| كان من المفترض أن يكون يومًا رائعًا، يومًا مذهلًا، هكذا فكّر غريفين ذو السّت سنوات ما إن فتح عينيه. اليوم هو يوم الأحد، يوم المدرسة البهائيّة. كان سَيَتلو الدّعاء الجديد الّذي حفظه للتّوّ، ويغنّي بعض الأغاني الممتعة، ويتعلّم عن فضيلة جديدة، ويرى جميع أصدقائه في صفّه. |
| فرّش أسنانه، ثمّ مشّط شعره الأشقر الفراوليّ المجعّد. وما أن أنهى آخر زرّ في قميصه، حتّى نزل الدّرج وهو يقفز لتناول الإفطار مع والدته ووالده وشقيقه الأكبر بول. |
| بعد الانتهاء من الفطور، خرجت العائلة إلى المدرسة البهائيّة. لم يكن غريفين يعلم، أنّه في هذا اليوم تحديدًا سيجد أوّل وأًهمّ هديّة في حياته. |
| في صفّ ذلك الصّباح، درس غريفين وأصدقاؤه عن عالم الحيوان. رسموا أسودًا وسحالي. قصّوا الفراشات والطّيور، ولصقوا أجزاء الباندا معًا. كما تعلّموا أنّ الله وهب البشر شيئًا إضافيًّا لم يُمنح للحيوانات، ألا وهو الرّوح. أراد غريفين معرفة المزيد، لكن الدّرس انتهى، وحان وقت المغادرة. |
| ذهب غريفين للبحث عن بول، الّذي كان بلا منازع أفضل وأذكى أخ في العالم كلّه. بول سيعرف كلّ شيء عن الأرواح. وكان غريفين متأكّدًا من ذلك. فوجد بول يتحدّث مع صديق.
سأل غريفين أخاه: “ما هي الرّوح؟”. |
| فكّر بول للحظة، ثمّ قال: “إنّها أوّل هديّة من الله لكلّ واحد منّا، وهي معنا طوال الوقت.” |
| فكّر غريفين على الفور في سؤال آخر، ولكن قبل أن يتمكّن من طرحه، قال بول: “غريفين، عليّ الذّهاب الآن. سأقضي اليوم مع صديقي، ووالداه مستعدّان للذّهاب. هناك الكثير ممّا أريد إخبارك به عن روحك. يمكننا التّحدّث عنه اللّيلة عندما أعود إلى المنزل، حسنًا؟” وبعد ذلك، غادر. |
| لأنّ غريفين لم يستطع طرح سؤاله، أصبح الآن في حيرة شديدة من أمره. وإذا كان لكلّ شخص روحًا، فلماذا لم يستطع أن يتذكر كيف حصل عليها؟
كان يعلم يقينًا أنّه لو جاء الله إلى منزله ليحضر له هديّة، أو لأيّ سبب آخر، لكانت والدته قد طبخت ونظّفت لأيّام.
|
| ظلّ يحاول ويحاول أن يتذكّر كيف حصل على تلك الهديّة، حتّى ظنّ أنّ أُذنيه على وشك الانفجار. وكلُّ هذا التّفكير جعله يشعر بالتّعب.
تنهّد تنهّدًا طويلًا، وقرّر أنّه — بطريقةٍ ما — قد نسي الأمر فحسب. |
| لكن لو كان قد أُعطي روحًا ثمّ نسيها، فأين تكون إذن؟
فقد قال له أخاه إنّها ستكون معه طوال الوقت. فكّر أنّه من الأفضل أن يبحث عنها. وسيكون ذلك صعبًا، لأنّه لم يكن لديه أدنى فكرة عن شكل روحه. |
| أدخل يده في جيبي بنطلونه. فوجد قطعة علكة، وأربع كرات زجاجيّة تشبه مقل العيون تمامًا، وخمسة وثلاثين (٣٥) سنتًا، وقلمًا شمعيًّا مكسورًا.
بحث في كلّ زاوية وركن. أمّا الشّيء الوحيد الآخر الّذي وجده فكانت شارة كُتب عليها “الوحدة في التّنوّع”. لا، ببساطة لم تكن موجودة. ألقى نظرة خاطفة تحت قميصه. لا، لا شيء هناك أيضًا. ربّما كانت روحه مختبئة في مكان ما. |
| في طريق العودة إلى المنزل، فحص غريفين المقعد الخلفيّ وأرضيّة السّيّارة. حدّق مليًّا في كلّ شقّ وفجوة، مُجهدًا رقبته. حتّى أنّه مرّر أصابعه بين المقاعد، حيث كان يجد أحيانًا بعض النّقود. ومع ذلك لم يجد شيئًا. لم يتبقَّ سوى مكان واحد آخر قد تكون فيه روحه. توقّفت السّيّارة في الممرّ المؤدّي إلى البيت. |
| قبل أن ينطق أحد بكلمة، قفز غريفين من السّيّارة ودخل المنزل مسرعًا. صعد إلى غرفته. ربّما نسيت روحه أن ترافقه في ذلك الصّباح. |
| بحث تحت وفوق وخلف وعبر كلّ شيء في غرفته. ركض إلى الحمّام ونظر في المرآة. محاولًا أن يرى خلفه. ربّما كانت روحه تلاحقه في كلّ مكان، ولهذا لم يستطع رؤيتها. مهما حاول، فلم يستطع رؤية شيء. حتّى أنّه نظر إلى بعض صوره. ظنّ أنّ روحه ستكون بجانبه، لكنّه لم يرَ شيئًا. ثمّ خطرت له فكرة مريعة. ربّما لم يكن لديه روح. أدرك أنّه بحاجة إلى مساعدة، وكان يعلم تمامًا أين يجدها. |
| كانت والدة غريفين في الطّابق السّفلي. سمعته يتحرّك في غرفته، يفتح هذا ويغلق ذاك. سمعت خطواته السّريعة، وأصوات الارتطام، والضّربات. لاحظت أيضًا هدوءه في السّيّارة. عندما أوصلته خطواته البطيئة الثّقيلة إلى أسفل الدّرج ليبحث عنها، كانت تنتظره هناك.
|
| وضعت والدته ذراعها حوله وقادته إلى الخارج نحو الحديقة. جلسا، فاحتضنته بشدّة. كانت تستطيع أن ترى مدى انزعاجه.
بكى غريفين قائلًا: “لكن يا أمّي، لا أتذكّر أنّني حصلت على روح.”
|
| “هكذا كنتَ تبدو عندما بدأت حياتك داخل جسم والدتك. لا يشبهك كثيرًا الآن، أليس كذلك؟” ظنّ غريفين أنّه يشبه كرة الشّاطئ. لم تكن لديه أي ذراعين أو ساقين في الصّورة. وافقته والدته الرّأي. “حتّى في ذلك الوقت كنتَ إنسانًا حقيقيًّا، تمتلك روحك الخاصّة بك. لقد منحَك الروح كلّ ما تحتاجه لتكون أنت الّذي أنت عليه الآن. لقد منحك كلّ ما ستحتاجه عندما تكبر.” “أين روحي؟ هل هي بداخلي؟” أراد أن يعرف غريفين. “ليس لروحك مكانٌ خاصٌّ تعيش فيه داخل جسمك” قالت أمه. “يمكنك أن تتخيلها كصديقٍ مقرّب يكون دائمًا بقربك.” |
| “إذًا لماذا لا أستطيع رؤيتها؟” سأل غريفين.
“لا نستطيع رؤية أرواحنا،” تابعت والدته، “لأنّها غير مرئيّة. الرّياح أيضًا غير مرئيّة، ولكن عندما نشعر بنسمتها على وجوهنا، نعرف أنّها موجودة. الأمر نفسه ينطبق على أرواحنا، لا يمكننا رؤيتها، ولكن عندما نشعر بالقرب من الله، نعرف أنّ لدينا روحًا.” “ولكن هناك المزيد يا غريفين. روحك هي أهمّ شيء ستمتلكه على الإطلاق. إنّها أهمّ حتّى من لعبتك المفضّلة جدًّا، لأنّ روحك ستعيش إلى الأبد. “يتفضّل حضرة بهاءالله أنّ روحك “جوهرة ملکوتیّة”، وأنّه قبل أن تتمكّن من المشي أو الكلام أو أي شيء آخر، كانت روحك تُحبّ الله بالفعل.”*
|
| “نحن دائمًا نرغب في الاعتناء بأرواحنا. الرّوح تشبه جروًا أو قطّة صغيرة. يجب إطعامها يوميًّا لتنمو وتقوى، للحاضر والمستقبل. ولإطعام أرواحنا، يمكننا أن ندعو، ونفعل الخير، ونحبّ الله، ونشكره على هذه الهديّة الخاصّة الّتي منحنا إيّاها.
والدة غريفين أخبرته عن كلّ الأشياء الرّائعة الأخرى الّتي جاءت مع روحه. كان لديه القدرة على فعل الصّواب، وتذكّر كل ما تعلّمه. كان بإمكانه اكتشاف أسرار الكون، تمامًا كالمستكشف. وكان لديه القدرة على معرفة الله. كان هذا أفضل شيء على الإطلاق. |
| بعد حديثه مع والدته، شعر غريفين بتحسّن كبير. وقرّر أنّه سيعتني دائمًا بأوّل وأهمّ هديّة لديه.
ومنذ ذلك الحين، كان كلّ صباح، عندما يفتح عينيه، يقول: “مرحبًا أيّتها الرّوح”. كان يشعر بالسّعادة لمجرّد معرفته أنّ الله يتذكّر الجميع ويمنح كلّ إنسان روحًا. ليست أيّ روح عاديّة، بل روح تناسب كلّ إنسان تمامًا مثل زوج من الأحذية المثاليّة. ليست واسعةً ولا ضيّقةً جدًّا. كلّ روح مميّزة بطريقتها الخاصّة. وعندما تذكّر غريفين ذلك، تذكّر أيضًا أن الله يحبّ كلّ واحد منّا ولا يستثني أحدًا. |