقِيّة الفريدة التي حقَّقها كلّ دين من هذه الأديان التي تدّعي تلك الحركات أنّها قائمة لخدمة مصالحها.”

وخلاصة القول إنّ التاريخ غنيّ بالدلالات فيما يظهر ويبطن على أنّ الأديان السماويّة كانت وما زالت هي العنصر الرئيس في عملية الارتقاء الروحيّ للبشريّة، والإكسير الذي يبدّل الصفات الترابيّة بالكمالات الإلهيّة، ولم يكن سوى الكتب المقدّسة مصدراً للعلم والمعرفة المحيطة بالوعي إحاطة كاملة، والتي لها من القوة والسلطان ما يُمكِّنها من أن تُنعم على المخلصين “ببصرٍ جديد، وسمعٍ بديع، وقلب وفؤاد جديد”.

ومن الجدير بالذكر أنّ هناك تراثاً أدبيّاً واسعاً أسهمت في إبداعه كلّ الثقافات الدينيّة فسجّلت على صفحاته ما مرّت به أجيال متعاقبة من سالكي سبل العرفان من تجارب، ناقلة إلينا ما شاهده هؤلاء من تجليّات الرؤى الغيبيّة ومن ثمّ نتساءل:

4. ما موقف الإنسان من الدين؟ وهل له الحقّ في اختيار الدين الذي يناسبه أو في تغييره وتطويره ليحقق قناعاته الخاصة؟

سنحاول الإجابة عن هذا السؤال في نقاط خمس وهي:

عظمة الهدف الدينيّ، والكشف عن الأصول، والوحدة الدينيّة، وحتميّة الاعتراف بالدين، والمسيرة الروحانيّة.

أوّلاً: عظمة الهدف الدينيّ

بالنظر إلى تاريخ الأديان نرى بكلّ وضوح أنّ حياة الذين استجابوا للرسالات الإلهيّة كانت بالنسبة إليهم مصدراً عظيماً للإلهام ومن خلاله يحقّق الكثير من الإبداعات المذهلة في كثير من المجالات. ودائماً ما يصاحب كلّ دورة تطوّر كبير في الفنون بأنواعها من شعر وأدب وموسيقى وحتّى فنون البناء والمعمار. فأصبح هناك فنون موسومة باسم الدين فنرى فنّ العمارة الإسلاميّة، وفنّ العمارة المسيحيّة، وغير ذلك من الفنون الراقية. وما من شكّ في أنّه لاتوجد قوّة أخرى في هذا الوجود قادرة على أن تبعث في النفوس مثل ما بعثته الأديان السماويّة من مآثر البطولة ومناقب التضحية بالنفس والانضباط. كما أنّ المبادئ الأخلاقيّة التي يأتي بها الدين تصبح في وقت قصير مبادئ أخلاقيّة وأصول اجتماعيّة عامّة يستفاد بها عند سنّ القوانين الضروريّة لتنظيم العلاقات الإنسانيّة، وتغيير السلوك بصورة تساعد على التقدّم والرقيّ. فما جاءت به الديانات العظمى من مبادئ وقيم كان دائماً القوّة الرئيسة وراء كلّ تقدّم ورقيّ في زمن مجيء الدين والأزمان التالية له.

وبناءً على ذلك يكون من المستحيل “لأيّة محاولة جدِّية تهدف إلى إصلاح شؤون البشر، وتسعى إلى إحلال السّلام العالميّ، أن تتجاهل الدين. فلقد حاك التّاريخُ إلى حدٍّ بعيد نسيجَ ردائه من مفهوم الإنسان للأديان وممارستِهِ لها. وقد وصف أَحد المؤرِّخين البارزين الدّين بأنه “إحدى قدرات الطّبيعة الإنسانيّة”، وممّا يَصْعب إنكاره هو أَنَّ إفساد هذه القدرة قد أَسهم في خَلْق كثيرٍ من البلبلة والاضطراب في المجتمع الإنسانيّ، وزَرَعَ الصّراع والخصام بين أفراد البشر وفي نفوسهم. كما أَنَّه ليس في إمكان أيّ شاهد مُنْصِف أن ينتقص من الأثر البالغ للدّين في المظاهر الحضاريّة الحيويّة، ويُضاف إلى ذلك، أَنَّ الأثر المباشِر للدّين في مجالات التّشريع والأخلاق قد برهن تِباعاً على أنّه عاملٌ لا يمكن الاستغناء عنه في إقرار النّظام في المجتمع الإنسانيّ.”

فوجود الدين ضروريّ “إِذ هو السّبب الأعظم لنَظْم العالم واطمئنان من في الإمكان“، “ولو احتجب سِراج الدّين لتطرَّق الهرج والمرج وامتنع نَيِّر العدل والإنصاف عن الإشراق وشمسُ الأمن والاطمئنان عن الإِنوار.

وحتّى ندرك أهمّيّة الدين علينا أن نتذكّر الهدف من وجود الإنسان على الأرض كما ذكرته الكتب السماويّة، وكما أكّده حضرة بهاء الله بقوله:

“إنَّ هدف الله من خلق الإنسان هو معرفته ولقاؤه. وقد ذكر هذا الأمر بكلّ وضوح في جميع الكتب الإﻟﻬية والصحف المتقنة الربانيّة من غير حجاب.”

ولمّا كان الهدف الرئيس من الدين السماويّ هو مساعدة البشر على تحقيق الغاية من الوجود الإنسانيّ، كما أكّدتها جميع الكتب السماويّة وهي؛ معرفة الله وعبادته. لذا تكون القوّة المحرّكة هي عرفان الله ومحبّته، وكلّما زادت المعرفة ازداد الرقيّ الروحانيّ وازدادت قدرة الفرد على اكتساب الصفات الإﻟﻬﻴﺔ والكمالات الربّانيّة، فتتحقّق السعادة الحقيقيّة بهذا السعي الحثيث نحو إدراك المرء لطبيعته الروحيّة، وسعيها الدائم إلى التقرّب إلى الله. فما رحلة الحياة على سطح الأرض إلا فرصة ثمينة يسعى فيها المرء جاهدًا لتطوير روحه وتنميتها لتكون لائقة في جميع العوالم الروحانيّة.

وبلا أدنى شكّ فإنّ الإنسانيّة ما وُجِدت إلا لتعرف خالقها وتُنفّذ مراده. لذا فالبشر هم ركيزة العالم الوارثون له والأمناء والأوصياء عليه. وما التعبّد لله إلا أسمى وسيلة يمكن بها للدافع الإنسانيّ الخفيّ تلبية حاجة الإنسانيّة لمعرفة خالقها. فالتعبّد لله حالة تستدعي أن يُسلم الإنسان أموره تسليماً قلبياً كاملاً إلى ذي القوّة والسلطان الجدير بالولاء والتعظيم “وملك الدهور الذي لا يفنى ولا يُرى. الإله الحكيم وحده له الكرامة والمجد إلى دهر الدهور…”، ولا يمكن الفصل قطعاً بين روح التقديس والإجلال هذه وبين التعبير عنها تعبيراً يخدم بالفعل الهدف الإلهيّ الذي شاءه الخالق للجنس البشريّ: }… قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{، ويلقي هذا المفهوم ضوءاً ينير السبيل لتتوضّح المسئوليّات التي يتحمّلها البشر.

ثانياً: الكشف عن الأصول

 

إنّ حياة الفرد في هذا العالم لا تعدو كونها عمليّة مستمرّة للكشف عن السعادة الروحيّة ونموّها. مثلها في ذلك مثل مراحل تطوّر الإنسان ونموّه. ففي سنوات نموّ الإنسان الأولى يحتاج بالطبع إلى التعليم وإلى التدريب ولا يتسنّى له هذا إلا عن طريق مساعدة أسرته له وكذلك من يحيطون به. أمّا عندما يصل الفرد إلى مرحلة البلوغ يتغيّر الوضع فيتحمل بنفسه مسؤولية نموّه وتطوّره. فهو يعي تماماً أنّ ما سيحقّقه من نموّ يرتبط ارتباطاً جذريّاً بمقدار ما يبذله من جهود ومثابرة للارتقاء بنفسه. ومن هنا يتمكن الفرد من تعميق مفهومه بالمبادئ الروحانيّة التي تقوم عليها الحقيقة بالتدريج. فيساعده عمق هذا الفهم على توطيد صلته بالله سبحانه وتعالى أوّلاً، ومن ثمّ بتوطيد علاقته مع مَن يعيشون حوله ومَن يتعامل معهم في حياته اليومية. أمّا عندما تنتهي الحياة الأرضيّة بموت الإنسان فإنّ الروح الإنسانيّة تواصل تطوّرها وتدخل إلى مرحلة جديدة من مراحل رقيّها في العوالم الغيبيّة؛ وهي عوالم روحانيّة أعظم شأناً من العالم المادّيّ الذي نعيشه الآن.

وقد يكون من المؤسف حقّاً أنّ كثيراً من الناس يعيشون حياتهم دون التفكّر في الحياة نفسها أو ماذا تعني بالنسبة إليهم. وقد تكون حياتهم ممتلئة بالأنشطة والفعاليّات الدنيويّة، بل ويحقّقون نجاحات كبيرة في حياتهم العمليّة والأسريّة، ولكنّهم لا يتساءلون ولو للحظة ما هو الهدف من هذه الحياة. وقد يكون من المؤسف حقّاً أن يتركوا هذه الحياة ولم يدركوا أنّ لحياتهم هدفاً معيّناً، بل والأكثر أسفاً هو أنّه لم يكن لديهم القدرة على تفسير ما يحيط بهم من ظواهر أو أحداث، وقد لايكون لديهم الحماس الكافي للتعرّف على هويّتهم الإنسانيّة، أو مقدّراتهم الروحيّة، وهذا هو الخسران الحقيقيّ كما أوضح ذلك حضرة بهاء الله في النصّ التالي:

“أصْلُ الخسْرَان لِمَنْ مَضَتْ أيّامُهُ ومَا عَرَفَ نَفْسَه.”

إنّ الإنسان، بلا ريب، هو أرقى المخلوقات لأنّه يمتلك في طيّات ذاته القدرة الكاملة على أنْ يعكس الصفات الملكوتية والكمالات الإلهيّة. بالإضافة إلى أنّ روح كلّ إنسان مطبوع عليها أبداً صورة خالقها. ويبيّن حضرة بهاء الله بأنّ الروح “آية إلهيّة وجوهرة ملكوتيّة التي عَجِز كلّ ذي علم عن عرفان حقيقتها وكلُّ ذي عرفان عن معرفتها.”

فالإنسان هو الوحيد من بين المخلوقات كافّة الذي يمكنه معرفة الله، هذا إذا أدرك طبيعته الروحانيّة: “ليصعدنّ بذلك إلى مقرّ الذي خلق في كينوناتهم من عرفان أنفسهم.”

فالبحث عن الحقيقة إذاً ليس فقط حقّاً يتمتّع به كلّ إنسان، بل هو أيضاً واجبٌ عليه. وحيث إنَّ الكمالات الإلهيّة لا حدود لها، كذلك لا نهاية لنموّ النفس العاقلة التي تتأثر في رقيّها وعلوّ مقاماتها تأثّراً بالغاً من خلال الاستفادة من الفرص الروحانيّة المتاحة لها في الحياة الدنيا. فاكتساب الصفات والفضائل الروحانيّة مثل التواضع والرأفة والتسامح والرحمة والأمانة والكرم، تهيّئ الروح وتُعدّها في رحلتها نحو نور الخالق للدخول في رحاب مُلكه.

“وقد ذكر حضرة بهاء الله بأن مقدرة الروح على كسب النعوت والصفات الإلهيّة هو الأصل الحقيقيّ للروح، وهذا هو المقصود بأنَّ البشريّة قد خلقت “على مثال الله”. لأنَّ السجايا الإﻟﻬﻴّﺔ كامنة ومستترة في الروح، مثل البذرة التي يكمن فيها كلّ ما في الزهرة من خصائص مثل اللون والرائحة والشكل التي لا تظهر إلا وقت نموّها وازدهارها.”

“إنّ الغيب يعرف بنفس الظهور والظهور بكينونته لبرهان أعظم بين الأمم…” (منتخبات، ص39).

“… وأرسل إلى كلّ مدينة رسولاً من عنده ليبشرهم برضوان الله ويقرّبهم إلى مقصد الأمن مقرّ قوس رفيع…” (منتخبات، ص98).

من هنا ندرك أهمّيّة الدين وحاجة الإنسان المستمرّة إليه، فلا يمكن أن يتحقّق أيّ نموّ روحانيّ من دون الدين الذي تحمله إلينا المظاهر الإلهيّة والرسل لأنّه من دونهم يبقى المعنى الروحيّ للحياة مستوراً مهما بلغت الجهود المبذولة من أجل كشف هذه المعاني الروحيّة للحياة.

“لقد علم وثبت من هذه الكلمات والإشارات بأنَّه لابد أنْ يظهر في عالم الملك والملكوت كينونة وحقيقة، ويكون واسطة للفيض الكليّ لمظهر اسم الألوهيّة والربوبيّة حتّى يربّي جميع الناس في ظل تربية هذه الشمس الحقيقيّة ويتشرفوا ويفوزوا بهذا المقام والرتبة المودعة في حقائق الأشياء. ولهذا ظهر الأنبياء والأولياء بين الناس في جميع العهود والأزمنة بكلّ قوّة ربانيّة وقدرة صمدانيّة.”

ولأنّ الله خلق الإنسان اجتماعيّاً بطبعه لذا فإنّ رقيّه الروحانيّ لا يكون بمعزل عن الآخرين بل يرتبط بطرق تعامله مع من هم حوله، وما يسديه إليهم من محبّة وتعاون وخدمة، وما يتحلى به من إنكار للذّات وصبر وتسامح وإخلاص… إلى آخره من الصفات التي تساعد المرء في مسيرة رقيّه الروحانيّ.

“إنَّ هدف الله سبحانه وتعالى من إرساله للمرسلين هو أمران. الأمر الأوّل هو تحرير الناس من ظلمة الجهل وهدايتهم إلى نور العلم والمعرفة، والأمر الثاني إيجاد السلام وتحقيق الرفاهيّة للجنس البشريّ ووضع الطرق والأساليب للوصول إلى ذلك.”

ثالثًا: الوحدة الدينيّة

“إنّ من المعلوم والمحقّق أنّ جميع الأنبياء هم هياكل أمر الله، الذين ظهروا في أقمصةٍ مختلفة، وإذا ما نظرت إليهم بنظرٍ لطيف لتراهم جميعًا ساكنين في رضوان واحد، وطائرين في هواء واحد، وجالسين على بساطٍ واحد، وناطقين بكلامٍ واحد، وآمرين بأمرٍ واحد.”

وبما أنّ هدف الإنسانيّة هو السعي الدائم لإصلاح العالم وخلق مدنيّة دائمة النموّ والتطوّر عن طريق القوى العظيمة التي يطلقها الدين لتساعد المؤمنين على تحرير أنفسهم من قيود الزمان نفسه، وتبعث فيهم روح البذل والعطاء، لذا يقدّمون التضحيات بالنفس والنفيس لتحقيق ذلك وبما يكفل التقدّم والرقيّ لأجيال متعاقبة من المؤمنين.

ولأنّ الروح خالدة فباستيقاظها من تأثير الكلمة الخلّاقة تدرك جوهر حقيقتها، ومن ثمّ تمنح القوة والقدرة على الترقي ليس في هذا العالم فحسب، بل عبر العوالم الغيبيّة الأخرى فتكون سبباً في دفع عجلة التطوّر والتقدّم والرقيّ.

ومجمل القول إنّه من خلال تتابع الظهورات الإلهيّة الدليل الكامل على وحدانيّة المصدر، ووحدة النظام ومصداقيّته. ويمكن القول إنّ الدين يمثّل كتاباً وكلّ رسالة تمثّل فصلاً من فصول هذا الكتاب الواحد، وبأنّ كلّ رسول أو مظهر إلهيّ يأتي لمهمّة محدّدة ومرحلة معيّنة من مراحل الظهورات اللامتناهية لتلك الحقيقة الواحدة التي لا تتبدّل ولا تتغيّر. وفي الحقيقة فإنّ تتابع مجيء الرسل ما هو إلا تحقيق للميثاق الإلهيّ العظيم بين الله وبين عباده وهو أنّ الهداية الإلهيّة لن تتوقّف وبأنّ الرحمة الربّانيّة التي تساعدهم على النموّ الروحانيّ لا محالة مستمرّة وباقية.

يذكِّر حضرة بهاء الله بأنَّ كلّ البشر، بغضّ النظر عن أعراقهم وعقائدهم، يخضعون لإله واحد ويستظلّون بظلّ سماء واحدة: “إنّ جميع الأحزاب [يعني المذاهب والأديان] يتوجّهون إلى الأفق الأعلى ويأتمرون بأمر ربّ العُلا.”

فمؤسّسو الأديان في العالم كبوذا وموسى وزرادشت وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، كلّهم ينتمون إلى طبيعة واحدة، ويشتركون في تحقيق هدف واحد. والأثر الذي تركه هؤلاء على الوعي الإنسانيّ كان أثراً متزايداً نتيجة تتابع الأديان وظهورها. فكلّ ظهور لاحق استطاع أن يأتي بقسط من الحقيقة أوفر من السابق، وذلك حسب تطوّر القدرة البشريّة على استيعابها. وبينما بقي الدافع الروحيّ في الأساس على حاله تغيّرت الشرائع والأحكام المتعلّقة بأحوال المجتمع وظروفه مما جاءت به المظاهر الإلهيّة السابقة لتُوافق مطالبَ بشريّة دائمة النموّ والتطوّر. وبالاختصار فإنَّ نُظُم العالم الدينيّة ليست إلاّ انعكاساً لخطّة إِلهيّة واحدة يتابع الله الكشف عنها في أوقات معيّنة.

“ويشير حضرة بهاء الله إلى أنّ مسارًا مماثلاً للتطوّر والنموّ قد وجَّه حياة البشر الدينيّة. ولعلّ الفارق الذي يميّز هذه القواعد والأعراف الدينيّة المختلفة يكمُن في حقيقة الأمر في كونها سُنّت بوضوح، في كلّ حالة من الحالات، كإحدى الخصائص الجوهرية لهذا أو ذاك من المظاهر الإلهيّة، أضف إلى ذلك أنّ هذه الفوارق جسّدتها النصوص المقدّسة، وطوال قرون من الزمان صمدت هذه الأعراف والقواعد دون أن ينال منها شيء، وحوفظ عليها بكلّ تفاصيلها. بناءً عليه فإنّ هذه الفوارق والاختلافات ليست صدفة من صدف التاريخ ولا استمراراً لمنهجه في اكتشاف الصواب بعد تكرار التجربة والاستفادة من الخطأ. وبرغم أنّ بعض الخصائص المعينة لكلّ مجموعة من قواعد السلوك والأخلاق تستنفد بمرور الوقت صلاحيتها وتتخطَّاها اهتمامات تختلف في طبيعتها عن تلك القواعد، وهى اهتمامات يأتي بها مسار التطوّر والارتقاء الاجتماعيّ، فإنّ تلك المجموعة من قواعد السلوك والأخلاق تبقى دون أن تفقد نفوذها وسلطتها إبَّان تلك المرحلة طويلة الأمد من التقدّم والرقي الإنسانيّ حيث كان لها دور حيويّ في تربية البشر وتهذيب سلوكهم وتصرفاتهم. ويؤكد لنا حضرة بهاء الله القول : إنَّ هذه الأصول والقوانين والنظم المحكمة المتينة مصدرها واحد وشعاعها شعاع نور واحد، وكل ما اختلف منها كان حسب مقتضيات الزمان ومتطلّبات القرون والأعصار.”…

إنّ الاعتراض الذي يوجَّه عمومًا إلى مفهوم الدين الذي أشرنا إليه مردّه التعنّت في الادعاء بأنّ الفوارق القائمة بين الأديان السماويّة المُنزَّلة فوارق أساسيّة وجوهريّة إلى درجة لا تدع مجالاً لاعتبار هذه الأديان مظاهر نظامٍ واحد للحقيقة. إن مثل هذا اعتبار يسئ إلى الحقيقة إساءة بالغة.

“ومن ثمّ يغدو الزعم أنَّ الاختلافات القائمة بين الأديان في الشعائر وقواعد السلوك والتصرّف وغيرها من النشاطات الدينيّة تنفي حقيقة أنّ الأديان السماويّة واحدة في أساسها يغدو هذا الزعم باطلاً لأنّه يتجاهل الغرض الذي من أجله أُنزلت هذه الأديان. ولعلّ الأخطر من ذلك أنّ مثل هذا الزعم يتجاهل الفرق الأساسيّ القائم بين ما لايتغيّر ولا يتبدّل من سمات الدين وبين سماته المؤقّتة الآنيّة حسب الزمان والمكان. فجوهر الدين رسالة أبديّة ثابتة الأركان، ووصف حضرة بهاء الله هذه الديمومة حين أعلن قائلاً: “هذا دين الله من قبلُ ومن بعدُ”...

ومن الضروريّ التأكيد على أنّ دين الله الواحد منذ الأزل سيبقي واحداً إلى الأبد، ومن أراد الدليل فعليه أن يتصفّح القرآن الكريم ليجد أنّ كلمة دين لم تأت قط في صيغة الجمع أو في صيغة المثنّى للتأكيد بأنّه لا اختلاف في الدين ولكن يكون الاختلاف في الشرائع “فوظيفة الدين هي أن يمهّد السبيل أمام الروح الإنسانيّة لترتقي وتسمو وتقترب من خالقها وترتبط به في علاقة تزداد نضجاً يوماً بعد يوم، فيسبغ عليها استقلالاً ذاتيًا متعاظمًا فيما تتحلى به من المُثل والأخلاق، حتّى تتمكن من السيطرة على الدوافع الحيوانيّة الكامنة في الطبيعة الإنسانيّة، وفي هذا كلّه ليس ثمة تناقض بين التعاليم الأساسيّة التي تنادي بها الأديان قاطبة وتلك الإضافيّة التي يأتي بها كلّ دين لاحق من أجل هداية البشر ودعم تقدّم مسيرته في بناء الحضارة الإنسانيّة.”

رابعاً: حتميّة الاعتراف بالدين

إنّ مفهوم تعاقب المظاهر الإلهيّة يفرض الاهتمام كلّ الاهتمام بالاعتراف بالظهور الإلهيّ عند بزوغ نوره. ولقد كان لفشل غالبية البشر مرةً بعد أخرى في هذا المضمار نتائج تمثَّلت في أنّ جماهير غفيرة من الناس حُكم عليها بأن تخضع قسرًا للتمسك الشديد بالطقوس وتجبر على تكرار مجموعة من الشعائر والوظائف الدينيّة عفا عليها الزمن واستنفدت أغراضها، وباتت الآن مجرّد عائق في سبيل أيّ تقدّم معنويّ.

“ومما يؤسف له في الوقت الحاضر أنّ فشل الاعتراف بالظهور الإلهيّ عند بزوغ نوره قد أدّى إلى الإقلال من أهميّة الدين والاستخفاف به. وفي اللحظة التي كانت الإنسانيّة تتطوّر تطوّراً جماعياً إذ واجهت تحدّيات عصر الحداثة، كان مَعين الروحانيّة الذي كانت الإنسانيّة تستقي منه وتعتمد عليه أصلاً في تنمية شجاعتها الأدبيّة وتنوّرها الفكريّ، ينضب بسرعة ويتحوّل مادّة للسخريّة والتهكُّم. وقد حدث ذلك في بادئ الأمر على مستوى الأوساط صاحبة القرار في توجيه المجتمع، ثمّ انتقل إلى أوساط متّسعة الحلقات ضمَّت عامّة الناس. وممّا لا يدعو إلى كثير من الاستغراب هو أنّ هذه الخيانة التي تمثِّل أبشع أنواع التنكر للأمانة وأكثرها ضررًا والتي عانتها الإنسانيّة وزعزعت ثقتها، قد نجحت على مدار الزمن في تقويض الأسس التي يقوم عليها الإيمان بالذات. ولهذا يحثّ حضرة بهاء الله مرّة بعد أخرى أولئك الذين يقرأون كتاباته على أن يفكروا ملياً في الدروس التي لقّنها تكرار فشل الاعتراف بالمظهر الإلهيّ عند بزوغ فجر رسالته.”

“تدبّروا الآن وتفكّروا قليلاً لمَ اعترض العباد من بعد طلبهم وانتظارهم ؟! “ماذا كان سبب اعتراض العباد واحترازهم.”، “وماذا كان سبب أمثال هذه الاختلافات.” تأمّلوا حينئذٍ ماذا كان سبب هذه الأفعال؟”

“ومهما اختلفت النيّات وتنوّعت فإنّ الآثار المفجعة لذلك كانت في عرقلة تيّار الوحي في الأذهان، وتثبيط الهمم في مجال النشاطات الفكريّة المستقلة، وتركيز الاهتمام بصورة مطلقة على صغائر المسائل المتعلّقة بالطقوس والشعائر، وإثارة مشاعر الحقد والتعصّب في أغلب الأحيان ضد هؤلاء الذين ينتهجون طريقاً مذهبياً يختلف عن نهج من نصَّبوا أنفسهم قادة روحانيّين. وفي حين لم يكن في إمكان أيّ شيءٍ أن يَحول دون استمرار الواسطة الإلهيّة في القيام بوظائفها لرفع مستوى الوعي الإنسانيّ وتقدّمه، ضاق مدى ما يمكن تحقيقه من الإنجازات في أيّ عصرٍ كان، وانحسر انحساراً مطّرداً بسبب تلك العقبات الكأداء التي ابتدعها واصطنعها أولئك القادة الروحانيّون.”

فكيف كانت النتائج؟ وكيف صارت العواقب؟

بمرور الوقت نجحت العلوم اللاهوتيّة والفقهيّة في أن تقيم لنفسها في قلب كلّ دين من الأديان الكبرى سلطة تضاهي في نفوذها سلطة التعاليم المُنزّلة التي قام عليها الدين إضافة إلى كونها معادية في روحها لتلك التعاليم… وفي واقع الأمر إنّ كلّ مرحلة جديدة من المراحل التي تتكشّف فيها مظاهر الحقيقة الروحيّة قد تجمّدت في قالب الزمن وفي حُلل برّاقة من حرفيّة الصور والتفاسير جُلّها مستعار من ثقافات عفا عليها الزمن واستنفدت معاييرها الأخلاقيّة. ومهما كانت قيمة بعض المفاهيم في أزمان غابرة من تطوّر وعي الإنسان وتقدمه مثل المفاهيم المتعلّقة بقيامة الجسد، أو بفردوسٍ مليء بما طاب من ملذّات الدنيا، أو اعتقاد بالرجعة والتناسخ، أو عجائب الإيمان بوحدة الوجود، أو غير ذلك من المفاهيم الأخرى، فإنّ هذه المفاهيم كلّها صارت اليوم بمنزلة حواجز تفصل الناس بعضهم عن بعض، وتثير الصراعات بينهم في عصرٍ أصبحت الأرض فيه وطنًا واحدًا بكلّ معنى الكلمة، وصار لزامًا على البشر أن ينظروا إلى أنفسهم على أنّهم سكّان هذا الوطن. ويمكن للمرء في هذا الإطار أن يُقدِّر الأسباب حقّ قدرها فمن أجلها وجّه حضرة بهاء الله إنذاراته الشديدة اللهجة وتحذيراته بخصوص ما تقيمه العصبيّات الدينيّة اللاهوتيّة والفقهيّة من الحواجز التي تقف حجرة عثرة في طريق أولئك الذين يبغون تفهم المشيئة الإلهيّة.

وهنا يجدر بنا أن نؤكد على أنّه إذا آن للعقل أن يتحرّر مما أحيط بالمفهوم الدينيّ من سياج كثيف أقامه أهل الفقه واللاهوت، فمن دون أدني شكّ سيتمكن من سبر أغوار ما ورد في الكتب المقدّسة.

“إنّ اليوم ليس له مثيل ولن يكون لأنّه بمثابة البصر لما مضى من القرون والأعصار، وبمثابة النور في الظلمات.”

“ولعل أروع ما يلاحظ حين نغتنم فرصة الاستفادة من هذا المنظور هو وحدة الهدف والمبدأ التي نشاهدها منسابة في كلٍّ من نصوص التوراة المقدّسة ومن آيات الإنجيل والقرآن الكريم خاصّة أنّ هناك أصداء يمكن اكتشافها بسهولة في الكتب المقدّسة للأديان الأخرى من أديان العالم. إلا أنّنا نجد كيف تعود من جديد تلك المسائل التي ينتظم البحث بشأنها والنابعة من ذلك القالب المعروف الذي نُضِّد فيه كلّ ما صيغ من وصايا ومواعظ وحكايات وقصص ورموز وتفاسير. وليس من بين الحقائق الأساسيّة للدين حقيقة أبرز من تلك التي تنادي تباعاً نداءً وتنوِّه تنويهاً قاطعاً أكيداً بأنّ الله إله واحد، وبأنّه خالق الوجود كلّه، أكان ذلك العالم الماديّ أم تلك العوالم الغيبية القصيّة، فها هو الكتاب المقدس يُذكِّرنا بقول الخالق :”أنا الرب وليس آخر، لا إله سواي” وعززت هذا المفهوم فيما بعد تعاليم السيّد المسيح والنبي محمّد عليهما السلام”.

والنص التالي يبيّن أهمّيّة الكلمة الإلهيّة وحتميّة الإيمان بها:

“… تبارك الّذي أنزل الكلمة وفصل بها بين البريّة إنّه لهو المفصّل الحكيم. وجعلها خمر الحيوان لأهل الإمكان وكوثر البقاء لمن في السّموات والأرضين. إنّ الّذي فاز بها قد فاز بما أراد مولاه الكريم، والّذي استكبر إنّه من أهل الخسران يشهد بذلك لسان الرّحمن في هذا المنظر المنير. قل هذا يوم فيه ظهر الدّليل وأوضح السّبيل وتمّت الحجّة وكملت النّعمة طوبى لمن أقبل وويلٌ للغافلين. من المشركين من ظنّ أنّه يسبق أمر الله قل لا ونفسه الحقّ إنّه لهو المقتدر على ما يشاء قد سبقت قدرته العالمين. يفعل في الملك ما يشاء يعطي ويمنع إنّه لهو المقتدر القدير. قد ضلّ سعي الّذين كفروا سوف يرون أنفسهم في عذابٍ أليم. إنّا نشكر الله في كلّ الأحيان ونصبر فيما ورد علينا في هذا السّبيل المستقيم. ونحكم بين الخلق كيف نشاء وندعوهم إلى ما ينفعهم في الآخرة والأولى إنّه لهو الشّاهد العليم…”

خامساً: المسيرة الروحانيّة

 

إنّ إيمان الفرد يتطلّب منه استعمال عقله وقلبه على السواء، لأنّ إنكار دور العقل يؤدي إلى إنكار الإيمان، فإيمان الفرد يبدأ بوصول النبأ بالأمر الجديد، والذي قد ينكره العقل في أوّل الأمر من شدّة هوله، ويفزع منه بشدّة كفزع الرضيع من الفطام، ولكن بعد تجاوز الصدمة الأولى يبدأ العقل في التفكّر فيما سمعه، فإمّا أن يقتنع به أو لا يقتنع، فإذا اقتنع به قَبِلَه، وبقبوله تنساب الفكرة إلى قلبه ووجدانه فتملأ عليه قلبه وكيانه، إذن فالإيمان يأتي على مراحل تبدأ بمعرفة الرسالة أو النبأ ثمّ تحرّي الحقيقة ثمّ الاقتناع ثمّ تأتي بعد ذلك حريّة القبول. وقد يرى ذوو العقول والمنطق أنّ الإيمان المبنيّ على غير العقل ما هو إلا مجرد درب من الظنون والأوهام. لأنّ اقتناع العقل بالرسالة واستيعابه لها يساعد على قبول الإرادة لهذا النور الجديد مهما كان الثمن الذي سيقدّمه الفرد في مذبح الفداء قرباناً لهذا الإيمان، ولا يتردّد مهما كانت التضحيات المتوقّعة والتي تصل في بعض الأحيان إلى التضحية بالروح في سبيل هذه العقيدة التي اقتنع بها وعَقلها. وفي هذا فليسرد لنا التاريخ قصص المؤمنين الأوائل في كلّ رسالة إلهيّة، وليحدّثنا عن التضحيات التي قدّمت في سبيل كلّ رسالة والتي ما زالت مستمرّة حتّى في وقتنا الحاليّ. وحتما لونظرنا بعين الإنصاف إلى ما يقدّمه أصحاب الرسالات من تضحيات، وإلى ما يتعرّضون له من عذاب وبلاء يعجز القلم عن وصفه، ويبكي المداد من شدّته، لأدركنا دور الإيمان القائم على العقل في ثبات أصحابه واستقامتهم على الصراط.

واسمحوا لنا بأن نقتبس المقالين التاليين بالكامل لأنّهما يعكسان بوضوح أفكار أحد رجال الدين المسيحيّ المستنيرين وأحد الصحفيّين المعروفين.

المقالة الأولى كتبها الأنبا مكسيمو يوحنا:

“وهنا يجدر بنا أن نؤكّد على أنّ الإيمان الذي يبدأ بالعقل والاقتناع يتعمّق بالإرادة وحريّة الاختيار فإذا غيّب العقل وقُيّدت الإرادة تبدّل الإيمان بالخيالات والأوهام. وهذا يقودنا بدوره إلى الدور الأساسيّ الذي تلعبه حريّة الإرادة في قبول ما اقتنع به العقل. فلا إيمان لكائنات لاحريّة لها ولا إرادة. فالإيمان مقصور على الكائنات التي لها عقل وحريّة دون غيرها. وإنّ في إلغاء الحريّة إلغاء للإيمان من جذوره حتّى لو وقفت الحريّة عائقاً في طريق الإيمان فهذا ليس مدعاة لإنكار الحريّة باسم الإيمان بل على العكس فهذا معناه أنّنا بحاجة إلى مزيد من الحريّة ومزيد من البرهان ومن الاقتناع… فالحريّة هي الرئة التي يتنفس بها الإيمان بل هي سرّ بقائه وسرّ وجوده، وتعطيل الحريّة يخرج الإيمان عن كونه إيماناً يحيا في القلب والوجدان إلى كونه إلزاماً أو التزاماً وضعيّاً وهو رهن بالأسباب والضغوط التي حتّمت وجوده وبقاءه. فالإيمان يثبّته ويقوّيه الإقناع القائم على الحريّة وليس تحويله إلى أوامر ونواهي توظّف بطريقة قمعيّة وتصادر حريّة الإنسان في أن يختار بملء حرّيّته و إرادته أن يحبّ الله و أن يطيع وصاياه. إنّ الوصية علاقة بيني وبين الله، والإيمان علاقة شخصيّة مع الله ولا يمكن تحويل الإيمان إلى فروض إلزاميّة لأن مُصَادَرة الحريّة لن تؤول لمجد الله بل إلى رفض الأنسان لله. والتجربة الكاثوليكيّة في أوروبا خلال القرون الوسطى خير مثال على استبدال ثقافة الوصاية التي مارسها رجال الدين (والتي تعيش المنطقة العربيّة أجواءها الآن) والتي أدّت في النهاية إلى بزوغ تيارين الأوّل “إلحاديّ” وهو رفض الإله والدين ورجاله، والثاني “احتجاجيّ” وهو رفض فقط رجال الدين وثقافة الوصاية ونادى بأنّ الإيمان علاقة مباشرة بين الفرد وربّه لا يجب أن يكون بينهما وسيط”.

والمقالة الثانية كتبها علاء هادي:

“ونظرة سريعة إلى حاضر وماضي بلدنا سَتُرينا تنوّع المذاهب والأديان التي يرى فيها حاملوها طريقهم للعيش في الحياة الدنيا والآخرة. ولايمكن منطقيّاً إرغام مؤمن ما بمفهموم روحانيّ وضمان إيمانه المطلق والدائم لأنّ الإيمان يتنافى مع الإرغام لذا لايمكنك وبغض النظر عمَن كنت وكانوا أن ترغم أبناء بلدك على تبنّي دينكَ أو يقينكَ لضمان عيشك بسلام معهم لأنّهم وكحقيقة مُعاشة يرون في مايحملون مصدراً أصدق وأمثل للتعامل مع خالقهم وخَلقِهِ. وإذا كانت لك القدرة الماديّة الآنيّة في إرغامهم على تَبنّي دينك أو مذهبك فإنّك لاتضمن إيمانهم الدائم بما أُرغموا عليه لأنّه وكحقيقة علميّة وتاريخيّة أثبتت أنّه بزوال المؤثّر يزول التأثير.

وبالتأكيد فإنّ أبناء أيّة أمّة لايريدون العودة بالمجتمع إلى نزاعات دينيّة أو جدليّة حول أفضليّة أو أحقيّة من بمن أو مَن على مَن؟ لأنّ تجارب ومآسي التاريخ البشريّ قد أبدت لنا عقمَ وعدم عقلانيّة مثل هذه النزاعات والتي راح ضحيّتها آلاف الأبرياء. وإنّ بلدنا العريق، صاحب أقدم الحضارات والأمم ومنه انطلق العديد من الأنبياء والمفكّرين ليبشّروا باقي الأمم بالحبّ والخير والبناء وأسّسوا حضارات وفلسفات في كلّ أرجاء المعمورة مايزال يتبنّاها وبكلّ فخر واعتزاز أبناء شعوب تبعد عنا ملايين الأميال، لَحريّ أن نستذكر بعضاً مما حفل به تاريخنا من خير وحبّ وتسامح، ونُدرك أنّ في بلدنا الطيب متسعاً للعيش والبناء لكلّ أبنائه بغضّ النظر عن دينهم ويقينهم. وكما احتضن هذا الوطن الطيب منذ آلاف السنين أجدادنا وآباءنا إخوة وأحبّة وأصدقاء لهوَ قادر على احتضاننا اليوم وغداً وكلّ يوم.”

ومن الضروريّ هنا التأكيد على أنّ للمرء مطلق الحريّة في أن ينكر الدور المتميّز لهذا الرسول الإلهيّ أو ذاك. وإذا كان هذا هو قصده فإنّه يمكن أن يعتمد في ذلك على التفاسير المبنيّة على النظريّة القائلة إنّ للتاريخ منطقًا خاصًا خاضعًا لقوانين طبيعيّة وله أطوار كلّ منها قائم بذاته. ولكنّ مثل هذه التكهّنات لاتساعد على توضيح ما تمّ من نموّ الفكر الإنسانيّ وتطوّره، وما حدث من تغييرات في العلاقات البشريّة ذات ضرورة ماسّة بالنسبة لمسيرة التطوّر والارتقاء الاجتماعيّ.

“إنّ انهيار الإيمان بالثوابت التي أقامها المذهب الماديّ وازدياد الخبرة الإنسانيّة في مجال خلق عالم موحَّد، هما عاملان يدعّم كلّ منهما الآخر في بعث تلك الرغبة الجيّاشة لدى الإنسان للتوصّل إلى مفهوم حقيقيّ للوجود. وهكذا تمّ تحدّي القيم الأساسيّة والتنازل عن الروابط التي تُفرِّق وتحدُّ، وصارت المطالب التي لا تخطر على البال مقبولة. إنّ ما يحدث هو انقلاب العالم، كما صرّح حضرة بهاء الله، ووصفته الكتب المقدّسة للأديان السابقة مستخدمة الصورة المجازيّة “يوم القيامة”. وقد تفضّل حضرته قائلا بهذا الخصوص “قد أتت الصيحة وخرج الناس من الأجداث وهم قيام ينظرون” فالسياق الجاري في طيّات ما نشهده من تفكّك ومعاناة ما هو إلا سياق روحانيّ في الأساس “قد سرت نسمة الرحمن واهتزت الأرواح في قبور الأبدان“…”

فالهدف المعلن للرسالات الدينيّة المتعاقبة في التاريخ إذاً لم يكن بغية هداية الفرد الواحد من رواد الحقيقة السالكين طريق الخلاص الشخصيّ فحسب، بل بغية تهيئة الأسرة الإنسانيّة بأسرها أيضاً لاستقبال ذلك الحدث الخطير، الذي أشارت إليه الأديان السابقة مجازًا بأنّه اليوم الآخر الذي فيه تتجدّد حياة العالم وتتغيّر تغيّرًا كاملاً. فلا خلاف أن غاية الدين هي الوفاق والوداد بين البشر، ومع ذلك جعله الناس منذ بداية الخليقة مصدراً للجدال والشقاق والقتال، على الرغم من تناقض ذلك مع الطبيعة الروحانيّة لجميع الأديان التي يركز جوهرها على التراحم والبر والإحسان، فالدين يفرض حسن معاملة الغير.

وقد يكون السبب من وراء التحيّز والتعصّب ما تلقيه قداسة الدين في روع أتباعه من امتناع البحث الحرّ في معتقداته. إلى جانب ما يفرضه التقليد المتوارث من أخذ تعاليم الدين عن رجال متخصصين من دون تحليل أو تمحيص؛ وكلا الأمرين ليس له أساس بالمرّة، ومؤدّاهما ضعف نفوذ الدين ذاته، وتسلط التعصّب على أفكار الناس. ولو واجه كلّ فرد نفسه اليوم باحثاً عما حمله على اعتناق دين دون غيره، وعما يثبت صدق الدين الذي اعتنقه لأدهشه الجواب، وقبل أن يفيق من دهشته يأتيه سؤال آخر وهو إذا كان هذا الدين الذي اعتنقه هو الدين الحقّ فقط فلماذا لم يؤمن به الآخرون؟ ولماذا يعترض عليه أصحاب الديانات الأخرى؟

إنّ تاريخ الأديان وتسلسلها يؤكد أنّ التاريخ يعيد نفسه بالفعل، وأنّ الاعتراض على الأديان، كما سبق وأوضحنا في أكثر من موضع في هذا البحث يسير على المنوال نفسه والنسق عينه، ويوضّح أنّ رؤساء الدين السابق في كلّ زمان هم أوّل من يقومون بالاعتراض، وتتكرّر المأساة في كلّ ظهور فيقيسون الرسالة التالية بما تهوى أنفسهم، ويسعون للقضاء عليها من دون تروّ في البحث.

ولا يخفى على أولي النهى أنّ غياب المقاييس العقليّة المجرّدة يسهّل سيطرة العواطف والميول الشخصيّة في الحكم على ما يدور في وجدان الآخرين. ونأتي إلى السؤال الخامس وهو الذي يتبادر إلى أذهان الكثير ويحاولون البحث عن إجابات شافية كافية عليه وهو:

5. ما هي المعايير الموضوعيّة لتعريف الدين على نحو علميّ وتمييزه عن غيره من الحركات الفكريّة والمذاهب الفلسفيّة؟

كما ذكرنا آنفا أن هذا السؤال قد تكررت إثارته مع مجيء كلّ رسالة، وقد أشرنا إلى بعض المقاييس التي ذكرها عدد من الرسل لأتباعهم حتّى يميزوا بين الدين السماويّ وبين ما يذيعه البعض من فلسفات أو أفكار.

وفي السطور التالية سنتناول من خلال مقارنة للأديان شيئاً من المعايير التي يمكن الاعتماد عليها في التعرّف على الطبيعة الروحانيّة للدين، مع الإقرار سلفاً بصعوبة الاعتماد في هذا المجال على الأدلة العقليّة وحدها وإهمال الأدلة النقليّة في موضوع يرجع إلى الفؤاد، ويحتكم إلى الضمير، وتحيط به من كلّ جانب مشاعر الحب والولاء:

أوّلاً: إنّ أهم مايميز الدين السماويّ عما سواه من صور المعتقدات وفقاً للإيمان الراسخ للبهائيين هو التسليم بوجود خالق سبحانه هو المدبّر للكون فوق عالم الطبيعة. وهو الحاكم على الكون المشهود. هو واحد أحد فرد صمد لا شريك له ولا معين فلا يصل إدراك البشر إلى علياء وحدانيته، ولا إلى كنهه الفريد الممتنع على العقول البشريّة المحدودة، لأنّ البون الفاصل بين علوّ الخالق ودنوّ المخلوقات هو مانع من الإدراك.

“… نشهد أن لا إله إلاّ هو لم يزل كان ولم يكن معه من شيءٍ ولا يزال يكون كما كان، قد انقطع السّبيل إلى عرفان ذاته وقصر الدّليل عن البلوغ إلى إدراك كنهه، السّبيل مسدودٌ والطّلب مردودٌ دليله آياته وظهوره إثباته. الغنيّ عن ذكر دونه والمستغني عن وصف ما سواه، قد أرسل الرّسل وأنزل الكتب وجعلهم مظاهر آياته ومطالع أسمائه وصفاته ليشهدنّ الكلّ بما شهد لذاته قبل خلق سمائه وأرضه بأنّه لا إله إلاّ هو كان إلهًا واحدًا أحدًا فردًا وترًا دائمًا أبدًا قيّومًا، وقد انتهت الرّسل بهادي السّبل إنّه لبالمنظر الأعلى وينطق من ذلك المقام الأسنى والأفق الأبهى، طوبى لكم بما فزتم في هذا العيد الأعظم بخلع العرفان وآمنتم بربّكم الرّحمن وبما جاء به فخر الأكوان وسلطان الإمكان الّذي به جدّدت الأديان ومرّت نفحات الغفران على أهل العصيان…”

وقد شرح حضرة عبد البهاء صلب هذا الاعتقاد بقوله:

“فإذا كانت حقيقة الجماد والنبات والحيوان والإنسان حال كونها كلّها من حيّز الامكان، ولكن تفاوت المراتب مانع أن يدرك الجماد كمال النبات، والنبات قوى الحيوان، والحيوان فضائل الإنسان، فهل من الممكن أن يدرك الحادث حقيقة القديم ويعرف الصنع هوية الصانع العظيم؟”

ثانياً: يركّز الدين، على الرغم من استحالة بلوغ عالم الشهود إلى فهم وإدراك الغيب المنيع، يركز كلّ دين على دوام الرابطة الوثيقة بين الخالق والمخلوق بحيث تستمد الكائنات من فيوضاته نشوءها وبقاءها ومنتهاها بتبعية لاتعرف الاستقلال، ويستمد الإنسان هداه من النور المنتشر من كلماته، وعليه يكون اعتماده، وبه يتحقّق رجاؤه، وإليه يعود مآله. ولكنّ الفيوضات الإلهيّة لا تصل إلى الإنسان إلاّ من وراء حجاب، والواسطة بينهما رسل يصطفيها سبحانه وتعالى لتحكي عن حقيقة الألوهيّة الخافية، وتظهر مشيئتها وتطالب العباد بذكرها والتوجّه إليها في العشيّ والإشراق، وتحذّر من عاقبة العصيان في الآخرة والأولى.

“… قل إن الغيب لم يكن له من هيكل ليظهر به، إنّه لم يزل كان مقدّسًا عمّا يُذكر ويُبصر، إنّه لبالمنظر الأكبر ينطق إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا العليم الحكيم… إنّ الغيب يعرف بنفس الظّهور، والظّهور بكينونته لبرهان الأعظم بين الأمم…” 

“الحمدُ لله الّذي أرسل الرّسل وأنزل الكتب على أنّه لا إله إلاّ هو، لم يزل كان مقدّسًا عن وصف الممكنات ومنزّهًا عن إدراك الموجودات، ولا يزال يكون بمثل ما قد كان في أزل الآزال…”

“إنّ جميع الأنبياء هم هياكل أمر الله الذين ظهروا في أقمصة مختلفة، وإذا ما نظرت إليهم بنظر لطيف لتراهم جميعاً ساكنين في رضوان واحد، وطائرين في هواء واحد، وجالسين على بساط واحد، وناطقين بكلام واحد، وآمرين بأمر واحد. وهذا هو اتّحاد جواهر الوجود والشموس غير المحدودة والمعدودة.”

ثالثاً: التأكيد على أنّه من تبعات عبودية البشر لخالقهم واعتمادهم عليه واجبهم والتزامهم بذكره وعبادته وتقواه، ومن ثمّ يكون تشريع الدين لمناسك العبادة من صلاة وصوم وزكاة وحج وبيان شروطها، وكيفية أدائها، باعتبارها أساس في العلاقة بين العبد وربّه، ولا أهمية لاختلاف مراسيم العبادة من شريعة إلى أخرى، فهذه الأركان التي يقوم عليها الدين لا تتغيّر في جوهرها، ولكن تختلف في طريقة أدائها ويتغيّر أسلوبها وفقاً للتشريع الذي يأتي به كلّ رسول رمزاً لاستقلال شريعته عن سابقاتها.

رابعاً: وتحتوي الشرائع السماويّة، فضلاً عن العبادات والأوامر والنواهي التي تنصبّ في غالبها على العلاقات الاجتماعيّة أحكاماً تنظم الأحوال الشخصيّة وما يتبعها من روابط ضروريّة للحفاظ على تماسك الأسرة بوصفها الوحدة الأساسيّة في كلّ مجتمع. وعلى قدر قوّة بنائها وتماسكها يتوقف البناء الاجتماعىّ للأمم بأسرها. والمطّلع على الأحكام التي جاء بها الدين البهائيّ بخصوص روابط الزواج وكيان الأسرة لا يجد اختلافاً بيّناً بينها وبين ما جاءت به الشرائع الأخرى. فهى تشترط رضاء الطرفين ورضاء والدي كلّ منهما، وتفرض الاكتفاء بزوجة واحدة. وتضع آليات مناسبة لتجنّب أيّ احتمالات لانتهاء العلاقة الزوجيّة ووقوع الطلاق، وفي الوقت نفسه تتيح كلّ الفرص للتوفيق بين الزوجين من خلال البحث عن أسباب الخلاف وإسداء النصح، ولا يقع الطلاق إلا بعد سنة كاملة من فشل كلّ محاولات درء الطلاق ولا تتوقف المساعي الحميدة للصلح خلال هذه السنة.

خامساً: يجب أن يكون الدين صادراً عن إرادة حرّة خالية من وسائل الإكراه أو أساليب الإغراء. هذا شرط أساسيّ للإيمان حتّى يكون مبعثه الاقتناع قلباً وقالباً بعد بحث ودراسة واستقصاء بالقدر الذي يملأ القلب اطمئناناً ويغمره بنور الهداية. ولقد كان انتشار الدين البهائيّ بهذه الكيفيّة والشروط، فوصل في خلال قرن ونصف من الزمان إلى أقصى بقاع الأرض بين أقوام جدّ متباينة في ثقافاتها ومختلفة في تاريخها ونظمها الاجتماعيّة. وعلينا أن نمعن النظر في التأثير البالغ لهذه الكلمة الإلهيّة الخلاّقة وقدرتها على اقتلاع جذور التعصّب والبغضاء من قلوب الذين آمنوا بها، بحيث بعثتهم هذه الكلمة في خلق جديد تسوده المحبّة الصادقة والأخوّة والاتحاد، وذلك لا يتيح مجالاً للشكّ في مدى تأثير الكلمة الإلهيّة الموحّدة، وعلى نفوذ القدرة الكامنة في التعاليم البهائيّة.

ألا تجد البشريّة في هذا التحول العظيم دليلاً على حاجة العالم الذي يئن من تفتت وحدته وتشتّت معتقداته إلى الهداية التي جاء بها هذا الدين، والتي هي في حقيقتها البلسم الشافي لما يعتريه اليوم من أمراض؟

سادساً: يؤكد الدين مسؤوليّة كلّ إنسان أمام خالقه عن سلوكه وأعماله خيراً كانت أم شراً، وعلى الرغم من أن الشرائع الدينيّة قد نصّت على عقوبات (الحدود) لمن يعيثون في الأرض فساداً، ولا يراعون حقوق الناس وحقوق الله، إلاّ أنّ هذا العقاب في الحياة الدنيا لا يعفيه من الحساب الأخرويّ بعد الموت. ولذا يوصي الدين البهائيّ أتباعه بأن يتذكروا يوميّاً هذه المسؤولية الشخصية وفي ذلك يقول حضرة بهاء الله:

حاسب نفسك في كلّ يوم من قبل أن تحاسب لأنّ الموت يأتيك بغتة وتقوم على الحساب في نفسك.”

“إنّ الإنسان يرتفع بأمانته وعفّته وعقله وأخلاقه، ويهبط بخيانته وكذبه وجهله ونفاقه، لعَمْرِيْ لا يسمو الإنسان بالزّينة والثّروة بل بالآدابِ والمعرفةِ.”

“فضل الإنسان في الخدمة والكمال لا في الزّينة والثّروة والمال…”

“إنّ الإنسان مرّة يرفعه الخضوع إلى سماء العزّة والاقتدار وأخرى يُنزله الغرور إلى أسفل مقام الذّلّة والانكسار…”

سابعاً: بالإضافة إلى أنّ الدين يزخر بالقصص التي تخبر عن الأمم السابقة والتي تسرد أحداث الماضي فهو يكشف عن رؤاه للمستقبل بنبوءات تصبح عند تحقّقها آية على صدق ما جاء به المرسلون من أنباء المستقبل التي لا يعلمها إلاّ الله فتزيد المؤمنين إيماناً، وفي الوقت نفسه تقيم الحجّة على المتشكّكين، وتكون بيّنة قاطعة على المرتابين والمبلسين. من ذلك ما أنبأ به حضرة بهاء الله في ألواحه المرسلة إلى ملوك الأرض ورؤسائها في عام ١٨٦٨ م حيث كان سجيناً في قلعة عسكرية بمدينة عكاء، فحذّرهم صراحة بما ستؤول إليه أحوال هؤلاء الملوك والرؤساء وشعوبهم من انقلابات سيكون من شأنها تغيّر معالم العالم إلى الدرجة التي ستسقط فيها عروشهم جزاء لتجاهلهم وعدم استجابتهم للنداء الإلهيّ الذي أبلغه إليهم. كما أنبأ رؤساء الأديان بانقضاء عهد الكهنوت الذي وقف حائلاً بين الناس وبين التوجّه إلى الله فضلوا وأضلوا الناس عن السبيل القويم. وعلى سبيل المثال نلقي نظرة سريعةعلى إنذار حضرة بهاء الله إلى نابليون الثالث ملك فرنسا المحاط بالعزة والقوة والسطوة منبئاً إياه بأنّ عزّه الذي يرتع فيه آنذاك هو زائل عن قريب، وبأنّ الذلة تسعى عن ورائه إذا لم يتمسك بحبل الله المتين. وهذا ما تحقّق حرفيّاً قبل مضي عامين على هذا الإنذار.

ومنذ ظهور الدين البهائيّ وإعلان مبادئه وتعاليمه وأحداث العالم وأحواله تسير في الاتجاه نفسه الذي عيّنته وحدّدته هذه المبادئ، سواء أكان ذلك من قبيل تحرّر الشعوب التي كانت تخضع لسيطرة ملوك وأباطرة يعتبرون حكمهم إرثاً إلهياً لا يدينون فيه بشيء لشعوبهم، أم كان ذلك من قبيل استقلال الشعوب المستعمرة بعد أن فقدت أوروبا منزلتها الأولى. كما تغيّرت العلاقات بين الأمم بعد أن تشكّلت المنظمات الدوليّة، وتأسّست محاكم لحلّ المنازعات بين الدول بالطرق السلميّة، وفرض القانون الدوليّ على الحكومات احترام حقوق الأفراد الموجودين على أراضيها. كما انقضى عهد الرقّ ونظام الإقطاع والسخرة والاستعمار. وبالفعل بدأت تظهر في الآفاق نواة لنظام عالميّ على النحو الذي رسمته رؤية حضرة بهاء الله. ومازالت أمور العالم توالي مسيرتها بخطى حثيثة نحو الأهداف التي حدّدتها الإرادة الإلهيّة لهذا العصر النورانيّ إلى أن تستكمل الشوط ويؤول أمر العالم إلى ما أنبأ به بهاء الله.

ليس قصدنا أنّ نقدّم النظام الجديد للعالم ومدنيته الماديّة والاختلاف العظيم في أفكاره وأحواله عن القرون الماضية على أنّه النظام الذي أتى به الدين البهائيّ. وإنّما هذا النظام والترتيب قد يكون الهيكل الخارجيّ والأداة الماديّة للإعداد والتمهيد لذلك النظام الذي أسماه حضرة بهاء الله الصلح الأعظم بياناً لعلاجه الشامل لكلّ الآفات التي انتابت الإنسانيّة في الماضي، والذي سيتحقق بإقبال أهل العالم طواعية إلى الكلمة الإلهيّة وإسلامهم الوجه لله.

هذه بعض الأسس والمميّزات العامة التي تنطوي عليها الرسالات السماويّة، ولكن لا ينبغي أن يغيب عن بالنا العناصر الأخرى التي تصاحب ظهور هذه الرسالات وكأنّها من مستلزماتها مثل قيام السلطات سواء أكانت سلطات دينيّة أم سياسيّة على تكذيب الرسل وإنكار حقيقة الدعوة الإلهيّة الجديدة بمجرد ظهورها. ولنا في السوابق التاريخيّة خير دليل. ألم يرفض فرعون رسالة موسى على الرغم من أنّه تربى وترعرع في ظله وكان بمثابة ابن له ولزوجه؟ ومع ذلك حذّر فرعون قومه من موسى الذي عزم على أن يبدّل دين آبائهم، وحرّضهم عليه زاعماً أنّ يوسف عليه السلام كان خاتم المرسلين وأنّه لن يأتي من بعده رسول. وما لبث بنو إسرائيل أن أعادوا الاعتراض نفسه عند مجيء السيّد المسيح فرفضوا قبول دعوته الإلهيّة وحكموا عليها بالبطلان. وها هي الأمم الخالية نفسها مازالت تنظر بالريب إلى الرسالة المحمّديّة حتّى بعد قرون عديدة من نجاحها في تنظيم شؤون المسلمين وخلق حضارة غير مسبوقة.

قد يجد القارئ في ما ورد في فصول هذا الكتاب ما يؤيد وجود كلّ هذه العناصر في مضمون المبادئ والتعاليم التي جاءت بها الديانة البهائيّة على نحو يحسم الخلاف حول طبيعتها، ويقطع بشمولها لكلّ هذه العناصر التي اشتملت عليها الرسالات السماويّة السابقة. وهذا ما دفع كثيراً من الدول المتقدّمة والعديد من المنظمات الدوليّة إلى الاعتراف بالدين البهائيّ وقبول هيئاته الإداريّة على أنّها هيئات دينيّة مستقلة عن غيرها من المؤسّسات التابعة للأديان السابقة.

إن الكتب السماوية جميعها تحدثت وبإسهاب كبير عن هدف الدّين وحقيقته وذلك من أجل بلوغ الإنسانيّة ذلك “اليوم الموعود” الذي فيه “أشرقت الأرض بنور ربّها” فليس هدف رسالات الله المتعاقبة هو هداية الفرد الذي يسلك سبيل البحث عن الحقيقة فحسب، بل تهيئة الإنسانيّة بأسرها لاستقبال ذلك اليوم المشار إليه مجازاً باليوم الآخر والذي فيه تتجدّد حياة العالم بالكلّية.

“فما كان ظهور حضرة بهاء الله ليمهّد السبيل أمام هذا الحدث أو التنبؤ بوقوعه، بل هو الحدث بعينه، فبواسطته وقوة نفوذه شُرِع في تنفيذ تلك المهمّة الخطيرة لتشييد الأسس التي سوف يقوم عليها ملكوت الله على الأرض، وأُنعم على سكان الأرض بالمواهب والقدرات اللازمة لتحقيق هذه المهمّة. وما الملكوت هذا إلا حضارة عالميّة تسودها مبادئ العدالة الاجتماعيّة وتثريها الإنجازات الروحيّة والفكريّة التي حقّقها البشر على نحوٍ لا يمكن للعصر الحاضر أن يتخيّله.”

وفي المقتطفات التالية بعض ما ذكره حضرة بهاء الله:

“قل هذا يوم وعدتم به في كتب القبل وبشّركم به محمد رسول الله بقوله يوم يقوم النّاس لمالك الملكوت.” 

“… قل اليوم قد هبّت لواقح الفضل على الأشياء وحمل كلّ شيء على ما هو عليه” “سوف يطوى بساط الدنيا ويبسط بساط آخر ويبقى العزّة والملك لله العليم الحكيم.” 

وهنا يجدر بنا أن نتعرّف على ماجاءت به الرسالة الجديدة من مبادئ سيكون من شأنها أن تحقّق حلم البشريّة في الاتحاد والوفاق في ظلّ سدرة العناية الإلهيّة.

وفي الفقرة التالية عرض موجز عن الدين البهائيّ مأخوذ من بيان كتبه حضرة شوقي أفندي رباني ولي أمر الله وفيه تلخيص لجانب من المعتقدات البهائيّة:

“إنّ الدين البهائيّ يؤمن بوحدانيّة الله، ويعترف بوحدة أنبيائه، ويرسّخ في الأذهان مبدأ وحدة الجنس البشريّ بأسره وتكامله، ويعلن ضرورة وحتميّة اتحاد البشر، ويؤكد أنّهم يقتربون منه تدريجيّاً كما ينادي بأنّ المشيئة الإلهيّة كما يظهرها المبعوث لهذا اليوم يمكنها وحدها في نهاية المطاف أن تحقّق هذا الاتحاد. وفضلاً عن ذلك يأمر الدين البهائيّ أتباعه بالبحث الحرّ عن الحقيقة، ويرفض كلّ صور التعصّب والخرافات، ويعلن أنّ غاية الدين هي الوفاق والوداد، ويؤيد اتفاق العلم والدين، ويعترف بأنّ الدين هو العامل الأكبر في استقرار المجتمع الإنسانيّ وتقدّمه. ويتمسّك من دون لبس بمبدأ المساواة بين الرجال والنساء في الفرص والحقوق والامتيازات، ويفرض التعليم الإجباريّ، ويقضي على الفقر المدقع والثراء المفرط، ويلغي نظام الكهنوت، ويحرّم الرقّ والرهبنة والتنسّك والاستجداء، ويأمر بالاكتفاء بزوجة واحدة، ويبغض الطلاق، ويركّز على ضرورة الطاعة التامة للحكومة، ويسمو بكلّ عمل يؤدى بروح الخدمة إلى مصاف العبادة، ويحبّذ إيجاد أو انتخاب لغة ثانويّة عالميّة، ويرسم هيكل المنظمات الضروريّة لتأسيس السلام العام بين الأمم والمحافظة عليه.”

“إنّ دين بهاء الله الذي يسمو عن أن يوصف بكونه إحدى الحركات أو طائفة من الطوائف أو بغير هذا من الأوصاف المجحفة بنظامه الذي يطَّرد انكشافاً. هذا الدين الذي ينزع عن نفسه كينونة الانتماء إلى الطائفة البابية أو الأدب الآسيوي أو اعتباره شعبة من طائفة الشيعة في الإسلام. والذي يرفض أن يطلق عليه مجرد فلسفة الحياة أو أن يتصف بطابع الثقافة الأخلاقية أو حتّى تسميته بدين جديد. نراه ينجح في التدليل عن خاصيته واسمه بأنّه “دين العالم” المقدّر له عند تمام الوقت أن يتخذ شكل حكومة عالميّة تصير على الفور أداة السلام الأعظم الذي أعلنه بهاء الله و تقوم على رعاية ذلك السلام (وما كان هذا الدين راغباً في أن يزيد نظاماً آخر على عدد النظم الدينيّة الأخرى التي عكف أتباعها لأجيال كثيرة على تعكير سلام البشر، ولكنه ينفخ في روح كلّ واحد من أتباعه حباً جديداً للأديان المختلفة المتمثلة في دائرته و تقديراً صحيحاً لوحدة الأساس بينها) وإلى هذا المطلب و المقام تشهد شخصية ملوكية بقولها عن الدين البهائيّ:

“إنّه يشبه حظيرة فسيحة الأرجاء تضمّ إليها جميع الذين بحثوا طويلاً عن كلمات الرجاء، فهو يعترف بجميع الأنبياء العظام الذين سبقوه ولا يهدم عقائد الآخرين بل يفتح جميع الأبواب” ثمّ تستطرد جلالتها وتقول: “إنّ التعاليم البهائيّة تدخل السلام على النفس و الرجاء إلى القلب، وللذين ينشدون الطمأنينة واليقين تظهر كلمات الآب كينبوع في الصحراء يهتدي إليه الظمآن بعد تيه طويل. “وفي مقام آخر تشير إلى بهاء الله و عبد البهاء بقولها: “إنّ آثار أقلامهما صرخة داوية في سبيل السلام تتخطى الحواجز والحدود وترتفع فوق اختلاف الرأي والشعائر والطقوس، وإنّها لرسالة عجيبة تلك التي أعطاها لنا بهاء الله وابنه عبد البهاء، وأنّهما لم يفرضاها بالقوة فرضاً لعلمهما بأنّ الحقيقة الخالدة الكامنة فيها لابد أن تتأصّل وتمتدّ.” ثمّ تختم كلماتها بقولها: “إنيّ أوصيكم جميعاً إذا ما طرق سمعكم اسم بهاء الله أو عبد البهاء أن لا تنبذوا تعاليمهما وراء ظهوركم بل ابحثوا كتبهما واجعلوا كلماتهما البهيّة الحاملة للسلام والفيّاضة بالمحبّة والمفعمة بالعظات تنفذ إلى أعماق قلوبكم كما نفذت إلى أعماق قلبي واستقرّت في صميم فؤادي.”

وسيتناول الفصل التالي بعض هذه المبادئ بشيء من التفصيل على أمل أن يرجع القارئ في بحثه عن الحقيقة إلى المصادر والمراجع البهائيّة المعتمدة والتي تتوفر سواء في المكتبات العادية أو المكتبات الإلكترونية.

الفصل الثالث المبادئ البهائيّة

من خلال الفصل السابق استطعنا أن نصل إلى مفهوم أساسيّ وهو أنّ دين الله واحد على الرغم من تعدّد شرائعه واختلافها باختلاف الأزمنة والعصور. وأنّ كلّ رسالة من الرسالات الإلهيّة هي جزء لا يتجزأ من الدين الإلهيّ الواحد. وأنّ ما تأتي به كلّ رسالة من مبادئ وتعاليم هي، بلا شكّ، جزء لا يتجزأ من التراث البشريّ وخطوة لا غنى عنها ولا بديل لها في منظومة الرقيّ الإنسانيّ وتطوّره من خلال مبادئ سامية تساعد الجنس البشريّ على التحوّل الروحاني والترقّي الأخلاقيّ، والتعاون والتضامن من أجل تأسيس حضارة إنسانيّة عالميّة يسودها الأمن والسلام.

سيتناول هذا الفصل بعضاً من هذه المبادئ الرئيسة التي جاء بها الدين البهائيّ. فالمبادئ، كما هو معروف، هي تلك الأصول التي تأتي بها الكلمة الإلهيّة المنزّلة في كلّ رسالة. وإنّ المبادئ التي نحن بصدد الحديث عنها مستخلصة من الآيات والألواح المباركة في هذا الدّور الجديد بصفتها التوجيه الإلهيّ الذي يحدّد معالم الدورة الحاليّة من المسيرة الإنسانيّة، وفيها الأساس المتين لصرح الحضارة العالميّة المقبلة. والمبادئ في هذا السياق ما هي إلا أهداف يدور حولها الأفراد والجماعات على السواء، ويبذلون كلّ ما في وسعهم لتحقيقها، ويكرّسون كلّ جهودهم وجلّ مواردهم بل وجميع إمكاناتهم من أجل تحقيقها على أكمل وجه.

فالمبادئ البهائيّة كما كرّرنا في أكثر من موضع بأنّها تقوم على التوحيد الخالص لله الواحد الأحد، وعلى وحدة رسله ومظاهر أمره الكرام الذين يختارهم الله ويصطفيهم من أنبيائه ورسله ليؤسس كلّ واحد منهم يوماً عظيماً من أيّامه، وذلك تأكيد على أنّ الحقيقة الإلهيّة ستبقى دائماً وأبداً منزّهة عن الإدراك. لذا فإنّ صفات الله وسجاياه تنعكس بوضوح في كلّ من يبعثه من المظاهر الإلهيّة التي هي بمثابة المرايا النقيّة الصقل والتي تعكس تلك الكمالات الإلهيّة والصفات الربانيّة للبشر.

“… أمّا تجلّي الكمالات والفيوضات والصفات الإلهيّة فهي ساطعة لامعة من حقيقة الإنسان الكامل يعني ذلك الفرد الفريد المظهر الكلّي الإلهيّ لأنّ سائر المخلوقات اقتبست منه شعاعاً. أمّا المظهر الكليّ فهو مرآة تلك الشمس تظهر فيها بجميع كمالاتها وصفاتها وآثارها وآياتها. فمعرفة الحقيقة الإلهيّة ممتنعة ومحالة. وأمّا معرفة المظاهر الإلهيّة فهي معرفة الحقّ. لأنّ الفيوضات والتجلّيات والصفات الإلهيّة ظاهرة فيها. إذاً لو اهتدى الإنسان لمعرفة المظاهر الإلهيّة فقد فاز بمعرفة الله، ولو غفل عن معرفة المظاهر المقدّسة حُرم من معرفة الله، فثبت وتحقّق أنّ المظاهر المقدّسة هم مركز الفيض والآثار الكتابيّة والكمالات الإلهيّة…”

ومن أبرز مبادئ الدين البهائيّ؛ الوحدة الكامنة وراء جميع الأديان، والتحرّي عن الحقيقة تحرّياً مستقلاً دون تقيّد بالخرافات أو بالتقاليد، والتبرّؤ من كلّ ألوان التعصّب الجنسيّ والدينيّ والطبقيّ والقوميّ. وضرورة الوئام الذي ينبغي أن يسود بين الدين والعلم. والمساواة بين الرجل والمرأة فهما الجناحان اللذان يعلو بهما طائر الجنس البشريّ إلى أوج التقدّم والرقيّ. هذا بالإضافة إلى التعليم الإجباريّ لجميع الأفراد. وضرورة الاتفاق على لغة عالميّة إضافيّة. وفرض الحلول الجذرية من أجل القضاء على الفروق بين مظاهر الغناء الفاحش والفقر المدقع والتقريب بين الطبقات. وحتميّة تأسيس محكمة عالميّة لفضّ النزاع بين الأمم. كما يرقى بالعمل الذي يقوم به صاحبه بروح الخدمة إلى منزلة العبادة. والتأكيد على أنّ العدل يجب أن يكون هو المبدأ الأساسيّ في السيطرة على المجتمع الإنسانيّ. والثناء على الدين كحصن لحماية كلّ الشعوب والأمم. وإقرار السلام الدائم العام كأسمى هدف للبشريّة.

ونظراً لما يقتضيه البحث من الاختصار فإننا سنتناول بعضاً من هذه المبادئ ونترك للقارئ الحرّيّة في اطلاعه عليها بالتفصيل وهو في رحلته الروحانيّة للبحث عن الحقيقة.

1. وحدة الجنس البشريّ

إنّ وحدة الجنس البشريّ تعتبر المبدأ الأساسيّ الذي جاء به الدين البهائيّ. وحول هذا المبدأ الجوهريّ تدور المبادئ الأخرى التي جاء بها حضرة بهاء الله في فلكه كآليات فاعلة لتحقيق هذه الوحدة المُحَقِّقة للسلام والأمان على وجه الأرض.

ما من شكّ في أنّ الإنسان هو أشرف المخلوقات على الإطلاق، وهو أرقاها وأكثرها سموّاً، بما حباه الله من نعمة العقل وفضّله به على سائر المخلوقات. ومن ثمّ أصبح هو المخلوق الوحيد القادر على معرفة الله وعبادته. وما النوع الإنسانيّ هذا إلا نوع واحد في حقيقته على الرغم من اختلاف الأشكال والألوان. وما التفرقة التي نراها واقعة بين بني البشر إلا نتيجة لنزعة زائفة نسجتها أوهام البشر أنفسهم من أجل تفضيل جنس على جنس أو تمييز لون على آخر. وما الحروب المدمّرة التي عانى منها العالم ولا يزال يعاني إلا نتيجة لمثل هذه المفاهيم التي ليس لها من أساس، وما هي إلا نتيجة لإيمان البعض بتفوّقهم على غيرهم من بني جنسهم. لقد نسي هؤلاء أنّ الله قد جعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا وليس ليتحاربوا ويفتخر بعضهم على بعض وهذا هو مكمن العلّة.

ولنتأمّل النصّ التالي:

يا أبناء الإنسان هل عرفتم لم خلقناكم من تراب واحد لئلا يفتخر أحد على أحد وتفكروا في كلّ حين في خلق أنفسكم إذا ينبغي كما خلقناكم من شيء واحد أن تكونوا كنفس واحدة بحيث تمشون على رجل واحدة وتأكلون من فم واحد وتسكنون في أرض واحدة حتّى تظهر من كينوناتكم وأعمالكم وأفعالكم آيات التوحيد وجواهر التجريد هذا نصحي عليكم يا ملأ الأنوار فانتصحوا منه لتجدوا ثمرات القدس من شجر عزّ منيع.”

إنَّ المظهر الرئيس للتعبير عن التطوّر الاجتماعيّ للإنسان هو قدرته على تنظيم مجتمعه والارتقاء بعناصره من الأفراد إلى مستويات عليا من الاتحاد مع مزيد من الاختصاص لأفراده، ومن ثمّ زيادة الاعتماد المتبادل فيما بينها، والحاجة الماسة إلى التعاون بين تلك العناصر المتخصّصة. وبالتالي فإنّ تشكيل العائلة والقبيلة والمدينة والشعب يمثّل مراحل متعاقبة تشير إلى التطوّر الاجتماعيّ. أمَّا المرحلة التالية من عمليّة النموّ الجماعيّ فهي وحدة العالم؛ أيّ تنظيم المجتمع في شكل حضارة عالميّة لتمثّل الوصول إلى قمّة التطوّر الإنسانيّ.

ولتحقيق هذا المبدأ الأساسيّ وهو وحدة الجنس البشريّ وضع حضرة بهاء الله القاعدة العريضة لمجموعة من المبادئ الاجتماعية، والآليات التي من شأنها أن توجّه نموّ المجتمع وازدهاره في المستقبل.

“والأساس الإلهيّ الثّاني هو الوحدة الإنسانيّة بمعنى أنّ جميع البشر هم عباد الله الأكبر. وأنّ الله خالق الكلّ ورازق الكلّ ومحيي الكلّ. كما أنّه رؤوف بالكلّ. وجميع النّاس يكوّنون الجنس البشريّ. فالتّاج الإنسانيّ زينة لكلّ رأس وخِلعة الموهبة الإلهيّة جمال لكلّ هندام والكلّ عباد الله. وهو بهم جميعاً رؤوف رحيم، وعنايته تشمل الكلّ. لا يفرّق بين مؤمن وكافر، بل يرحم الكلّ ويرزقهم. هذه هي الصّفة الرّحمانيّة الإلهيّة. لهذا لا يمكننا أن نفضّل إنسانًا على آخر لأنّ الخاتمة مجهولة… دقّقوا النّظر في عالم الوجود تجدوا أنّ الألفة هي سبب الوجود وأنّ المحبّة هي سبب الحياة، وأنّ الانفصال سبب الممات. دقّقوا النّظر في جميع الكائنات، فهذا الخشب مثلاً أو هذا الحجر تركّبا من العناصر، أيّ أنّ الذّرّات تآلفت وامتزجت حتّى برز هذا الخشب وهذا الحجر إلى حيّز الوجود، ولو لم تتحقّق هذه الألفة لكانا في العدم. فالعناصر أو الأجزاء الفرديّة تتم بينها الألفة وتتركّب وبذلك توجد الكائنات، فإذا اضطرب أمر هذه الألفة تحلّل التّركيب وتلاشى. وكذلك تآلفت الذّرّات وامتزجت، وارتبطت واجتمعت لتحقّق ظهور الإنسان، وعندما يتطرّق إلى هذه العناصر التّحليل والتّفريق يتلاشى جسد الإنسان. من هذا يتّضح أنّ الألفة والمحبّة سبب الحياة، وأنّ النّفور والاختلاف والفرقة سبب الممات. هذه هي الحال في جميع الكائنات. فالجنس البشريّ إذن عباد الله، ويجب أن تتحقّق بينهم الألفة والمحبّة، وأن ينفروا من البغض والعداوة. ولو لاحظتم الحيوانات الأليفة لوجدتم أنّها في غاية الألفة. أمّا الحيوانات الكاسرة كالذّئب والضبع والنّمر فتعيش منفردة منعزلة وفي غاية التّوحّش. وهكذا لا يعيش ذئبان ذكران في غار واحد، في حين يجتمع ألف رأس من الغنم في مكان واحد، ولا ينزل صقران في عشّ واحد، في حين تأوي ألف حمامة إلى وكر واحد.”

لا يقتصر الأمر على أنّ الاتّحاد هو هدف نبيل في حدّ ذاته، بل أضحى اليوم ضرورة تتطلبها المصالح الحيويّة للإنسان. فالمشكلات الخطيرة الّتي تهدّد مستقبل البشريّة مثل التلوّث البيئي المتزايد الذي يحتّم التعاون والتكاتف من أجل حمايتها. أضف إلى ذلك عدم التوازن في توزيع الموارد الطبيعيّة والاستغلال الجائر بتكديسها في أيدي بعض الدول التي تدّعي أنّها دول عظمى مع حرمان الدول الفقيرة منها. والفزع من شبح الحروب الضارية سواء العاديّة أو النوويّة وما يثيره ذلك من تهديد للعالم بالدمار الشامل في كلّ لحظة، ناهيك بالأزمات الاقتصاديّة والانهيارات الماليّة، واستشراء أمراض الفقر والبطالة وغيرها في كثير من دول العالم يوماً بعد يوم. هذا بالإضافة إلى الكوارث الطبيعيّة، وازدياد موجات العنف والتطرّف المتنوّعة، وانتشار الأمراض الوبائية التي تظهر بين الحين والآخر. وهنا علينا أن نتساءل ألا تحتاج هذه المشكلات وغيرها إلى تكاتف وتعاون واتّحاد بين دول العالم لإيجاد حلول لها، والوقوف سويّاً لمعالجتها؟

فما هي إذن الحلول والمقترحات التي تساعد على العلاج، وتدعو إلى تغيير العالم المُعاصر بكلّ ما فيه من أنماط الصّراعات المتأصِّلة حتّى يصبح عالماً يَسُوده التّعاوُن والانسجام؟

إنّ النّظام العالميّ لا يمكن تثبيته إلاّ على أساس الوعي والإيمان الراسخ بوحدة الجنس البشريّ، تلك الوحدة التي هي حقيقةٌ روحيّة تؤكِّدها العلوم الإنسانيّة بأسرها. فإِنَّ علم الإِنسان، وعلم وظائف الأعضاء، وعلم النّفس كلّها تعترف بانتماء الإنسان إلى أصلٍ واحد، رغم أَنَّ المظاهر الثّانويّة لحياته تختلف وتتنوَّع بصور لا حصر لها ولا عدّ. وإنّ إدراك هذه الحقيقة يتطلّب وعلى وجه السرعة التّخلِّي عن التّعصّبات بكلّ أنواعها عِرقيّة كانت أم طبقيّة، دينيّة كانت أم وطنيّة، أو متَّصلةً باللّون أو بالجنس أو بمستوى الرُّقيّ الماديّ على السواء. وبعبارة أخرى هي ضرورة التنحّي الكامل عن كلّ ما قد يُوحي إلى فئة من البشر بأنَّها أفضل شأناً أو أسمى مرتبةً عمن سواها من النوع الإنسانيّ.

وبناءً على ذلك فإنّ القبول بمبدأ وحدة الجنس البشريّ هو أوّل مطلبٍ أساسيّ يجب توفُّره في عمليّة إِعادة تنظيم العالم وإدارته كوطن واحد لأبناء البشر أجمع. والقبول بهذا المبدأ الرّوحيّ قبولاً عالميَّ النّطاق ضروريٌّ بل وأساسيّ لأيّة محاولة ناجحة لإِقامة صَرْح السّلام العالميّ. وبناءً على ذلك يجب إعلانه في كلّ أنحاء العالم، بل وجعله مادَّةً تُدرَّس في المدارس. كما ينبغي المثابرة على تأكيده وإِثباته في كلّ دولة تمهيداً لإِحداث تحوُّل عضويّ في بُنْيَة المجتمع.

علماً أنّ الاعتراف بمبدأ وحدة العالم الإنسانيّ يَستلزِم من وجهة النّظر البهائيّة:

“… إعادة بناء العالم المُتمدِّن بأسره ونَزْع سلاحه، ليصبح عالماً متَّحداً اتّحاداً عضويّاً في كلّ نواحي حياته الأساسيّة، فيتوحَّد جهازُه السّياسي، وتتوحَّد مطامحه الرّوحيّة، وتتوحَّد فيه عوالم التّجارة والمال، ويتوحَّد في اللّغة والخطّ، على أن يبقى في ذات الوقت عالماً لا حدود فيه لتنوُّع الخصائص الوطنيّة والقوميّة التي يُمثِّلها أعضاء هذا الاتِّحاد.”

“لقد علّمنا التّاريخ كما تُعلّمنا أحداث الحاضر المريرة، أنّه لا سبيل لنزع زؤام الخصومة والضّغينة والبغضاء وبذر بذور الوئام بين الأنام، ولا سبيل لمنع القتال ونزع السّلاح ونشر لواء الصّلح والصّلاح، ولا سبيل للحدّ من الأطماع والسّيطرة والاستغلال، إلاّ بالاعتصام بتعاليم دين جديد وتشريع سماويّ تتناول أحكامه تحقيق هذه الغايات من خلال نظام بديع يقوم على إرساء قواعد الوحدة الشّاملة لبني الإنسان.”

وفي المقتطف التالي الذي يخاطب فيه حضرة بهاء الله “أصحاب المجالس” أي نواب الشعب مبيناً لهم ما وصلت إليه حالة العالم من الضعف والوهن والانحطاط، وواصفاً لهم العلاج الشافي لمثل هذه الأمراض المجتمعيّة التي لم تنج منها دولة ولم تسلم منها ناحية:

“… تدبّروا وتكلّموا فيما يصلح به العالم وحاله لو أنتم من المتوسّمين. فانظروا العالم کهيكل إنسان إنّه خلق صحيحاً کاملاً فاعترته الأمراض بالأسباب المختلفة المتغايرة وما طابت نفسه فی يوم، بل اشتدّ مرضه بما وقع تحت تصرّف أطبّاء غير حاذقة، الّذين رکبوا مطيّة الهوی وکانوا من الهائمين، وإن طاب عضو من أعضائه فی عصر من الأعصار بطبيب حاذق بقيت أعضاء أخری فيما کان، کذلك ينبّئكم العليم الخبير، واليوم نراه تحت أيدي الّذين أخذهم سكر خمر الغرور علی شأن لا يعرفون خير أنفسهم فکيف هذا الأمر الأوعر الخطير، إنّ سعی أحد من هؤلاء فی صحته لم يکن مقصوده إلا بأن ينتفع به اسماً کان أو رسماً، لذا لا يقدر علی برئه إلّا علی قدر مقدور، والّذی جعله اللّه الدّرياق الأعظم و السّبب الأتمّ لصحّته هو اتّحاد من علی الأرض علی أمر واحدٍ وشريعة واحدة، هذا لا يمکن أبداً إلّا بطبيبٍ حاذقٍ کاملٍ مؤيّدٍ، لعمری هذا لهو الحقّ وما بعده إلّا الضّلال المبين…”

وقد لخّص حضرة شوقي أفندي هذا المبدأ الجوهريّ في السطور التالية:

“إنَّ مبدأ وحدة الجنس البشريّ يعتبر المحور الرئيسيّ الذي تدور في فلكه تعاليم حضرة بهاء الله برُمتها، هو ليس مجرد إحساس متدفّق أو تعبير مبهم أو أمل زائف… إنَّه مبدأ لا يطبّق على الأفراد فحسب بل يتعلق أساساً بطبيعة العلاقات الرئيسية التي يجب أن تربط بين الدول والأمم باعتبارهم أعضاء في عائلة إنسانيّة واحدة… وإنَّه يتطلب تغييرًا عضويًا في هيكل المجتمع الحاضر على نحو لم يشهد العالم مثله من قبل… إنَّه يدعو إلى إعادة بناء العالم المتحضّر برمته ونزع سلاحه… إنَّه يمثل قمّة التطوّر الإنسانيّ الذي بدأ بداياته الأولى بحياة العائلة ثمَّ تطوّر حينما حقّق اتحاد القبيلة الذي أدّى إلى تأسيس الحكومة المدنيّة ثمّ توسّع ليؤسّس حكومات وطنيّة مستقلّة ذات سيادة. إنَّ مبدأ وحدة الجنس البشريّ كما أعلنه حضرة بهاء الله يقوم على تأكيد شديد بأنَّ الوصول لهذه المرحلة النهائية من هذا التطوّر العظيم ليس ضروريًا فحسب بل حتميّ الوقوع وأنَّ ميقات تحقيقه أخذ يقترب بسرعة ولا يمكن تحقّقه بغير قوّة إﻟﻬية المصدر.”

وهنا نتساءل عن الفوائد التي ستترتب على تحقيق هذا المبدأ الأساسيّ في الدين البهائيّ؟

ذكر حضرة شوقي أفندي، وليُّ أمر الدّين البهائيّ، في تعليق له عن هذا الموضوع عام ١٩٣١ بقوله:

“بعيداً عن أيّة محاولة لتقويض الأُسُس الرّاهنة التي يقوم عليها المجتمع الإنسانيّ، يسعى مبدأ الوحدة هذا إلى توسيع قواعد ذلك المجتمع، وإعادة صياغة شكل مؤسّساته على نحوٍ يَتَناسَق مع احتياجات عالمٍ دائمِ التّطوّر. ولن يتعارض هذا المبدأ مع أيّ ولاءٍ من الولاءات المشروعة، كما أنّه لن ينتقص من حقِّ أيّ ولاءٍ ضروريِّ الوجود. فهو لا يستهدف إطفاءَ شُعْلَة المحبّة المتَّزنة للوطن في قلوب بني البشر، ولا يسعى إلى إزالة الحكم الذّاتيّ الوطنيّ، الذي هو ضرورةٌ ملحَّة إِذا ما أُرِيدَ تجنُّب الشّرور والمَخاطر النّاجمة عن الحكم المركزيّ المُبالَغ فيه. ولن يتجاهل هذا المبدأ أو يسعى إِلى طَمْس تلك الميزات المتَّصلة بالعِرق، والمناخ، والتّاريخ، واللّغة والتّقاليد، أو المتعلّقة بالفكر والعادات، فهذه الفوارق تُميِّز شعوب العالم ودُوَلَه بعضها عن بعض. إِنَّه يدعو إلى إقامة ولاءٍ أَوسع، واعتناق مطامح أسمى، تَفُوق كلّ ما سَبَقَ وحَرَّك مشاعر الجنس البشريّ في الماضي. ويؤكِّد هذا المبدأ إِخضاعَ المشاعر والمصالح الوطنيّة للمتطلَّبات الملحَّة في عالم مُوحَّد، رافضاً المركزيّة الزائدة عن الحدّ من جهة، ومُستنكِراً من جهة أخرى أيّة محاولة من شأنها القضاء على التّنوّع والتّعدّد. فالشِّعار الذي يَرْفعه هو: “الوحدة والاتِّحاد في التّنوّع والتّعدّد.”

وما من شكّ في أنّ تطبيق هذا سيحتاج إلى عِدَّة مراحل وكثير من التعديلات للمواقف الوطنيّة والاتجاهات السياسيّة.

2. نبذ التعصّبات

من مبادئ الدّين البهائيّ المعضّدة لمبدأ وحدة الجنس البشريّ والتي سيكون من شأنها أن تساعد في القضاء المبرم على الخلافات والحروب هو مبدأ نبذ التّعصّبات بكلّ أشكالها. لأنّ البشريّة كافّة خلقت من أصل واحد ونكرّر بأنّ أيّ اعتقاد بامتياز فئة من الناس على أخرى اعتقاد باطل لا أساس له من الصّحّة ويتعارض بالكليّة مع ما أثبتته البحوث العلميّة ومع ما أكدته الحقيقة الدينيّة. لقد أعطى ادّعاء التفوّق السلاليّ أو العرقيّ الحقّ للبعض في الاستئثار بمنافع الأقوام الضعيفة الأخرى بل واستنفادها. إنّ أكثر صحائف التاريخ سواداً ما تضمّن الحوادث الكثيرة التي طبّقت فيها تلك القاعدة بلا رحمة ولا شفقة. وللأسف الشديد فإنّ هذه الحقيقة غائبة عن عيون الكثيرين. فما أكثر التعصّبات التي نراها حولنا في كلّ لحظة وفي كلّ مكان. والتعصّب د ائما ما يكون نتيجة لتمسّك الفرد بأفكار معيّنة ومعتقدات محدّدة يسلّم بصحّتها تسليماً يقينيّاً، وعلى أساسها يبني أحكامه ويحدد رؤاه متجاهلاً للحقيقة ورافضاً للدليل أيّ دليل كان ليثبت خطأها أو بعدها عن الصحّة. لذا فإنّ الوصف الملازم للفظ العصبيّة دائماً ما يكون الجهل أويكون العمى أو كليهما معا. وهذا تعبير صريح للبعد الكامل عن الحقيقة سواء كان ذلك نتيجة للجهل أو نتيجة للعمى أو بمعنى أدق وهو التعامي عن الحقيقة. ومما لا شكّ فيه أنّ التّعصّب بكلّ صنوفه جنسيّاً كان أو عنصريّاً، سياسيّاً أو عرقيّاً، مذهبيّاً أو عقائديّاً ما هو إلا نوع من الهروب من الحقيقة، والخوف من مواجهة الواقع. بل هو في حقيقته تحصّن بالمألوف من العادات والتقاليد أمام أيّ جديد أو حديث. إنّ ما يشير إليه التعصّب من جمود وضيق في الأفق لخير برهان على أنّه كان ولا يزال السبب المباشر لما تعانيه البشريّة على مرّ العصور من الحروب المدمّرة، والانقسامات المقوّضة لوحدة المجتمع الإنسانيّ، والتفرّق والتشرذم في كثير من بقاع الأرض.

لذا أكّد حضرة بهاء الله على ضرورة نبذ التعصّبات بجميع أشكالها وصورها؛ ولا يتأتّى هذا إلا بالتحلي بالعدل والإنصاف الذي يقود الإنسان إلى رؤية الحقيقة، ومساندتها بكلّ روح وريحان. فيقول:

“العدل سراج العباد فلا تطفئوه بأرياح الظلم والاعتساف المخالفة” مبيناً أنّ مقصود العدل ومنتهاه هو الوحدة والاتحاد، وينبّه في الوقت نفسه إلى التحدّي الهائل والجهد الخارق المطلوب من البشريّة لتحقيقه من دون توقّف أو كلل حتّى يتحقّق ما قدّر لها من درجات التقدّم والرقيّ. وعلينا أن لا نصاب باليأس عندما ننظر إلى حالة العالم الذي نعيشه الآن والذي وصفه حضرة بهاء الله:

“إنّ رياح اليأس تهبّ من كلّ الجهات، و يستشرى الانقلاب والاختلاف بين البشر يوماً بعد يوم، وتبدو علامات الهرج والمرج ظاهرة، فأسباب النظام العالمىّ الراهن باتت الآن غير ملائمة.”

فإذا نظرنا إلى الموضوع من منظور تاريخيّ محض يتملّكنا اليأس وقد نخشي أن نكون واهمين في إمكانيّة تحقيق الوحدة والسلام، وذلك من هول ما نراه حولنا من مظاهر الغضب والكراهية والتشرذم والتفكك الذي أصبح واقعاً مألوفاً في حياتنا، وخلناه قدرنا الدائم الذي لا يبشّر بخلاص سريع.

إنّ المستقبل الذي يحمله لنا النظام العالميّ “الروحانيّ” الجديد سيكون نتيجة استيعاب دروس المحنة التي يمرّ بها العالم الآن. فليس هناك مخاض بلا ألم والدليل على أن ما يمر به العالم من مآسي اليوم هو مظاهر مخاض عظيم وهو ما نراه من تخبّط البشريّة في سعيها نحو حال أفضل. ربما كانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ العالم التي يعي فيها كثير من البشر مدى صغر الأرض التي يحيون عليها. وإن ظلوا متمسّكين بهياكل فكريّة عفا عليها الزمن ويتناحرون عليها من المنطلقات القديمة نفسها، بل ويتقاتلون من أجل المسمّيات بعينها فيسبغون عليها صفات جدّ عظيمة في كثير من الأحيان. إلا أنّ التطوّر المذهل الذي تنتقل به الأخبار في العالم قد أوجد فجوة تتّسع في ذهن كثير ممن يتأمّلون أحوال العالم اليوم. كما أنّ هناك قيماً أصبح لا مفرّ من الاعتراف بوجوب تطبيقها. فما زال البشر لا يدركون أنّ الوجود ممكن بل هو متاح للجميع، وأنّ التنوّع واقع دون ضرورة لمحو الآخر. ولا نبالغ حين نؤكد بأنّ مثل هذا التطوّر والتقدّم يتطلب سعياً دؤوباً وجهداً مستمرّاً، وتحمّلاً قد يفوق طاقة البشر من أجل تقويم تلك السلوكيّات والعادات البائدة. ويجب أن لا نستهين بما سيتطلّبه تطوير تلك المفاهيم، وتغيير هذه الرؤى من وقت وجهد، ناهيك بما سيحتاجه تغيير عالم بأسره للتخلّص من هياكل فكريّة قامت وفقاً لمعطيات عالم غير هذا العالم الذي نحيا فيه اليوم، ليس من حيث التقدّم المذهل في العلوم والتكنولوجيا، أو التطوّر المدهش والفائق السرعة في وسائل الاتصال ولكن وفقاً لتأثير تلك الظروف المستجدّة في إتاحة الفرص للمقارنة بين الرؤى والنظم والثقافات.

3. المساواة الكاملة بين الجنسين

إنّ أهمّيّة مبدأ وحدة الجنس البشريّ تكمن في كونه محوراً أساسيّاً للتحوّل الاجتماعيّ، والتغيير الجذريّ في المفاهيم والقيم، وهناك الكثير من المبادئ الأخلاقية والروحانيّة التي تساعد على التغيير من أجل التطبيق المؤثّر لمثل هذا المبدأ الذي ينبثق منه أيضاً مبدأُ المساواة بين الجنسين حيث أكّد حضرة بهاء الله هذه الحقيقة في أكثر من موضع، وحثّ على صيانة حقوق المرأة ومساواتها بالرجل. وبيّن بشكل قاطع أنّه ليس للروح جنس، وبأنّ هذه الفروقات الماديّة بينهما ما هي إلا وسيلة لأداء مهمّة معيّنة في هذه الحقبة التي نعيشها في هذا العالم الترابيّ ألا وهي استمراريّة الخلق على هذه الأرض. فلا تختلف ملكات المرأة الرّوحانيّة وقدراتها الفكريّة والعقليّة اللتان هما جوهر الإنسان عمّا أوتي الرّجل منهما. فالمرأة والرّجل سواء في الصّفات الإنسانيّة. وقد ذكر الله سبحانه بأنّه خَلق الإنسان على صورته ومثاله عندما نفخ فيه من روحه، ولم يفرّق في ذلك بين المرأة والرجل. وليس التّماثل الكامل بين الجنسين في وظائفهما العضويّة شرطًا لتكافئهما ما دام أنّ علّة المساواة هي اشتراكهما في الخصائص الجوهريّة لا في الصّفات العرضيّة. وقد يرجع تقديم الرّجل على المرأة في السّابق لأسباب اجتماعيّة وظروف بيئيّة لم يعد لهما وجود في الحياة الحاضرة. لذا لا توجد أيّ مبرّرات على الإطلاق لمثل تلك الفروقات الاجتماعيّة التي فرضتها المجتمعات باسم الدين سواء أكان ذلك في الشرق أم في الغرب. فكم عانت منها أجيال من الفتيات والنساء. ولا دليل على أنّ الله يفرّق بين الرّجل والمرأة من حيث الإخلاص في عبوديّته والامتثال لأوامره؛ فإذا كانا متساويين في ثواب وعقاب الآخرة فَلِمَ لا يتساويان في الحقوق والواجبات في أمور هذه الدّنيا؟

في المقتطف التالي يشرح حضرة عبد البهاء هذا المبدأ الحيويّ بقوله:

“جميع الكائنات الموجودة على الأرض تتألف من ذكور وإناث، ولا فرق بين ذكورها وإناثها. فإذا نظرنا إلى عالم النّبات وجدنا ذكورًا وإناثًا، ووجدنا أنّ بينها مساواة، وأنّه لا امتياز لفريق على فريق بل إنّها جميعاً متساوية في جميع الكمالات النّباتيّة. وكذلك إذا نظرنا إلى عالم الحيوان فنجد ذكوراً وإناثاً لا تمايز بينها، ونرى أنّها متساوية في جميع المراتب ومتشاركة في جميع الوظائف الحيوانيّة. ولكن عندما ننظر إلى عالم الإنسان فإنّنا نرى تفاوتًا، فنعجب لهذا التّفاوت أهو خلقيّ أم بسبب التّربية، ونتساءل: هل جنس الذّكور ممتاز عن جنس الإناث والله خلقهما دون تفاوت؟ ولماذا وُجد هذا التّفاوت؟ لا ريب أنّه ناتج عن التّربية. فلو تربّت النّساء مثل تربية الرّجال لأصبحن مثل الرّجال، بل لفقنهم في الإحساسات والمشاعر. فقلوب النّساء أرقّ من قلوب الرّجال. ولكنّ النّساء تخلّفن لأنّهنّ حتّى الآن لم يفزن بالتّربية. فيجب أن تتربّى النّساء كما يتربّى الرّجال، ولا شكّ أنّهن يصلن إلى درجة الرّجال. ولما كانت المرأة عضوًا عاملاً في الهيئة الاجتماعيّة فإنّ الله لايرضى بألاّ يصل هذا العضو المهمّ إلى منتهى الكمال. كما أنّ العدل أيضًا يقتضي أن يتساوى النّساء والرّجال، وأن يظفر الفريقان بتربية واحدة، ويقوم كلّ فريق بوظيفته على الوجه الأكمل. إنّ الله لا يفرّق بين الرّجل والمرأة، بل إنّ أقربهما إليه من كان قلبه أشدّ استنارة ومن كان إيمانه به أعظم.”

كما ذكر أيضاً:

“إنّ الإنسانيّة كالطائر ذى الجناحين أحدهما الذكر والآخر الأنثى وما لم يكن الجناحان قويّين تحرّكهما قوّة واحدة فإنّ الطير لا يقدر أن يطير نحو السماء. فتبعاً لروح هذا العصر يجب أن تتقدّم النساء ليتمّمن رسالتهنّ في الحياة ولهذا يجب أن يتساوين مع الرجال. وإنّ أحد تعاليم حضرة بهاء الله المهمّة هو أن تصبح النساء في مستوى واحد مع الرجال وأن يتمتّعن بحقوق وامتيازات وفرص مساوية لحقوق الرجال وفرصهم وامتيازاتهم. والآن يجب على النساء أن يمضين في التقدّم وأن يوسّعن معلوماتهنّ في العلوم والآداب والتاريخ من أجل إكمال الإنسانيّة. فعن قريب سوف ينلن حقوقهنّ، ويعلم الرجال أنّ النساء جادّات في عملهنّ ويحافظن على كرامتهنّ ويترقين في الحياة السياسيّة والمدنيّة ويقفن حجرَ عثرة في سبيل الحرب ويطالبن بحقوق الانتخاب والمساواة في كلّ الامتيازات التي يتمتّع بها الرجال…”

من النصّ السابق ندرك وجهة النظر البهائيّة في تشبيه البشريّة بطائر ذي جناحين أحدهما هو المرأة والآخر هو الرجل. وهنا نتساءل:

هل يتسنّى للطائر تأدية مهمّته إن لم يكن الجناحان على نفس المستوى من القوّة والكفاءة والنموّ؟

لذا فإنّ تقدّم البشريّة وتأسيس السلام لن يتحقّقا إلا بالعمل على تطبيق هذه المساواة. وطرح الأليّات التي من شأنها أن تساعد على ممارسة هذا المبدأ سواء أكان على مستوى الأسرة، أم على مستوى مؤسّسات الدولة، وسواء أكان في الداخل أم في الخارج، وسواء أكان على المستوى المحليّ أم على المستوى الدوليّ.

ولا جدال في أنّ مسؤوليّة هذا التطبيق تقع على الرجال والنساء على السواء، وضرورة اقتناعهما الكامل بأهمّيّة المشاركة بل وحتميّتها من أجل بناء مجتمعاتهم وفي تشييد الحضارة الإنسانيّة، وفي تأسيس المدنيّة الإلهيّة على الأرض. ومن دون شكّ فإنّ قوّة إدراك المرأة لدورها وثقتها بنفسها تعتبران عاملين أساسيّين في تغيير القيم والسلوكيّات. وبالتالي يكون من الضروريّ إعادة النظر في العادات والتقاليد التي تحطّ من شأن المرأة، وضرورة وقف الممارسات التي تقلل من شأنها حتّى على سبيل المزاح أو الدعابة. ومن ثَمّ يحتاج الأمر إلى تعديل للقوى المحرّكة الباطنيّة وتغيير للهيكل الداخليّ للمؤسّسات والقوى المؤثرة فيها.

ومن الجدير بالذكر أنّ الدين البهائيّ يولي اهتماماً كبيراً لتعليم الفتيات، بل يعطي أولويّة لتعليم البنت إن لم تتوفّر القدرة الماديّة للوالدين على تعليم أبنائهما من الجنسين. لأنّ البنت هي أمّ المستقبل وهي التي يقع على عاتقها مسؤوليّة تربية أجيال سليمة تكون قادرة على بناء مجتمعات أكثر تقدّماً ورقيّاً. لذا يجب أن لا نغفل ما للتعليم من تأثير في تطوير الفكر وإنضاج العقل ومنح القدرة على التحليل واستعمال المنطق في معالجة الأمور.

وفي المقتطف التالي يوجّه حضرة عبد البهاء النصح إلى النساء:

“فيجب عليكنّ إذن أن تجتهدن، آناء اللّيل وأطراف النّهار في اكتساب الكمال حتّى تساوين الرجال في فضائل العالم الإنسانيّ، وحتّى تبلغن من الرّقيّ في جميع شؤون العالم الإنسانيّ ما يجعل الرجال يشهدون بأنّكنّ مساويات لهم. إنّ النّساء في أوروبّا قد بلغن درجة عالية من الرّقي إلاّ أنّهنّ لم يبلغن بعد درجة الرّجال. وإنّني لآمل أن يبلغنها عند ذاك يكمل العالم الإنسانيّ. لذلك لا بدّ من بذل الهمّة الكبيرة، والسّعي من أجل تحصيل العلوم، والاجتهاد في إدراك حقائق الأشياء، كما ينبغي عليكنّ أن تبذلن أقصى الجهد في سبيل اكتساب فضائل العالم الإنسانيّ. وأن تعلمن أنّ الفضل الإلهيّ شامل لَكُنَّ ومحيط بكنّ. وعندما ترتقي النّساء إلى الدّرجة الّتي تجعل الرّجال يعترفون بأنّ النّساء مساويات لهم فينتهي الجدال ويبطل النّزاع…”

وعلى الرغم من أنّ تربية الأولاد في الدين البهائيّ هي أحد الفروض الإجباريّة على الوالدين، إلا أنّ هناك تشجيعاً للأمهات، وتقديراً كبيراً لدورهنّ في تربية أولادهنّ، وتأكيداً على أنّ وظيفة الأم هي من أعظم الوظائف وأشرفها على الإطلاق.

.4 وحدة الدين وضرورة توافقه مع العلم

من المبادئ التي جاء بها الدّين البهائيّ مبدأ وحدة الدين ودوام تعاقب الرسالات. ولن نتطرق إلى الحديث عن موضوع وحدة الدين لأننا ناقشناه بشيء من التفصيل في الفصل الثاني من هذا الباب، وتوصّلنا من خلال البحث إلى أنّ دين الله واحد، وأنّ الحقائق الدّينيّة نسبيّة وليست مطلقة فتأتي على قدر طاقة الإنسان وعلى قدر إدراكه المتغيّر من عصر إلى عصر، وأنّ جميع الرسالات السماويّة تتحد في هدفها، كما تتحد في طبيعتها وقداستها، وكذلك في لزومها وضرورتها، ولا ينال من هذه الوحدة تباين أحكامها أو اختلاف مناهجها.

يعتبر الدين والعلم من أهمّ الأمور التي يتميّز بها الإنسان عن سائر المخلوقات، لأنّهما السبيل إلى المعرفة، فهما نبراسا الهداية على مرّ العصور، وعن طريقهما يتمكّن الإنسان من رسم معالم طريقه وتحديد مستقبله. “فالعلم يمثل ما اكتشفه عقل الإنسان من القوانين الّتي سنّها الخالق لتسيير هذا الكون، وهو أداته في ذلك الاستقراء فيبدأ بالجزئيّات ليصل إلى حكم الكلّيّات. والدّين هو ما أبلغنا الخالق به من شؤون هذا الكون، ومنهجه في تفصيل ذلك هو الاستنتاج أيّ استنباط حكم الجزئيّات من الكلّيّات. فكلاهما طريق صحيح إلى المعرفة ويكمّل أحدهما الآخر. ولعلّ اختلاف الدّين عن العلم ناتج عن فساد أسلوب مِراسنا، لأنّهما وجهان لحقيقة واحدة. والتاريخ خير شاهد على تعاون العلم والدّين في خلق الحضارات، وفي حلّ ما أشكل من معضلات الحياة. لكون الدّين المصدر الأساسيّ للأخلاق والفضائل، ولكلّ ما يعين الإنسان في سعيه إلى الكمال الرّوحانيّ، بينما العلم هو الذي يساعد الإنسان على أن يلج إلى أسرار الطّبيعة ويهديه إلى كيفيّة الاستفادة من قوانينها في النّهوض بمقوّمات حياته وتحسين ظروفها. فبهما معًا تجتمع للإنسان وسائل الرّاحة والرّخاء والرّقي مادّيّا وروحانيّا. وهما للإنسان بمثابة جناحي الطّير، على تعادلهما يتوقّف عروجه إلى العُلا، وعلى توازنهما يقوم اطّراد فلاحه. وإذا جنح الإنسان إلى الدّين بعيداً عن العلم سيطرت على فكره الشّعوذة والخرافات، وإذا نحا إلى العلم دون الدّين سيطرت على عقله المادّيّة وضعف منه الضّمير.”

وقصارى القول إنّ كلّ ما تعانيه البشريّة في الوقت الحاضر من الاضطراب يرجع وبشكل رئيسيّ إلى التناقض في التفكير فنرى كيف أطلق العنان للتفكير العلميّ والحرّيّة في تحقيقه لما يريد، وفي الوقت نفسه يرزح التّفكير الدّينيّ تحت أغلال القيود والتثبيت، ويعاني من الجمود والتّقليد، فتصادم الدين مع العلم، وأنكر الدين الكثير من الحقائق العلميّة، وتجرّد العلم من الروحانيّات فتنكّر للكثير من النزعات الروحانيّة.

.5 حلّ المشكلة الاقتصاديّة

لقد بدأنا هذا الفصل بالحديث عن المبدأ الأساسيّ للدين البهائيّ وهو وحدة الجنس البشريّ الذي يقوم على العدالة التي عن طريقها تتحقّق المبادئ الأخرى. تناولنا منها مبدأ المساواة بين الجنسين، ومبدأ نبذ التعصبات بكلّ أنواعها، ومبدأ التعليم الإجباريّ. ومن الجدير بالذكر أنّه من خلال هذه العدالة يمكن أيضاً إيجاد حلول روحانيّة للمشكلة الاقتصاديّة، والتي تعدّ واحدة من أخطر المشكلات التي تواجه البشريّة جمعاء في الوقت الحاليّ. إنّ هذه المشكلة العتيدة لن تعصف بالشعوب الفقيرة فقط بل ستعصف بكلّ شعوب العالم فقيرها وغنيّها على السواء، ولا نبالغ حين نقول بل غنيّها قبل فقيرها لأنّها ستأتي على الأخضر واليابس في كلّ بقاع الأرض. فكما نرى بوضوح الآن أنّ قادة العالم يستشعرون تفاقم هذه الأزمة وخطورتها، ولكنّهم في الوقت نفسه فشلوا فشلاً ذريعاً في إيجاد حلول جذريّة لها، ومن المؤسف أنّ كلّ ما توصّلوا إليه بعد جهود مضنية واجتماعات مطوّلة ومتتالية لا يتعدّى حلولاً مؤقتة، لا تعدو أن تكون بمثابة المسكّنات الوقتيّة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

إنّ ما جاء به حضرة بهاء الله منذ أكثر من قرن ونصف من الزمان من حلول نَعَتَها بصفة الروحانيّة يؤكد لنا مدى حاجة العالم إلى الطبيب الحاذق العارف بحقيقة تلك الأمراض التي تسقم البشريّة، والقادر على وصف ما تحتاجه من دواء شاف لعللها. وليس بالمدهش لنا أو المثير أن يعترف أخيرا زعماء العالم بفشلهم إبّان الأزمة الأخيرة، وإعلانهم صراحة أنّ أسباب تلك الأزمات المعضلة هو غياب الأخلاقيّات والافتقار إلى الروحانيّات في التعاملات الماليّة الراهنة. ومن ثمّ فإنّ قادة العالم أصبحوا غير قادرين على إيجاد حلول كاملة للخروج من هذه الأزمة الكأداء. ولا يخفي على كلّ ذي بصر أنّ ثروات العالم تتمركز في أيدي ثلّة قليلة من البشر تتحكم فيها كيف تشاء، في الوقت الذي يعيش السواد الأعظم من الأسرة البشريّة في فقر وجهل ومرض، فتزداد ديون الدول الفقيرة يوماً بعد يوم في حين تتضخّم أرصدة الدول الغنيّة وتكتظّ حساباتهم في البنوك أكثر فأكثر.

لذا فمن الأليّات التي وضعها الدين البهائيّ لتحقيق وحدة الأسرة الإنسانيّة مبدأ التّضامن الاجتماعيّ. إنّ المساواة المطلقة بين البشرعلى اختلاف طبقاتهم قد تكون مستحيلة بل وعديمة الجدوى في الوقت نفسه، ولكن تكديس الثّروات في أيدي مجموعة من الناس ينذر بخطر لا يستهان به. كما أنّ تفشّي الفقر المدقع ينذر بويلات لا تحمد عقباها. فكلاهما يهدّد الحياة المستقرة ويقوّض السّكينة التي يحلم بها الجميع. إذن فعلينا أن لا ننسى أنّ العَوَز داء يهدّد السّعادة البشريّة ويهدد الاستقرار الاجتماعيّ، ولا ننكر أنّ هناك محاولات للسّيطرة عليه، وإن صادف بعضها نجاحاً محدوداً. إلاّ أنّ الفقر قد طال أمده واستشرى خطره في الوقت الحاضر، وهو أقوى عامل يعوّق جهود الإصلاح والتّنمية في أكثر المجتمعات. وقد امتدّت شروره الآن إلى العلاقات بين الدّول لتجعل منه وممّا ينجم عنه من تخلّف أزمة حادّة عظيمة التّعقيد.

إنّ مثل هذا الإجحاف الناتج عن البون الشاسع بين الطبقات يدعو إلى إعادة النظر، والتعجيل بنظم جديدة تحقّق الحياة الكريمة لبني البشر جميعا، ولا يعنى هذا بالطبع عدم وجود تفاوت بين الطبقات، ولكن يعني الاعتدال والتّوازن في توزيع الثروات بما يتيح لكلّ فرد حظًّا من نعم الحياة. لذا فقد أرسى حضرة بهاء الله هذا المبدأ على أساس دينيّ وروحانيّ، كما أوصى بوضع تشريع يكفل المواساة والمؤازرة بين بني الإنسان كحقّ للفقراء بقدر ما هو واجب على الأغنياء.

“قل لا تصرفوا نقود أعماركم النفيسة في المشتهيات النفسيّة ولا تقتصروا الأمور على منافعكم الشخصيّة… لعمرى قد خلقتم للوداد لا للضغينة والعناد.”

سنقوم بتناول بعض الخطوط الأساسيّة التي وضعتها التعاليم البهائيّة باختصار لتساعد في حلّ المشكلة الاقتصاديّة التي باتت تهدد أمن العالم وراحته، وتعالج مضاعفاتها ومشقاتها في هذا العصر ومنها:

  • ذكرت التعاليم البهائيّة أنّه من الصعب إيجاد حلّ للمشكلة الاقتصادية، من وجهة نظر الدين البهائيّ من دون معالجة مشكلة الزارع والفلاح لأنّه هو أوّل عامل في الهيئة الاجتماعيّة. فإنّ الفلاحين يفوق عددهم أيّ طبقة أخرى من طبقات العمال، ولهذا يكون من الضروريّ البدء بحل هذه المشكلة اعتباراً من هذه الطبقة الكثيرة العدد والمجهولة القدر. فالزراعة وإنتاج الغذاء تعتبران قضايا اجتماعيّة. ومن الملاحظ أنّ عدداً كبيراً من البلدان أصبح لا يعطي أهميّة إلى الزراعة. وقد حذّر حضرة بهاء الله من عدم “الاعْتِنَاءُ الْكَامِلُ بِأَمْرِ الزِّرَاعَةِ” موضحاً أنّها “سَبَبُ رُقِيِّ الْعِبَادِ وَعَمَارُ الْبِلاَدِ”، ولقد ذكر حضرة عبد البهاء أن “حراثة الأرض الأساس الأوّل للمجتمع”، وطرح الخطوط العريضة لكيفيّة عمل مخزن القرية والمخزن المرادف له في المدينة. لذلك يساند البهائيّون على النطاق العالميّ استراتيجيّة الأمم المتحدة لتحسين مستوى تطوّر الزراعة وزيادة تأمين الغذاء.
  • رفع الدين البهائيّ منزلة العمل إلى منزلة العبادة، وفرض على كلّ فرد العمل فيما عدا العجزة والمسنين، وحرّم البطالة والكسالة والتسوّل، وقد جاء في الكتاب الأقدس: “يا أهل البهاء قد وجب على كلّ واحد منكم الاشتغال بأمر من الأمور… لا تضيّعوا أوقاتكم بالبطالة والكسالة، واشتغلوا بما ينتفع به أنفسكم وأنفس غيركم… أبغض الناس عند الله من يقعد ويطلب، تمسّكوا بحبل الأسباب متوكّلين على الله مسبّب الأسباب.”
  • أباحت التعاليم البهائيّة الاستفادة بربح النقود في المعاملات وذلك بالنظر إلى تطوّر الحياة الاقتصاديّة في العصر الحاضر، وتشابك المصالح التجاريّة، وتبادل المنافع بين الأفراد والشعوب، وضرورة اعتماد هذه الوسيلة لتسهيل ذلك وترويجه.
  • منع الدين البهائيّ استعباد العمّال وحرّم الاسترقاق، وقد بيّن حضرة عبد البهاء أنّ المنع لا يتناول الرقّ الشخصيّ فحسب، بل يشمل الرقّ الصناعيّ. وبموجب التعاليم البهائيّة يجب ألّا يقتصر الأمر فقط على دفع الأجور للعمّال فحسب بل يجب أن يصبح العمّال شركاء في العمل الذي يقومون به؛ أيّ يتقاضى العامل علاوة على أجره المعتاد ربحاً معيّناً يدفع له من مجموع أرباح المعمل كما لو كان شريكاً فيه، ومن ثمّ فلن يألو العمّال جهداً في العمل.
  • تقسيم التركة والميراث؛ ولقد عالجت التعاليم البهائيّة هذه المسألة معالجة حكيمة.
  • نظام الزكاة وحقوق الله على ما يدّخر من المال.
  • ترجع الموقوفات كلها إلى خزينة بيت المال.
  • ترجع الدفائن واللقط إلى بيت المال ليستوفي منها حصّة لائقة.

بإمعان النظر في حكمة هذه الأحكام سنجد أنّ تطبيقها سيقضي على الفروق بين الطبقات، فلا يبقى في الهيئة الاجتماعيّة فقير معدم أو يتيم مشرّد، أو من هم سوى ذلك من المحتاجين الذين تعجّ بهم مجتمعاتنا الحاليّة. وبالتالي فإنّ كلّ فرد سيعيش في غاية الراحة والاطمئنان وذلك مع حفظ المراتب والمقامات التي هي ضرورة اجتماعيّة للمحافظة على نظام المجتمع. ومن الجهة الأخرى فسوف لا تتكدّس الثروات في أيد محدودة في كلّ مجتمع بينما الأغلبيّة تعيش في فقر مرير كما هو حاصل الآن في كلّ بقاع الأرض. أمّا عن الثروات الطبيعيّة من المواد الخام والمعادن؛ فيجب إدارتها والسيطرة عليها والعمل على توزيعها توزيعاً عادلاً بين مختلف أمم العالم وشعوبه حسب الحاجة والضرورة، على أن يكون ذلك تحت إشراف هيئة عالميّة ذات صلاحيّات كافية، وحتّى لا تحتكر هذه الثروات الطبيعيّة الهائلة من جانب حكومات معيّنة، وتحرم بقيّة الأمم والشعوب من الانتفاع بخيراتها.

.6 السلام العالميّ

إنّ ما تناولناه باختصار من المبادئ التي جاء بها الدين البهائيّ لكفيل بتحقيق الغاية السامية التي جاء من أجلها وهي تأسيس السلام العام على الأرض وتحقيق وحدة الجنس البشريّ.

لقد صرّح حضرة بهاء الله أنّ الغاية من بعثته وظهوره هي تحقيق النبوءات التي أعلنها جميع الأنبياء السابقين بمجيء عصر السلام وتأسيس الملكوت الإلهيّ على الأرض.

ولأجل تأسيس السلام وتمكينه في العالم جاء الدين البهائيّ بالحلول الكافية من أجل القضاء على الأسباب الرئيسة التي أجّجت الحروب ومنها على سبيل المثال؛ التعصّبات بأنواعها، والمشكلات الاقتصاديّة الحادّة، والأطماع الاستعماريّة، واحتكار منابع الثروة العالميّة. إنّ ما جاء به حضرة بهاء الله من حلول لمثل هذه المشكلات مع ما تتطلبه من المؤسسات الكفيلة بتأسيس السلام والمحافظة عليه سيكون كفيلاً بتحقيق ما تتوق له البشرية من سلام وآمان.

ومن جملة الحلول الواردة في التعاليم البهائيّة لأجل تأسيس السلام العام هي تحديد التسلّح، وتحريم وسائل العنف والمقاومة.

“ولقد ردّ حضرة عبد البهاء على رسالة مؤتمر السّلام المنعقد في لاهاي في عام ١٨٩٩، فأوضح أنّ السّلام العالميّ بعيد المنال ما لم توضع المبادئ الرّوحانيّة والتّعاليم الّتي أعلنها بهاء الله موضع التّنفيذ. وحذّر في أثناء أسفاره من وشوك اندلاع حرب عالميّة، ومن خطر الأوضاع السّائدة في بلاد البلقان. وكرّس جهودًا مضنية لإزالة الفواصل الّتي ما زالت تفرّق بين النّاس سواء أكان مرجعها التّعصّب الدّينيّ أم التّعصّب العنصريّ أم التّعصّب القوميّ. وعلّم أنّ الأديان ما هي إلا مراق للسّموّ الإنسانيّ فلا يجوز أن نحوّلها إلى حواجز تفصل بين البشر.”

“إنّ الهدف من وجود المدارس و الجامعات والمعاهد هو تعليم وتدريب الإنسان على الكيفيّة التي تمكّنه من الفكاك من أسر سطوة الطبيعة ومقتضياتها وشحذه لصحوة إمكانياته في الترقي على عالم الطبيعة للتحكم فيها من أجل الاستفادة الفعاّلة من خيراتها اللامتناهية.”

من المقتطفات السابقة يمكن للباحث أن يدرك أهمّيّة إعادة النظر في الأساليب والسبل التي ينفق العالم، خاصة الدول الكبرى، الأموال الطائلة التي من شأنها أن تغدق الكثير من الخير والرفاهيّة على شعوب الأرض، وتضمن لكلّ فرد الحياة الكريمة بدلاً مما نراه حولنا من مظاهر الفقر والجوع والدمار.

“وقد تناول حضرة عبد البهاء في كتبه وأحاديثه الخاصّة والعامّة موضوعات كثيرة التّنوّع عبّر فيها عن فكر بهائيّ روحاً ومعنى. وبيّن أنّ وحدة العالم في طريقها إلى التّحقيق بالتّدريج وهي متضمنّة لسبعة عناصر أو الشموع السبع وهي: اتّحاد في السّياسة، واتّحاد في الفكر، واتّحاد في الحرّيّة، واتّحاد في الدّين، واتّحاد في القوميّة، واتّحاد بين الأجناس، واتّحاد في اللّغة. وبنى حلوله لمشكلات العالم على أساس قِيَمٍ إنسانيّة، مؤكدًا أنّ التّقدّم سواء في ميادين الاقتصاد أو الاجتماع أو العلوم والآداب والفنون، إنّما يتوقّف على مدى ما وصل إليه أفراد المجتمع في تمسّكهم بالعدل، وتقويمهم للأخلاق، وحرصهم على المصلحة العامّة قبل المصالح الخاصّة، ورغبتهم في التّعاون على البرّ والخير، وأنّ هذه وغيرها من مقوّمات الرّقيّ تتحقّق بالتّهذيب الدّينيّ لا بالسّياسة ولا بالعلم ولا بالثّروة.”

ومن نصائح حضرة عبد البهاء:

“… فيجب عليكم أن تتضرّعوا وتبتهلوا آناء اللّيل وأطراف النّهار، وتسألوا الله أن يوفّقكم إلى الأعمال لا الأقوال. توجّهوا إلى الله وصلّوا له وناجوه واسعوا عسى أن توفّقوا إلى عمل الخير، وأن تكونوا سبباً لغنى الفقير، وعونًا لكلّ بائس، وسرورًا لكلّ محزون، وسببًا لصحّة كلّ مريض، وسبباً لأمن كلّ خائف، ووسيلة لكلّ من لا وسيلة له، وملجأً وملاذًا لكلّ غريب، ومنزلاً ومأوى لكلّ من لا مأوى له ولا وطن. تلك هي صفة البهائيّ.”

ومن الحريّ أن نذكر أنّ البهائيّين يضعون مبادئ دينهم وأحكامه موضع التّنفيذ، ويركّزون جهدهم لتحقيق مضمونها في حياتهم اليوميّة، ومن ثمّ تطبيقها في مجتمعاتهم. وبناء على ذلك فإنّ التطبيق العمليّ لهذه المبادئ هو ما يميّزها عن الشّعارات الجذّابة التي تزخر بها أقوال الفلاسفة ويردّدها مفكّرو هذا العصر من أقوال ليس لها صدى أو تأثير يذكر في الحياة العمليّة. لذا سنكرّس الفصل الأخير من هذا الباب للتعرّف على النشاطات والمشروعات التي تقوم بها المجتمعات البهائيّة في أنحاء العالم تطبيقاً لهذه المبادئ من أجل ترجمتها إلى أعمال تفيد الإنسانيّة برمّتها.

وفي النصّ التالي من وثيقة “السلام العالمي وعد حق” الصادرة عن ساحة بيت العدل الأعظم في أكتوبر عام ١٩٨٥م خير ما يحمل الأمل على تحقّق حلم البشريّة في السلام إن عاجلاً أو آجلاً ولكنّه لا محالة لآتٍ:

“نحن نؤمن إِيماناً راسخاً بأنَّ البشر جميعاً خُلِقوا لكي “يَحْمِلوا حضارةً دائمةَ التّقدُّم” وبأَنَّه “ليس من شِيَم الإنسان أن يسلك مسلك وحوش الغاب”، وبأنَّ الفضائل التّي تَليق بكرامة الإنسان هي: الأَمَانةُ والتَّسامُحُ والرَّحْمَةُ والرَّأْفَةُ والأُلْفَةُ مع البشر أَجمعين. ونَعُود فنؤكِّد إيماننا بأنّ “القُدُرات الكامنة في مقام الإنسان، وسموّ ما قُدِّر له على هذه الأرض، وما فُطِرَ عليه من نفيس الجَوْهَر، لسوف تَظْهَر جميعها في هذا اليوم الذي وَعَدَ به الرَّحْمن”. وهذه الاعتبارات هي التي تُحرِّك فينا مشاعر إيمانٍ ثابتٍ لا يتزعزع بأنَّ الاتِّحاد والسّلام هُمَا الهَدَفُ الذي يمكن تحقيقه ويسعى نحوه بَنو البشر.

ففي هذه اللحظة التي نَخُطّ فيها هذه الكلمات تَتَرامى إلينا أصوات البهائيّين الممتلئةُ بالآمال رغم ما لا يزال يتعرَّض له هؤلاء من اضطهادٍ في مَهْد دينهم. فالمَثَل الذي يضربه هؤلاء للثّبات المُفْعَم بالأمل يجعلهم شُهوداً على صحَّة الاعتقاد بأَنَّ قُرْبَ تحقيقِ حُلْمِ السّلام الذي راوَدَ البشريّة لمُدَّة طويلة من الزّمان، أَصبح اليوم مشمولاً بعناية الله سُلْطَةً ونفوذاً، وذلك بفضل ما لرسالة بهاءالله من أثرٍ خلاّق يبعث على التّغيير. وهكذا نَنْقُل إِليكم هُنَا ليس فقط رؤيا تُجسِّدها الكلمات، بل نَستحضِر أَيضاً ما لِفعل الإيمان والتّضحية من نفوذٍ وقوّة. كما نَنْقل إليكم ما يُحِسّ به إِخواننا في الدّين في كلّ مكان من مشاعر الرّجاء تلهُّفاً لقيام الاتِّحاد والسّلام. وها نحن ننضمّ إلى كلّ ضحايا العدوان، وكلّ الذين يحِنّون إلى زَوال التّطاحُن والصّراع، وكلّ الذين يُسْهِم إِخلاصُهم لمبادئ السّلام والنّظام العالميّ في تعزيز تلك الأهداف المُشرِّفة التي من أَجلها بُعِثَت الإنسانيّة إلى الوجود فَضلاً من لَدُن الخالق الرَّؤُوف الوَدُود.

إِنًّ رغبتنا المُخْلِصة في أن ننقل إليكم ما يُساوِرنا من فَوْرَةِ الأَمل وعُمْق الثّقة، تَحْدُونا إلى الاستشهاد بهذا الوَعْد الأَكيد لبهاء الله: “لسوف تَزُول هذه النّزاعات العديمة الجَدْوَى، وتَنْقَضِي هذه الحروب المُدمِّرة، فالسّلام العظيم لا بُدَّ أَنْ يَأْتِي.”

لقد وضع الدّين البهائيّ نظاماً سيؤدّي إلى اتّحاد البشر، وذكر حضرة بهاء الله أنّ بناء مثل هذا الاتّحاد يقتضي تأسيس محور فعّال يقوم على العدل في كلّ الأمور وليس على القوّة، محور يقوم على التّعاون لا على التّنافس، وغايته القصوى هي تحقيق المصالح الجوهريّة لعموم البشر.

وعلى الرغم من أنّ حضرة بهاء الله قد فصّل أُسس هذا النّظم البديع في رسائله إلى ملوك ورؤساء دول العالم في عصره، أمثال ناپليون الثّالث، والملكة ڤكتوريا، وناصر الدّين شاه، ونيقولا الأوّل، وبسمارك، وقداسة البابا بيوس التّاسع، والسّلطان عبد الحميد، ودعاهم للعمل متعاضدين على تخليص البشريّة من لعنة الحروب وتجنيبها نكبات المنافسات العقيمة إلا أنّه، وبكلّ أسف، لم يجد آذانا صاغية.

فكيف قوبل هذا النّظم العالميّ الذي هو الدرياق الأعظم لشفاء هذا العالم ممّا أصابه من الأدواء العضال؟

بالطبع كان الاستنكار هو ردّ الفعل المتكرّر، أو كان عدم الالتفات إليه أو وضعه في الاعتبار لأنّ ما جاء به يصعب على العقل البشريّ استيعابه نظراً لاختلافه بالكليّة عن كلّ ما هو متعارف عليه في العلاقات بين الدّول.

حقّاً إنّ التغيير يعتبر من أصعب الأمور التي يواجهها الإنسان، ناهيك بما يصيبه من الفزع من ترك المألوف، ومن القلق من هجر الموروث إلى جديد لا عهد له به ولا كان يوماً من عادات الآباء والأجداد. وبناء على ذلك لم يشمل اجتماع الأخوّة ونطاق المحبّة والاتحاد كلّ البشر في أيّ عهد من عهود التاريخ، ولا حتّى دعا إليه أو أصرّ عليه أيّ دين من الأديان السابقة، بل ولم يكن ممكناً في السابق لأيّ دين أن يبسط أحكامه ويطبّق تعاليمه على الأرض بأسرها لغياب الوسائل الماديّة واختلاف الثقافات اختلافاً عظيماً. حتّى لاحت مؤخّراً دعوة بهاء الله الداعية إلى وحدة العالم الإنسانيّ وشرّعت الأحكام وتمّت تهيئة المؤسّسات التي تضمن تحقيق هذه الوحدة وصيانتها، ونادت بنبذ التعصّبات التي فرّقت إلى اليوم بين البشر. كما توفّرت وسائل الاتصال والمواصلات، وتقاربت شعوب الأرض وتكاملت ثقافاتها، وارتبطت المصالح الجوهريّة لبني الإنسان ببعضها بعضاً على نحو يسّر تعميم المحبّة والوفاق بحيث تشملان الأرض جميعاً.

وليس غريباً الآن أنّ تلك المبادئ الجديدة الّتي أعلنها حضرته أصبحت مألوفة ومنطقيّة، بل ويتبنّاها الكثيرون ويرون أنّها الحل الحتميّ لمشكلات العالم المتفاقمة. كما يراها الخبراء والمفكّرون اليوم من المسلّمات لبناء أيّ نظام عالميّ يسوده العدل والإنصاف ويرفرف على أركانه رايات المحبّة والوئام والرفاهيّة والسلام.

فالصيحات ترتفع من كلّ صوب وحدب، والأصوات تعلو من كلّ ركن من أركان الأرض للكفّ عن الحروب، فشعوب العالم لا ترفض الحروب بالكليّة فحسب، بل تعلن صراحة وبكلّ شجاعة أنّ الحروب ليست هي الوسيلة الناجعة لحلّ المشكلات والمنازعات بين الأمم، بل هي التي تزيد الأمور سوءاً وتعقيداً بما تخلّفه من هلاك وفقر ودمار. وتطالب في الوقت نفسه بالمطالب التي وضعها الدين البهائيّ ضمن الأسس الداعمة لصرح النظام العالميّ الجديد وهي:

ضرورة درء الحروب ورفضها كوسيلة لحلّ المشكلات والمنازعات بين الأمم وما يستلزمه ذلك من تعضيد ومساندة لمحكمة العدل الدوليّة حتّى يتسنّى لها النّظر فيما يطرأ بين الدول من منازعات، والسعي في التّوصّل إلى حلول سلميّة عادلة يتمّ تطبيقها في الحال. وبالتالي يجب تأسيس مجلس تشريعيّ لحماية المصالح الحيويّة للبشر وسنّ قوانين لصون السّلام في العالم، وإنشاء هيئة تتولى تنظيم امتلاك الأسلحة وحظر تكديسها في دول العالم، والاكتفاء بالقدر الذي تحتاجه لحفظ النّظام داخل حدودها، مع إنشاء قوّة دوليّة دائمة مخوّلة لردع أيّ أمّة لم تحترم القانون الدوليّ وتلجأ إلى استعمال القوّة لتنفيذ مآربها. وفي إيجاد أو اختيار لغة عالميّة ثانويّة تأخذ مكانها إلى جانب اللّغات القوميّة تسهيلاً لتبادل الآراء ووسيلة للتفاهم الكامل وتجنّباً لسوء الفهم بين الدول وزيادة التّقارب بين الشّعوب، ومن ثمّ نشر الثّقافة والمعرفة، فيكون هناك أدب عالمّي، ونظام موحّد للعملة والأوزان والمقاييس.

هذا هو النظام العالميّ الذي نرى بوادره الآن، ونراه في ثورة التكنولوجيا وسرعة تقدّمها يوماً بعد يوم ومنها على سبيل المثال الإنترنت الذي أشار إليه شوقي أفندي في أحد تواقيعه المباركة: “سيتمُّ اختراعُ تقنيَّةٍ لتبادلِ الاتِّصالاتِ عالميّاً تُغطِّي جميعَ أنحاءِ هذه المعمورةِ متحررة من أيَّةِ عوائق وقيودٍ قوميَّةٍ، وتعملُ بسرعةٍ عجيبةٍ ودقَّةٍ مُتناهِية.”

الفصل الرابع ومضات من تاريخ الدين البهائي

سيقتصر هذا الفصل على عرض موجز لتاريخ الدين البهائيّ، ومختصر في نقاط محدودة آملين من الباحثين أن يواصلوا بحثهم بالاطلاع على دوائر المعارف المشهورة، والمراجع الموثّقة. فمن حسن الحظّ أنّ ما يسّرته التكنولوجيا في هذه الأيّام سهّل مهمّة البحث ووسّع دائرتها. هذا بالإضافة إلى أنّ تاريخ الدين البهائيّ الذي ظهر في منتصف القرن التاسع عشر مسجّل وموثّق من قبل مؤرّخي القرن وما بعده، فلا مجال للمزايدة بإنكار وقائعه أو الاشتباه في صحّتها. ومن بديهيّات البحث، أيّ بحث كان، هي قيامه على أساس المعلومات المستقاة من المصادر المعتمدة، والمراجع الموثوق بها، وليس كما فعل البعض، بشديد الأسف، بأن بنَوا آراءَهم على ما جاء في مقالات أو كتابات بعض المغرضين ممّن يجهلون بحقّ أبسط قواعد مناهج البحث وأصولها، لذا امتلأت أوراقهم بالمغالطات، وغلبت عليها التفاهات، فضلاً عمّا امتلأت به من التّهم والافتراءات، وما برحوا يكيلونه من أفظع أنواع السباب واللعنات، من دون سند أو دليل. ولكن قد يخفف وطأة مثل هذا السلوك الشائن أنّه ما من دين من الأديان قوبل بالترحاب فور نزوله، وما من دين إلا وقد تعرّض للكثير من التهم والشبهات، وتعرّض أصحابه لأقسى أنواع العذاب، وأشدّ أنواع الاستنكار والاعتراض، بل والسخرية والاستهزاء بتعاليمه والتهكّم عليها. ولكنّ الله برحمته ورعايته لعباده يستمرّ في تواصله مع عباده، والإفاضة عليهم من نوره الذي لا يطفأ من خلال إرساله الرسل والمصطفين مثل إبراهيم ونوح وهود وصالح وموسى وعيسى ومحمّد وغيرهم عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى السلام على الرغم من المحاولات المضنية لإطفاء هذا النور في كلّ دورة، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.

وقد يكون من الضروريّ أن نضع في الاعتبار أنّ كلّ دين من الأديان لا يأتي من فراغ على الرغم من استقلاله الكامل عن أيّ ديانة سابقة. فالبوذيّة مثلا انبثقت من الهندوسيّة، والمسيحيّة نشأت في ظل الديانة اليهوديّة، فهل يصحّ القول بأنّ البوذيّة هي جزء من الهندوسيّة؟ أو هل يمكن ادّعاء أنّ المسيحيّة هي فرع من اليهوديّة؟

كذلك نشأ الدين البهائيّ في ظل الدين الإسلاميّ وهو دين مستقل تماماً عن الدين الإسلامي.

الظهوران التوأمان البابيّة والبهائيّة

بدأ التّاريخ البهائيّ بإعلان الدّعوة البابيّة في عام ١٨٤٤الميلادي والموافق 1260 الهجري. كانت هذه الدعوة في حدّ ذاتها تهيئة لقدوم دعوة أُخرى تتحقّق بظهورها نبوءات الأنبياء والرّسل السّابقين؛ ألا وهي الدّعوة البهائيّة. لقد مرّت أحداث التّاريخ البهائيّ بمراحل عدّة كان لكلّ مرحلة منها خصائص مميّزة، وإن كانت تلك المراحل متّصلة بعضها ببعض بلا انفصام بحيث لا يبيّن مدلولها الكامل إلاّ برؤيتها كوحدة متكاملة. ولكن رغبة في إيضاح مغزى أحداث هذا التّاريخ الحافل وإبرازه سنقسّمه إلى دورتين:

الأولى هي دورة البشير أو البابيّة، والثانية هي دورة الظّهور أو البهائيّة، وقد سبقتهما مرحلة إعداديّة تتمثّل في تعاليم الفرقة الشّيخيّة. وهذا التّقسيم لا يحمل معنى خاصّاً، ولا يعدو كونه ترتيباً منهجيّاً لدراسة التّاريخ وسهولة استيعابه.

أوّلاً: دورة البشير أو البابيّة

في أوائل القرن التاسع عشر ازداد الشعور بين أصحاب الديانات و المذاهب الدينيّة المختلفة بقرب ظهور الموعود، وقد عمّ هذا الشعور ليس فقط في الشرق بل كان يزداد أيضاً في الغرب.

فكان في الشرق الحديث عن المهدي المنتظر بين أهل السنّة، والإمام الغائب بين أهل الشيعة، وأنّ هذا المجيء سيكون علامة لرجعة المسيح وعودته التي بشّرت بها جميع الكتب السماويّة، ومن ذلك ما جاء به القرآن الكريم وما أكّدته الأحاديث الشريفة. ولكن كان هناك أيضاً في المقابل الكثيرون ممن أنكروا احتمال مجيء مبعوث إلهيّ آخر، وعارضوا ما جاء من النصوص وقاموا بتأويلها بشكل يتنافي مع حقيقة معناها.

أمّا في الغرب فقد أعلنت بعض الفرق المسيحيّة عن اقتراب ملكوت الله والرجوع الثاني للمسيح حسب حساباتهم الموجودة في الكتاب المقدّس والتي كانت تؤكد حتميّة هذا الظهور في ستينيّات القرن التاسع عشر. وكان من هذه الجماعات جماعة دينيّة عُرفت باسم فرسان الهيكل في ألمانيا، انتقلت بالفعل إلى حيفا (١٨٥٩م -١٨٦٩م) قاصدةً الأراضي المقدّسة انتظاراً لتحقّق الوعود الإلهيّة بعودة المسيح على جبل الكرمل كما توضّح النبوءات، وشيّدوا بيوتهم بالفعل على سفح الجبل المقدّس (الكرمل) انتظاراً لقدومه، ونحتوا عبارة: “الرب قريب – ١٨٧١” على نافذة أحد بيوتهم إيقاناً منهم بموعد قدومه المذكور في الكتب المقدّسة.

ظهرت الفرقة الشيخيّة من الشيعة الإثنا عشريّة في خضمّ الكثير من الإرهاصات، ووسط انتشار العديد من التكهّنات، وكما هو معروف في تاريخ الأديان أنّه قبل ظهور كلّ رسالة سماويّة يكون هناك تنبّؤات باقتراب مجيء الموعود، وإرهاصات بتحقّقها، ويقوم أناس مختارون بتهيئة البشر وإعدادهم روحانيّاً لهذا المجيء السماويّ، والذي يشار إليه في الكتب السماويّة بلقاء الله.

قام الشيخ أحمد الإحسائيّ بإعداد أتباعه لاستقبال الموعود وتعميقهم في علامات ظهوره، ولم يألُ جهداً في إصلاح معتقداتهم، وتنقيتها من أدران الخرافات وشوائب الأوهام إلى أن توفّاه الله، فتابع تلميذه السيّد كاظم الرّشتي مهمّته، وواصل نشر رؤى شيخه عن ظهور “الموعود”، وشرح أوصافه لتلاميذه ومريديه، وذكره لبعض العلامات الدّالة على صدقه.

وبوفاة السيّد كاظم كانت الشيخيّة قد استوفت عملها في التهيئة لمجيء الموعود، فانطلق تلاميذهما في البلدان بحثاً عنه كما طلب منهم السيّد كاظم قبل وفاته، وكانوا في بحثهم هذا متسلّحين بالصوم والصلاة، ومتضرّعين بالدعاء آناء الليل وأطراف النهار، مبتهلين للعليّ القدير أن يصلوا إلى الموعود وينعموا بلقائه.

سنلاحظ أنّه على الرغم من قصر دورة البشير أو المبشّر، إلا أنّها حفلت بآيات البطولة وتجلّت فيها روح الفداء بكلّ غال ونفيس في سبيل إعلاء كلمة الله.

ولإبراز مغزى أحداث هذه الدّورة، سنقوم بتقسيمها إلى ثلاث مراحل رئيسة وهي:

مرحلة الكشف، ومرحلة الإعلان، ومرحلة الاستقلال، ولن نخوض في تلك المراحل بالتفصيل في هذا الفصل، ويمكن الرجوع إلى المصادر التاريخيّة للتعرّف على تفاصيل هذه الوقائع الموثّقة بشيء من التفصيل.

1. مرحلة الكشف ولقاء الموعود

كان أوّل من فاز بهذا الشرف العظيم هو المُلّا حسين بشروئي، وهو أخصّ تلاميذ السّيد كاظم، والعارف المتعمّق بكلّ ما ذكره عن الموعود، وما أدلى به من أوصاف وعلامات، وهو من أخلص الذين وهبوا حياتهم للبحث عن “الموعود” والتشرّف بلقائه.

التقى الملّا حسين بعد بحث طويل عن ضالته بالسيّد علي محمّد الشيرازيّ، في مدينة شيراز حيث كان واحداً من سادتها وأشرافها، ولكن ساور قلبه الشكّ، في أوّل الأمر، فطلب منه الدّليل تلو الآخر حتّى نزلت في حضوره سورة “قيّوم الأسماء” وهي تفسير لسورة يوسف. رأى الملاّ حسين في الهيمنة والاقتدار والإلهام المتجلّي أمام ناظريه اليقين القاطع والبرهان السّاطع على نزول الوحي وظهور الموعود. وسرعان ما فطن إلى انطباق العلامات بالكلّيّة على السيّد علي محمّد، فما كان منه إلاّ أن خرّ مذعناً مسلماً نفسه إلى النداء الإلهيّ، وأصبح بذلك أوّل من صدّق بالباب.

وقبل بزوغ فجر اليوم الخامس من الشهر الخامس (جمادى الأولى) من السنة الهجريّة ١٢٦٠ الموافق الثالث والعشرين من الشهر الخامس (مايو) سنة 1844 ميلادية كشف السيّد علي محمّد لضيفه النّقاب عن حقيقة كينونته، وصرّح له بأنّه هو “الباب” وهو لقب يفصح عن أنّ مجيئه ما هو إلا مقدّمة لمجيء “من يُظهرُهُ الله” المذكور في الكتب المقدّسة بأسماء وأوصاف قد تكون مختلفة في ظاهرها لكنّها متوافقة بالكليّة في حقيقتها وجوهرها.

توالى إيمان الباحثين عن الحقيقة واحداً بعد الآخر حتّى بلغ عدد المصدّقين بالدعوة الجديدة ثمانية عشر وكان ذلك إيذاناً ببدء الدّعوة الجهريّة. فاجتمع السيّد علي محمّد “الباب” بهم، وأمرهم بالانتشار في الأرض لإبلاغ الناس بتحقّق الوعد الإلهيّ مذكّراً إيّاهم بأنّهم حملة لواء الله في هذا اليوم العظيم. وأمرهم أن يتحلّوا بصفات المقدّسين عن الهوى، فيكونوا في أقوالهم وأعمالهم مِصداقاً لتقوى الله وإسلام الوجه إليه والاعتصام بأوامره، وأن لا يشاهد منهم سوى نبل مقاصدهم في حِلّهِم وترحالهم، وكمال فضائلهم وصدق إيمانهم، وخلوص عبوديّتهم لله الواحد الأحد.

2. مرحلة الإعلان

بعد أن آمن ثمانية عشر شخصاً بالسيّد علي محمّد “الباب” وهم الذين سُمّوا فيما بعد بـ”حروف الحيّ”. بدأت المرحلة التالية في إعلان الدعوة وذلك بسفر السيّد علي محمّد “الباب” إلى مكة لأداء فريضة الحجّ وإعلان الدعوة الجديدة إلى شريف مكة تحقيقاً للنبوءات. وقد اصطحب معه أحد تلاميذه وهو الملّا محمّد علي البارفروشي المعروف بـ”القدّوس” وذلك في ٢٠ ديسمبر ١٨٤٤. وقف حضرة “الباب” فور وصوله إلى الكعبة الشريفة بين “الركن ” و”الحجر”، وذلك أيضاً تحقيقاً للوعود الإلهيّة، وقف معلناً أنّه قائم آل محمّد الذي ينتظرونه. كما أرسل إلى شريف مكة رسالته التي يعلن فيها رسالته الجديدة ويطالبه بالإيمان بها والدعوة إليها.

فهل وجد آذاناً صاغية أو استجابة لدعوته؟

لقد اعتبر رجال الدين الشيعة أنَّ هذه الدعوة لا تخرج عن كونها تهديداً مباشراً لأصول الدين الإسلاميّ وقواعده وخروجاً سافراً عليه. هذا على الرغم من انتظارهم لقائم آل محمّد أو صاحب الزمان، كما يسمّونه، والذي يمثّل مجيئه استجابة لدعائهم اليوميّ بأن يعجّل الله بظهوره.

عاد حضرة الباب والقدّوس إلى شيراز بعد أداء فريضة الحجّ وإعلان دعوته في مكّة ليواجه معارضة علمائها المستكبرين. واشتعلت دعوته اشتعال النار في الهشيم. وقد ازداد الاهتمام بها وانتشرت الأخبار في كلّ الأنحاء وازداد عدد المؤمنين بها. ولكن وكما هو الحال في كلّ دعوة إلهيّة وهو أن تقابل بإعراض المعرضين، وباضطهاد المقبلين، ولا يزيدها الإعراض والاضطهاد إلا تأجّجاً واشتعالاً بين فئات الشعب بطبقاته المختلفة. فأقبل الكثير من ذوي القلوب النقيّة الذين شعروا بصدق دعوة “الباب” ونبل مهمّته فما كان منهم إلا الإيمان والتصديق. ومن الجدير بالذكر أنّه كان من بين هؤلاء المثقفون والنبلاء والعلماء، وكان منهم المعدمون والبسطاء والفقراء.

بعد أن نما إلى علم الشاه سرعة انتشار الدعوة الجديدة ازداد اهتمامه بالأمر وقرّر إرسال أوثق علمائه لتحرّي الحقيقة، فبعث بالسّيد يحيى الدّارابي، الذي سافر إلى شيراز على الفور للاطّلاع والبحث والتحقيق في صدق هذه الدعوة أو بطلانها. فما كان منه إلا التصديق بالدّعوة الجديدة في زيارته الثالثة لحضرة الباب. وبناء على نتائج بحثه أرسل إلى الشاه معلناً له صدق الدعوة الجديدة ومقترحاً عليه توجيه الدعوة إلى حضرة الباب من أجل حضوره إلى طهران بكلّ تكريم ووقار وحتّى يتمكّن الشاه من أن يتعرّف بنفسه على صدق دعوته، وعظمة شخصيته، وكمال مهمّته. وبالفعل قام الشاه بدعوة حضرة الباب للمثول أمامه في طهران بكلّ الترحيب والإكبار. ولكنّ الوزير الأكبر ميرزا أقاسي بذل جهوداً مستميتة للحيلولة دون لقاء الشاه بحضرة الباب وذلك خوفاً على مكانته أو خشية من فقدان ما كان يتمتّع به من سلطة لدى محمّد شاه القاجاريّ وثقته الكاملة به. ونظراً لضعف شخصيّة محمّد شاه وسيطرة الميرزا أقاسي وقوّة تأثيره عليه تراجع وأرسل بنفسه خطاباً إلى الباب يقول فيه: “ولو أنّنا نودّ مقابلتك إلاّ أنّنا نجد أنفسنا غير قادرين على استقبالك في طهران بما هو لائق لك لأنّنا على جناح السفر من العاصمة وقد أمرنا أن تُرسَل إلى ماه كو وأصدرنا التعليمات اللازمة إلى علي خان محافظ القلعة أن يعاملك بالإجلال والاحترام. وأملنا وعزمنا أن نطلب حضورك لدى عودتنا إلى سرير السلطنة وفي ذلك الوقت نقدر أن نحكم في مسألتك ونعتقد أنّنا لم نسبّب لك أيّ ازعاج وأنّك لا تتأخّر أن تخبرنا عن أيّ حيف يصيبك ونتمنّى لك أن تستمرّ في الدعاء والتوفيق لنا والسعادة لمملكتنا”. كان ذلك في ربيع الثاني سنة ١٢٦٣هجريّة الموافقة لسنة ١٨٤٧ ميلاديّة. ومما لا شكّ فيه أنّ الحاج ميرزا آقاسي كان مسؤولاً عن إرسال مثل هذا الخطاب إلى الباب والحامل على ذلك خوفه من أنْ تكون المقابلة مع الشاه سبباً في خلعه وسلبه مقامه الذي يتمتّع به وسلطته التّامّة على كافة أمور الحكومة. وأخذ يحرّض مليكه على نقل مثل هذا الخصم القويّ إلى ركن بعيد من أركان المملكة وبهذه الوسيلة يتخلّص من الهمّ الذي كان دائمًا يساوره. فما أعظم خطأه وأشدّ ضلاله!

وهنا يتكرر السؤال نفسه وهو هل وصل رئيس الوزراء آقاسي إلى ما كان يصبو إليه من السلطة؟

وهل تحققت أحلامه التي من أجلها أراد أن يتخلّص من الباب ويحول دون لقائه بالشاه؟

سجّلت الوقائع التاريخيّة أنّ الوزير الحاج ميرزا آقاسي قد فَقَدَ مقامه ورتبته، وأضاع ثروته وأملاكه العديدة التي كان قد استولى عليها بالظلم من الأهالي المساكين. فلم يمهله الله أكثر من سنتين فقط بعد إصداره الأمر بحبس الباب في جبال آذربايجان الموحشة، وقد صادرت الحكومة جميع ممتلكاته بعد أن غضب عليه مليكه وطرده من طهران بالذلّة والهوان، فوقع فريسة للمرض والفقر وضاع منه الأمل وهبط في الذّلّ وخمد ذكره في كربلاء حتّى وافته المنيّة.

أمّا السيّد يحيى الدارابي الذي لقّبه حضرة الباب بلقب “وحيد” فقد أعلن بكلّ شجاعة للشاه إيمانه العميق بالرسالة الجديدة وقراره بالبقاء في شيراز تاركاً المنصب والشهرة والمال والجاه ليكون في خدمة سيّده وغاية مراده حضرة الباب. وبهذا نال شرف أن يكون واحداً من أتباعه المخلصين الذين ضحّوا بحياتهم في سبيله.

وللقارئ أن يتصوّر كيف صُعق العلماء من موقف السيّد يحيى الدارابي الذي كانوا يحترمونه ويجلّون علمه ويقدّرون مكانته. ولكن كما هو متوقع في مثل هذه الظروف لم يتوانوا في اتهامه بالتخريف والجنون، مع أنّهم كانوا بالأمس وحتّى لحظة إعلان إيمانه بدعوة الباب يعتقدون أنّه أرسخهم علماً وأشدّهم حجّةً وقدرةً على محاجاة الباب ودحض دعوته.

3. مرحلة الاستقلال

لم يكن السيّد يحيى الدارابي هو عالم الدين الوحيد الذي أعلن إيمانه في تلك المرحلة بل تبعه بعض العلماء المعروفين الذين نذكر منهم على سبيل المثال الملاّ محمّد علي الزّنجاني الذي كان من كبار مجتهدي الشّيعة في زمانه، وكان قد بعث أحد تلاميذه النجباء ليبحث أمر الباب، وعندما عاد رسوله بالخبر اليقين، وقدّم له بعض كتابات الباب في أثناء قيامه بالتدريس في حلقته الدراسية فما كان منه إلا أن أنهى مجلس تدريسه معلنًا عبارته الشّهيرة بأنّ “طلب العلوم بعد الوصول إلى المعلوم مذموم”. وترك منصبه وانضمّ إلى صفوف المؤمنين الذين نالوا شرف الشهادة في سبيل الله.

قرّر علماء شيراز في أعقاب ذلك التّخلّص من الباب، ولكنّ وباء الكوليرا انتشر فجأة بصورة وبائيّة في مدينة شيراز، وفتك بأعداد كبيرة من الناس في ليلة القبض على الباب نفسها، وأصاب الذّعر والهلع أهل المدينة، وفزع حاكمها فزعاً شديداً، وأمر بإطلاق سراح الباب على الفور، وطلب منه مغادرة مدينة شيراز على أن يتجه إلى مدينة إصفهان.

وعندما علم حاكم إصفهان بالأمر قام بدعوة علمائها على الفور ليتباحثوا في أمر الباب، ويتولّوا مناقشته وعقد مناظرة معه للتباحث فيما جاء به، إلا أنّهم رفضوا الفكرة رفضاً قاطعاً، متعلّلين بأنّه لامجال لمناظرة “الباب” لأنّ المناظرة تجوز في ما أشكل من الأمور، ولكنّ رسالة الباب تعتبر خروجاً على الشّرع، وأنّ كفره واضح وضوح الشّمس في رابعة النّهار، لذا كان قرارهم بمقاطعته والإفتاء بكفره.

أصدر الميرزا آقاسي أمراً بنقل “الباب” إلى أقصى الحدود النائية في مقاطعة آذربيجان، حيث تمّ سجنه في قلعة ماه كو أوّلاً، ثمّ في قلعة جهريق، وذلك ظنّاً من الميرزا آقاسي بأنّ سكان هذه المقاطعة لن يتأثّروا بدعوته لأنّهم كانوا من الأكراد السّنّة، وبذلك ينجح في القضاء قضاء مبرماً على دعوة الباب، وتنطفئ شعلتها المتأجّجة في كلّ أنحاء إيران. ولكن خاب ظنه فما أن وصل حضرة الباب إلى هذه المنطقة حتّى اشتعلت محبّته في قلوب أهلها وأثرت فيهم كثيراً دماثة أخلاقه، ورقّة طباعه، وقوّة إيمانه، ومعجزاته، وخوارق أعماله؛ فالتفّوا حوله، ورحّبوا به وبكلّ من قصده، وأخذت الحجب المانعة من ظهور الدين الإلهيّ في هذه المناطق تتلاشى واشتعلت النار الإلهيّة في قلوب أهلها حتّى أحرقت أعظم الموانع وأعتى العقبات في طريق الاعتراف النهائي بالأمر وأذابتها. لقد تأجّجت النار المشتعلة في القلوب إلى درجة جعلت الجميع يشعرون بقوّة إحيائها للنفوس حتّى في الأقاليم النائية في إيران. فأصابت خيبة الأمل نفوس الذين أمروا بإبعاد صاحب الأمر، ونفي مظهر الجمال الإلهيّ بعد أن فصلوه عن أتباعه على أمل أن يتمكّنوا من إطفاء شعلة محبّته الموقدة في القلوب، فأضحى سجنه مكاناً يؤمّه الحجّاج، بعيداً عن مكائد علماء الشّيعة وخططهم؛ فكلّما ازدادت البابيّة انتشاراً، كلّما ازداد حنق العلماء واشتدّ فزعهم.

وافت المنيّة محمّد شاه، في تلك الأثناء، وخلفه في الحكم الأمير ناصر الدّين ولم يكن آنذك قد تجاوز السّادسة عشر من عمره. وتولّى ميرزا تقي خان الوزارة معتقداً أنّه بإرهابه للبابيّين بالسجن والتعذيب سيتمكّن من وقف انتشار دعوتهم، وفي الوقت نفسه يحصل على تأييد العلماء. فأقحم السّلطة المدنيّة مع السّلطة الدّينيّة في إصدار الحكم بقتل الباب معلنين أنّه لم يكن مارقاً عن الدين فحسب، بل كان ثائراً ومتمرّداً عظيم الخطر أيضاً، ولا مفرّ من إصدار الحكم بإعدامه والقضاء على دعوته.

وفي تلك الأثناء اجتمع في مدينة بدشت بمقاطعة مازندران واحد وثمانون نفراً من أتباع الباب كانوا جميعاً ضيوفاً على حضرة بهاء الله، وكان من بينهم القدوس وقُرّة العين التي سمّيت بالطاهرة، وهما من “حروف الحيّ”.

أُعلنت أركان الشريعة الجديدة في هذا المؤتمر، وكان ينسخ في كلّ يوم من أيّام ذلك الاجتماع المشهود تقليداً من التقاليد المعروفة، وبذلك انقشعت الحُجب الناشئة من تقديس التقاليد.

“وكان ذلك اليوم التاريخيّ والأيّام التي تلته قد أثّرت في أخلاق وعوائد وحياة المؤمنين المجتمعين فتغيّرت طريقة العبادة تغييراً فُجائيّاً كليّاً. وحصل المقصود من هذا الاجتماع المشهود لأنّ النّداء بالنظام الجديد كان بمثابة النفخ في الصور فمُسحت التقاليد العقيمة المُجمَع عليها والتي كانت تُقيّد ضمائر الناس ومُحيت بكلّ جسارة وبغير وجل، فتهيّأت الطريق لإعلان الأحكام والقواعد الجديدة التي جاء بها الأمر الجديد، وعزم بقيّة الجمع المحتشد في بدشت على الرحيل إلى مازندران.”

حرّض العلماء جماهير الغوغاء على البابيين؛ فاغتصبوا أموالهم وأراقوا دماءهم، ونكّلوا بجثثهم واتهموهم كذباً بإثارة الاضطرابات والفتن، ولم يسمح لهم حتّى بالدفاع عن أنفسهم لأنّ الحكومة كانت تشجّع الغوغاء على كلّ ما ارتكبوه من جرائم بشعة ضدّ البابيين.

استشهاد حضرة الباب

عندما حانت لحظات تنفيذ الحكم جمع حضرة الباب أوراقه وأرسلها مع قلمه وخاتمه إلى حضرة بهاء الله في طهران إيذاناً بانتهاء مهمّته. وبالفعل نُقل بعد ذلك بقليل، مع أربعة من أتباعه إلى تبريز حيث أعدّت العدّة لقتله. وفي اليوم التالي لوصوله أصدر علماء تبريز فتواهم بإعدامه، وكُلّف الضابط سام خان رئيس فرقة الجنود الأرمن، بتنفيذ حكم الإعدام.

نُفّذ الحكم في التاسع من يوليو عام ١٨٥٠ ميلادي، الموافق الثامن والعشرين من شعبان ١٢٦٦ هجري، في ميدان يتوسّط الثُّكنات العسكريّة بمدينة تبريز. وقد احتشد جمع غفير من الناس قُدّر عددهم بعشرة آلاف شخص، وقد غصّت بهم سطوح الثكنات العسكرية والمنازل المشرفة على الميدان. وأوثق حضرة الباب وشابٌّ من أتباعه بحبلين وعُلّقا على جدار في الميدان، واصطفّت الفرقة العسكريّة وكان قوامها ٧٥٠ جندياً من الأرمن في صفوف ثلاثة، وكان في كلّ صفّ ٢٥٠ جندياً. وقد قام كلّ صف بإطلاق الرصاص بعد الآخر، وتكاثف الدخان المتصاعد من البنادق السبعمائة والخمسين حتّى أظلم الميدان وتعسّرت الرؤية فيه. وبعد أن انقشع الدخان الكثيف فوجئ الجمع بتلميذ الباب يقف حيّاً، أمّا السيّد علي محمّد فلم يكن موجوداً في الساحة فاعتقد البعض أنه هرب.

بعد هذه المحاولة الأولى لتنفيذ حكم الإِعدام في حضرة الباب واختفائه عُثر عليه يجلس في زنزانته وهو يُملي الإرشادات الأخيرة على أحد أتباعه.

وقد يكون من المثير حقّاً أن نعلم أنّ حضرة الباب كان قد حذّر حرّاسه في وقتٍ سابق، حين جاؤوا ليقودوه إلى ساحة الإعدام في المرة الأولى، بأنّه لم ينتهِ من حديثه بعد، وليس هناك من قوّة على وجه الأرض يمكنها منعه من إتمام كلّ ما يريد الإدلاء به حتّى الحرف الأخير من رسالته. ولكن اختلف الوضع عندما حضر الحراس لاقتياده إلى الساحة في المرّة الثانية، فقد تحدّث إليهم بهدوء قائلاً:

“لقد انتهيت من حديثي مع السيّد حسين، والآن فبإمكانكم أنْ تفعلوا ما بدا لكم.”

اقتيد حضرة الباب ورفيقه الشاب مرّةً أخرى إلى ساحة الإِعدام نفسها. إلاّ أنَّ الجند الأرمن رفضوا إطلاق الرصاص عليه مرّة ثانية، وقاموا بالانسحاب الكامل من الساحة، فشُكِّلت فرقة أخرى من الجند الإيرانيين وأُمروا بإطلاق الرصاص على حضرة الباب ورفيقه. وفي هذه المرة مزّق الرصاص جسدي الشهيدين جاعلاً منهما كتلةً واحدة، وبقي الوجهان لم يصبهما سوى خدوش طفيفة.

وهنا يجدر التنويه إلى أنّهم وإن كانوا قد نجحوا في قتل هذه النفس الزكيّة تحت وطأة سلسلة من الأحداث والظروف المثيرة للغاية، إلاّ أنّهم لم ينجحوا أبداً في قتل الكلمة الإلهيّة، أو في إطفاء شعلتها التي أراد الله لها أن تبقى وتستمر. وبالفعل فإنّ الله يأبى إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.

سجّل أحداث استشهاد حضرة الباب السير جستين شييل، السفير فوق العادة ومبعوث الملكة فكتوريا الخاص لدى بلاط الشاه، في تقرير رفعه إلى وزير الخارجية البريطانيّ اللورد بالمرستون بتاريخ الثاني والعشرين من يوليو عام ١٨٥٠، وقد جاء في تقريره ما يلي:

“عندما انقشع الغبار الكثيف بعد إطلاق الرصاص، توارى الباب عن الأنظار وهتف الجمهور بأنّه قد صعد إلى السماء. فقد مزّق الرصاص الحبلين اللذين رُبط بهما الباب ورفيقه، إلاّ أنّه أحضر في ما بعد من الغرفة التي اكتُشِفَ وجوده فيها وتّم إطلاق الرصاص عليه من جديد.”

كما سجّل المؤرخ أ. ل. م. نيكولاس الأحداث المحيطة باستشهاد حضرة الباب فكتب ما يلي:

“لقد فدى الإِنسانيّة بنفسه، ومن أجل الإِنسانيّة وَهَب روحَه وجسده، ولأجلها تحمّل الحرمان والأذى، والتعذيب، والاضطهاد، وأخيراً الاستشهاد. ولقد أحكَم بدمائه ميثاقَ الأخوَّة العالميّة، ودفع حياته تماماً كما فعل المسيح ليعلن مجيء عهدٍ من الوفاق والعدالة والمحبّة الأخويّة.”

لخّص شوقي أفندي باختصار طبيعة هذه الرسالة وتأثيرها:

“هذا الّذي أشار مقدمه إلى انتهاء “دور الوعود والنّبوّات”، وافتتاح “دور الوفاء بالوعود وتحقّق النّبوّات”. محا بظهوره ظلام اللّيل الّذي خيّم على بلاده، وأعلن في الوقت نفسه اقتراب بزوغ النّيّر الأعظم الّذي يحيط نوره الجنس البشريّ جميعاً. وصرّح مؤكّداً بأنّه: “النّقطة الّتي ذوّت بها من ذوّت”، و”الرّكن من كلمة الأولى”، و”البيت” و”النّبأ العظيم” و”النّار في النّور على نور الطّور”، و”ذكر الله”، والّذي “ما أرسلنا من نبيٍّ إلاّ وقد أخذناه بالعهد من أجله” وحقّق بمجيئه وعد جميع العصور، وافتتح دور بلوغ كلّ الظّهورات الإلهيّة واكتمالها في آنٍ واحد. هذا “القائم” موعود الشّيعة، و”المهدي” المنتظر من أهل السّنة، و”رجعة يوحنّا المعمدان” الّتي يتوقّعها المسيحيّون، ورجعة “أوشيدرماه” الّذي أشارت إليه الكتب الزّرادشتيّة، ورجعة “إيليّا” الّذي ينتظره اليهود، هذا الّذي تظهر بعثته “آثار جميع الأنبياء”. هذا الّذي “عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيّوب”. ظهر وأشهر أمره واضطهد بلا رحمة ومات مجيداً. هذا الويل الثّاني الّذي تحدّث عنه يوحنّا في رؤياه قد جاء آخر الأمر، وقد بعث أوّل المرسلين اللذين تنبّأ بظهورهما القرآن الكريم. و”نفخ في الصّور” نفخةً صعق لها من في السّموات والأرض وبلغت بالعالم نهايته، و”وقعت الواقعة”، و”جاءت الطّامّة الكبرى”، و”البعث” و”زلزلت السّاعة” و”أتت البيّنة” و”تنزّل الملائكة والرّوح فيها” و”قام النّاس لربّ العالمين” و”السّماء كشطت” و”جاء ربّك والملك صفّاً صفّا”، و”الكواكب انتثرت” و”أخرجت الأرض أثقالها” و”الجنّة أزلفت”، و”الجحيم سعّرت”، و”وضع الكتاب”، ومدّ “الصّراط” و”وضع الميزان” و”نسفت الجبال نسفاً” كما تنبّأ القرآن الكريم. وتمّ “تطهير قدس الأقداس” الّذي تنبّأ به دانيال وأكّده السيّد المسيح في إشارته إلى “رجسة الخراب” وانقضى يومٌ “كان مقداره ألف سنّة ممّا تعدّون” كما تنبّأ القرآن الكريم. وانتهت “الاثنان والأربعون شهراً” الّتي تداس فيها “المدينة المقدّسة”، كما تنبّأ يوحنّا اللاّهوتي، وافتتح “وقت النّهاية” وقام أوّل “الشّاهدين” اللّذين دخل فيهما “بعد الثّلاثة أيّام ونصف روح حياة من الله” فوقف على رجله “وصعد إلى السّماء في السّحابة” وظهرت “الخمسة والعشرون حرفاً” الباقية من “السّبعة والعشرين” الّتي تحوي العلم كلّه كما يقول الحديث الإسلامي. هذا “الابن الذّكر العتيد أن يرعى الأمم بعصا من حديد” المذكور في كتاب رؤيا يوحنّا، أطلق بمقدمه القوى الخلاّقة الّتي أريد بها، بعد أن عزّزتها فيوضات الظّهور اللاّحق والأعظم قوّة، أن تغرس في الجنس البشريّ القدرة على تحقيق الاتّحاد العضويّ، وبلوغ سنّ الرّشد، وبذلك يصل إلى المرحلة النّهائيّة من تطوّره المديد. وأمّا الصّيحة فقد ارتفعت في قيّوم الأسماء ﻟ”معشر الملوك وأبناء الملوك” مشيرةً إلى ابتداء عمليّة أسرعت بها فيما بعد إنذارات حضرة بهاء الله إلى كلّ ملوك الشّرق والغرب، وما زالت تحدث تطوراً واسع النّطاق في مصائر النّظام الملكيّ في جميع أرجاء العالم.”

إنّ الباحث المنصف سيدرك، بلا شكّ، ما اتّسم به الإعلان عن الدعوة الجديدة من الشجاعة والإقدام، فقد رسمت هذه الدعوة للبشر رؤية مجتمع جديد في كلّ نواحيه. لذا قد أصاب الفزع المؤسّسات الدينيّة والمدنيّة على حدٍّ سواء.

وعلى الرغم من قصر مدة هذه الدعوة إلا أنّها حققت أهدافها وأشارت في بعض أوجهها إلى الطّفْرة المفاجئة التي حثّ حضرة الباب العالم لِيُقدِمَ عليها حتّى يتمّ الانتقال إلى حالة من الوعي والاحساس بالوحدة العالميّة.

ومما لا شكّ فيه أنّه منذ أن قام حضرة الباب بالإعلان الشجاع لدعوته في منتصف القرن التاسع عشر حدث تغيير كبير في العالم، وتحقّق تقدُّم غير مسبوق في العديد من المجالات العلميّة والتقنيّة. وسجّل هذا التقدّم انبثاق البشائر الأولى لميلاد “مجتمع عالميّ موحّد”. فكان دوره باعثاً لدورة جديدة من الكشف والإبداع البشريّ. ومن دون أدنى شكّ فإنّ ما كان لدعوة حضرة الباب من تأثير بالغ قد أَحدث تحوّلاً كبيراً وتغيّراً ملموساً في النفوس، وقد تحقّق ذلك أساساً عبر رسائله وتفاسيره وكتاباته العقائديّة والصوفيّة.

إنَّ العارف بتاريخ الأديان لا يسعه إلا أن يذعن للحقيقة الواضحة بأنّ الدور الذي قام به حضرة الباب كمبشر لظهور إلهيّ أعظم وهو ظهور حضرة بهاء الله يشبه في بعض وجوهه الدور العظيم الذي تقلّد به يوحنّا المعمدان (يحيى) مبشراً بالمجيء الأوّل للسيّد المسيح. فكان حضرة الباب مبشّراً بحضرة بهاء الله، وكانت وظيفته هي تمهيد السبيل لمجيئه، لأنّ الدين البابيّ هو في الحقيقة ما كان إلاّ مقدّمة لتأسيس الدين البهائيّ، وإنَّ هدف رسالة حضرة الباب تحَقَّقَ عندما أعلن حضرة بهاء الله في عام ١٨٦٣ بأنَّه هو الموعود المنتظر الذي أعلن عنه حضرة الباب.

الهجوم الشرس على البابيين

سرعان ما تعرّض البابيون للاضطهاد والتعذيب نتيجةً لذلك، فأُعدم الآلاف من أتباع حضرة الباب في سلسلة من المجازر البشعة. ولقد سجّل عدد من المراقبين الغربيّين الشجاعة المعنويّة الخارقة التي أبداها البابيون وهم يواجهون حملة العنف والاضطهاد هذه. كما تأثّر المفكرون الأوروبيون، مثل إرنست رينان وليو تولستوي وساره برنارد والكونت غوبينو، أبلغ الأثر لهذه المأساة الروحيّة التي دارت رَحَاهَا في بلد خيّم عليه الظلام، وأصبحت أخبار حضرة الباب موضوع حديث المنتديات الفكريّة والأدبيّة الأوروبية بصورة متكرّرة، وحَمَلت تلك الأخبار البطولة التي تحلَّى بها أتباعه، وحكت عن سيرته العطرة ونبل تعاليم رسالته، وانتشرت قصّة الطاهرة، تلك العالمة الجليلة والشاعرة العظيمة والبطلة البابية انتشاراً واسعاً كقصة حضرة الباب نفسه، فهي التي خاطبت جلاّديها حين استشهادها بجرأة قائلة: “تستطيعون قتلي بأسرع ما تريدون ولكنكم لن تستطيعوا إيقاف تحرير المرأة.”

ثانياً: دورة الظّهور أو البهائيّة

أمّا الدين البهائيّ فهو النور الإلهيّ الذي هيّأت له دعوة حضرة الباب. ومن ثمّ فإنّ أحداثهما التاريخيّة مترابطة ويكون من المتعذّر تحديد خط فاصل بينهما.

وُلد حضرة بهاء الله، واسمه ميرزا حسين علي النوري، عام ۱۸۱۷م في مدينة طهران عاصمة إيران. وقد كان والده ميرزا بزرك النوري وزيراً ثريّاً في بلاط الشاه، ويرجع نسبه إلى ملوك فارس. ومن ثمّ عاش حضرة بهاء الله في مرحلة شبابه حياة الأمراء. لذا كان يتركّز تعليمه على صنوف الدراسة التي كان يتعلمها أبناء الطبقة الأرستقراطيّة من الأمراء والوزراء في ذلك الوقت، وهي فنون الخط والفروسيّة والشعر الكلاسيكيّ والسيافة. وعلى الرغم من أنّه لم يتلقَّ تعليماً منهجياً في المدارس إلا أنّه اشتهر بعلمه الغزير ودرايته الواسعة وآرائه الصائبة، فكان يتحدّث وهو في سن الرابعة عشر في أيّ موضوع من الموضوعات الشائكة وفي مجالات متنوعة، كما كان قادراً على حلّ أيّة معضلة تُعرَض عليه. كما كان له قدرة عالية في تفسير الإشكاليات الدينيّة والمسائل الشائكة. وقد كانت آراؤه حكيمة، ومناقشاته لها ثقل كبير في مجامع العلماء، فكانوا يحترمونه ويوقّرونه لغزير علمه وعميق فهمه للأمور. فكان يقصده العامة والخاصة للتعلّم منه والاستفادة من حكمته.

وبعد وفاة والده، أرادت الحكومة أن تسند إليه وظيفته المرموقة كما كان متّبعاً في تلك الأيّام. إلا أنّه رفض ذلك المنصب. وعلى الرغم من أنّ رفضه هذا كان صادماً للكثيرين إلا أنّ رئيس الوزراء في ذلك الوقت كان متعاطفاً كثيراً مع هذا الرفض لأنّه كان يشعر بعظمة هذا الشاب ونبوغه. لذا طلب ممّن حوله أن يتركوه لنفسه لأنّ مثل هذا المنصب الوزاريّ لا يليق به. وقد كان حضرة بهاء الله يبذل كلّ ما في وسعه لمساعدة الفقراء، ويمضي جلّ وقته في الأعمال الخيريّة بدلاً من حياة السُّلطة والرخاء، فاشتهر في جميع الأوساط بلقب “أبو الفقراء”.

وقد وصف حضرة عبد البهاء، الابن الأرشد لحضرة بهاء الله الأيّام الأولى في حياة والده بأنّه كان من نبلاء بلاد فارس، وأنّه كان متميّزاً عن سائر الأقارب والأصحاب منذ طفولته. لقد كان سابقاً لعمره ومتفوّقاً على من حوله في الحكمة والذكاء والعلم. كان يُذهل كلّ من يعرفه من حدّة نبوغه حتّى إنّ البعض كانوا يعتقدون بأنّ طفلاً كهذا لن يعيش طويلاً نظراً للاعتقاد العام في ذلك الوقت بأنّ الأطفال النابغين لا يَصِلون إلى سن البلوغ.

سجن حضرة بهاء الله

أثّرت واقعة قتل حضرة الباب المذهلة على القوى العقليّة لأحد أتباعه الذين قاموا على خدمته وكان متعلقاً به إلى حدّ كبير فقرّر الانتقام لسيّده، وعزم على قتل الشاه ولكن بطريقته الخاصّة. فاستخدم بندقيّة صيد ووضع فيها رصاصات غير قاتلة، وهذا دليل على اختلال قواه العقليّة. وقد كان ذلك سبباً كافياً لإثارة موجة عارمة من السجن والتعذيب والتنكيل بالبابيين. وبالتالي تمّ القبض على حضرة بهاء الله بصفته أحد أتباع حضرة الباب البارزين وألقي في السجن أكثر من أربعة شهور في سجن يُدعى “سياه چال” (أيّ: الحفرة السوداء)، وهو من أسوأ السجون المعروفة بشدّة قذارتها، وحلكة ظلمتها، وقسوة زبانيّتها.

تلقّى حضرة بهاء الله الوحي الإلهيّ للمرّة الأولى في سجن سياه چال، وقد سطّر قلمه ذلك بقوله:

“يَا سُلْطانُ إِنِّي كُنْتُ كَأَحَدٍ مِنَ العِبادِ وَرَاقِدَاً عَلَى المِهَادِ مَرَّتْ عَلَيَّ نَسَائِمُ السُّبْحانِ وَعَلَّمَنِي عِلْمَ مَا كَانَ لَيْسَ هذا مِنْ عِنْدِي بَلْ مِنْ لَدُنْ عَزِيزٍ عَلِيمٍ، وَأَمَرَنِي بِالنِّدَاءِ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمآءِ وَبِذلِكَ وَرَدَ عَلَيَّ مَا تَذَرَّفَتْ بِهِ عُيونُ العَارِفِينَ، مَا قَرَأْتُ مَا عِنْدَ النَّاسِ مِنَ العُلُومِ وَمَا دَخَلْتُ المَدَارِسَ فَاسْئَلِ المَدِينَةَ الَّتِي كُنْتُ فِيها لِتُوقِنَ بِأَنِّي لَسْتُ مِنَ الكَاذِبِينَ، هذا وَرَقَةٌ حَرَّكَتْها أَرْياحُ مَشِيَّةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الحَمِيدِ هَلْ لَهَا اسْتِقْرارٌ عِنْدَ هُبوبِ أَرْياحٍ عَاصِفاتٍ؟ لا وَمَالِكِ الأَسْمآءِ وَالصِّفَاتِ بَلْ تُحَرِّكُهَا كَيْفَ تُريدُ، لَيْسَ لِلْعَدَمِ وُجُودٌ تِلْقَاءَ القِدَمِ قَدْ جَاءَ أَمْرُهُ المُبْرَمُ وَأَنْطَقَنِي بِذِكْرِهِ بَيْنَ العَالَمِينَ، إِنِّي لَمْ أَكُنْ إِلاَّ كَالمَيِّتِ تِلْقَاءَ أَمْرِهِ قَلَّبَتْنِي يَدُ إِرَادَةِ رَبِّكَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بِما يَعْتَرِضُ بِهِ عَلَيْهِ العِبَادُ مِنْ كُلِّ وَضِيعٍ وَشَرِيفٍ؟ لا فَوَالَّذِي عَلَّمَ القَلَمَ أَسْرَارَ القِدَمِ إِلاّ مَنْ كانَ مُؤَيَّداً مِنْ لَدُنْ مُقْتَدِرٍ قَدِيرٍ…

النفي إلى العراق

إنّ الأشهر الأربعة التي قضاها حضرة بهاء الله في طهران ما كانت إلا بداية لمسيرة أربعين عامًا من النفي والسجن والاضطهاد. فلقد أُرغم حضرته على الرحيل حتّى قبل أن يتماثل للشفاء من آثار سجنه في سياه چال بعد أن اعتلّت صحته، وانحنى ظهره، وأُدميت رقبتُه من ثقل القيود وحدّة السلاسل التي كان مكبّلاً بها طوال فترة سجنه في طهران.

نُفي حضرة بهاء الله بداية إلى مدينة بغداد التي كانت آنذاك جزءاً من الإمبراطوريّة العثمانيّة، ومنها تآمر حكام إيران مع سلاطين آل عثمان على نفيه وتشريده هو وأسرته حتّى آخر يوم في حياته. لقد استغرقت رحلته مع عائلته الكريمة في عام ١٨٥٣م إلى بغداد ثلاثة أشهر في الشتاء القاسي وزمهرير البرد القارس والرياح الباردة عبر جبال بلاد فارس الغربية المغطاة بالثلوج. كان هذا مع الافتقار الشديد إلى الملابس والطعام والمؤن، ومع الحرمان من وجود الملجأ والمأوى خلال تلك الرحلة الصعبة.

وصل الركب إلى بغداد في الثامن من إبريل ١٨٥٣م. وبدأ أتباع حضرة الباب يتوجّهون وبصورة متزايدة إلى حضرة بهاء الله ويستشعرون من بياناته روح تعاليم حضرة الباب عينها. فتجمّعوا حوله واطمأنّوا بوجوده بينهم، وقد أعاد بمحبّته الغامرة وحكمته البالغة وأخلاقه النبيلة ونصائحه السديدة الحياة المطمئنة للبابيّين.

مرحلة العزلة

بعد مرور حوالي سنة من وصول حضرة بهاء الله إلى بغداد، هاجر إلى جبال كردستان النائية، حيث عاش وحيداً قرابة سنتين. وكان يقضى وقته في التأمّل والصلاة والامتثال إلى الإرادة الإلهيّة التي اصطفته لإعلان رسالته في يوم جديد من أيّام الله.

عاد حضرة بهاء الله من عزلته إلى بغداد في عام ١٨٥٦م ليعيد السرور إلى كلّ من افتقدوه سواء من أسرته أو من البابيّين وغيرهم ممّن أحبّوه بإخلاص وكانوا له من الأوفياء. وفي ظلّ قيادته الحكيمة نمت الجامعة البابيّة وذاعت شهرته كقائد روحيّ في كافة أرجاء المنطقة.

كتب حضرة بهاء الله بعضاً من أشهر آثاره في بغداد، مثل الكلمات المكنونة والوديان السبعة وكتاب الإيقان. وقد كانت كتاباته هذه تعكس رفعة مكانته وعلوّ شأنه، ولكن لم يكن قد حان الوقت للإفصاح عن مهمّته المقدّسة علناً.

استمرّت إقامة حضرة بهاء الله في بغداد إلى ما يقرب من عشر سنوات. وقد كان نفوذه يزداد يوما بعد يوم، وشهرته تتسع في تلك المنطقة التي يحجّ إليها الشيعة من أهل إيران. فسبّب ذلك انزعاجاً شديداً في البلاط الملكيّ الفارسيّ. ولقد ازدادت مخاوفهم أكثر بعد علمهم بتزايد زوّاره من أفراد البلاط الملكيّ نفسه في منزله المتواضع في بغداد. فأبلغت الحكومة الإيرانيّة مخاوفها وشكواها إلى عاصمة الدولة العثمانيّة التي كانت تقع العراق تحت إمرتها في ذلك الوقت. وبناء على ذلك أمر السلطان عبد العزيز بنقل حضرة بهاء الله وأسرته إلى إسطنبول.

تعتبر تلك المرحلة واحدة من أهم مراحل تاريخ الدين البهائيّ لأنّ خلالها بدأ إدراك الناس لمكانة حضرة بهاء الله وجلال شخصيّته. فكان زوّاره ينتمون إلى مختلف طبقات المجتمع. وبالإضافة إلى ذلك عمل على تجميع البابيّين ولمّ شملهم بعد شتاتهم إثر استشهاد حضرة الباب. لذا فلقد أصبح محوراً رئيسياً للدين البابيّ حتّى قبل إعلان دعوته بشكل عام في الرضوان.

فعندما وجد حضرة بهاء الله أنَّ الجامعة البابيّة قد وصلت إلى درجة عالية من التقبّل لمن يظهره الله الذي ضحّى الباب بحياته في سبيله. لذا أعلن للجميع بأنّه هو الموعود الذي بشّر بظهوره حضرة الباب بينما كان يتأهّب الركب للرحيل من بغداد في ربيع عام ١٨٦٣م، وبأنّه هو الذي بظهوره تتحقّق نبوءات ووعود الأديان السابقة.

بهذا الإعلان التاريخيّ بدأ عيد الرضوان المجيد “سلطان الأعياد”، الذي يحتفل به البهائيّون في كلّ ركن من أركان البسيطة إحياء لذكرى هذه الأيّام المباركة. فلقد كان هذا الإعلان التاريخيّ الميمون هو الصيحة الكبرى ببزوغ فجر يوم جديد ليوم مجيد من أيّام الله التي بشر بها رسل الله وأنبياؤه.

في ٣ مايو ١٨٦٣م خرج حضرة بهاء الله من بغداد في طريقه إلى القسطنطينيّة، عاصمة الخلافة العثمانيّة، ورافقته في هذه الرحلة عائلته الكريمة وبعض أتباعه المخلصين.

اشتعلت محبّة حضرة بهاء الله في قلوب الناس في بغداد. فكانت الجموع تحتشد على طول الطريق في يوم مغادرته بما فيهم العلماء والأدباء ورجال الدولة الذين غلبتهم مشاعر الحزن فجاؤوا معبّرين عن حبّهم وعظيم ولائهم وعميق احترامهم وتقديرهم لحضرته. وقد ظلت مظاهر الحفاوة والتكريم على طول الطريق حتّى وصل إلى اسطنبول.

بعد وصول حضرة بهاء الله وصحبه إلى مدينة اسطنبول في منتصف أغسطس ١٨٦٣م بعد رحلة دامت ثلاثة شهور ونصف على ظهور الدواب خلال جبال وعرة نما إلى علمهم قرار الأستانة بنفيهم من اسطنبول وإبعادهم إلى مدينة أدرنة، ولم تدم إقامتهم في اسطنبول أكثر من أربعة شهور تقريباً.

لم تكن الترتيبات في أدرنة مناسبة؛ وعلى الرغم من أنّهم سافروا في ظروف صعبة لم يجدوا فيها ما يحميهم من البرد القارس، أو يقيهم من قسوة الظروف المحيطة. ولقد أشار حضرة بهاء الله إلى هذه المدينة باسم “السجن البعيد” حيث كانت أبعد نقطة في سلسلة المدن التي نُفي إليها حضرته إذ كانت تقع هذه المدينة على بعد ۲۸۰۰ كيلومتر من مسقط رأسه.

بغضّ النظر عن الظروف التي عاشها حضرة بهاء الله وسائر المنفيّين في أدرنة فإنّ تعاليمه ظلّت في انتشار. لقد كانت الآيات الإلهيّة تنهمر كالغيث الهاطل ليل نهار. كما أنّ الآثار التي جرت من قلمه فاقت في غنائها أيّ وقت مضى. وقد كان يتمّ إيصالها بواسطة أتباعه حتّى إلى المناطق البعيدة مثل مصر والهند.

انجذب الكثير من أهالي مدينة أدرنة إلى حضرة بهاء الله، وسعى الحاكم وكبار موظفي الدولة وأعيان المجتمع للحضور بين يديه، للتعبير عن احترامهم الشديد لشخصه الكريم، وإعجابهم العميق بعظمته وعلمه. فلقد كان الناس يجدون أنفسهم يقفون تلقائيّاً عندما يمرّ بجلاله ووقاره في الأسواق، بل كان الكثير منهم ينحنون أمامه بكلّ خضوع وخشوع احتراماً لشخصه الكريم.

ولكن الميرزا يحيى الأخ غير الشقيق لحضرة بهاء الله لم يستجب لدعوته حيث بدأ بعد فترة قصيرة من وصولهم إلى أدرنة حياكة المؤامرات وتدبير الدسائس للاستيلاء على الرياسة التي خالها من حقه، وكان ذلك بمساعدة ثلة تعدّ على أصابع اليد الواحدة وتشجيعهم. فادّعى زوراً وبهتاناً أنّ الباب كان يقصده “بمن يظهره الله” وليس أخاه. ولكنّه عندما فشل في دعواه ولم يستجب له إلا تلك الثلة القليلة شرع في اغتيال شقيقه بهاء الله أكثر من مرة، ودسَّ له السمّ في الطعام. ولكن يأبى الله إلا أن يتمّ نوره، وهذه هي سنّة الله في خلقه بأن تخرج مع الشجرة الطيّبة دائماً شجرة خبيثة، الأولى تنمو وتورق وتزدهر وتؤتي أكلها بإذن ربها في كلّ حين، والأخرى تذبل وتموت بل وتجتث من فوق الأرض ولا يكون لها من قرار ولا استقرار. وهذا أيضاً من الأمور التي تتكرّر في كلّ رسالة من الرسالات، وتواريخ الأديان شاهدة على ذلك.

إنّ دعوة الحقّ هي التي تستمرّ دائماً وكلّ ما يأتي معها من دعاوى كاذبة يذبل ويموت ولو بعد حين. وهذا ما حدث بالضبط مع دعوة الميرزا يحيى الباطلة. ولقد ذكر المستشرق إدوارد براون أنّ عدد البابييّن الذين تمسكوا بميرزا يحيى يقدّر بثلاثة أو أربعة في المائة فقط، أمّا الباقون فقد آمنوا بحضرة بهاء الله. ومنذ ذلك الوقت سمّي البابيّون المؤمنون بحضرة بهاء الله “البهائيّون” وظهر الدين البهائيّ ديناً مستقلاً بارزاً.

كانت الدولة العثمانيّة تعاني كثيراً من التفكك في تلك المرحلة التاريخيّة، وكثرت فيها الضغوط الشديدة بالانفصال من أقلّيات عدّة خاصّة في المناطق الأوربيّة. استغلّ السفير الإيرانيّ هذه الظروف ليشيَ بالبهائيّين في المنفى مقنعاً الحكومة بأنّهم يشكّلون خطراً سياسيّاً ودينيّاً عليها. كما حاول الميرزا يحيى وأتباعه الشوشرة بإشاعة أنَّ ألواح حضرة بهاء الله ورسائله إلى الملوك والسلاطين لها صبغة سياسيّة.

ولهذا تقرّر إبعادهم نهائياً. فأصدر السلطان عبد العزيز فرماناً سلطانياً بنفي حضرة بهاء الله وأتباعه إلى مدينة عكاء في فلسطين ليكون سجناً أبدياً له ولأصحابه.

وقد يكون من المثير حقّا أن تتكاتف إمبراطوريّتان عظيمتان مثل إيران وتركيا لنفي حضرة بهاء الله ومن معه إلى منفاه الأخير في مدينة عكاء بفلسطين. ولم يدروا حينذاك بأنّهم يحققون الوعود الإلهيّة بظهور موعود جميع الأديان في الأراضي المقدّسة؛ تلك الأراضي التي وُلِد فيها أنبياء وأسرى إليها آخرون. وقد يكون في ذلك الردّ القاطع على كلّ من يدّعي كذباً أو يتّهم بهتاناً “الدين البهائيّ” بأنّ له علاقة بدولة إسرائيل. فلم يذهب حضرة بهاء الله إلى عكاء في فلسطين برغبته بل نفي إليها قسراً وجهراً في عام 1868م أيّ بما يقرب من ثمانين عاماً قبل قيام دولة إسرائيل، وبقي فيها سجيناً هو وعائلته، ولم يكن له حق مغادرتها حتّى وافته المنيّة في مايو 1892.

رسائله إلى ملوك العالم وحكّامه

خلال السنوات الخمس التي أقامها حضرة بهاء الله في أدرنة قام بتفصيل أصول دعوته وبيانها. كما شرح النبوءات والوعود الإلهيّة الخاصة بمجيئه، وسعى إلى تعليم وتهذيب أصحابه وأتباعه وتقويم أخلاقهم، وكتب محذّراً ومنذراً بانتشار الفساد وازدياد الخلافات بين أمم العالم نتيجة لانصراف الناس عن التعاليم الإلهيّة، والاستهانة بشأن الدين، والعزوف والإعراض عن النداء الإلهيّ الجديد.

ركّز حضرة بهاء الله جلّ اهتمامه على نشر وترويج دينه وبدأ في إرسال الرسائل والألواح إلى ملوك وسلاطين العالم معلناً أنَّه هو موعود التوراة والإنجيل والقرآن ودعاهم إلى نصرة دينه. احتوت هذه الرسائل على إنذارات مثيرة عمّا سيشهده العالم في القرن التاسع عشر من انقسامات ونزاعات كبيرة ولكنّه تنبأ أنّ كلّ هذه الأزمات ستكون بداية لميلاد حضارة عالميّة يكون أساسها المتين هو وحدة الجنس البشريّ. وقد دعا حضرة بهاء الله بصورة خاصة قادة أوروبا إلى تسخير جميع الإمكانات لتحقيق الوحدة العالميّة مؤكداً لهم بأنَّ الله سبحانه وتعالى حرَّك قوى تاريخيّة عظيمة لا يوجد لأيّة قوّة بشريّة القدرة على الوقوف أمامها. كما أخبرهم بأنَّ الله ما منحهم تلك السلطة والقدرة إلا لتلبية احتياجات الجنس البشريّ، وتأسيس السلام العالميّ والعدل الاجتماعيّ والوحدة العالميّة. أمّا الدول التي تحاول أن تستخدم قواها ضد عمليّة توحيد العالم الإنسانيّ فإنَّها في الواقع تجلب الدمار والخراب لنفسها ولباقي الأمم والشعوب. ولأول مرّة في تاريخ الأديان وضع حضرة بهاء الله هيكل نظام عالميّ جديد كفيل بحفظ الأمن وإحلال السلام على قواعد العدل والتآزر في العالم. فأمر بالحدّ من التسلّح، ونصح بفضّ المنازعات الدوليّة بالطرق السلميّة.

ولقد تضمّنت رسائله هذه إلى كلّ من بيدهم زمام الحكم في العالم مبادئ النظام العالميّ الجديد؛ داعياً إيّاهم إلى إعادة تنظيم المجتمع الإنسانيّ على الأسس الجديدة التي وضعها، ومنذراً إيّاهم جمعاء مَغَبّةَ رفض هذه الدعوة الإلهيّة، ومؤكداً لهم أنّه لا يطمع في جاه أو شهرة ولا يسعى إلى كسب دنيويّ، وإنّما ينادي بأمر إلهيّ لا يملك حياله إلاّ الطاعة. كما عدّد لكلّ منهم ما ينتظره من عواقب إن هو تجاهل كلمة الله أو ألقاها وراء ظهره مستهيناً بدعوة الحقّ. ولقد حاق بهم بالفعل كلّ ما أنذرهم به من مَذَلَّةٍ وخسران مادّيّ ومعنويّ نتيجة لاستكبارهم وعدم مبالاتهم بهذه الرّسالة السماويّة على الرغم مما كانوا يتمتعون به من عزّ مبين وسلطة و جاه متين.

سورة الملوك

كما ذكرنا في السطور السابقة أنّ حضرة بهاء الله في المرحلة الأخيرة من الإعلان العام لرسالته أرسل إلى من يملكون زمام الحكم في العالم في ذلك الوقت، وعلى الرغم من إرساله برسالة خاصة لعدد كبير منهم كانت تشتمل على تحذير صريح من مغبّة تجاهل هذا الامر. إلا أنّه خاطب الجميع في سورة عامة موجهة إلى ملوك الأرض وحكامها لتكون دستوراً لهم ولمن يأتي من بعدهم في المستقبل.

وعلى الرغم من أنّه كان سجيناً بأمر اثنين من أعتى ملوك أكبر إمبراطوريتين في ذلك الوقت؛ هما الإمبراطوريّة الإيرانيّة والإمبراطوريّة العثمانية، إلا أنّه خاطبهم من علوّ العظمة وسموّ السلطنة والقدرة كمملوكين له.

في السطور التالية مقتطفات من سورة الملوك:

“هذا كِتابٌ مِنْ هذَا العَبْدِ الَّذِي سُمِّيَ بِالْحُسَيْنِ فِي مَلَكُوتِ الأَسْماءِ إِلى مُلُوكِ الأَرْضِ كُلِّهِمْ أَجْمَعِينَ، لَعَلَّ يَنْظُرُونَ إِلَيهِ بِنَظْرَةِ الشَّفَقَةِ ويَطَّلِعُونَ بِما فِيهِ مِنْ أَسْرارِ القَضاءِ وَيَكُونُنَّ مِنَ العارِفينَ، ولعَلّ يَنْقَطِعُونَ عَمَّا عِنْدَهُمْ وَيَتَوَجَّهُونَ إِلى مَواطِنِ القُدْسِ وَيُقَرَّبُونَ إِلى اللهِ الْعَزِيزِ الجَمِيلِ.

أَنْ يا مُلُوكَ الأَرْضِ اسمَعُوا نِداءَ اللهِ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ المُثْمِرَةِ المَرْفُوعَةِ الّتي نَبَتَتْ عَلَى أَرْضِ كَثِيبِ الحَمْراءِ بَرِّيَّةِ القُدْسِ وتَغَنّ بِأَنَّهُ لا إِلٰهَ إِلاّ هُوَ الْعَزيزُ المُقْتَدِرُ الحَكيمُ، هَذِهِ بُقْعَةُ الّتي باَرَكَهَا اللهُ لِوارِدِيها وَفِيهَا يُسْمَعُ نِداءُ اللهِ مِن سِدْرَةِ قُدْسٍ رَفِيعٍ، اتَّقُوا اللهَ يا مَعْشَرَ المُلُوكِ ولا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْ هذَا الفَضْلِ الأَكْبَرِ فَأَلْقُوا ما فِي أَيْدِيكُم فَتَمَسّكُوا بِعُرْوَةِ اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ وتَوَجَّهُوا بِقُلُوبِكُم إِلى وَجْهِ اللهِ ثُمَّ اتْرُكُوا ما أَمَرَكُمْ بِهِ هَواكُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ الخَاسِرينَ…”

وفي جزء آخر من السورة يتفضل:

أَنْ يَا عَبْدُ فَاذْكُرْ لَهُمْ نَبَأَ عَلِيٍّ إِذْ جَاءَهُم بِالحَقِّ وَمَعَهُ كِتابُ عزٍّ حَكِيمٍ، وَفِي يَدَيْهِ حُجَّةٌ مِنَ اللهِ وَبُرهانُهُ وَدَلائِلُ قُدْسٍ كَريمٍ، وَأَنْتُم يَا أَيُّها المُلُوكُ ما تَذَكَّرْتُم بِذِكْرِ اللهِ في أَيَّامِهِ وَمَا اهْتَدَيْتُم بِأَنْوارِ الَّتي ظَهَرَتْ وَلاحَتْ عَنْ أُفُقِ سَماءٍ مُنِيرٍ، وَمَا تَجَسَّسْتُم في أَمْرِهِ بَعْدَ الّذِي كَانَ هذا خَيْرٌ لَكُمْ عَمَّا تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْها إِنْ أَنْتُمْ مِنَ الْعَالِمينَ، وَكُنْتُمْ في غَفْلَةٍ عَنْ ذلِكَ إِلى أَنْ أَفْتَوْا عَلَيْهِ عُلَمَاءُ العَجَمِ وَقَتَلُوهُ بِالظُّلْمِ هؤُلاءِ الظالمون، وَاستَرْقَى رُوحُهُ إِلى اللهِ وَبَكَتْ مِنْ هذا الظُّلْمِ عُيونُ أَهْلِ الفِرْدَوْسِ ثُمَّ مَلئِكَةُ الْمُقَرَّبِينَ، إِيَّاكُمْ أَنْ لا تَغْفَلُوا مِنْ بَعْدُ كَما غَفَلْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَارْجِعُوا إِلَى اللهِ بارِئِكُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ الْغافِلينَ، قُلْ قَدْ أَشْرَقَتْ شَمْسُ الوَلايَةِ وَفُصِّلَتْ نُقْطَةُ العِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَظَهَرَتْ حُجَّةُ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قُلْ قَدْ لاحَ قَمَرُ البَقاءِ في قُطْبِ السَّماءِ وَاستَضاءَتْ مِنهُ أَهْلُ مَلأ العَالينَ، وَقَدْ ظَهَرَ الوَجْهُ من خَلْفِ الحُجُباتِ وَاسْتَنارَ مِنْهُ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَالأَرَضِينَ، وَأَنْتُمْ ما تَوَجَّهْتُمْ إِلَيْهِ بَعدَ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ يا مَعْشَرَ السَّلاطِين، إِذاً اَتَّبِعُوا قَوْلِي ثُمَّ اسْمَعُوهِ بِقُلُوبِكُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ المُعْرِضِينَ لأَنَّ افْتِخَارَكُمْ لَمْ يَكُنْ في سَلْطَنَتِكُمْ بَلْ بِقُرْبِكُمْ إِلى اللهِ وَاتِّباعِكُمْ أَمْرَهُ فِي ما نُزِّلَ عَلَى أَلْواحِ قُدْسٍ حَفِيظٍ، وَلَوْ أَنَّ واحِداً مِنْكُمْ يَحْكُمُ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا وَكُلِّ ما فِيهَا وَعَلَيْهَا مِنْ بَحْرِها وَبَرِّها وَجَبَلِها وَسَهَلِها وَلَنْ يُذْكَرَ عِنْدَ اللهِ ما يَنْفَعُهُ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ الْعارِفِينَ، وَاعْلَمُوا بِأَنَّ شَرافَةَ الْعَبْدِ في قُرْبِهِ إِلى اللهِ وَمِنْ دُونِ ذلِكَ لَنْ يَنْفَعَهُ أَبَداً وَلَوْ يَحْكُمُ عَلى الخَلائِقِ أَجْمَعِينَ…”

وهنا يخاطب السجين ملوك الأرض ناصحاً لهم ومحذراً من مغبة الظلم وعدم الانصياع للأمر الإلهيّ:

“… اتَّقُوا اللهَ يَا أَيُّهاَ المُلُوكُ وَلا تَتَجاوَزُوا عَنْ حُدُودِ اللهِ ثُمَّ اتَّبِعُوا بِمَا أُمِرْتُمْ بِهِ في الكِتابِ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ المُتَجاوِزينَ، إِيَّاكُمْ أَنْ لا تَظْلِمُوا عَلى أَحَدٍ قَدْرَ خَرْدَلٍ وَاسْلُكُوا سَبيلَ العَدلِ وَإِنَّهُ لَسَبيلٌ مُسْتَقيمٌ، ثُمّ أَصْلِحوُا ذَاتَ بَيْنكُم وَقَلِّلُوا فِي العَسَاكِرِ لِيَقِلَّ مَصارِفُكُمْ وَتَكُونُنَّ مِنَ المُسْتَريحينَ، وَإِنْ تَرتَفِعُوا الاخْتِلافَ بَيْنَكُمْ لَنْ تَحْتَاجُوا إِلى كَثْرَةِ الجُيُوشِ إِلاّ عَلَى قَدْر الّذي تَحرُسُونَ بِها بُلدَانَكُمْ وَمَمالِكَكُمْ اتّقُوا اللهَ وَلا تُسْرِفُوا في شَيءٍ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ المُسْرِفينَ، وَعَلِمْنا بِأَنَّكُم تَزْدَادوُنَ مَصارِفَكُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَتُحَمِّلُونَها عَلَى الرَّعِيَّةِ وَهذا فَوْقَ طاقَتِهِمْ وَإِنَّ هذا لَظُلْمٌ عَظيمٌ، اعْدِلُوا يَا أَيُها المُلُوكُ بَيْنَ النَّاسِ وَكُونُوا مَظاهِرَ العَدلِ في الأَرْضِ وَهذا يَنْبَغي لَكُمْ وَيَليقُ لِشَأنِكُم لَوْ أَنْتُم مِنَ المُنْصِفينَ، إِيَّاكُمْ أَنْ لا تَظلِمُوا عَلَى الّذينَ هُمْ هاجَرُوا إِلَيْكُمْ وَدَخَلُوا في ظِلِّكُمْ اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مِنَ المُتَّقينَ، لا تَطْمَئِنُّوا بِقُدْرَتِكُم وَعَسَاكِرِكُمْ وَخَزائِنِكُم فَاطمَئِنُّوا بِاللهِ بارِئِكُمْ ثُمَّ اسْتَنْصِرُوا بِهِ في أُمُورِكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ بِجُنُودِ السَّمَواتِ وَالأَرَضينَ، ثُمَّ اعلَمُوا بِأَنَّ الفُقَراءَ أَمَانَاتُ اللهِ بَيْنَكُم إِيَّاكُم أَنْ لا تَخانُوا في أَمَانَاتِهِ وَلا تَظْلِمُوهُمْ وَلا تَكُونُنَّ مِنَ الخَائِنينَ…”

ثمّ يوجّه حديثه إلى ملوك المسيحيّة:

“… أَنْ يا مُلُوكَ المَسِيحيَّةِ أَمَا سَمِعتُم ما نَطَقَ بِه الرُّوحُ بِأَنَّي ذَاهِبٌ وآتٍ فَلَمّا أَتَى في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ لِمَ ما تَقَرَّبْتُم بِهِ لِتَفُوزُوا بِلِقائِهِ وَتَكُونُنَّ مِنَ الفائِزينَ، وَفِي مَقَامٍ آخَرَ يَقُولُ فإِذَا جَاءَ رُوحُ الحَقِّ الآتي فَهُو يُرْشِدُكُمْ وَإِذَا جَاءَكُمْ بِالحَقِّ ما تَوَجَّهْتُمْ إِلَيهِ وَكُنْتُم بِلَعْبِ أَنْفُسِكُمْ لَمِنَ اللاّعِبينَ، وَما استَقْبَلْتُم إِلَيهِ وَمَا حَضَرْتُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ لِتَسْمَعُوا آياتِ اللهِ مِنْ لِسانهِ وَتَطَّلِعُوا بِحِكْمَةِ اللهِ العَزيزِ الحَكيمِ، وَبِذلِكَ مُنِعَتْ نَسَمَاتُ اللهِ عَنْ قُلُوبِكُم وَنَفَحَاتُ الله عَنْ فُؤادِكُمْ وَكُنْتُمْ في وَادِي الشَّهَوَاتِ لَمِنَ المُحبَرينَ، فَوَاللهِ أَنتُمْ وَما عِنْدَكُمْ سَتَفْنَى وَتُرْجَعُونَ إِلَى اللهِ وَتُسْئَلُون عَمَّا اكْتَسَبْتُمْ فِي أَيَّامِكُمْ فِي مَقَرِّ الّذي تُحْشَرُ فِيهِ الخَلائِقُ أَجْمَعينَ، أَما سَمِعْتُمْ ما ذُكِرَ فِي الإِنْجِيلِ إِنَّ الَّذينَ لَيْسُوا بِدَمٍ وَلا بِإِرَادَةِ لَحْمٍ وَلا بِمَشِيَّةِ رَجُلٍ وَلكِنْ وُلِدُوا مِنَ اللهِ أَيْ ظَهَرُوا مِنْ قُدْرَةِ اللهِ وَبذلِكَ يَثْبُتُ بِأَنْ يُمْكِنُ في الإِبْداعِ أَنْ يَظْهَرَ مَنْ يَكُونُ عَلَى حَقٍّ مِنْ عِنْدِ اللهِ المُقْتَدِرِ العَلِيمِ الحَكِيمِ، فَكَيْفَ إِذا سَمِعْتُمْ أَمْرَنا مَا اسْتَفْسَرْتُمْ مِنّا لِيَظْهَرَ لَكُمُ الحَقُّ عَنِ البَاطِلِ وَتَطَّلِعُوا بِمَا كُنَّا عَلَيهِ وَتَعْرِفُوا مَا وَرَدَ عَلَيْنا مِنْ قَوْمِ سَوْءٍ أَخْسَرِينَ…”

وقد يكون من المثير حقّاً أن يسجّل التاريخ للبشريّة تحقّق كلّ الإنذارات التي وجّهها حضرة بهاء الله من سجنه إلى ملوك الأرض وحكامها.

النفي إلى عكاء

وفي صبيحة اليوم الحادي والعشرين من شهر أغسطس عام ١٨٦٨م أبحر حضرة بهاء الله ومعه حوالى سبعين من عائلته وصحابته المخلصين من ميناء جاليبولي في تركيا على ظهر سفينة بخاريّة ووصلوا إلى عكاء بعد رحلة شاقة استغرقت عشرة أيّام ودخلوا قلعتها المهجورة من بابها البحريّ تحت حراسة مشدّدة.

لم يخرج أهل عكاء مرحّبين بمن أفاض على مدينتهم قدسيّـتها وشرّفها، ولكن اجتمعوا ليسخروا بمن وصفه فرمان السلطان بمدّعي الأُلوهيّة الفارسيّ الذي حُكم عليه هو وأفراد عائلته من دون محاكمة بالسجن مدى الحياة. وقد أكد الفرمان تحذيره الشديد لأهالي مدينة عكاء وما حولها من عواقب الاختلاط بهؤلاء الأشرار أو معاشرتهم، وطلب منهم ضرورة أن يتجنّبوهم بالكليّة، وألّا يتعاملوا معهم بأيّ شكل من الأشكال.

ومن سخريات القدر أن يقع الميرزا يحيى في الفخ الذي نصبه لأخيه فقرّرت الحكومة العثمانية بعد أن ساورتها الشكوك فيه وبعد تأكدها من براعته في حياكة المؤامرات قرّرت نفيه مع ثلاثة من البهائيّين إلى جزيرة قبرص على أمل أن يقوم هؤلاء الثلاثة بالحدّ من نشاطاته المريبة هناك، وبقي فيها حتّى وافته المنيّة في عزلته واندثرت سيرته.

كان سجن مدينة عكاء في ذلك الوقت من أعتى السجون وأكثرها سوءاً وخراباً حيث كان معدّاً لإيواء أكبر المجرمين وأشدّهم خطراً في شتّى أنحاء الإمبراطوريّة العثمانيّة. لقد كانت شوارع المدينة كئيبة وممتلئة بالمتاهات والأزقة الضيقة، وليس فيها سوى أطلال بيوت حقيرة ومنازل مهدّمة مهجورة. وكانت الروائح الكريهة المنتنة هي إحدى سمات هذه المدينة نظراً لأنّ الرياح التي كانت تهبّ على شواطئها تأتي بفضلات البحر الأبيض المتوسط ونفاياته مما كان يتسبب في تلوث جوّ المدينة. كما كان انتشار هذه الروائح العفنة يخلق بيئة ملوّثة ومناخاً غير صحيّ بالمرّة. وقد يكون هذا هو السبب الأوّل وراء اختيار السلطان العثمانيّ لمدينة عكاء وذلك أملاً في أن يقضي هذا المكان الرديء الموبوء على حياة حضرة بهاء الله ومن معه.

إنَّ العُزلَةَ التي فُرضت على حضرة بهاء الله في سجن عكّاء كانت في واقع الأمر دعامة لهذا الظهور المبارك لأنّها سجّلت استهلال فترة غنيّة بتـنزيل الآيات والألواح. لقد واصل حضرته إبلاغ دعوته إلى ملوك ورؤساء العالم من بين جدران زنزانته. كما فصّل معالم النظم العالميّ الذي أبدعه، وأنزل في الكتاب الأقدس أحكام الشريعة الجديدة، وأجاب عن أسئلة مستفسريه، وحرّر كتاب عهده وميثاقه، وحدّد الهيئات والقيادات المستقبليّة لإدارة أمور دينه، وبيّن وظيفة كلّ منها وسلطتها، وعيّن ابنه البكر عبد البهاء كمركز للعهد والميثاق، حتّى يتولّى إدارة شؤون رسالته وتفسير تعاليمه من بعده.

في شهر أبريل عام ١٨٩٠م التقى إدوارد گرانڤيل براون الأستاذ في جامعة كمبردج بحضرة بهاء الله في أربع زيارات متتالية. وفي السطور التالية مقتطف عبّر فيه عن لقائه الأوّل بحضرته:

“وإنّما الوجه الذي رأيته، لا أنساه ولا يمكنني وصفه، مع تلك العيون البرّاقة النافذة التي تقرأ روح الشخص وتعلو جبينَه الوضّاح العريض القدرةُ والجلالُ… فلم أكُ إذ ذاك في حاجة للسؤال عن الشخص الذي امتثلت في حضوره، ووجدت نفسي منحنياً أمام من هو محطّ الولاء والمحبّة التي يحسده عليها الملوك وتتحسّر لنوالها عبثاً الأباطرة!”

صرّح حضرة بهاء الله في هذا اللقاء:

“أيّ ضرر في أن يتحد العالم على دينٍ واحدٍ وأن يكون الجميع إخواناً، وأن تستحكم روابط المحبّة والاتحاد بين بني البشر، وأن تزول الاختلافات الدينيّة وتمحى الاختلافات العرقيّة؟… ولا بدّ من حصول هذا كله، فستنقضي هذه الحروب المدمّرة والمشاحنات العقيمة، وسيأتي “الصلح الأعظم… فلا يفتخر الإنسان أنّه يحب وطنه، بل يفتخر بأنه يحب أبناء جنسه.”

بقي حضرة بهاء الله سجيناً في مَرْجِ عكّاء إلى أن صعدت روحه الطاهرة المقدّسة إلى رحاب الملكوت في فجر اليوم التاسع والعشرين من شهر مايو من عام ١٨٩٢م وكان قد بلغ من العمر خمسة وسبعين عاماً قضى منها أربعين عاماً في غياهب السجون، وعذاب النفي بين الممالك والبلدان حتّى يصل إلى مدينة عكاء مرغَماً وذلك تحقيقاً للنبوءات التي ذُكرت في أكثر من حديث شريف عن فضل هذه المدينة وما ستناله من شرف.

بعد صعود حضرة بهاء الله أبرق حضرة عبد البهاء بالرسالة التالية إلى السلطان العثماني:

“إنّ شمس الحقيقة والنيّر الأعظم قد غرب عن أفق الإمكان وطلع من مشرق اللامكان مخاطباً أحباءه الثابتين الراسخين من الكتاب الأقدس: “يا أهل الأرض إذا غربت شمس جمالي وسترت سماء هيکلي لا تضطربوا قوموا علی نصرة أمري وإعلاء کلمتي بين العالمين.”

استقرّت رفات حضرة بهاء الله في غرفة بسيطة من منزل بجوار قصر البهجة الذي كان يقيم فيه، وقد قام حضرة عبد البهاء ومن بعده حضرة شوقي أفندي، وليّ أمر الله، بتنسيق وتجميل الحدائق المحيطة بالمرقد المبارك بكلّ محبة وعناية (ذلك المرقد الذي اختير كميراث إنساني عالمي في عام ٢٠٠٩).

العهد والميثاق

 

إنّ النظام الإداريّ للدين البهائيّ هو جزء لا يتجزأ من الرسالة البهائيّة، وقد جاء به مؤسّس الديانة نفسه. وهذه تعتبر هي المرّة الأولى التي تأتي فيها الرسالة الإلهيّة مع نظمها الإداريّ. وهذا النظام أو النّظم يقوم في الأساس على هيئات منتخبة بالاقتراع العام. ونظام الانتخاب نفسه هو نظام فريد غير مسبوق ويختلف بالكليّة عن كلّ نظم الانتخابات التي نراها الآن بكلّ صورها. ففيه لا يكون هناك ترشيح أو دعاية ويتمّ على أسس روحانيّة بحتة. تجرى هذه الانتخابات على ثلاثة مستويات؛ الأوّل هو المستوى المحليّ لانتخاب أعضاء المحافل الروحانيّة المحليّة، ويكون ذلك في كلّ مدينة أو قرية أو منطقة يعيش فيها أكثر من تسعة بهائيين فينتخبون تسعة أفراد يشكلون أعضاء المحفل الروحاني المحليّ للقيام بخدمة مجتمعهم وتدبير شؤونه. وتجرى انتخابات المحافل المحليّة هذه في العالم في يوم محدّد سنويّاً وهو اليوم الأوّل من الرضوان أيّ في 21 إبريل. والمستوى الثاني مركزيّ ويتمّ فيه انتخاب تسعة من البهائيّين على مستوى الدولة لتشكيل المحفل الروحانيّ المركزيّ لكلّ دولة. وهذه المحافل تنتخب أيضاً سنويّاً في الأسبوع الأخير من شهر إبريل. وأمّا المستوى الثالث فهو عالميّ ويجرى كلّ خمس سنوات لانتخاب تسعة أعضاء من البهائيّين من أنحاء العالم لتشكيل بيت العدل الأعظم وهو الهيئة الإداريّة العليا لإدارة شؤون البهائيّين في العالم ويقوم بانتخابهم أعضاء المحافل المركزيّة الموجودة في دول العالم.

ولكن على الرغم من أنّ الظروف لم تكن مواتية لتأسيس النظام الإداريّ عند وفاة حضرة بهاء الله إلا أنّ هذه المرحلة أظهرت ما تميّز به هذا الدين في نقل السلطة بوضوح تام ليدخل بها الدين البهائيّ في مرحلة جديدة من مراحل تطوره. فبعد مرور تسعة أيّام تُليَت وصيّة حضرة بهاء الله، وهي المعروفة بـ”كتاب عهدي” التي خطّها حضرته بيده وذكر فيها بصراحة لا لبس فيها تعيينه لحضرة عبد البهاء مركزاً للعهد والميثاق ومرجعاً للبهائيين من بعده، ومفسّراً ومبيّناً لشريعته حتّى يواصل بناء المجتمع البهائيّ العالميّ أو الجامعة البهائيّة العالميّة، ويرسي قواعد مؤسّسات النظم البديع على أسس روحانيّة كما رُقّم ذلك من القلم الأعلى. وحتّى تكفل هذه المؤسّسات حماية الدّين البهائيّ من أيّ تفرّق أو تشيّع أو انشقاق، سواء أكان ذلك في تحديد الخلافة أم في تفسير التعاليم والأحكام. وهذه هي المرّة الأولى في تاريخ الأديان حيث يعيّن فيها مؤسّس ديانة عالميّة كتابةً وبوضوح، ويحدّد من سيتوجّه إليه المؤمنون من بعده. ويُعتبر هذا الإعلان المحور الرئيسيّ لما يشير إليه البهائيّون بـ”عهد وميثاق حضرة بهاء الله” وهو الذي مكّن أتباع الدين البهائيّ من أن يبقوا متّحدين حول سلطة مركزيّة.

حضرة عبد البهاء (1844-1921)

من الجدير بالذكر أنّ حضرة عبد البهاء وُلد في عام 1844م، أيّ في الليلة نفسها التي أعلن فيها حضرة الباب دعوته للملا حسين بشروئي. وقد لازم حضرة عبد البهاء والده في مراحل نفيه وسجنه التي بدأت وهو لم يتجاوز بعد تسع سنوات من عمره. وعلى الرغم من أنّ حضرة عبد البهاء لم يدخل المدارس نظراً للظروف التي عاشها مع والده من نفي وسجن إلا أنّ ما تركه من رسائل وكتب وخطب ومحادثات لأكبر دليل على ما أوتي من ذكاء وفطنة، وعلم راسخ وفصاحة وقدرة فائقة على البيان، ومعرفة دقيقة بأسرار الكون. لقد عاش عبد البهاء سجيناً أكثرَ من نصف قرن من الزمان، ولم يطلق سراحه إلا بعد قيام ثورة تركيا الفتاة في عام 1909م وفيها تمّ عزل السلطان عبد الحميد. وقد خرج عبد البهاء من السجن وهو شيخ يناهز الخامسة والستين من عمره.

“ورغم أنّ طول سجنه قد هدّ قواه وأنهك صحّته، إلاّ أنّه بدأ أسفاره لبلاد الغرب، بعد التّوقف قليلاً في مصر، واعتلى المنابر وتصدّر المحافل والمجالس العلميّة، وحاضر في الجامعات وخطب في المصلّين، وناظر العلماء وباحث المفكّرين، وناقش الأدباء وحرّر ما لا حصر له من الرّسائل ردّاً على المستفسرين، وأبلى في ذلك كلّه بلاء لا حدّ له ولا نظير. لم يسافر ساعياً لكسب أو شهرة، وإنّما قياماً بواجب نصح به أصحابه: ألاّ يلوذوا بالسّكون، أو يخلدوا إلى الرّاحة، وأن يطهّروا أنفسهم من التّعلّق بملذّات الحياة الفانية، ويشتروا بمتاع الدّنيا كنوزاً لا تفنى ومقرّاً في قرب الله، وأن يغتنموا الفرصة لنشر نفحات الله وسطوع نوره بين العالمين.”

توفّي حضرة عبد البهاء في 28 نوفمبر عام 1921 عن سبعة وسبعين عاماً. وتناقلت الصّحف ووكالات الأنباء الخبر وعبّر الكثيرون عن الحزن الشديد لهذه الخسارة الفادحة، وانتقال رجل الإنسانيّة إلى الرفيق الأعلى.

شوقي أفندي رباني (1897-1957)

 

عند صعود حضرة عبد البهاء كان النظام الإداريّ في بداية تأسيسه على المستوى المحليّ، ولكن لم تكن الجامعة البهائيّة قد بلغت مرحلة النموّ اللازمة لانتخاب الهيئة العليا لنظمها الإداريّ والتي تتطلّب أن يقوم بانتخابها مندوبون من مختلف بلاد العالم مع اختلاف خلفيّاتهم وأجناسهم وثقافاتهم. لذا كتب حضرة عبد البهاء في وصيته “ألواح الوصايا” التي كتبها بنفسه بتعيين حفيده الأرشد شوقي أفندي ربّاني وليّاً لأمر الله ليستكمل الخطّة الّتي وضعها وبدأ بالفعل في تنفيذها لاستكمال النّظم الّذي وضع أصوله حضرة بهاء الله. وكانت هذه أيضاً مرحلة جديدة من مراحل تطوّر الدين البهائيّ ونموّه.

“ولد شوقي ربّاني بمدينة عكّاء في أوّل أيار/مايو 1897. بدأ تعليمه في مدارس حيفا، ثمّ انتقل إلى بيروت لمواصلة دراسته الّتي انتهت في جامعة أكسفورد. وتولّى عبد البهاء تربيته وتوجيهه بنفسه منذ طفولته، ووصفه بأنّه “أبدع جوهرة فريدة عصماء”. كان شوقي ربّاني رجلاً مثاليّاً عديم النّظير، لا يحيد عن المبادئ، ولا تأخذه في الحقّ لومة لائم، ذا نظر ثاقب، ورأي صائب، ورؤية جليّة، ومنطق سليم، وتحليل عميق. جمع إلى ذلك رفاهة الحسّ، ورقّة المشاعر، وكثرة المهابة، وشدّة التّواضع. وهو مع ذلك طلق اللّسان، قويّ البيان، سلس الأسلوب، فصيح العبارة، بعيد المغزى. تولّى الأمر وهو في عنفوان الشّباب، وكرّس حياته لرعاية المسؤليّة الّتي تركها له عبد البهاء، وعمل على تنمية إمكانات العالم البهائيّ، وإرساخ جذور هيكله الإداريّ، ليقوم بتدبير شؤون جامعة عالميّة من بعده، ويحافظ على وحدتها. وبانتهاء ولايته اجتاز الدّين البهائيّ طور الرّئاسة المتمثّلة في شخص واحد إلى رئاسة تتمثّل في هيئات منتخبة على ثلاثة مستويات: المحافل الرّوحانية المحلّية على مستوى المدينة والقرية، والمحافل الرّوحانيّة المركزيّة على مستوى المملكة أو الجمهوريّة، وبيت العدل الأعظم على مستوى العالم.”

توفّي شوقي أفندي ربّاني في 4 نوفمبر 1957م وهو لم يتجاوز الستين من عمره بعد أن أتمّ مهمّته بكلّ نبل وإخلاص فقد قام خلال فترة ولايته بإنجاز عدّة مشروعات حيويّة للإعداد للمرحلة التالية من مراحل تطوّر الدين البهائيّ وهي مرحلة النظام الإداريّ لدين بهاء الله. لذا بذل جهوداً متواصلة ومضنية في تأسيس وتوسيع النظام الإداريّ في كثير من بلدان العالم، و قام بترجمة التعاليم والآثار الكتابيّة البهائيّة وتبيينها، كما قام برسم الخطط والبدء في تطوير المركز البهائيّ العالميّ وتهيئة الظروف لانتخاب بيت العدل الأعظم. بهذا دخل الدين البهائيّ في مرحلة تالية من مراحل تطوّره وهي مرحلة انتقال العهد والميثاق إلى المؤسّسات المنتخبة.

بيت العدل الأعظم

يعتبر بيت العدل الأعظم قمّة النظام الإداريّ، وفي الواقع تعتبر هذه أوّل رئاسة دينيّة جماعيّة، وأوّل هيئة تشريعيّة منتخبة بالاقتراع العام على مستوى عالميّ. اشترك في انتخابها ممثلون لعدد من شعوب العالم وأجناسه وثقافاته، وهم أعضاء المحافل المركزية المنتخبة لستٍّ وخمسين دولة في ذلك الوقت. ولقد تمّ انتخاب أعضائه التسع لأول مرّة في عام 1963، أيّ بعد خمس سنوات فقط من وفاة شوقي أفندي. ومنذ تلك اللحظة يتولى بيت العدل الأعظم أمور البهائيّين في العالم. ويتمّ انتخابه كلّ خمس سنوات. وقد تمّ انتخاب الأعضاء الحاليين في عام 2008، وهذه هي الدورة الانتخابية السابعة.

نختتم هذا الفصل بالمقتطف التالي كتبه أحد المراقبين المعاصرين من خارج الجامعة البهائيّة:

“إنَّ الحركة البابيّة والبهائيّة تعطي مؤرّخي الأديان مصادر قيمة لدراسة أصلها وتطوّرها بصورة لا توجد في أيّ دين آخر وهناك سببان لذلك الأوّل: إنّ الدين البهائيّ هو أحدث الأديان لأنّ سائر الأديان الأخرى بدأت منذ مئات أو آلاف السنين. ومن بين ما يسمى بالأديان العالميّة الرئيسيّة الحيّة الأحد عشر فإنَّ الدين الإسلاميّ الذي ظهر في القرن السابع الميلادي وديانة السيخ التي ظهرت في القرن السادس عشر الميلاديّ فقط يتجاوز عمرها بضع مئات من السنين وباقي الأديان مثل: الهندوسية والبوذية والطاوية والكونفوشيوسية والشنتو والزردشتية واليهودية والمسيحية فيرجع تاريخ نشأتها إلى آلاف السنين. أما الدين البهائيّ فقد نشأ في منتصف القرن الماضي، عام ١٨٤٤م، ووصل إلى آخر مرحلة من مراحل تطوّره التكوينيّ عام ١٩٦٣م، ويكون الوقت الحاضر مناسباً لدراسة هذا التطوّر. ولهذا فإنّ الدين البهائيّ هو دين العصر الحديث وبالطبع أكثر قابليّة للدراسة والفهم عن الأديان القديمة.”

وخلاصة الأمر أنّه بعد ظهور الدين البهائيّ، قبل أكثر من قرن ونصف من الزمان، والعالم بأسره يشهد طفرة لا مثيل لها من العلوم والاختراعات، وفي الوقت نفسه يعاني الكثير من المصاعب والرزايا والمحن والآلام والأزمات التي لم يشهدها عصر من قبل. ومن ثمّ فكلّ ما نراه الآن ما هو إلا القوى والدوافع التي تسوق الإنسانيّة سواء بإرادتها ورضائها أو إجباراً وكرهاً نحو تكثيف جهودها الموحّدة في مجابهة هذه الكوارث والويلات، وتدفعها بقوة، رغماً عن عنادها الطويل، إلى العودة إلى وحدتها العضويّة التي قدّرتها لها المشيئة الإلهيّة منذ القدم.

هذه فقط ومضات ولمحات من تاريخ الدين البهائيّ، وفي الفصل التالي سنتناول في سطور موجزة ما يقوم البهائيّون به في العالم من مشروعات تطبيقاً لما جاء حضرة بهاء الله به من مبادئ وآليّات واقعيّة من شأنها أن تساعد البشر على الخروج من الأزمات الراهنة، وعلى تأسيس نظام عالميّ يحقّق الوحدة والسلام لكلّ الأنام.

الفصل الخامس المجتمع البهائيّ العالميّ في سعيه الدائم إلى التطبيق

اشتمل الفصل الثالث على بعض مبادئ الدين البهائيّ بشكل مختصر، وأساسها هو الإيمان الكامل بالوحدة الكامنة وراء جميع الأديان. ومن ثمّ تدعو إلى تحرّي الحقيقة تحرّياً مستقلاً دون تقيّد بالخرافات أو بالتقاليد، وتحثّ على التبرّؤ من كلّ ألوان التعصّب الجنسي ّوالدينيّ والطبقيّ والقوميّ، وإلى الانسجام والوئام بين الدين والعلم، وإلى المساواة بين الرجال والنساء، وإلى التعليم الإجباريّ، وضرورة الاتفاق على لغة عالميّة إضافيّة، والقضاء على الغنى الفاحش والفقر المدقع، وتأسيس محكمة عالميّة لفضّ المنازعات التي تنشب بين الأمم، وتسمو بالعمل الذي يؤدّى بروح الخدمة إلى منزلة العبادة، وتمجّد العدل على أنّه المبدأ الذي يجب أن يصبح مسيطراً على المجتمع الإنسانيّ، والتأكيد على أنّ الدين هو الحصن الحصين لحماية كلّ الشعوب والأمم، وأن إقرار السلام الدائم العام يعتبر أسمى هدف للبشريّة.

يؤمن البهائيّون أنّ هذه االمبادئ هي العلاج الكامل لأمراض العالم المستشرية، وبأنّ حضرة بهاء الله بصفته الطبيب الحاذق المرسل من الله في هذا العصر قد وضع الأليّات الفعّالة، والعلاجات الناجعة لعلاج هذه الأمراض والأوبئة. تلك العلاجات التي ليس من شأنها الاكتفاء بعلاج الأعراض فقط، بل تهتم في الأصل بعلاج الأمراض نفسها والقضاء على أسبابها قضاء جذريّاً. ويكفى العالم ما يعانيه مما يقوم به المتطببون غير المحنكين والمصلحون الآنيّون الذين لا يصفون إلا العلاجات الوقتيّة من مسكّنات لآلام العالم ولايهتمون إلّا بالمغيّبات المخدّرة التي تستر حقائق تلك المشكلات المستشرية وتخفي خطورتها على كافة الجنس البشريّ. تلك المشكلات التي تزداد يوماً بعد يوم تعقيداً إلى درجة جعلت قادة العالم يعلنون صراحة وبكلّ أسف عن عجزهم الكامل في إيجاد حلول لها، ويقرّون بفشلهم الذريع في الحيلولة دون وقوعها أو حتّى في إيقاف تسارعها وانحدارها.

لذا فإنّ العمل على تحقيق المبادئ المذكورة أعلاه وتطبيقها بالتمام والكمال هو من المسؤوليات الأساسيّة التي يضطلع بها البهائيّون في كلّ بقعة من بقاع الأرض، سواء أكان ذلك في المجتمعات المحليّة، أم في المحافل الروحانيّة المحليّة والمركزيّة. وأمّا على النطاق العالميّ فتقوم الجامعة البهائيّة العالميّة بهذه المسؤولية بالنيابة عن المجتمعات البهائيّة المنتشرة في أنحاء العالم.

المقتطف التالي من توقيع لحضرة شوقي أفندي بعنوان “الكشف عن المدنية الإلهيّة” يبيّن لنا شيئاً من التغيير الذي حدث للمؤمنين بهذا الدين الوليد ويصف لنا قوّة تحمّلهم لمسؤليات بناء المدنيّة الإلهيّة الموعودة على الأرض:

“إنّ دين بهاء الله بفضل ما أودع فيه من قوى الخلاقيّة والإصلاح قد أدمج العناصر والجنسيات والمذاهب المختلفة ممن آووا إلى ظله واستقاموا على أمره، فغيّر نفسية أتباعه، ومحا عنهم التعصّبات وجدّد عواطفهم، وسما بتصوّراتهم، وخَلع على عواطفهم خِلع النبل والشرف، وربط جهودهم، وخلق منهم خلقا ًجديداً. إذ بينما يحتفظون بوطنيتهم ويظهرون ولاءهم إلا أنّه قد جعلهم محبيّن لجميع الناس وأكثرهم ترويجاً لراحة ومصالح البشر الحقيقية. وفي الوقت الذي يحافظون فيه على سلامة معتقدهم بالأصل المقدّس للأديان التي ينتمون إليها فقد مكّنهم دين بهاء الله من تصوّر الغاية الأساسيّة للأديان وكشف حقائقها، والإقرار بتتابع فيضها وتوقفها على بعضها بعضاً وكمالها ووحدتها. كما مكّنهم من الوقوف على الرابطة الجوهريّة التي تربطهم به.

فهذا الحبّ العام الذي يشعر به أتباع دين بهاء الله نحو إخوانهم في الإنسانيّة هو الحبّ الذي يسمو عن اعتبارات العنصر والمذهب والطبقة والجنس لا يمكن أن يعتبر في حدّ ذاته لغزاً ولا أن يقال عنه حبّاً مصطنعاً، بل هو حبّ صميميّ لأنّ الذين أحسّت قلوبهم بحرارة المحبّة الإلهيّة الخلّاقة يحبّون خلقه حباً لوجهه، ويرون في كلّ إنسان آية من آيات جماله وجلاله. فلهؤلاء الرجال والنساء يقال كلّ بلد غريب هو وطن لهم، وكلّ وطن هو بلد غريب لهم، لأنّه يجب أن نذكر أنّهم مواطنون في ملكوت الله. ومع رغبتهم في التمتّع بنصيبهم الوافر في المصالح الزائلة والمسرّات البريئة الفانية التي تهبها هذه الحياة الأرضيّة، ومع شوقهم للاشتراك في كلّ جهد وعمل من شأنه جلب السعادة والرخاء والسلام، إلاّ أنّه لا يمكنهم أن يغفلوا ولو للحظة واحدة عن أنّ كلّ هذه أمور زائلة، وهي مرحلة قصيرة جدّاً في سِفر وجودهم، وإنّ مثل الذين يعيشون في هذه المرحلة كمثل الحجّاج وعابري السبل، قبلتهم المدينة السماويّة ووطنهم بلد لا ينقطع عنه الفرح والنور.

ومع ما يغمرهم من عاطفة الولاء لحكوماتهم وسرورهم بكلّ عمل يحقق طمأنينتها، واشتياقهم للإسهام فيما يروّج مصالحها، فإنّهم يعتقدون بأنّ دين بهاء الله الذي يقومون شهوداً له هو دين قد رفعه الله فوق العواصف والانقسامات، والجدل المثار في ميدان السياسة، فهو بعيد عن السياسة، وخاصيته فوق حدود القوميّة، ومبرّأ عن الحزبيّة، ومنفصل تماماً عن مطامع القوميّة وأساليبها ومقاصدها، فهو دين لا يعرف الانقسام ولا الحزبيّة، وأنّه بغير تردد أو تضليل يضع المصلحة الخاصّة سواء أكانت فرديّة أو إقليميّة أو قوميّة معلقة بالمصالح الرئيسيّة للإنسانيّة، ويؤكد أنّه في عالم ترتبط جميع شعوبه وأممه وتتماسك أجزاؤه أحرى بأن تتحقّق مصلحة الجزء عن طريق مصلحة الكلّ، وأنّه لايمكن تحقيق منفعة الفرع بإغفال مصالح الأصل.”

لذا فإنّ الدين البهائيّ دين عالميّ يؤمن به اليوم ملايين من البشر، ويمثلون مختلف الأجناس والأعراق والثقافات والطبقات والخلفيّات الدّينيّة، وهم يقطنون في أكثر من مائة ألف قرية ومدينة حول العالم، وتؤكد دائرة المعارف البريطانيّة على أنّه ثاني أكثر الأديان انتشاراً في العالم على المستوى الجغرافيّ بعد الدين المسيحيّ.

ومن ثمّ فإنّ الجامعة البهائيّة تجسّد نموذجاً حيّاً لوحدة الجنس البشريّ، فعلى الرغم من أنّها تضم أناساً ينتمون إلى العديد من الأصول والثقافات والطبقات والمذاهب المختلفة، وعلى الرغم أيضاً من أنّ تركيبة هذا المجتمع تضم شرائح كبيرة من المجتمع الإنسانيّ من كلّ أمّة وعرق ومهنة وطبقة اجتماعيّة واقتصاديّة، وأنّهم خليط من أكثر من ٢١٠٠ عرق ومجموعات قبليّة مختلفة. إلا أنّ هذا المجتمع العالميّ أو الجامعة العالميّة تمثّل قدرة البشر على الاتحاد والاتفاق رغم تنوّعهم وتعدّدهم. وتؤكد المبدأ البهائيّ بأنّ الوحدة الحقيقية تكمن في التنوّع.

ومن الجدير بالذكر أنّ وحدة هذا التنوّع العظيم في تلك الجامعة لا تعود إلى مجرّد الوحدة العقائديّة فقط، بل تعود أيضاً إلى الوعي العميق بين أعضائها فيعملون بكلّ روح وريحان من أجل خلق حضارة عالميّة أساسها العدل والسلام وطريقها التنمية المستدامة. وهم على يقين كامل من نجاحهم في بناء جامعة بشريّة موحّدة. وتنبع هذه الثقة من إيمانهم الكامل بالتعاليم الروحيّة الملهمة التي جاء بها حضرة بهاء الله منذ أكثر من قرن ونصف من الزمان، وتنبع أيضاً من الحاجة الملحّة في الوقت الحالي وأكثر من أيّ وقت آخر إلى خلق حضارة عالميّة سلميّة أساسها وجوهرها هو وحدة الجنس البشريّ.

“يَا أَبْناءَ الإِنْسانِ! هَلْ عَرَفْتُمْ لِمَ خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ واحِدٍ؛ لِئَلاَّ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ. وَتَفَكَّرُوا فِي كُلِّ حِينٍ فِي خَلْقِ أَنْفُسِكُم؛ إِذاً يَنْبَغِي كَما خَلَقْناكُم مِنْ شَيْءٍ واحِدٍ أَنْ تَكُونُوا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، بِحَيْثُ تَمْشُونَ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ، وَتَأْكُلُونَ مِنْ فَمٍ واحِدٍ، وَتَسْكُنُونَ فِي أَرْضٍ واحِدَةٍ؛ حَتَّى تَظْهَرَ مِنْ كَيْنُوناتِكُمْ وَأَعْمالِكُمْ وَأَفْعالِكُمْ آياتُ التَّوْحِيدِ وَجَواهِرُ التَّجْرِيدِ. هذا نُصْحِي عَلَيْكُم يا مَلأَ الأَنْوارِ، فَانْتَصِحُوا مِنْهُ لِتَجِدُوا ثَمَراتِ القُدْسِ مِنْ شَجَرِ عِزٍّ مَنيعٍ.” 

والسؤال الذي قد يردّده البعض هو هل يقوم البهائيّون بتطبيق هذه المبادئ السامية عمليّاً وعلى أرض الواقع الذي نعيشه الآن، أم أنّها مجرّد أحلام ورديّة، وكلمات رنّانة غير قابلة للتطبيق؟

بالنظر إلى عمر الدين البهائيّ الذي لا يتجاوز قرناً ونصف قرن من الزمان نجد أنّ المؤمنين به يعملون على تطبيق مبادئه بكلّ إخلاص. ويكرّسون جلّ جهودهم في تقديم خدماتهم إلى مجتمعاتهم الصغيرة وإلى من يحيطون بهم من أفراد وجماعات توحّدهم نظرة مشتركة تسمو بهم إلى معايير أخلاقيّة رفيعة وإلى نظرة شموليّة عصريّة تتعدّى حدود الأوطان وتتجاوز حيّز المكان، ويحدوهم الأمل اليقينيّ في إصلاح العالم.

فوجود ما يزيد على خمسة ملايين بهائيّ اليوم، وهم منتشرون في جميع دول العالم وأقاليمه تقريباً، ويقيمون في أكثر من مائة ألف مدينة وقرية يمكننا أن نتصور مقدار التأثير الحادث. فإنّ نموذج الحياة الجماعيّة للبهائيين في الآلاف من هذه القرى والمدن يسمح بإجراء انتخابات سنويّة لتشكيل محافل محليّة تقوم بإدارة شؤون الدين البهائيّ في نطاق حدودها المحليّة، وفي الوقت الحالي يوجد ١٨٦ محفلاً مركزيّاً منتخباًعلى المستوى القطريّ أو الوطنيّ. علاوة على معاضدة هذه المجالس بواسطة ٤٣ مجلساً منتخباً على المستوى الإقليميّ. وتربو نسبة النساء المنتخبات في هذه المحافل القطرية على ٤٠٪ من أعضائها.

ومن دون شكّ فإنّ البهائيّين يعلمون تمام العلم بأنّ الطريق ما زال أمامهم طويلاً، وأنّ التحديات التي ستواجههم كبيرة والعقبات، لا محالة، كثيرة. ولكن قوّة إيمانهم بأنّ هذه المبادئ ملهمة من الله ولا بدّ لها من أن تتحقّق تدفعهم إلى القيام بدعوة من حولهم من أقارب ومعارف وأصدقاء وجيران إلى الإسهام معهم في تطوير مجتمعاتهم والمشاركة في تحقيق حلم البشريّة في بناء حضارة عالميّة. فيعقدون حلقات دراسيّة للتعاليم البهائيّة في جو خال من التّكلف والشّكليات في كلّ مجتمع بهائيّ تقريباً، هذا بالإضافة إلى شبكة للدراسات مكونة مما يقرب من مائتي وخمسين معهداً تقدّم برامج رسميّة ودورات دراسيّة للدين البهائيّ على امتداد الكرة الأرضية، وهناك مئات الألوف من الشباب والبالغين الذين انتفعوا من المقررات الدراسيّة المقدّمة في هذه المعاهد. أمّا في ما يتعلق بالتربية الدينيّة والتهذيب الأخلاقيّ للأطفال وصغار الشباب فيوجد حوالى أربعة وعشرين ألف مجموعة دراسيّة لهم يديرها أعضاء المجتمعات البهائيّة بصورة منتظمة

وقد يكون من المثير حقّاً أن تحظى المجتمعات البهائيّة بالانتشار الواسع في مشارق الأرض ومغاربها، وأن تنعم بالتنظيم الدقيق رفيع المستوى على الرغم من أنّها مازالت في نظر التاريخ جالية دينيّة حديثة وصغيرة نسبياً، والدين لايزال في باكورة مراحله الأولى. وهذا في حدّ ذاته يعتبر إنجازاً رائعاً وغير مسبوق. هذا بالإضافة إلى ما حقّقه أتباع هذا الدين من سموّ المقاصد ونبالتها بالشكل الذي أدّى إلى الحصول على هويّتهم والاعتراف بهم كجامعة دينيّة ذات وقار واحترام لدى العديد من السلطات المدنيّة في العالم.

كما يشهد العالم أنّه في خلال السنوات القليلة المنصرمة من عمر الدين البهائيّ على أنّ البهائيّين استطاعوا في سعيهم الدائب والحثيث إلى تطبيق هذه المبادئ على مستوى القاعدة، وذلك على الرغم مما يواجههم من عقبات وما يقف في طريقهم من تحدّيات.

الجامعة البهائيّة العالميّة

تمثّل الجامعة البهائيّة العالميّة كلّ المجتمعات البهائيّة الموجودة في أنحاء العالم على الصعيدين الدولي والوطني. يوجد لها مكتب في مقرّ الامم المتحدة في نيويورك ومكتب آخر في جنيف سويسرا. كما أنشئ مكتب آخر في بروكسل ( بلجيكا) في عام ٢٠١٠ لتمثيل الجامعة لدى الاتحاد الأوروبي والكيانات المرتبطة به، ومكتب لشؤون الإعلام. ويشارك ممثلو الجامعة البهائيّة في تحالفات عديدة مع المنظمات غير الحكوميّة مع التركيز بصفة خاصة على تبادل الخبرات، والمشاركة في الجلسات العاديّة لبعض لجان هيئة الأمم المتحدة مثل؛ لجنة حقوق الإنسان، ولجنة تطوّر المرأة وتقدّمها، ولجنة التنمية الاجتماعيّة، ولجنة التنمية المستدامة. ويشارك أيضا البهائيون في الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار بين الأديان والعمل المشترك مع الطوائف الدينيّة المختلفة. وقد تمّ تسجيل مكتب الجامعة البهائيّة العالميّة لدى الأمم المتحدة كمنظمة دولية غير حكوميّة في عام ١٩٤٨م. ويسهم المكتب في النقاشات والمداولات على الصعيد الدولي من خلال ما جاءت به مبادئ الدين البهائيّ ومن خلال خبرات أعضائه الواسعة في جميع أنحاء العالم لإيجاد حلول للقضايا الراهنة، والعمل على دفع الحضارة الإنسانيّة وتقدمها على أوسع نطاق. كما تؤدي هذه الجهود أيضاً إلى الدفاع عن حقوق البهائيين في البلدان التي يتعرضون فيها للاضطهاد.

وعلى سبيل المثال ما جاء في التقارير المقدّمة إلى المجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ لمنظمة الأمم المتحدة أنّ الجامعة البهائيّة العالميّة قد شاركت في مائة وخمسين اجتماعاً تقريباً في الفترة ما بين يناير ١٩٩٤ إلى ديسمبر ١٩٩٧، شاركت الجامعة البهائيّة العالميّة خلالها بتقديم أكثر من ثمانين ورقة عمل في مسائل وموضوعات متنوّعة.

وعلى الرغم من أنّ الحصر الكامل لأنشطة مكتب الجامعة البهائيّة العالميّة في جميع أنحاء العالم هو أوسع كثيراً عن النطاق الذي سنتحدّث عنه في هذه العجالة إلا أننا سنقتصر على تسليط الضوء على عدد من هذه الأنشطة مثل المشاركة الفعّالة في العديد من مؤتمرات القمة العالميّة والمؤتمرات المصاحبة للمنظمات غير الحكومية مما وفّر الفرصة لمندوبي الجامعة البهائيّة العالميّة لوضع المنظور الروحانيّ على السواء مع المنظور الاجتماعيّ.

فلقد شاركت الجامعة البهائيّة العالميّة مشاركة تامة مع عدد من الهيئات الوطنيّة في سلسلة الاجتماعات العالميّة التي انعقدت تحت لواء الأمم المتحدة، و كانت هذه المشاركات تدور حول المسائل العالميّة الملحّة والنشاطات الموازية لها وذلك مثل مؤتمرات القمّة العالميّة للأطفال في عام ١٩٩٠م، ومؤتمر البيئة والتنمية المعروف بمؤتمر قمّة الأرض في ريو دي جانيرو عام ١٩٩٢م، والمؤتمر العالميّ لحقوق الإنسان في فييّنا عام ١٩٩٣م، والمؤتمر العالميّ للتنمية المستدامة للدول النامية الجزرية الصغيرة في بربادوس عام ١٩٩٤م، والمؤتمر العالميّ للسكان والتنمية في القاهرة عام ١٩٩٤م، ومؤتمر القمّة العالميّ للتنمية الاجتماعيّة في كوبنهاجن عام ١٩٩٥م، ومؤتمر المرأة العالميّ الرابع في بكين عام ١٩٩٥م، ومؤتمر المستوطنات البشريّة في استانبول عام ١٩٩٦م، ومؤتمر القمّة للغذاء العالميّ في روما عام ١٩٩٦م. ولقد شاركت أعداد كبيرة من البهائيّين من دول مختلفة بنشاط ملحوظ في كلّ هذه المؤتمرات سواء كأفراد من كلّ بقاع الأرض أم كهيئات ومنظّمات غير حكوميّة، وقاموا بعرض المنظور البهائيّ لما يواجهه العالم من مشكلات، وقاموا بتقديم بعض المقترحات التي قد تساعد على حلّها. فالجامعة البهائيّة العالميّة تسعى بلا كلل إلى نشر المبادئ التي وضعها حضرة بهاء الله بوضوح كآليات ضروريّة وأساليب رفيعة وأسس قويّة لتحقيق السلام والرفاهيّة.

ومن الجدير بالذكر أنّ الجامعة البهائيّة العالميّة قد لعبت دوراً قيادياً منذ عام 2006 في مجموعة الحملة الإصلاحيّة لبناء المساواة بين الجنسين (GEAR) وذلك بخلق هيئة اندماجيّة في الأمم المتحدة لمعالجة مبدأ المساواة بين الجنسين. وفي الثاني من يوليو (عام ٢٠١٠م) تمّ التصويت بالإجماع في الجمعية العامة للامم المتحدة على إنشاء كيان للمساواة بين الجنسين “الأمم المتحدة للمرأة UN Women”. وهو كيان جديد تمّ فيه دمج أربعة من مكاتب الأمم المتحدة التي تركّز في العمل على المساواة بين الجنسين وهم: صندوق الأمم المتحدة الإنمائيّ عن المرأة (اليونيفيم UNIFEM)، وشعبة النهوض بالمرأة (DAW)، ومكتب المستشارة الخاصة لقضايا المساواة بين الجنسين، والمعهد الدولي للبحث والتدريب من أجل النهوض بالمرأة. فلقد قام مكتب الجامعة البهائيّة العالميّة بالعمل طوال السنوات الأربع الماضية بمجهودات ومشاورات على أعلى المستويات وعمل عن كثب مع فريق صياغة وتحديد مفاهيم العمل للكيان الجديد وإعداد الخطط والاستراتيجيات اللازمة وما يتطلّبه ذلك من خصائص ووظائف.

وعلى صعيد التنميّة الاجتماعيّة المستدامة يواصل مكتب الجامعة البهائيّة عمله بطرح وجهات النظر الأخلاقيّة والأدبيّة حول القضايا ذات الاهتمام الاجتماعيّ والاقتصاديّ التي تطفو على الساحة. ويتولّى المكتب زيادة التعريف بالأبعاد الأخلاقيّة العالميّة اللازمة للخروج من هذه الأزمات. ومن ذلك ما قام به مكتب الجامعة البهائيّة العالميّة قبل انعقاد مؤتمر القمّة رفيع المستوى بشأن تغيير المناخ المنعقد في الأمّم المتحدة في نيويورك عام 2009م وذلك بتوجيه الدعوة إلى قادة العالم بضرورة الالتفات إلى الأبعاد الأخلاقيّة المترتبة على تغيير المناخ. ولقد ردد صدى هذه الدعوة على أنّ الأخلاق هي البعد المفقود ثلاثون منظّمة غير حكوميّة فضلاً عن منظّمات دينيّة ومعاهد سياسيّة وآخرون. كما أكّدت الجامعة البهائيّة في المؤتمر التاريخيّ في كوبنهاجن عن التغيير المناخيّ على الحاجة الماسّة إلى زيادة الوعي والتحرّك على مستوى القاعدة. ولقد تمّ تنظيم لقاءات جانبيّة لتناول الأبعاد الأخلاقيّة والمعنويّة الناجمة عن تغيير المناخ مع التطرّق إلى دور الدين في مكافحة هذا التغيير المناخيّ.

ولقد حازت أعمال مكتب الجامعة البهائيّة العالميّة في الأمم المتحدة خلال العقود الستة الماضية على الاستحسان لمجهوداته الرامية إلى بناء توافق في الآراء في بيئة قد تكون عدائية في كثير من الأحيان. هذا بالإضافة إلى ما يقوم به المكتب من إسهامات موضوعية في محافل الأمم المتحدة وما له من تاريخ قياديّ بين مجتمع المنظّمات غير الحكوميّة للأمم المتحدة.

ستتناول السطور التالية دور الجامعة البهائيّة في تطبيق هذه المبادئ وتنفيذها كآليات لتحقيق الهدف المنشود، وبعض هذه المبادئ وأمثلة من المساعي لتطبيقها باختصار.

ستقوم معالجة هذا الموضوع على محورين أساسيّين؛ أوّلهما هو وحدة الجنس البشريّ وهو المبدأ الجوهري في الدين البهائيّ والذي على أساسه تدور بقية المبادئ كمحاور وآليات لتحقيق المحور الثاني وهو بناء المدنيّة الإلهيّة وتحقيق السلام العالميّ على الأرض.

أوّلاً: وحدة الجنس البشريّ

تضمّن إعلان حضرة بهاء الله عن المبدأ الأساسيّ لوحدة الجنس البشريّ الخطوط العريضة لمجموعة من القواعد والمبادئ الاجتماعيّة قال عنها إنّها سوف توجّه نموّ المجتمع وازدهاره في المستقبل. فشدّد على مَحوِ كلّ نوع من أنواع التعصّب مؤكّداً بأنّ البشر كافة من أصل واحد وبوتقة واحدة، وأنّ أيّ اعتقاد بامتياز فئة من الناس على أخرى هو بالطبع اعتقاد باطل لا أساس له من الصحّة. أمّا المساواة الكاملة بين الرجال والنساء في نظر الله فمبدأ ينبغي على المجتمع الاعتراف به وتطبيقه بصورة فعّالة. ويضيف حضرة بهاء الله أنّ الوقت قد حان لإقامة العدل في الشؤون الإنسانيّة كافّة، ويولي اهتماماً كبيراً في كتاباته بمسؤوليّة المجتمع لضمان العدالة الاجتماعيّة لكلّ الفئات التي يتكوّن منها. وكان لهذا الاهتمام بموضوع العدالة الاجتماعيّة علاقة وثيقة بواجب الوالدين في تربية أولادهما وبناتهما وبالتأكيد على مسؤوليّة المجتمع في ضمان نشر التعليم العام وتوفير وسائله ليكون في متناول الجميع. لذا كان على كلّ إنسان استفاد من فرص التربيّة والتعليم أن يتمعّن في كلّ الأمور “ببصر جديد” ويسعى إلى تحرّي الحقيقة بكامل الحريّة. ويتحتّم عليه أيضاً الاستفادة من إمكانات العلم والدين إذا أريد لشعوب العالم تنمية قدراتها ورفعها إلى المستوى الذي يمكّنها من مواجهة المشكلات الرّاهنة.

وحيثما يتوقّف التقدّم الاجتماعيّ ويتعطّل يمكن توفير الوسائل الحافزة على إحداث تغييرات ذات جدوى بالاعتماد على إجراء المشورة لاتخاذ القرارات اللازمة: “فالمشورة تزيدنا يقظةً وانتباهاً وتبدّل الظنّ باليقين.” وأخيراً لا بدّ من قبول مبدأ الأمن الجماعيّ وبناء المؤسّسات التنفيذيّة للحكم والإدارة من أجل المحافظة على استمرار الاستقرار والسلام في العلاقات الدوليّة وصيانتها.

وبناءً على ذلك علينا أن نذعن إلى حقيقة جوهريّة وهي أنّ وحدة الجنس البشريّ هي أسّ أساس السلام والعدالة والنظام في العالم. ومن ثمّ يجب أن يُحدث هذا المبدأ تغييراً عضويّاً في تركيبة المجتمع وهيكليته، فما من شكّ في أنّ توحيد الجنس البشريّ هو الهدف الذي تقترب إليه الهيئة الاجتماعيّة في تطوّرها، وبعد أن نجحت التجربة واستقرّت في تحقيق الوحدة في العائلة وفي القبيلة وفي الولاية وفي الوطن وصارت الوحدة العالميّة غايةً تناضلُ إنسانيّةٌ معذّبةٌ من أجل الوصول إليها. فبناء الوطن بلغ ذروته، والفوضى وصلت إلى منتهاها، وأصبح لزاماً على البشريّة وهي في طريقها إلى البلوغ أن تطرح جانباً كلّ ما لديها من نظم قديمة وتقاليد عفا عليها الزمن وتستفيد من أسس النظام العالميّ البديع الذي رسم معالمه حضرة بهاء الله ووضع آليّاته الحاسمة التي ستطبّق إن آجلاً أو عاجلاً وذلك لشدّة حاجة البشر إليها. سواء أكان هذا التطبيق سيحدث طوعاً أو يتمّ كرهاً. ففي النهاية سيكون السجود لله والخضوع لأوامره لأنّ فيها وبها فقط سيكون إنقاذ العالم وسلامته.

“يصرّح حضرة بهاء الله بأنّ القضيّة الروحيّة الرئيسيّة التي تواجه كلّ الناس، بغضّ النظر عن انتماءاتهم الوطنيّة أو الدينيّة أو العرقيّة هي وضع أسس مجتمع عالميّ تتمثّل فيه وحدة الطبيعة الإنسانيّة. إذ إنّ وحدة سكان المعمورة واتفاقهم ليس رؤية إصلاحيّة مثاليّة مبعثها الخيال، ولا هي في محصّلتها النهائيّة خاضعة للخيار، بل هي تجسيد للمرحلة الحتميّة القادمة في سياق التطوّر الاجتماعيّ ستدفعنا إليها مكرهين تجارب الماضي وخبرة الحاضر بأسرها. وما لم يتمّ الاعتراف بهذه القضيّة كحقيقة واقعة والعمل على معالجتها فلن تتوفّر الحلول الناجعة لإزالة الشرور والعلل التي ابتُلي بها كوكبنا لأنّ تحدّيات عصرنا الذي ولجناه كلّها في الأساس عالميّة النطاق، وتتّسم بالشمول لا الخصوصيّة، ولا تتعلق بإقليم دون الآخر.”

إنّ ما جاء به حضرة بهاء الله من رؤية جديدة أكّدت على ضرورة إعادة النظر بصورة أساسيّة في المفهوم الكليّ لكافة الروابط والعلاقات الإنسانيّة؛ مثل علاقة الفرد بغيره من البشر، وعلاقته بالمجتمع ومؤسّساته الإداريّة والتنظيميّة، وضرورة تطوير هذه العلاقات تطويراً يتواءم مع تطوّر المفهوم الإنسانيّ للمشيئة الإلهيّة، ولما أراده الله للإنسان من علوّ الأهداف وسموّ الغايات. وحتّى يتمكن الوعي الإنسانيّ من أن يتحرّر بموجب ما جاء به حضرة بهاء الله من مفاهيم جديدة وشرائع مناسبة للعصر من ردود الفعل السلبيّة التي تفرضها التقاليد القديمة والتي تقف كعقبة عثرة أمام أيّ تطوّر أو تجديد، وبناء عليه يتسنّى لكلّ فرد المشاركة الفعّالة في إرساء قواعد حضارة عالميّة جديدة.

ولنتأمل في النصوص التالية علّها تعطي لمحة ولو بسيطة عما قدّره الله للبشريّة في هذا العصر المبارك:

“لقد انبعثَتْ في هذا العصر حياة جديدة حرّكَتْ أهل العالم.”

“… المقصود من كلّ ظهورٍ التغييرُ والتبديلُ في أركان العالم سرّاً وجهراً وظاهراً وباطناً إذ إنّه لو لم يتغيّر أمورات الأرض بأيّ وجه من الوجوه فإنّ ظهور المظاهر الكلّيّة يكون لغواً وباطلاً.”

“لا يمكن تحقيق إصلاح العالم واستتباب أمنه واطمئنانه إلا بعد ترسيخ دعائم الاتّحاد والاتّفاق.”

“إنّ هذا اليوم ليس كمِثله شيء فهو بمثابة البَصَر بالنسبة للقرون والعصور الماضية، وبمثابة النّور بالنسبة لظلام هذه الأيّام.”

“اليوم يوم الفضل الأعظم والفيض الأكبر.” فكلّ إنسان في هذا اليوم مشمول بذلك الفضل وهذا الفيض، وينبغي عليه أن يغترف من “بحر الفيوضات” الإلهيّة. إِنّه يوم يبدأ فيه تاريخ جديد للإنسانية، فيه سيلتئم شملها لتصبح شعباً واحداً وأسرةً واحدةً.

ثانياً: تحقيق السلام العالميّ

إنّ المحور الثاني وهو تحقيق السلام العالميّ هو، وبلا جدال، الهدف المنشود. وبناءً على ما جاء به الدين البهائيّ من مبادئ وآليات لتحقيق هذا الهدف السامي الذي هو حلم البشريّة منذ آلاف الحقب والسنين. لذا نادى الدين البهائيّ منذ البداية بوجوب تطوير مؤسسات دوليّة، وإقامة علاقات معها عند تأسيسها. كما دعا حضرة بهاء الله بنفسه قادة العالم إلى عقد قمة عالميّة للتباحث بجديّة في وسائل تأسيس السلام العالميّ، وضرورة إبرام المعاهدات الملزمة للمحافظة عليه. ولقد وضع حضرة عبد البهاء جدول أعمال لمثل هذه القِمم وحثَّ على تشكيل مؤسّسة عالميّة دائمة لتُحافظ على السلام وتضع إطاراً لتطبيق القانون على النطاق العالميّ.

ومن الجدير بالذكر أنّ بيت العدل الأعظم قد أصدر في شهر أكتوبر من عام ١٩٨٥م لأوّل مرّة في تاريخه رسالة موجّهة إلى شعوب العالم بعنوان “السلام العالميّ وعد حق”. وقد تمَّ توصيل هذه الرسالة بلغات عدّة إلى قادة العالم قاطبة، وإلى مئات الألوف من المسئولين الحكوميين وقادة الفكر والعاملين في شتى مجالات الجهود الإنسانيّة في العالم. وعلى الرغم من الظروف السياسيّة لهذه المرحلة من التاريخ إلا أنَّ الموضوعات التي تناولتها الوثيقة كانت متفائلة إلى حدّ كبير. لقد كان لما وقع بعد هذه الوثيقة الهامة من أحداث عالميّة تأكيد على قوّة ما احتوت عليه من نظرة ثاقبة لما يعتري العالم من أحوال وعلى نفوذها. لقد أعلن بيت العدل الأعظم في هذه الوثيقة أنَّ تأسيس السلام العالميّ هو أمر “ليس ممكناً فحسب بل هو حتميّ الوقوع” وفي الواقع أنَّه “المرحلة التالية من عملية تطوّر هذا الكوكب الأرضيّ.” كما جاء فيها معالجة لتلك النظرة الضيّقة القائلة بأنَّ “الصراع والعدوان أصبح من خصائص أنظمتنا الاجتماعيّة والاقتصاديّة والدينيّة وبلغ حدّاً قاد العديد من الناس إلى الاستسلام للرأي القائل بأنَّ الإنسان فطر بطبيعته على سلوك طريق الشرّ وبالتالي فلا سبيل إلى إزالة ما فطر عليه. إنَّ الابتعاد عن هذه النظرة البعيدة تمامًا عن الطبيعة البشريّة، وإنّ اختيار طريق السلام لا يعني تجاهلاً لماضي الإنسان بل تفهماً له.” هذه النظرة هي التحدّي الذي يواجه قادة البشريّة والتي يجب التخلّص منها بالكليّة.

وكما ذكرت الرسالة بأنّ: “الإقرار صراحة بأنَّ التعصّب والحرب والاستغلال لا تمثّل سوى مراحل انعدام النضج في المجرى الواسع لأحداث التاريخ وبأنَّ الجنس البشريّ يمّر اليوم باضطرابات حتميّة تسجل بلوغ الإنسانيّة سن الرشد الجماعيّ. إنَّ مثل هذا الإقرار يجب ألاَّ يكون سبباً لليأس بل يكون حافزاً لكي نأخذ على عواتقنا المهمّة الهائلة، وهي مهمّة بناء عالم يعيش في سلام. والموضوع الذي نحثّكم على درسه وتقصّيه هو أنَّ هذه المهمّة ممكنة التحقيق وأنَّ القوى البنّاءة اللازمة متوفّرة وأنَّ البنية الاجتماعيّة الموحّدة يمكن تشييدها.”

علماً أنّ هذه الوثيقة لم تكن الوثيقة الوحيدة التي يصدرها بيت العدل الأعظم لأهل العالم لمساعدتهم في سعيهم من أجل تحقيق السلام الذي أكّد بهاء الله في أكثر من موضع بأنّه واقع وسيتحقّق لا محالة.

هذا بالإضافة إلى ما تقوم به المجتمعات البهائيّة في سائر أنحاء العالم من نشاطات تساعد على تحقيق الأهداف الإنسانيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة ومنها على سبيل المثال تعزيز المشاركة في مبادرات التنمية المستدامة على مستوى القاعدة الشعبيّة، وفي العمل على تقدّم وضع النساء وحصولهنّ على حقوقهنّ، وفي مجالات تعليم الأطفال والقضاء على التمييز العرقيّ، وترويج تعاليم حقوق الإنسان وزيادة الوعي بها، والعمل علي إيجاد الوسائل العادلة لتحقيق الرخاء العالميّ. مع بذل الكثير من المجهودات لتأسيس روابط صداقة عميقة بين البشر تسمو عن أيّ حواجز اجتماعيّة للمشاركة في مساعيهم لخدمة المجتمع الإنسانيّ.

وفيما يلي بعض آليات تحقيق السلام:

1. المساواة بين الجنسين

إنّ تحرير المرأة هو مطلب مهمّ من مُتطلبات السلام، ولن يستقرّ المناخ الخلقيّ والنفسيّ الذي سوف يتسنّى للسلام العالميّ أن ينمو فيه، إلا عندما تدخل المرأة بكلّ ترحاب سائر ميادين النشاط الإنسانيّ كشريكة كاملة للرجل.

والجامعة البهائيّة لا تتوانى في الكثير من الجهود لمساندة النساء للحصول على حقوقهنّ المشروعة، والمساعدة على تحسين أوضاعهنّ الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وتحاول أن تطبّق بعناية الأساليب المساعدة على تحقيق هذا الهدف آخذين في الاعتبار الأنماط الثقافيّة في المجتمع. لأنّ صيانة الأسرة وتعزيز وحدتها مطلب أساسيّ لبناء المجتمع. كما تتبنى رؤية ثوريّة للتغيير ومشجّعة على المشاركة في اتخاذ القرارات، وبناء الثقة على التكامل وليس على المماثلة في الأدوار.

كما يرى البهائيّون أنّ العمل على مستوى الفرد يتطلب التغيير، وإعادة التفكير الجوهريّ في الطريقة التي يتأهّل بها الأولاد اجتماعيّاً ليصبحوا رجالاً، وفي كيفيّة نقل هذا التأهيل إلى الأسرة والمجتمع والحياة العامة. فسياسات التربية التمييزيّة للأطفال، وطموحات الآباء، وكذلك المعاملة السيئة لأفراد العائلة من الإناث، كلّ هذا قد أدّى إلى تأصيل الإحساس بالتميّز والأفضليّة لدى الذكور، وبالتالي الشعور بالنقص وعدم الأهليّة لدي الإناث. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ هذه السياسات قد أسهمت في تضييق مفاهيم الذكورة والأنوثة والتقليل من قيمة الإنجازات التي تحقّقها النساء وتعميق مبدأ الهيمنة والظلم والفقر.

وقد بيّن حضرة عبد البهاء رأي الدين البهائيّ في ضرورة مشاركة المرأة في صنع القرار وتولّي المسؤوليات في سدّة الحكم.

“فقد ربط حضرة عبد البهاء بين حصول المرأة على حقّ الانتخاب والسلام العالمي قائلاً إنّ “السلام العالميّ مستحيل ما لم يحصل الجميع على حقهم الانتخابيّ” وتابع قائلاً: “وهكذا سيكون، فعندما تشارك النساء بشكل كامل ومتساو في شؤون العالم، ويدخلن بثقة وقدرة مسرح تشريع القوانين والسياسة العظيم، ستتوقف الحروب لأن المرأة ستكون عائقاً أمام إشعالها”…”

يسعى البهائيّون في توجّهاتهم إلى رفع مكانة النساء ليستفيد المجتمع ككل من بصائرهنَّ ومهارتهنَّ، ومن ثمّ يوفّرون الفرص التي تمكّن المرأة من تحمّل مسؤوليات أكثر وفي مجالات أوسع، كما يَحُثّ البهائيّون الحكومات على الاهتمام الواسع بتربية الفتيات وتعليمهنّ. كما يعطي البهائيّون الأولويّة لتربية الفتيات وتعليمهنّ على الأولاد في حالة عدم قدرة الوالدين على تعليم أولادهم من كلا الجنسين، كما يشجعون على التعليم المهنيّ والحرفيّ للإناث مثل الذكور. كما تركز عدّة مشاريع إنماء وتطوير بهائيّة على تأهيل النساء كمعلمات وزائرات للعناية الصحيّة الأوليّة وكعاملات في حقل التغذية. وعلى سبيل المثال فلقد أسّس البهائيّون منهاجاً نموذجيّاً لتدريب عاملات وتأهيلهنّ في المجال الصحّيّ في مجتمعاتهنّ، وهذا المنهاج هو قيد الإعداد لتطبيقه حول العالم. وفي هذا الصدد تؤسّس مؤسّسات تستوحي مسارها من التعاليم البهائيّة وذلك مثل المنتدى البهائيّ الأوروبيّ لإدارة الأعمال لإقامة شراكة بين النساء والرجال في نطاق العمل، وتطرح برامج تمكّن النساء من القيام بالأعمال الأخرى.

“ليس فقط على الفتيات في طفولتهنّ أن ينلن الغذاء الملائم والعناية الصحّيّة والتربيّة والتعليم بل وأيضاً يجب إعطائهنّ كلّ الفرص الممكنة حتّى يطوّرن طاقاتهنّ. إن النساء مع حصولهنّ على التربيّة والتعليم ودخولهنّ في كافة مجالات المساعي الإنسانيّة، سيساهمن بعطاءات فريدة من نوعها لخلق نظام عالميّ عادل.”

وفي النصّ التالي تلخيص للموقف البهائيّ تجاه النساء ومساهمتهنّ في تحقيق السلام العالميّ:

“إِنَّ قضية تحرير المرأة، أيّ تحقيق المُساواة الكاملة بين الجنسَيْن هي مطلبٌ مُهِمٌّ من مُتطلبات السلام، رغم أَنَّ الاعتراف بحقيقة ذلك لا يزال على نطاقٍ ضيِّق. إٍنَّ إنكار مثل هذه المساواة يُنزل الظلم بنصف سكان العالم، ويُنمِّي في الرجل اتِّجاهات وعادات مؤذية تنتقل من محيط العائلة إلى محيط العمل ومنها إلى مجال الحياة السياسية ووصولاً في نهاية الأَمر إلى ميدان العلاقات الدوليّة. ليس هناك أيّ أَساسٍ خُلُقِيّ أو عمليّ أو بيولوجيّ يمْكن أن يُبرّر مثل هذا الإنكار. ولن يستقرّ المناخ الخُلقيّ والنفسيّ الذي سوف يتسنَّى للسلام العالميّ النُّموُّ فيه إلاّ عندما تَدْخُل المرأة بكلّ تَرحاب إلى سائر ميادين النشاط الإنسانيّ كشريكةٍ كاملةٍ للرجل.”

2. في مجال حقوق الإنسان

إنّ حقوق الإنسان تعتبر جزءاً لا يتجزّأ من الواجبات. وإذا ما أردنا تحقيق السلام والتقدّم الاجتماعيّ والاقتصاديّ فيجب علينا أوّلاً الاعتراف بحقوق الإنسان والعمل على حمايتها محليّاً ووطنيّاً وعالميّاً، كما يجب تأسيس معيار عالميّ لها. وعلاوة على ذلك يجب العمل على تثقيف الأفراد للاعتراف بحقوقهم وحقوق الآخرين واحترامها. وبالفعل هناك مناهج قد أعدّت في هذا المضمار ويتمّ تطبيقها في بعض المعاهد والمدارس.

لقد تمّ عرض الخطوط الرئيسة للموقف البهائيّ تجاه حقوق الإنسان منذ شباط عام ١٩٤٧م، وذلك في الإعلان الذي قدّمته الجامعة البهائيّة العالميّة عن حقوق الإنسان وواجباته إلى أوّل جلسة عقدتها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في نيويورك.

“مصدر حقوق الإنسان هو ما أنعمه الله من صفات وفضائل وقوى على الإنسانيّة من دون تميّز في الجنس أو العِرق أوالعقيدة أو القوميّة. إنّ هدف الوجود الإنسانيّ هو تحقيق الإمكانيّات الموجودة في هذا العطاء.” ولكن ممارسة هذه الحقوق تعتمد على وجود نظام اجتماعيّ تترأسه حكومة شرعيّة. لذلك “إنّ حقّاً من حقوق الإنسان هو التعبير عن هبة إلهيّة منحت شرعية اجتماعيّة من قبل كيان ذي سيادة وتوجّه أخلاقيّ.” ويدرك البهائيّون أنّ توطيد حقوق الإنسان وممارستها بشكل كامل لا يتطلّب إجراء عمل حكوميّ وتشريع دوليّ فحسب، بل هو بحاجة إلى بناء النوع الجديد من النظم الاجتماعيّ الذي طرحت عناوينه العريضة أعلاه. وعلاوة على ذلك فإنّ أساس حقوق الإنسان في نهاية المطاف هو اعتراف الأشخاص العاديّين بحقيقة الوحدة الإنسانيّة، وهذا يعني من ناحية الفرد قبول مسؤولية تأييد حقوق الآخرين في المجتمع ودعمها.”

وهنا يجب التنويه إلى أنّ كلمة حقوق من وجهة نظر الدين البهائيّ لا تعني بالمرّة الحصول على رخصة بالانحراف عن القيم والأصول. فحقّ الفرد في حريّة العمل لا تعني حقه في التطرّف في ملاحقة مصالحه الشخصيّة مما يُقوّض المسؤوليّة الاجتماعيّة ويُعرّض مَصالح الآخرين للخطر. كما أنّ حرّية الكلام والتفكير تعني أنّ للفرد الحقّ في التعبير عن رأيه بأسلوب لائق وليس فيه جرح أو ازدراء للآخرين. وبما أنّ الإنسانيّة تشكّل وحدة لا تتجزّأ يُعتبر كلّ فرد من أفراد الجنس البشريّ أنّه وُلد في العالم تحت رعاية الكلّ. وتمثّل هذه الرعاية الأساس الأخلاقيّ لغالبيّة الحقوق الأخرى، ومبدئيّاً الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، التي تحاول أجهزة الأمم المتّحدة أن تضع تعريفاً لها. كما أنّ سلامة الأسرة والبيت، وحقّ الملكيّة، وحقّ المحافظة على خصوصيّات الفرد، كلّها موجودة ضمناً في هذه الوصايا، وتمتدّ واجبات المجتمع لتشمل التوظيف والعناية بسلامة العقل والجسد، والضمان الاجتماعيّ، وتأمين رواتب مُنصفة، وتحقيق الراحة والرفاهية. 

وكتطبيق عملىّ لهذا المبدأ تقوم المجتمعات البهائيّة كأفراد ومجتمعات محليّة ومركزيّة بدور كبير وفعّال في المجالات المختلفة مثل: حقوق الإنسان في التربية والتعليم، وبرامج لنبذ التعصّب ومن لقاءات الحوار بين الأديان، ودعم الأنشطة الحيويّة التي تشارك فيها النساء ويكون من شأنها تقدير دورهنّ في بناء المجتمع. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ حياة البهائيّين وسلوكياّتهم تعكس هذه المباديء سواء أكان ذلك في تعاملهم مع عائلاتهم أوفي مجالات التعامل في أمور الحياة اليوميّة. هذه التعاملات التي تعكس في مجموعها مدى الوعي الذي يتحلى به هؤلاء الأفراد والفهم العميق لحقوق الإنسان مع سعيهم الدائم لتطبيقها ونشرها.

أمّا على المستوى الدوليّ فإنّ الجامعة البهائيّة العالميّة تكرّس جلّ جهودها وبصفة مستمرّة من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان في المجالات الدوليّة. فبالإضافة إلى البيان الذي قدّمته إلى الأمم المتّحدة عن واجبات وحقوق الإنسان عام ١٩٤٧م وقّعت على العديد من المعاهدات. كما أنّها تتابع عن كثب الأوضاع في إيران، وفي غيرها من الدوّل، وتقدّم التقارير الموثّقة عن خرق إيران المتكرّر لكلّ معاهدات حقوق الإنسان، وما تعانيه الأقلياّت الدينيّة من عنف واضطهاد وسجن ومصادرة أموال. وبالإضافة إلى ذلك الحرمان من التعليم ومن العمل في الدوائر الحكوميّة وغيره الكثير والكثير من وسائل القمع.

3. العدالة الاقتصاديّة

ممّا لاشكّ فيه أنّ بعث إمكانات الرفاهيّة الماديّة والروحانيّة لسكان الأرض قاطبة سوف يساعد على تحريك الإرادة الجماعيّة للتغلب على الحواجز الموضوعة أمام تحقيق السلام بما في ذلك الفروق الساحقة بين الطبقات الغنيّة والطبقات الفقيرة.

إنّ أساس كلّ مجتمع فعّال هو نظام قائم على العدالة وما يتبع ذلك من هيكليّة تُشرّع القوانين وتسهر على تطبيقها، وهذا النظام قائم بدوره على مفاهيم للعدالة، وعلى القيم التي يتمسّك بها المجتمع بالنسبة لقدسيّة الحياة، وحماية الفرد والممتلكات. ومن ثمّ يرى البهائيّون أنّ أنظمة العدالة يجب أن تكون متأصّلة في احترام طبيعة الإنسان الروحانيّة، وعليها أن تتفهّم ردود فعل البشر على عمودين رئيسيين هما المُكافأة والمُجازاة. ومساندة تطبيق القانون بقوّة والالتزام به في كلّ الأحوال. وفي الوقت نفسه يكنّون الولاء للحكومات التي يعيشون في ظلّها.

إنّ العدالة هي أهمّ القيم الاجتماعيّة التي جاء بها حضرة بهاء الله، وعليها يعتمد قيام نظام اجتماعيّ موحّد للإنسانيّة. وبناء عليه يكون من واجب المجتمع أن يسنّ قوانين عادلة على كلّ المستويات تحمي حقوق الأفراد والجاليات خاصّة الأقليّات، وتعاقب كلّ من يقترف جرماً في حقّهم. لذا فلقد رأى حضرة بهاء الله أنّه من الضروريّ تأسيس محكمة عدل دوليّة كواحدة من مؤسّسات الحكومة الفدراليّة العالميّة، هذا وقد ساندت الجامعة البهائيّة تأسيس محكمة الجرائم الدوليّة في لاهاي.

يشهد التاريخ بأنّ الكلمة الإلهيّة هي دائماً وأبداً مطاعة ونافذة، وتسطّر الأحداث كيف أنّ هبوب نسماتها الطيبة تبدّل النفوس وتغيّر الأفكار ويستوي في ذلك الذين عرفوا هذه الكلمة الإلهيّة وآمنوا بها أو الذين لم يؤمنوا بها بعد أو حتّى أولئك الذين لم يسمعوا بها. فلا مناص من أن يسجد بكلّ الخضوع والإذعان كلّ من في السماوات والأرض إلى كلمة الله المطاعة اختياراً كان ذلك أم إجباراً.

وقد يكون من المثير حقّا أن تطالعنا الصحف اليوميّة بدعوة الأمين العام لمنظّمة الأمم المتحدة بان كي مون رؤساء وقادة حكومات مائة واثنتين وتسعين دولة للمشاركة في أعمال القمّة العالميّة لمحاربة الفقر. كانت هذه القمّة تحت مسمّى “قمّة الأهداف الإنمائيّة الألفيّة” وذلك في مقرّ الأمم المتّحدة في نيويورك، وعلى مدار أيّام ثلاثة. بدأت هذه القمة المثيرة في يوم الإثنين ٢٠سبتمبر عام ٢٠١٠م. وقد تمّ في هذا الاجتماع تكريس الجهود من أجل تخصيص عشر سنوات من العمل الدؤوب لتحقيق ثمانية أهداف كبرى لتطوير دول العالم النامية والأكثر فقراً. هذه الأهداف هي؛ معالجة الفقر والجوع والمرض وتعزيز المساواة بين الجنسين، والحقّ في التعليم وتحسين أوضاع البيئة والمأوى، وبناء شركات عالميّة من أجل التنمية. ومن المفترض الانتهاء من هذه الأهداف في عام ٢٠١٥م.

ويتوقّع أن تجدّد الدول الأعضاء في المنظمة العالميّة تعهّداتها من خلال وثيقة جديدة لضمان إحراز تقدّم خلال سنوات خمس. ذكرت جريدة الأهرام أنّها اطلعت على الوثيقة الختاميّة لهذا المؤتمر، وذكرت بأنّها تتضمّن ثلاثة وخمسين بنداً تؤكد ضرورة مواجهة التحدّيات الجديدة والناشئة عن النقص في الغذاء والوقود، والأزمات الماليّة والاقتصاديّة في السنوات القليلة الماضية، وإلى العمليّة المستمرّة لتغيّر المناخ. كما تدعو البلدان المتقدّمة إلى تحقيق هدف ملحّ وهو تخصيص ٧٪ من ناتجها القوميّ الإجماليّ للمساعدات الإنمائيّة الرسميّة للبلدان النامية. كما تطالب الوثيقة مجموعة الدول الثماني الكبرى باحترام التزاماتها لعام ٢٠٠٥م والتي أشارت إلى اعتزامها زيادة المساعدة الإنمائيّة الرسميّة بمقدارخمسة وثلاثين مليار دولار سنوياً للوصول إلى مائة وأربعة وخمسين مليار دولار, مع تلقي إفريقيا عشرين مليار دولار إضافيّة لبلوغ هدف الحصول على ثلاثة وستين مليار دولار بحلول عام٢٠١٠م.

من الخبر السابق وغيره من الجهود المبذولة على مستوى العالم، والمؤتمرات العالميّة التي تنعقد تحت لواء هيئة الأمم المتّحدة يمكن ملاحظة أنّ الإنسانيّة بدأت بالفعل تقترب بخطوات حثيثة وبشكل منظّم من العلاجات والحلول التي وضعها حضرة بهاء الله لأمراض الجنس البشريّ وذكر بأنّها الدرياق الأعظم لشفاء أمراض العالم وعلله المزمنة.

وبناءً على ما ذكرناه آنفاً، فإنّ ما تقوم به الجامعة البهائيّة من نشاطات وأدوار فعّالة في هذه المؤتمرات يلقى الكثير من الثناء والتقدير من الجميع. خصوصاً وأنّ دورها لا يقتصر على المشاركة في المؤتمرات العالميّة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم البحوث العلميّة، والمقترحات البنّاءة والتي تعكس المنظور البهائيّ وتعرض رؤية حضرة بهاء الله لعالم متّحد يسوده العدل والسلام. ومن الجدير بالذكر إصدار الجامعة البهائيّة العالميّة في سنة ١٩٩٥ لواحدة من أهمّ الوثائق بعنوان “ازدهار الجنس البشريّ ورخاؤه” موضّحة فيها وجهة نظر الدين البهائيّ حول الجهود الدوليّة المبذولة من أجل حلّ الصراعات والنزاعات التي تواجه البشريّة مع نهاية القرن العشرين.

إنَّ رغبة زعماء العالم في الاهتمام بالقضايا التي وردت في صُلب رسالة حضرة بهاء الله أعطت هذه المؤتمرات أهمّيّة خاصّة لدى البهائيّين بغض النظر عن نتائجها الآنية، في واقع الأمر، على الرغم من ضعف الإرادة الدوليّة في التغيير وضعف بعض القرارات وعدم فعاليتها. فلقد برهن نظام هيئة الأمم المتّحدة وذلك بعد مضي قرن واحد فقط على وفاة حضرة بهاء الله على أنَّ المبادئ والتعاليم التي جاءت في رسالته تمثّل أهميّة عظمى للجنس البشريّ. إنَّ العديد من هذه المبادئ والأفكار قد ذكرت في رسائله المرسلة في القرن التاسع عشر إلى الملوك والزعماء آنذاك مثل الملكة فكتوريا وويلهلم الأوّل ملك بروسيا وقيصر روسيا تلك الرسالات التي بدت في حينها بعيدة المنال وصعبة التحقيق.

لقد أصبح واضحاً أنَّ الدين البهائيّ صار مدعوّاً للكشف بصورة منتظمة أكثر عن مضامين تعاليم حضرة بهاء الله الخاصة بقضايا التغيير الاجتماعيّ بالإضافة إلى ترجمة هذه المضامين إلى لغة عالميّة ومفهوم عصريّ. وبناء على ذلك وافق بيت العدل الأعظم على اقتراح بإنشاء وكالة جديدة للجامعة البهائيّة العالميّة أطلق عليها اسم “معهد الدراسات الخاصة بالرخاء العالميّ” في نهاية عام ١٩٩٦م؛ وقد أنشئ هذا المعهد لإيجاد قاعدة تفاهم مشترك بين العلماء والمتخصصين البهائيّين من جهة ومع أقرانهم في العديد من المنظمات غير الحكوميّة والهيئات العلميّة من جهة أخرى. وقد استند المعهد على ما جاء في افتتاحيّة وثيقة ازدهار الجنس البشريّ أنَّه مع بروز الاتحاد العضويّ لهذا الكوكب في القرن الحاليّ فإنَّ “تاريخ البشريّة كشعب واحد قد بدأ”. هذه الحقيقة تدعو إلى “إعادة النظر للمفاهيم السائدة حول قضايا التنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة”. وهذا الموضوع يدعو إلى ضرورة تخلّي البشريّة عن أمرين غير صحيحين كانا السبب في تعطيل جميع الجهود المبذولة في سبيل إيجاد استراتيجيّة تنمويّة حقيقيّة مهما كا