«يا قلم الأعلى قل يا ملأ الإنشاء قد كتبنا عليكم الصّيام أيّامًا معدودات وجعلنا النّيروز عيدًا لكم بعد إكمالها كذلك أضائَت شمسُ البيانِ من أفق الكتاب من لدن مالك المبدءِ والمآب..»
– حضرة بهاء الله – (الكتاب الأقدس من الفقرة 16)
حوار حول عيد النّيروز في الدّين البهائيّ
الشَّخصيات:
(يبدأ الحوار في صباح يوم مشمس قبل أيّام قليلة من النّيروز)
سمير:” صباح الخير يا أمّي! سمعتُ أن عيد النّيروز يقترب. هل يمكنك أن تحدثينا عنه أكثر؟”.
الأمُّ: “صباح النور يا قرة عيني. نعم، عيد النّيروز على الأبواب وهو يوم مبارك وعظيم الشأن”.
النّيروز هو عيد رأس السّنة البهائيَّة، ويوافق حلول فصل الرّبيع. إنّه أيضًا اليوم الأوّل من السّنة الشّمسيَّة في التّقويم الفارسيِّ القديم ويسمى نوروز (أي اليوم الجديد)، وهو أيضاً أساس التّقويم البديع للدّورة البهائيَّة”.
لمياء: “وهل هو مثل أيّ عيدٍ آخر نحتفل فيه ونلعب؟”.
الأم: “إنّه يوم للبهجة والاحتفال يا صغيرتي، ولكنْ له معنى أعمق. النّيروز ليس مجرّد بداية سنة جديدة، بل هو رمز لانتصار النُّور على الظَّلام، وغلبة الخير على الشَرّ، وانبعاثِ وتجدِّدِ قوى الوُجود، تَمامًا كما تنبعثُ الحياةُ في عالم الطَّبيعة بعد سُبات الشِّتاء. حضرة عبد البهاء نجلُ حضرة بهاء الله ومُبيّن تعاليمه أوضَح لنا أنَّ في الشَّرائع الإلهيَّة، في كُلِّ دور وكور، هناك أيَّامُ سُرور وحُبور وأعياد مُباركة. النّيروز يشهدُ وقوع الاعتدال الربيعيّ في النِّصف الشَّماليّ من الكرة الأرضيَّة بانتقال الشّمس إلى بُرج الحملِّ وتَساوي ساعاتِ اللّيل مع ساعاتِ النّهار”.
سمير: “وماذا نفعل تحديداً في هذا اليوم المبارك؟”.
الأمُّ: “في يوم النّيروز، يجبُّ أن نركّز على السّرور والحبُور والاحتفال. أوصى حضرة بهاء الله بألّا نشتغل في هذا اليوم بالتِّجارة والصِّناعة والزِّراعة، بل يجبُّ على الجميع أن يبتهجُوا بالسّرور والحُبور ويحتفلوا احتفالاً عامّاً لائقاً يتسِّمُ بالوحدة، حتّى تتجسّد في الأنظار ألفة الأمَّة واتّحادها. إنَّها أيَّام بهجة روحانيَّة واجتماعيَّة”.
لمياء: “هذا رائع! أحبُّ الأيّام الَّتي نجتمع فيها بفرح. مثل أيّام الهاء الَّتي احتفلنا بها بالأمس؟”
الأمُّ: “نعم يا حبيبتي، أيّام الهاء تأتي مباشرة قبل شهر الصّيام. وهي أيّام زائدة عن أشهر السّنة البهائيَّة الشَّمسيَّة. حضرة بهاء الله حدد موضعها قبل شهر الصّيام الَّذي يسمى شهر العلاء وجعل النّيروز عيدًا في ختامها.
سمير: وما الغرض من أيّام الهاء؟”.
الأمُّ: “أيّام الهاء هي أيّام للعطاء والجود والسّرور والحبور”.
خلال هذه الأيّام، أوصى حضرة بهاء الله أن نطعم فيها أنفسنا وذوي القربى والفقراء والمساكين بالفرح والانبساط. إنَّها أيّام مخصّصة لإظهار الكرم والمحَّبة تجاه الآخرين، استعدادًا لشهر الصّيام”.
لمياء: “إذن، أيّام الهاء للعطاء والفرح، بينما عيد النّيروز للاحتفال بالوَحدة وتجدُّد الحياة وبداية العام الجديد”؟
الأمُّ: “أحسنتِ يا ابنتي. وبعد أيّام الهاء مباشرةً، يبدأ شهر العلاء وهو شهر الصّيام البهائي ثمّ يعقبه مباشرةً عيد النّيروز عند غروب شمس أخر يوم من شهر الصّيام”.
إنّ هذا العيد متجذّر عبر الزّمان وله تاريخ عريق عبر العصور، والعديد من الشّعوب والأمم تحتفل به وفق تقاويمها وعاداتها الخاصّة”.
سمير: “شكرًا لك يا أمّي، لقد فهمت الآن أهمِّيَّة عيد النّيروز”.
لمياء: “وأنا أيضًا! سأستعد للاحتفال بعيد النّيروز”.
الأمُّ: “بارك الله فيكما يا أولادي، هذه السّنة سنحتفل بعيد النّيروز مع الأحبّاء والأصدقاء في مساء العشرين من مارس وستُوزّعُ هدايا جميلة على الأطفال الحاضرين”.
قَدْ جَاءَ عِيْدُ الْمَوْلُودِ وَاسْتَقَرَّ عَلَى الْعَرْشِ جَمَالُ اللهِ الْمُقْتَدِرِ الْعَزِيزِ الْوَدُودِ
(حضرة بهاء الله- مقتطف من لوح الأَقْدَسُ الأَمْنَعُ الأَعْظَم كتاب الأيّام التسعة إعداد الدكتور شوقي مرعي – منشورات دار النشر البهائيَّة في البرازيل طبعة رضوان 147 بديع/أبريل1987م ص31)
الجدّ (حكيم): رجل مسنّ وقور، تجاوز السَّبعين من عمره، ملمّ بتاريخ الأمر المبارك.
حفيده (عزيز): طفل في الثَّامنة من عمره، فضوليّ ومتحمّس للمعرفة.
مكان المشهد: يجلس الجدّ والحفيد في داخل منزل جميل، وهناك بعض الزِّينة والرُّموز البهائيَّة البسيطة في الخلفية استعدادًا لعيد المولدين.
الحفيد عزيز: “جدِّي، جدِّي! ما هذه المناسبة السّعيدة الّتي سنحتفل بها مساء اليوم؟ هل هي عيد ميلاد أحد الأصدقاء؟”.
الجدّ حكيم يبتسم بحنان: “لا يا حفيدي الحبيب، سنحتفل جميعًا بعيد مولد حضرة الباب وهي مناسبة عظيمة”.
الحفيد عزيز:” آه والدتي كانت قد حكت لي عنه من قبل، لكنْ لا أتذكّر قصّته! من هو حضرة الباب يا جدّي؟”
الجدّ حكيم: “حضرة الباب يا بني العزيز هو المبشّر، الَّذي جاء ليبشّر أهل العالم ويُعدَّهم لاستقبال ظهور معلّم إلهيّ عظيم من بعده هو حضرة بهاء الله. وكان مولدهما في بلاد إيران قبل مئتي عام”.
الحفيد عزيز:” وهل كان حضرة الباب طفلاً مثلنا؟ احكِ لي عن طفولته يا جدّي!”.
الجدّ الحكيم:” وُلد حضرة الباب في مدينة شيراز الجميلة بإقليم فارس جنوب إيران في الأوّل من محرّم 1235 هـ الموافق لـ 20 أكتوبر 1819م. كان اسمه السّيّد علي محمد وهو اسم مركّب من اسمين أمّا اسم والده فهو السّيّد رضا الشّيرازيُّ. لكنّ والده توفيّ وهو لا يزال طفلًا، فنشأ يتيم الأب وتكفّل خاله السّيّد علي بتربيته ورعايته. وقد تميّز حضرة الباب منذ سنوات طفولته بصفاتٍ مُمَيّزةٍ جدًّا عن بقيّة أقرانه، فقد كان هادئًا، يحبُّ التأمُّل والتَّعبد ويتمتّع بقدرات ومعارف تفوق سنّه بكثير. ولم يكن كالأطفال العاديِّين الَّذين يلهون كثيرًا، بل ظهرت عليه علائِم النُّبوغ والمعرفة”.
الحفيد عزيز: “وهل دخل حضرة الباب المدارس وهل تعلم وتفوق في الدِّراسة؟”.
الجدّ حكيم وهو مبتسم: “في ذلك الزَّمن لم تكن هناك مدارس عصريَّة كما هو الحال اليوم بل كانت هناك كتاتيب ومدارس دينية لتعليم مبادئ القراءة والكتابة والحساب على نحو بسيط. ولمّا كان حضرة الباب طفلًا صغيرًا ألحقه خاله بكُتاب الشيخ عابد فأظهر في وقت وجيز نبوغًا باهرًا ومعرفةً جعلت معلّمه الشيخ عابد يعتذر لخاله السّيّد علي ويقول: “إنّي أشعر أنِّي لستُ مُستحقًّا أن أعلِّم مثل هذا الطّفل الفذّ”.
الحفيد عزيز:” وماذا حدث عندما كبر؟ وكيف أصبح رسولًا؟”.
الجدّ حكيم: “لقد اصطفاه الله لمهمة مقدسَّة عظيمة، وعندما بلغ سن الخامسة والعشرين من عمره، أعلن عن رسالته العظيمة. لقد أعلن أنّه “الباب”، أي الباب الَّذي يقود النّاس إلى معرفة “من يُظهرهُ الله”، وهو حضرة بهاء الله. لقد كان مقامه رفيعًا جدًّا فهو ليس مجرّد مُبشّر بظهور جديد بل هو مظهر إلهيّ صاحب رسالة إلهيَّة، وكانت له عدّة ألقاب منها “النّقطة الأولى”، أي أنّه النُّقطة الَّتي انطلقت منها عمليّة دخول البشريّة لعصر جديد يُعرف بكَور ظهور بهاء الله وفيه تتحقّق جميع البشارات والنّبوءات الَّتي بشَّر بها الرُّسل والأنبياء في الكتب المقدّسة السّابقة”.
الحفيد عزيز: “وما هو دوره في التّمهيد لظهور حضرة بهاء الله؟”.
الجدّ حكيم:” دوره كان حاسمًا جدًّا يا بني. فكر فيه كبوابة عظيمة تقودكَ إلى مكان مُضاء بالأنوار وفيه حدائق فردوسيَّة. لقد أيقظ حضرة الباب المحبَّة في القلوب، ودعا النّاس إلى تهذيب أخلاقهم، والاستعداد لاستقبال رسالة أعظم وأكثر شمولًا. لقد كشف عن تعاليم وأحكام جديدة أزالت الغُبار عن قلوب النّاس وعقولهم، وهيَّأتهم لفهم رسالة الوَحدة والسّلام الّتي حملها حضرة بهاء الله إلى العالم. لقد أكّد حضرة الباب مرارًا وتكرارًا أن دورته قصيرة، وأنّها مجرّد مقدّمة لظهور موعود الأمم حضرة بهاء الله”.
الحفيد عزيز: “وهل آمن به جميع النّاس؟”.
الجدّ حكيم: “آمن به الكثيرون يا بُنيَّ، فقد اجتذبت كلماته الصادقة ونور رسالته الساطع الآلاف من مختلف الفئات الاجتماعية من مُغربل القمح إلى أعلم العلماء. ولكنْ كانت هناك أيضًا نفوس معارضة شديدة تمثّلت في بعض رجال الدّين والسُّلطة في ذلك العهد، الَّذين لم يدركوا حقيقة رسالته ووجدوا فيها خطرًا على مصالحهم الضّيِّقة وامتيازاتهم. لقد تعرض حضرة الباب وأتباعه للكثير من الاضطهاد والمعاناة، وفي النهاية، استشهد حضرة الباب رميًا بالرّصاص في ميدان ثُكنة عسكريّة في تبريز عام 1850م. ولكنّ تضحياته لم تذهب سُدًى، بل كانت بمثابة البذرة الَّتي نمت منها شجرة الأمر المُبارك واليوم يؤمن به ملايين النّاس حول العالم من مختلف الأجناس والأمم كما يؤمنون بظهور حضرة بهاء الله”.
الحفيد عزيز: “يا له من أمر محزن أن يتعرض لكل هذا الاضطهاد ويُعدَم! ولكنّك قلت لي إنَّ رسالته كانت مُقدِّمة لظهور حضرة بهاء الله. فمتى ظهر حضرة بهاء الله؟”
الجدّ حكيم: “بعد سنتين من استشهاد حضرة الباب عام 1850م، بدأت دورة حضرة بهاء الله بتلقيه التَّكليف الإلهيّ خلال محنة سجنه في طهران عام 1852م، وأعلن حضرته أنّه هو “من يظهره الله” الَّذي بشَّر به حضرة الباب في حديقة الرِّضوان في بغداد عام 1863م. لقد جاء حضرة بهاء الله بتعاليم عالميَّة تدعو إلى وحدة الجّنس البشريِّ، والمساواة، والعدل، والسّلام. وكانت رسالة حضرة الباب بمثابة الإعداد والإيقاظ مثل نور الفجر الَّذي يبشِّر النّاس بيوم جديد”.
الحفيد عزيز:” الآن فهمت يا جدِّي! حضرة الباب هو المبشّر الَّذي فتح الباب لرسالة حضرة بهاء الله!”
الجدّ حكيم: “أحسنت يا حفيدي. وفي عيد مولد حضرة الباب، نتذكّر تضحيته العظيمة ودوره الحَيويِّ في جلب النُّور إلى العالم بوصفه طليعة النُّور. إنّه يوم للتأمل في حياة وسيرة هذا المولود العظيم وعيد للبهجة والسّرور نتشارك فيه مع الأحبّاء والأصدقاء”.
الحفيد عزيز:” شكرًا لك يا جدّي، لقد جعلتني أفهم مغزى هذا العيد وأنا متشوّق لحضوره وهل هناك عيد آخر مساء الغد؟”
الجدّ حكيم: “نعم غدًا سنحتفل جميعًا بعيد مولد حضرة بهاء الله. فقد وُلد حضرة الباب وحضرة بهاء الله في يومين مُتتابعين. ولهذا يُطلق على هذين العيدين “عيد المولدين”، وقد ذكر حضرة بهاء الله “أنَّ اليومين عند الله بحُسبان يوم واحد”.
الحفيد عزيز: “كم هو جميل يا جدّي أن نحتفل بعيد المولدين في يومين متتابعين كأنّهما عيد واحد! وأرجو أن تحكي لي عن قصّة ميلاد حضرة بهاء الله وطفولته”.
الجدّ حكيم: “سنكتفي اليوم بهذا القدر وغدًا سأحكي لك عن قصّة ميلاد حضرة بهاء الله وطفولته”.
| الشَّمسُ في المِرآة | |
| الشَّمس في المِرآة | تعكسُ نورًا ما أحلاه |
| ونجدُ صِفات الشَّمس | ظاهرةً في المِرآةِ |
| كمظهرِ أمر الله | الَّذي يعكسُ صِفاتِ الله |
| كمظهرِ أمر الله | الَّذي يظهرُ صِفاتِ الله |
| الله هو العطوفُ | كيف يظهرُ عطفهُ |
| الله هو القديرُ | كيف يظهرُ أمرَهُ |
| الله هو العليمُ | كيف يظهرُ عِلمَهُ |
| أرسل لنا الرُّسلَ | كي نعرفَ أوصافهُ |
| والله اليوم أرسلَ | للعالم مَظهرين |
| البابُ والبهاءُ | برُوحَينِ مُقدَّسين |
| لكلماتِ وصفاتِ الله | صَار اليومَ كاشفَين |
| ونحن الآن نؤمِنُ | بِهذَين التَّوأمين |
كلمات سالي الحمامصي
رابط الأغنية على اليوتيوب: https://youtu.be/g_FxhYbv65o
“ كان المولد الأقدس الأبهى في فجر اليوم الثّاني من شهر المحرّم، أمّا مولد المبشّر فقد كان في اليوم الأوّل منه. واليومان عند الله بحُسبان يوم واحد.”
(حضرة بهاء الله- جواب السؤال الثّاني من رسالة سؤال وجواب المُلحقة بالكتاب الأقدس (معرَّب عن الفارسيّة))
الجدّ حكيم جالس في حديقة على كرسي في حديقة منزل العائلة، حفيده عزيز يتوَّجه إليه بكلّ فرح وسرور.
الحفيد عزيز: “جدِّي، جدِّي! أنا في غاية السّعادة، لأنّنا احتفلنا بالأمس بمولد حضرة الباب واليوم سنحتفل بعيد مولد حضرة بهاء الله. وقد وعدتني أنَّك ستحكي لي قصّة مولده وطفولته”.
الجدّ حكيم: “طبعًا يا عزيزي، اليوم ليس يومًا عاديًّا ففي مثل هذا اليوم كان مولد حضرة بهاء الله. وهو يوم سرور وحبور، وفرصة رائعة لنلتقي، ونتذكَّر جميعًا قصّة هذا المُعلّم الإلهيّ الَّذي قدم للبشريّة رسالة إلهيّة عظيمة غايتها المحبّة وتوحيد الإنسانيَّة”.
الحفيد عزيز: “أنا فعلًا مُتشوِّق لأعرف قصّة مولده، أين ومتى كان ذلك؟ ومن هي عائلته وأصوله؟”
الجدّ حكيم: “وُلد ميرزا حسين علي النُّوريّ الَّذي عُرف فيما بعد بلقب حضرة بهاء الله في قصر والده الوزير ميرزا عبّاس النُّوريّ بمدينة طهران عاصمة إيران في ساعة بين الفجر والشُّروق يوم الثّاني من محرّم 1233 هـ الموافق 12 نوفمبر 1817م. ونشأ في عائلة عريقة وثريّة تعود أصولها لقرية تاكُر بمقاطعة نُور في إقليم مازندران، وكانت لهم أملاك وأراضٍ واسعة، وأصول تعود لملوك إيران الأقدمين، ولحضرة زردشت عليه السَّلام، وكذلك لحضرة إبراهيم الخليل”. الحفيد عزيز: “وهل كان حضرة بهاء الله مثل حضرة الباب في طفولته شديد النبوغ، ويتمتّع بصفات وقدرات مُمَيّزةٍ عن أقرانه من الأطفال؟”
الجدّ حكيم: ” لم يكن حضرة بهاء الله طفلًا عاديًّا فلقد كان مُختلفًا تمامًا في شخصيّته وقدراته عن إخوته وأخواته الكبار والصِّغار. وأدركت والدته السّيّدة خديجة خانم هذا الأمر منذ مراحله الأولى؛ كما أن والده الوزير ميرزا عبّاس بُزُرك رأى علائم كثيرة تُبشِّرهُ بأنّ هذا الطّفل سيكون له شأن عظيم”.
الحفيد عزيز: ” كيف ذلك يا جدّي؟ هل رأى والده الوزير رؤيا تُبشره بذلك؟ ”
الجدّ حكيم: “أجل ذات ليلة أى الوزير ميرزا بُزُرك في منامه رؤيا عجيبة؛ حيث شاهد ولده يسبح في محيط لا حدّ له، وكأنَّ جسمه يلمع على المياه بضياء أنار البحر. وكانت تُرَى شَعَراتُه السَّوداء الحالكة المُتدلية حول رأسه فوق المياه تسبح على الأمواج، وحامت حوله جملة أسماك تعلّقت كلُّ سمكة منها بطرف شعرةً من شعراته بكلِّ ثبات، وجميعها قد بهرها ضياء وجهه؛ فكانت تتبعه أينما توجّه. ومع وفرة عددها وشدّة تعلّقها بشعره، لم تنفصل شعرة واحدة عن رأسه ولم يحصل لجسمهِ أيُّ ضرر؛ بل كان يتحرّك فوق المياه بغير مشقَّة وبدون عائق وجميع الأسماك تتبعه. وعندما استيقظ تحيَّر الوزير في معنى هذه الرّؤيا!”.
الحفيد عزيز: ” ماذا فعل الوالد الوزير لكي يعرف تفسير الرّؤيا؟”.
الجدّ حكيم: ” قرّر الوزير عبّاس استدعاء مُعبِّرٍ مشهور في زمانه بتفسير المنامات والرّؤى. فلما روى له قصّة الرّؤيا الَّتي شاهدها أجابه المُعبِّر: “أيُّها الوزير إنّ البحر المحيط الَّذي رأيته، إنّما هو عالم الوجود، وإنَّ ابنك سيعلو عليه وحيداً فريداً ولا يعوقه عائق عن أيِّ جهة يريد التّوجُّه إليها ولا يقدر أحد أن يقف في سبيل تقدُّمه، وأمّا الأسماك العديدة، فهي عبارة عن الاضطراب الَّذي سيحدث بين الأمم والأقوام الَّذين سيجتمعون حوله ويتعلّقون به، وبقدرة حماية الله العليّ القدير لا يناله أذًى من هذا الاضطراب، بل يبقى سالمًا عاليًا بمفرده على بحر الوجود“. الحفيد عزيز: “يا لها من رؤيا عجيبة تبشِّر بمستقبل عظيم! هل هناك قِصص أخرى حول طفولة حضرة بهاء الله؟”
الجدّ حكيم: “طبعًا هناك قصص كثيرة حول وقائع وحوادث رائعة وذات مغزى جرت في زمن طفولة حضرة بهاء الله؛ ولكنّ الوقت لن يسعني لأرويها لك كلها دفعة واحدة”.
الحفيد عزيز: “جدّي لدي سؤال أخير؟”.
الجدّ حكيم: “تفضّل يا عزيزي بسؤالك”.
الحفيد عزيز: “بما أن حضرة بهاء الله هو نجل وزير، فلا شكّ أنّه سينال تعليمًا عاليًا وسيلتحق بأفضل المدارس حتّى يصبح وزيرًا مثل والده؟ أليس كذلك؟” .
الجدّ حكيم يبتسم ويقول: “سؤال جميل، لكنْ في ذلك الزّمان لم تكن هناك مدارس تعليم إلزامي عصريّة، ولم تكن هناك مطبوعات وحواسيب إلكترونيّة وتكنولوجيا متطوّرة كما هو الحال اليوم. وكان أبناء الوزراء والأمراء يتلقّون تعليمهم في قصورهم وبإشراف معلّمين مخصوصين، دون الالتحاق بكتاتيب مع أبناء عامة النّاس. أمّا حضرة بهاء الله فلم يتلقّ سوى تعليم أوّليّ بسيط لا يزيد عن مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ولم يدخل أيَّ مدرسة من المدارس الدّينيّة في زمانه. ومع ذلك أظهر نُبوغًا وقدرات عالية في حلّ المسائل العويصة أبهرت معارفه ومجتمعه؛ وكان علمه علمًا لدُنيًا، شأنه في ذلك شأن جميع الرُّسل والأنبياء الَّذين يحملون نور المعارف الإلهيَّة من المنبع الإلهيِّ دون الحاجة لتحصيل اكتسابيّ”.
الحفيد عزيز: “شكرًا لك يا جدّي لقد استمتعت كثيرًا بمعرفة كل هذه الأمور حول حضرة بهاء الله”.
الجدّ حكيم: “لديّ مفاجأة سارّة سوف تسعدك كثيرًا، يا حفيدي الحبيب!”.
الحفيد عزيز: “ما هي يا جدّي؟ أخبرني!“.
الجدّ حكيم: “إليك هذه الهدية الجميلة بمناسبة العيد! هذا كتاب جميل يحتوي على قِصصٍ حول حضرة بهاء الله وعلى رسوم وصور للأماكن الَّتي جرت فيها الأحداث ولبعض الشّخصيّات التّاريخيَّة”.
الحفيد عزيز: “واو يا له من كتاب رائع! أنا أحب كثيرًا مطالعة الكتب المُصوّرة والاحتفاظ بها في ركن مكتبتي داخل غرفتي. وإذا لم أفهم بعض الكلمات أو الأمور، فسأعود لأستعين بك يا جدّي”.
الجدّ حكيم: “بكلِّ تأكيد يسعدني دائمًا تقديم المساعدة، ويسعدني أكثر أن تتعوّد على القراءة والمُطالعة حتّى تتحرّى الحقيقة بنفسك، وتكتسب الكثير من المعارف المُفيدة كما تكتسب الفوائد الجسمانيّة من الطّعام الَّذي تأكله في كلّ وجبة”.
“فَيَا بُشْرَى هَذا غُلامُ الخُلدِ قَدْ جَاءَ بأمْرٍ عَظِيمٍ”
(حضرة بهاء الله- مقتطف من لوح غلام الخُلد كتاب الايام التسعة إعداد الدكتور شوقي مرعي / دار النشر البهائيَّة في البرازيل طبعة أبريل1987م ص61)
الخالة راوية: مزارعة في الثَّلاثينات من العُمر ولديها أسلوب مشوِّق في سرد الحكايات والإجابة عن أسئلة الأطفال
الطّفلة نبيلة: طفلة في العاشرة من عمرها، تحبّ خالتها كثيرًا وتتمتّع بالذكاء والفضول وقوّة المُلاحظة
الطّفل ربيع: هو شقيق نبيلة ويبلغ من العمر ثماني سنوات لديه حبُّ المعرفة والاستماع للقصص ويكثر من طرح الأسئلة.
المكان: سطح منزل ريفيّ بسيط والخالة راوية جالسة على كرسيّ وفي الخلفيَّة الطّبيعة الرِّيفيَّة مع بعض الدّواجن.
نبيلة طفلة في العاشرة من عمرها تعيش في قرية زراعيّة، تحبُّ خالتها كثيرًا وتتمتّع بالذّكاء والفضول وقوَّة المُلاحظة.
تصعد نبيلة إلى سطح المنزل وتقول لخالتها راوية: “مرحبًا خالتي، لقد سمعت من والدتي أنّنا سنحتفل في الأسبوع المُقبل بعيد ليلة إعلان دعوة حضرة الباب؛ وأنا متشوِّقة لمعرفة قصّة هذه المناسبة !”.
الخالة راوية: “أجل يا عزيزتي نبيلة، إنّها مناسبة عظيمة وليلة خالدة غيّرت مصير البشريّة!“.
الطّفل ربيع يلتحق بشقيقته ويقول: “وأنا أيضًا أريد أن أسمع قصّة هذه اللّيلة المُباركة”.
الخالة راوية: “هذه اللّيلة حدثت عام 1260 هـ/1844م في بيت متواضع بمدينة شيراز جنوب إيران؛ حيث شهدت أوّل إعلان من السّيّد علي محمد إلى الملّا حسين بشروئيّ، يُعلن فيه أنّه الباب المبشّر بظهور موعود الأمم”.
الطّفل ربيع: “نعم تذكّرت أنَّنا احتفلنا بمولد حضرة الباب وحضرة بهاء الله في يومين متتابعين السّنة الماضية. أتذكّر كذلك من قصّة سابقة أنَّ الفارق بينهما سنتان، وأنّ حضرة بهاء الله هو الأكبر سنًا، وأنّ حضرة الباب هو الَّذي بشّر بظهور حضرة بهاء الله، وكرّس حياته القصيرة لهذه المهمّة المقدّسة”.
الطّفلة نبيلة: “ممتاز يا ربيع أنّك تذكرت قصّة عيد المولدين، وسنسمع من خالتنا قصّة ليلة إعلان دعوة حضرة الباب”.
الخالة راوية: “كان هناك شيخ جليل يدعى الشّيخ أحمد الإحسائيّ؛ ذو إلهام ربّانيّ وفهم عميق للآثار الإسلاميّة، شرع في التّمهيد لقرب ظهور الموعودين الأعظمين، وسافر إلى مناطق كثيرة في شبه الجزيرة العربيّة والعراق وإيران وعُرف تلاميذه بالشّيخيَّة. ولمّا تقدّم به العُمر، قرّر العودة لبلاد الحجاز، وأوكل لتلميذه النّجيب السّيّد كاظم الرّشتيّ رئاسة تلك المدرسة في كربلاء، وأوصى طلّابه بالتّعلم منه؛ لأنّه الوحيد الَّذي أدرك وفهم مقاصده وإشاراته. وانتقل الشّيخ أحمد للإقامة في المدينة المنوّرة حتّى وافاه الأجل نحو عام 1826م”.
الطّفل ربيع: “وماذا فعل السّيّد كاظم؟ هل استطاع معرفة مكان الموعود، ودلّ طُلّابه على مكانه واسمه؟”
الطّفلة نبيلة: “صبرًا يا ربيع، لا بدّ أنّ هناك الكثير من الأحداث والوقائع الهامَّة الّتي قد جرت ونحتاج لفهمها!”.
الخالة راوية: “لقد انتهج السّيّد كاظم الرّشتيّ أسلوب الحكمة والتّدرج في نقل المعارف والإشارات الّتي تخصُّ ظهور حضرة الباب وظهور حضرة بهاء الله. ولكنّ قلّة قليلة من طُلَّابه هم الّذين فهموا مقاصده وإشارته على قدر محدود، وكان من أنجبهم شابٌّ نجيب عُرف بالملَّا حسين بشروئيّ. وقبل وفاة السّيّد كاظم الرّشتيّ عام 1843م، أوصى تلاميذه المُخلصين بالبحث عن الموعود صاحب الظّهور الأوَّل؛ لأنّ ميقات ظهوره قريب”.
الطّفلة نبيلة: “وماذا حدث بعد وفاة معلّمهم السّيّد كاظم الرّشتيّ؟”.
الخالة راوية: “مع الأسف، انشغل معظم تلاميذ المرحوم السّيّد كاظم بأمور الرّئاسة الدّينيّة لمدرستهم والمشاغل الدُّنيويّة؛ بينما كان الملّا حسين بشروئيّ يذكّرهم بضرورة تنفيذ وصايا السّيّد كاظم. ثمّ اعتكف في مسجد الكوفة أربعين يومًا في العبادة والصّوم؛ حتّى يُعدّ نفسه لمهّمة العثور على الموعود. وأخيرًا، سافر المُلّا حسين بصُحبة أخيه محمد حسين وقريبهما محمد باقر من كربلاء إلى النَّجف جنوب العراق؛ ومن هناك توجهوا إلى مدينة بوشهر الواقعة على الخليج جنوب إيران. وكان المُلّا حسين بشروئيّ يقودهم من محطة إلى أخرى، وهو يسأل النّاس عن شخص بأوصاف معيّنة ويستشعر قربه من الوصول إلى الموعود”.
الطّفل ربيع: “وماذا حدث بعد ذلك؟ هل وجد المُلّا حسين بشروئيّ الموعود في بوشهر؟”.
الخالة راوية: “لم يجده هناك، ولكنّ إلهامه الرّوحاني قاده للخروج مع رفيقيه نحو مدينة شيراز؛ الّتي كان المرحوم الشّيخ أحمد قد تحدّث عن فضائلها، وعن سِرٍّ كامِنٍ فيها”.
الطّفلة نبيلة: “وماذا حدث بعد أن وصلوا إلى مدينة شيراز؟”.
الخالة راوية: “بعد وصولهم مدينة شيراز، طلب المُلّا حسين بشروئيّ من رفيقيه أن يذهبا إلى مسجد ايلخاني وينتظراه هناك لحين عودته عند صلاة المغرب. وفي ذلك اليوم، بينما كان الملّا حسين يتمشّى قبل الغروب ببضع ساعات خارج سور المدينة، إذ أبصر فجأة شابًّا وضّاح الجبين لابسًا عمامة خضراء (تدل على نسبه الشّريف)؛ قد أقبل عليه وحيّاه بابتسامة مُرحباً بوصوله بالسّلامة، وعانق الملّا حسين بمحبّة وإخلاص كأنّه صديقٌ قديمٌ.
في البداية، ظنّ الملّا حسين أن هذا الشّاب أحد تلاميذ السّيّد كاظم، وأنّه حضر للتّرحيب به بعد أن سمع بسفره إلى شيراز”.
الطّفل ربيع: “هل استجاب الملّا حسين بشروئيّ لدعوة ذلك الشّابّ الَّذي لم يكن يعرف هُويّته؟”.
الخالة راوية: “لقد ألحّ الشّابّ بحفاوة وكرم على ضرورة نزول الملّا حسين بشروئيّ ضيفًا عليه في بيته. وداخل غرفة عُلويّة في ذلك البيت، وقع الحوار الشّيّق الَّذي شهد الإعلان عن دعوة حضرة الباب، بعد ساعتين وإحدى عشر دقيقة من غروب شمس يوم خمسة جمادى الأوّل 1260 هـ/ الموافق 22 مايو 1844م”.
الطّفلة نبيلة: “هل كان الشّابُّ الشّيرازيُّ صاحب العمامة الخضراء هو نفسه حضرة الباب الموعود؟ ولكنْ، كيف تمكّن الملّا حسين بشروئيّ من معرفة صدق دعوته؟”.
الخالة راوية: “لقد كان للملا حسين بشروئيّ علامات وأسئلة مُرتّبة في ذِهنه للتّحقُّق من هُويّة الموعود؛ وخلال الحوار تبيّن للملا حسين بشروئيّ أنّ جميع العلامات الظّاهريّة تنطبق على حضرة الباب”.
الطّفل ربيع: “وما هذه العلامات؟”.
الخالة راوية: “من هذه العلامات الظّاهريّة: أنّ نسب حضرته يرجع للعترة النبويّة من ذريّة فاطمة الزّهراء والإمام علي بن أبي طالب، وأنّه شابٌّ بين العشرين والثّلاثين – وكان حضرة الباب في سنّ الخامسة والعشرين – وخالٍ من العيوب والعاهات الجسديّة والخِلقية، وأنّه لا يشربُ الدُّخان. وفوق كلِّ ذلك لديه علمٌ لدُنيٌّ؛ أي معرفةً ربّانيّةً غير مُكتسبةٍ من المدارس ورجال الدّين”.
الطّفلة نبيلة: “وهل كان انطباق هذه العلامات كافيًا، أم كانت هناك أمور أخرى حاسمة؟”.
الخالة راوية: “لقد كان الملّا حسين بشروئيّ قد أعدّ رسالة تختصّ بالأمور والأحوال الغامضة، والأقوال المتشابهة والتَّعاليم الباطنيّة الصّادرة من الشّيخ أحمد والسّيّد كاظم الرّشتيّ، وعرضها على مضيفه؛ فاطّلع على بعض صفحاتها على نحو سريع، وفي ظرف بضعة دقائق، كشف له حضرة الباب عن جميع الأسرار الّتي وردت فيها وحلّ جميع معضّلاتها. ولمّا أتمَّ كلّ ما أراده في برهة قصيرةٍ، فسّر له أيضًا كثيرًا من الحقائق، الّتي لم توجد في أقوال الأئمة ولا في كتابات الشّيخ أحمد ولا السّيّد كاظم، وتلاها عليه بطلاوة مُبهجة وقوّة فائقة. وتأثّر الملّا حسين بشروئيّ من كلّ ما سمعه، ومن كرم أخلاق حضرة الباب وقوّة آياته، وقال له حضرة الباب:” إِنَّ اللهَ يَمْتَحِنُ الْعِبَادَ، وَلَيْسَ لِلْعِبَادِ أَنْ يَمْتَحِنُوهُ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَوَازِينِ، وَأَنَّ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُسَارَعَةَ لِلِاسْتِجَابَةِ لِهَذَا الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ”.
الطّفل ربيع: “وهل اقتنع الملّا حسين بشروئيّ بكلِّ ما شهده وعرف صِدق الموعود؟”
الخالة راوية: “بقيت معضلة واحدة للحسم التّام، وهو تنزيل تفسير إلهيّ لسورة يوسف، والكشف عن معانيها على نحو مُعجزٍ. وبالفعل دُون أن يَطلب منه الملّا حسين بشروئيّ ذلك، شرع حضرة الباب بقوله: (والآن وقت إنزال تفسير سورة يوسف). وأخذ قلمه، وبسرعةٍ لا تكاد تُصدّق، فنزلت سورة الملك، وهي أوّل سور كتاب قيُّوم الأسماء، وكانت قوّة تأثير كلماته قد زادتها حلاوة الصّوت الَّذي كان يتلوها به، ولم يتوقّف لحظةً أثناء تلاوة الآيات الّتي نزلت من قلمه حتّى تمّت السّورة”. الطّفلة نبيلة: “وبماذا أخبره حضرة الباب بعد ذلك؟”.
الخالة راوية: “قال له حضرة الباب:” إِنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَهَذِهِ السَّاعَةَ سَيُحْتَفَلُ بِهَا فِي الْأَيَّامِ الْآتِيَةِ كَأَعْظَمِ الْأَعْيَادِ وَأَهَمِّهَا؛ فَاشْكُرِ اللهَ الَّذِي أَوْصَلَكَ إِلَى مَرْغُوبِ قَلْبِكَ، وَأَشْرَبَكَ مِنْ رَحِيقِ كَلَامِهِ الْمَخْتُومِ. طُوبَى لِلَّذِينَ هُمْ إِلَيْهِ وَاصِلُونَ”. وبذلك أصبح المُلّا حسين بشروئيّ أوّل المؤمنين ومنحه حضرة الباب لقب باب الباب. وخلال الأربعين يومًا التّالية، اكتمل مجموع ثمانية عشر فردًا من المؤمنين الأوائل، وعُرفُوا بحروف “الحيِّ” (حي تساوي قيمة مجموع حروفها ثمانية عشر بحساب الجمل)”. الطّفل ربيع:“يا لها من قصّةٍ رائعةٍ ومؤثرةٍ! وكم أنا متشوّق جدًّا للاحتفال بهذا العيد البهيج مع الأصدقاء والأحبّاء!”
الطّفلة نبيلة: “معي يوميّة للتّقويم البديع، حصلتُ عليها كهدية وفيها يوم 8 شهر العظمة هو عيد ليلة بعثة حضرة الباب؛ ويُعتبر يوم عطلة لأنّه من الأيّام التّسعة الّتي يُحرّم فيها العمل”.
الخالة راوية: “جميل، سنكتفي اليوم بهذه القصّة والآن يمكنكما الذّهاب والاستعداد للعيد القادم”.
مبشّرُ البَهاءِ دعَا إلى الحُبّ والوئام
رسالتهُ بدايةُ عصرِ العدلِ والسّلام
(مرَّتين)
فكما أنّ طلوعَ الصّبح يبشّرُ بشروقِ الشّمس
فإنّ ظهورَ الباب عَلامةٌ لطلوعِ شمسِ بهاءُالله
(مرَّة واحدة)
مُبشّر البَهاء دعا إلى الحُبِّ وِالوئام
رسالتُه بدايةُ عصر العدلِ والسّلام
(مرَّتين)
مُبشّرُ البَهاء كَشفَ الأسرار بِعلمٍ عظِيم
مُبشّرُ البَهاء نَوَّرَ الآفاق بِنورٍ قدِيم
(مرَّتين)
مبشّرُ البَهاء قد جاءَ بنبأ عظِيم
مبشّرُ البَهاء دَعا إلى الحُبّ والوِئام
(مرَّتين)
(أغنية مبشّر البهاء عن حضرة الباب، كلمات سحر محسني)
رابط الاستماع: https://www.youtube.com/watch?v=lywGcrVXUsQ
“قُل إِنَّ العِيدَ الأعظمَ لسُلطانُ الأَعيَادِ اذكُرُوا يَا قَوْمُ نِعمَةَ الله عليكُم إذ كُنتُم رُقدآء أيقظَكُم مِن نسماتِ الوَحيِّ وعَرّفكم سَبِيلَهُ الواضِحَ المُستَقِيمَ”.
(الكتاب الأقدس الفقرة 112)
في حديقة منزليّة جميلة، اجتمع صباحًا أربعة أصدقاء وسط أجواء الرَّبيع؛ استعدادًا لإحياء أوّل أيّام الرِّضوان. وهم نجيب شابٌّ ناشئ في الثّانية عشرة من عمره، يحبّ الخدمة ولديه اطلاع واسع؛ فدوى طفلة في الحادية عشرة من عمرها، تحبُّ الخدمة والتَّعاون؛ كريمة طفلة في العاشرة من عمرها، تحبّ الألوان والمشاركة في أعمال التّزيين؛ أمّا سميح، فهو أصغرهم ولا يزال في التّاسعة من عمره، يحبّ سماع القصص وطرح الأسئلة.
نجيب: “هيّا بنا، سنشرع في الاستعداد لعيد الرِّضوان، وسنشارك في تزيين هذه الحديقة، وترتيب الكراسي والطّاولات؛ استعدادًا لأوّل أيّام الرِّضوان”.
سميح: “كم يعجبني عيد الرِّضوان، لأنَّه تُقام فيه احتفالات بهيجةٌ، ويتشارك الأصدقاء والأحبّاء في أجواء جميلةٍ، ولكنْ لا أعرف بالضّبط قصّة هذا العيد، ولماذا نحتفل به في هذا الموعد من السّنة؟”.
فدوى: “أجل، لقد روت لي معلّمتي في صفوف الأطفال قصّة هذا العيد، وأتذكّر منها أن هذا العيد يُخلّد إعلان حضرة بهاء الله عن رسالته، وأنّه الموعود الَّذي بشَّر به حضرة الباب، ومن عظمة هذا العيد أنّه يعرف بـ”سلطان الأعياد”.
نجيب: “عيد الرِّضوان هو أطول الأعياد في التّقويم البديع، ويشتمل على اثني عشر يومًا، حدّد حضرة بهاء الله ثلاثة أيّام منها كأيّام يُحرّم فيها العمل وهي: اليوم الأوّل، واليوم التّاسع، واليوم الثّاني عشر. إنَّ أيَّام الرِّضوان تُخلّد ذكرى إعلان حضرة بهاء الله لدعوته في نواحي بغداد بحديقة النّجيبيّة، الَّذي جرى في السّاعة الثَّالثة بعد زوال يوم 22
أبريل 1863م. وكان هذا الحدث بعد مرور تسعة عشر سنة على إعلان حضرة الباب المبشّر بدعوته في شيراز”.
فدوى: “البهائيُّون في جميع أنحاء العالم يحتفلون بعيد الرِّضوان وفق التّقويم البديع، ابتداءً من يوم 13 شهر الجلال وحتّى غروب شمس يوم 5 شهر الجمال”.
كريمة: “هل حديقة النّجيبيّة تحمل هذا الاسم نسبة إلى اسمك يا نجيب؟”.
ضحك نجيب: ” بل نسبةً إلى الوالي نجيب باشا المالك الأصليِّ لهذه الحديقة، والَّتي استأجرها حضرة بهاء الله من أحد ورثته؛ لاستقبال جُموع الزُّوار والأحبّاء الَّذين جاؤوا لتوديعه في أيّام استعداده للرّحيل من بغداد إلى إسطنبول عاصمة السّلطنة العثمانيَّة، بناءً على استدعاء من السّلطان عبد العزيز. وصارت تُعرف منذ ذلك الحين بحديقة الرِّضوان”.
سميح: “ماذا حدث في اليوم الأوّل من أيّام الرِّضوان؟”.
نجيب: “دخل حضرة بهاء الله حديقة النّجيبيّة؛ في يوم 22 أبريل 1863م بهدف استقبال الزّوار، وتمكين عائلته ومرافقيه من الاستعداد لسفرهم الطّويل إلى إسطنبول. وبعد توديع الأهالي في محيط بيت إقامته المبارك في بغداد، عبر حضرة بهاء الله نهر دجلة على متن مركب صغير، برفقة أبنائه الأغصان وعلى رأسهم الغصن الأعظم عبّاس (عبد البهاء)، وبعض المؤمنين. دخل حضرة بهاء الله البستان وسط أجواء من الفرح والسّرور وتغاريد البلابل، وأعلن بين جمع من الأحبّاء عن ظهوره وحقيقة مقامه بوصفه موعود الأمم الَّذي بشّر به حضرة الباب. وبذلك تحوّلت مناسبة الوداع والفراق إلى مناسبة للفرح الغامر، وشهدت إعلانًا عظيمًا بعث حياة جديدة في القلوب، وتفضّل حضرة بهاء الله بأنَّه في ذلك اليوم: “قَدِ انْغَمَسَتِ الْأَشْيَاءُ فِي بَحْرِ الطَّهَارَةِ.”.
سميح: “وماذا جرى في بقيّة الأيّام؟ وكيف كانت أجواء أيّام الرِّضوان؟”.
نجيب: “في الأيّام الأحد عشر التَّالية، كان البستانيون يعمدون فجر كلّ يوم إلى الورود الّتي تحفُّ بممرَّات الحديقة الأربعة، فيقطفونها ويضعونها على أرض خيمته المُباركة. وكانت الكومة من الارتفاع بحيث لم يكن في إمكان الصَّاحب أن يرى صاحبه، وهم جلوس في محضره المُبارك في شكل دائرة لتناول شاي الصّباح. وكان حضرة بهاء الله يستقبل جموع الوافدين من مختلف الفئات بكامل المحبَّة، ويقدِّم لهم بيديه المباركتين هذه الورود عند انصرافهم.
كان منسوب مياه نهر دجلة مرتفعًا لدرجة أن بقيَّة عائلة حضرة بهاء الله لم يتمكنوا من الالتحاق به حتّى يوم 30 أبريل 1863م، وهو اليوم التّاسع من الرِّضوان. وفي اليوم الثّاني عشر 3 مايو 1863م من الإقامة في النّجيبيّة، غادر حضرة بهاء الله وعائلته وسط أجواء مؤثِّرة من المحبَّة والحزن على الفراق. وبدأت بذلك رحلتهم الطّويلة عبر عدّة محطاتٍ، حتّى وصولهم إسطنبول في ظهر يوم 16 أغسطس 1863م”.
كريمة: “ما هي الألواح والآثار المُباركة الّتي تُخلِّد هذه المناسبة؟”.
نجيب: “هناك ألواح خاصة بهذه الأيّام تُعرف بألواح الرِّضوان تتمُّ تلاوتها خلال هذه الأيّام. تفضّل حضرة بهاء الله بالتّنويه إلى أيّام الرِّضوان في أحد ألواحه: “أَيَّامٌ فِيهَا ظَهَرَ الْفَرَحُ الْأَعْظَمُ””.
فدوى: “لقد حفظت بعض الأغاني القصيرة بالمناسبة، وتدرّبت عليها باستعمال آلة “الأورغ”
نجيب: “سنكون سعداء بالاستماع إليها خلال الاحتفال، والآن علينا تجهيز الزِّينة؛ فلم يعد هناك وقت كافٍ لأنّ الضّيوف قادمون”.
﴿يا سيّدي الأكبر * ما أنا بشيء إلاّ وقد أقامَتني قُدرتك على الأمر * ما اتّكلتُ في شيء إلاّ عَليكَ * وما اعتَصمتُ في أمرٍ إلاّ إليك * يا بقيّةَ الله قد فديتُ بكُلّي لك ورضِيتُ السَّبّ في سَبِيلكَ وما تمنّيتُ إلاّ القتلَ في مَحبّتِكَ * وكفَى باللَّه العلِيّ مُعتصِمًا قديمًا وكفَى باللَّه شاهدًا ووكِيلاً﴾.
(حضرة الباب نسائم الرحمن، الطبعة 2، ص5، المحفل الروحاني بشمال غرب إفريقيا)
مريم سيّدة مُسنّة تقوم بحياكة الملابس الصُّوفيَّة.
تدخل عليها حفيدتها الصَّغيرة ليلى، وتُشير بإصْبَعِها إلى صورة مُعلَّقة على جدار الغرفةٍ لمرقد حضرة الباب وتقول: جدّتي العزيزة، أريد أن تخبريني قصّةً عن صاحب هذا المرقد الجميل في هذه الصُّورة المُعلَّقة على الجدار!
الجدّة مريم تبتسم وتقول: “حسنًا يا حفيدتي، سأحدثك عن قصّةٍ عظيمةٍ ومؤثرةٍ جدًّا. إنّها قصّة استشهاد حضرة الباب، وهي من أهمّ الأحداث في فجر الظُّهور البهائيُّ”.
ليلى: “آه حضرةُ الباب! هل هو المُبشر بظهور حضرة بهاء الله؟”.
الجدّة مريم: “حضرة الباب، هو معلّم إلهيّ، أرسله الله ليبشر النّاس بظهور موعود الأمم حضرة بهاء الله. وُلِد حضرة الباب في شيراز، جنوب إيران، في 20 أكتوبر 1819، وكان اسمه السّيّد “علي محمد”. عندما بدأ يدعو النّاس إلى رسالته عام 1844، كان لا يزال شابًّا في سنِّ الخامسة والعشرين فقط.”
ليلى: “ما هي غاية رسالته؟”.
الجدّة مريم: “رسالته كانت تدعو النّاس إلى المحبَّة والسَّلام، وتَطهيرِ قلوبهم لاستقبال عصرٍ جديدٍ من السَّلام والاِتِّحاد. لكنّه أيضًا جاء بتعاليم تُخالف العديد من التّقاليد الدّينيّة والاجتماعيّة والمفاهيم المغلوطة الّتي كانت راسخةً آنذاك، وهذا أثار حسد وغضب الكثير من رجال الدّين الَّذين قاموا على التّحريض ضدّه، وتسبّبوا في اضطهاد أتباعه المؤمنين والتّنكيل بهم”.
ليلى: “وهل آمن به النّاس في تلك الأيّام؟”.
الجدّة مريم:” نعم، لقد آمن به الآلاف من النّاس من مختلف الطبقات والفئات وامتد تأثيره لمختلف الأقاليم في السّلطنة الفارسيّة القاجاريّة والبلاد المشرقيّة المجاورة. ولكنّ رجال الدِّين ورجال السُّلطة خافوا على مصالحهم وامتيازاتهم من قوَّة تأثيره وانتشار تعاليمه، بل وصل الأمر بأن أفتى عدد من شيوخ وعلماء أصفهان بقتله عام 1847م. وقام الصَّدر الأعظم رئيس الوزراء ميرزا آقاسي بإصدار أوامرَ بنفي حضرة الباب إلى إقليم آذربيجان حيث سُجن في عدّة أماكن كان أبعدها سجن “ماه كو” (بالفارسيّة يعني حاجب القمر والَّذي عرف في آثار حضرة الباب باسم الجبل الباسط) الَّذي سُجن فيه سبعة أشهر ما بين 1847 و1848م. ونتيجة تزايد تأثيره بين الأهالي في تلك المنطقة، نقلوه إلى سجن جهريق (الجبل الشَّديد) الَّذي أمضى فيه معظم السّنَتَين الأخيرتين من حياته فازداد أمره وهجًا والتفّ المزيد من المؤمنين والمُقبلين حوله”.
ليلى تسأل: وهل أقاموا لحضرة الباب محاكمة عادلةً؟
الجدّة مريم: “نُقِل حضرة الباب من سجن جهريق إلى تبريز لمحاكمته، وكانت محاكمةً جائرةً لا تتوفّر فيها شروط العدالة، دُعي إلى حضورها وليُّ العهد ناصر الدّين ميرزا بن محمد شاه قاجار وجمعٌ من رجال الدِّين البارزين. وأظهر حضرة الباب شجاعةً وقوّةً في إقامة الحُجّة الإلهيّة حول حقيقة مقامه وظهوره، إلّا أنّ الشُّيوخ راحوا يطرحون عليه أسئلة مهينة بهدف الحطِّ من شأنه، ولكنّ حضرته نجح في إحراجهم وإرباكهم، ووقعت ضجّةٌ في المحكمة وانتهى الأمر بإحالته إلى “علي أصغر” شيخ الإسلام في تبريز الَّذي جلد حضرة الباب على قدميه، ثمّ أعادوا حضرة الباب مجدّدًا إلى سجن جهريق”.
ليلى: “يا له من ظلم شديد! ولكنْ كيف صدر حكم الإعدام على حضرة الباب”؟
الجدّة مريم: “بعد وفاة محمد شاه قاجار في سبتمبر 1848م نتيجة المرض، انتقل العرش إلى نجله الشّابّ ناصر الدّين الَّذي كان لا يزال في سنّ السّابعة عشرة، وصارت السُّلطة الفعليَّة في يد الصّدر الأعظم الجديد ميرزا تقي خان، واشتدّت في عهده حملات الاضطهاد ضدَّ البابيِّين في ملاحم وحوادث كثيرة راح فيها الألوف من الشُّهداء. وأصدر ميرزا تقي خان في صيف عام 1850م أوامر عاجلة بنقل حضرة الباب إلى تبريز تمهيدًا لإعدامه وفق ترتيبات غير مُعلنةٍ. ولمّا امتنع الأمير حمزة ميرزا والي تبريز عن الإشراف على تنفيذ الإعدام، أوكل الصّدر الأعظم تقي خان المسؤوليّة لأخيه ميرزا حسن خان بصفته رئيس عساكر الإقليم”.
ليلى (بدهشة): “وهل تمَّ نقل حضرة الباب إلى تبريز ليواجه هذا المصير؟”.
الجدّة مريم: “نعم، تمَّ نقل حضرة الباب إلى زنزانة في ثكنة عسكريّة بتبريز، وظهر فجأةً شابّ اخترق الزّحام ورمى بنفسه على أقدام حضرة الباب ورجاه قائلًا: “لا تُبعدني عنك يا سيّدي”، وتوسَّل إليه السَّماح له بأن يتبعه حيثما يذهب. فأجابه حضرة الباب: “انْهَضْ وَتَأَكَّدْ أَنَّكَ سَتَكُونُ مَعِي. وَغَدًا سَتُشَاهِدُ مَا يَقْضِي بِهِ اللهُ.” وعلى الفور أُلقي القبض على الشّابِّ واثنين من رفاقه، ووُضِعُوا في زنزانةٍ واحدةٍ مع حضرة الباب وكاتب وحيّه سيّد حسين. هذا الشّابُّ اسمه محمد عليَّ الزّنوزيّ، وسيُعرفُ بلقب “الأنيس”؛ لأنّه الوحيد الَّذي نال شرف الاستشهاد مع حضرة الباب”.
ليلى (بدهشة): “يا لها من مواقف مبهرة! شابّ يهبُ حياته في سبيل مرافقة حضرة الباب في سجنه واستشهاده! وماذا جرى في صبيحة يوم الإعدام؟”.
الجدّة مريم: “في الصّباح الباكر من اليوم التّالي الموافق 9 يوليو 1850م، كان حضرة الباب مُنشغلًا مع كاتب وحيّه سيّد حسين عندما قطع الفراش باشي (كبير الحرس) حديثهما فجأةً. فخاطبه حضرة الباب قائلًا:” إِلَى أَنْ أَكُونَ قَدْ أَتْمَمْتُ كُلَّ مَا أُرِيدُ قَوْلَهُ لِلسَّيِّدِ حُسَيْن، لَا تَقْدِرُ أَيُّ قُوَّةٍ أَرْضِيَّةٍ أَنْ تُسْكِتَنِي، وَلَوْ تَسَلَّحَ الْعَالَمُ كُلُّهُ ضِدِّي فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاجِزًا عَنْ مَنْعِي مِنْ إِتْمَامِ أَقْوَالِي إِلَى آخِرِ كَلِمَةٍ”. ولكنّ المأمور لم يستوعب مغزى كلمات حضرة الباب، فلم يجب وأمر الكاتب أن يتبعه، ثمّ أخذوا حضرة الباب من زنزانته إلى منازل كبار رجال الدّين الثّلاثة في المدينة الَّذين وقَّعُوا التّصديق على مرسوم الإعدام دون تردّدٍ. وفي وقت لاحقٍ من ذلك الصَّباح، اقتيد حضرة الباب عائدًا إلى السّاحة حيث احتشد ما يقرب من العشرة آلاف شخص على أسطح المنازل ليشهدُوا إعدامه. سُلِّم حضرة الباب إلى يد السِّردار “سام خان الأرمينيِّ” قائد فرقة الإعدام الأولى الَّذي أُمِر بتنفيذ حكم الإعدام. وكان سام خان قلقًا وقد ساوره الخوف من أنّ عمله سيكون خطيئة أمام الرَّب. فتوجّه إلى حضرة الباب وقال له:” إنّي مسيحيّ ولا أحمل لك أيّ ضغينةٍ. فإذا كان أمرك الحقَّ، فمكِّنّي من تحرير نفسي من سفك دمك.” فأجاب حضرة الباب: “اتَّبع التَّعليمات الَّتي أُعطيت لك، وإذا كان مقصدك صادقًا فإنَّ العليَّ القدير سيعينك على التخلُّص من اضطرابك.”
ليلى: “وهل قام سام خان بتنفيذ حكم الإعدام؟”.
الجدّة مريم: “أمر سام خان رجاله أن يدقُّوا مسمارًا حديديًّا في عمود بالجدار، وأن يربطُوا حبلين في هذا المِسمار، وبهما عُلِّق حضرة الباب والأنيس. ثمَّ اصطفَّت الفرقة ثلاثة صفوف يضمّ كلّ منها 250 جنديًّا. وأطلق كلّ صفّ الرَّصاص تلو الأخر، فارتفع دخان الرّصاص من سبعمائة وخمسين بندقيّة وامتلأ الجوُّ بالدُّخان”.
ليلى: “وماذا وقع بعد ذلك؟”.
الجدّة مريم: “وقع أمر عجيب، فعندما انقشع الدُّخان شاهد الجمهور بغاية الدَّهشة منظرًا يصعب تصديقه، فالأنيس كان واقفًا حيًّا أمامهم ولم يُصب بأيّ ضرر يُذكر، وأمّا حضرة الباب فقد اختفى عن الأنظار بينمّا الرَّصاص لم يقطع سوى الحبال الَّتي كانا مُعلَّقين بها. عندها وقعت ضجّة وحيرة كبيرة وبدأ بحثٌ محموم عن حضرة الباب، وفي النّهاية وجدوه جالسًّا في زنزانته يكملُ حديثه الَّذي كان قد انقطع مع كاتب وحيّه السّيّد حسين، وعندما جاء الفراش باشي مُجدَّدًا لاقتياده قال له حضرة الباب: “إِنَّ حَدِيثِي مَعَ السَّيِّدِ حُسَيْنٍ قَدِ انْتَهَى فَتَقَدَّمِ الْآنَ وَكَمِّلْ مَقْصَدَكَ”. عندها تذكَّر الفراش باشي ما كان قد سمعه من حضرة الباب وانسحب وطلب إعفاءه من منصبه. أمّا قائد الفرقة الأولى فقد صُعق من ذلك الحدث وأقسم أن لا يُعاوِد التّنفيذ مرةً أخرى وأمر رجاله بالانسحاب فورًا”.
ليلى: “ يا لها من معجزةٍ! وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ كلَّ الحاضرين والمسؤولين أصابهم الهلع وأدركوا مقام حضرة الباب! أليس كذلك؟”.
الجدّة مريم: “للأسف، أصرّ المسؤولون الكبار على إعادة تنفيذ الإعدام، وتمّ استدعاء فرقة أخرى بقيادة “آقاجان خمسه” وأُعيد ربط حضرة الباب ورفيقه بنفس الطّريقة السّابقة. وخاطب حضرة الباب الحاضرين بكلماته الأخيرة التالية: “أَيُّهَا الْجِيلُ الْمُلْتَوِ، لَوْ آمَنْتُمْ بِي لَأَصْبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا الشَّابِّ الَّذِي هُوَ فِي دَرَجَةٍ أَعْلَى مِنْكُمْ يُضَحِّي بِنَفْسِهِ فِي سَبِيلِي. وَسَيَأْتِي الْيَوْمُ الَّذِي سَوْفَ تَعْتَرِفُونَ بِي فِيهِ، وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا أَكُونُ مَعَكُمْ”.
وتمَّ إطلاق النّيران عليهما من قبل صفوف فرقة الإعدام الثّانيّة، وهذه المرّة استشهد حضرة الباب مع رفيقه محمد علي الزّنوزيّ، بحيث امتزج جسداهما ببعض بينما بقي الوجهان سليمين. وتمّ وضع جثمان حضرة الباب ورفيقه أنيس في حفرة خندقٍ خارج أسوار المدينة”.
ليلى: “كم هي قصّةٌ محزنةٌ ومؤثرةٌ! وماذا كان مصير الجثمان؟”.
الجدّة مريم:” نعم، يا حفيدتي، إنّ استشهاد حضرة الباب لم يكن نهاية قصّته. فلقد اعتلى عرش السّلطنة الأبديّة. وتمكّن مؤمنون شجعان بتوجيهٍ من حضرة بهاء الله من المحافظة على رفات حضرة الباب ونقلها إلى عدّة أماكن آمِنةٍ على مدى سنوات طويلة، وأخيرًا تمَّ نقل رفاته إلى مُسْتَقَرِّهِ الأخير بجبل الكرمل في حيفا، حيث دُفن في هذا المقام جميل الَّذي أسّسه حضرة عبد البهاء، نجل حضرة بهاء الله، وتمَّ توسيع هذا المرقد وصارت له قُبَّة مذهّبة، وتمَّت إحاطته بحدائق مدرّجات بديعة ليكون مزارًا لجميع الأمم”.
ليلى: “كيف يمكننا إظهار امتنانا ووفائنا لذكرى حضرة الباب”؟
الجدّة مريم:” من خلال إحياء ذكرى استشهاد حضرة الباب في ظهيرة يوم 17 من شهر الرّحمة حسب التّقويم البديع، فإنّنا نستحضر حياته وتضحياته واستشهاده في سبيل ظهور حضرة بهاء الله”.
ليلى: “شكرًا جزيلًا يا جدّتي الحبيبة، وسأشارك مع معلّمتي وأصدقائي في نشاط فنيٍّ لإحياء هذه الذّكرى الخالدة”.
الجدّة مريم (مبتسمةً): “وأنا سعيدة أنّ القصّة أثرت فيكِ. وأتمنى لك التّوفيق”.
“إذا غِيضَ بحرُ الوصالِ، وَقُضِيَ كِتابُ المبدءِ فِي المآلِ، تَوجَّهُوا إِلَى مَنْ أرادَه اللهُ، الَّذي انْشَعَبَ من هذَا الأَصْلِ القَديمِ”.
(الكتاب الأقدس فقرة 121)
العمّ سعيد رجل في الأربعين من عمره، لديه ورشة نجارة، ويساعده ابن أخيه عصام البالغ من العمر عشر سنة.
سعيد يطلب من عصام أن يحضر له هاتفهُ الذّكيّ.
ينظر العمّ سعيد إلى التّقويم البَّديع في الهاتف ويقول لابن أخيه: غدًا الثَّالث عشر من شهر العظمة، يوم ذكرى الصُّعود، عليَّ برمجة ساعة هاتفي الجوال على السّاعة الثَّالثة صباحًا.
عصام مستغربًا: “لماذا تبرمجها على هذا التّوقيت المتأخِّر يا عمِّي؟”.
العمّ سعيد: “غدًا هو يوم ذكرى صعود حضرة بهاء الله، وسيكون يوم عطلةٍ في ورشتنا، وعند السّاعة الثَّالثة فجرًا سنقرأُ لوحَ الزِّيارة الَّذي يُخلّد ذكرى صعوده إلى دار البقاء”.
عصام: “لا بُدّ أنّها مناسبة هامّة ولها قصّة تستحقُّ أن تُروى”.
العمّ سعيد: “بلا شكٍّ أنّك قد سمعت قصّة حياة حضرة بهاء الله، وتعرفُ بعض وقائعها”.
عصام: “أجل، أتذكّر أنّني قرأت فقرات حول حياته، وكيف أنّه مظهر إلهيّ تحمَّل النّفي والاضطهاد في سبيل تبليغ الرّسالة الإلهيَّة، ونشر تعاليمه بين النّاس، وأنّه نفي إلى السّجن الأعظم في مدينة عكّا”.
العمّ سعيد: “أجل يا عصام، حضرة بهاء الله هو معلِّم إلهيّ عظيم عاش في عالمنا نحو 75 سنةً، وأمضى أربعين سنةً في تنزيل الآثار المُقدّسة ونشر التَّعاليم الإلهيَّة. واتَّحدت ضدّه قوى الظُّلم والجُّور، فسجنوه في أبعد السّجون، ونفوه إلى بغداد وإسطنبول وأدرنة وعكّا، وتحمَّل الشّدائد والذِّلة لعِتق العالمين. وذكرى صعوده مناسبةٌ نستحضر فيها حياته وعطاءه وعهده وميثاقه”.
عصام: “كيف عاش حضرة بهاء الله سنوات حياته الأخيرة؟”.
العمّ سعيد: “حضرة بهاء الله أمضى معظم سنوات ولايته في ظروف قاسيةٍ داخل مدينة عكَّا ما بين 1868 و1877م، ثمّ انتقل بعد تحسُّن الأوضاع وبفضل جهود نجله الأرشد الغصن الأعظم عبّاس (عبد البهاء) إلى ضواحيها، حيث أقام في قصر المزرعة سنتين ما بين 1877 و1879م، ثمّ انتقل إلى قصر البهجة الَّذي أقام فيه حتّى ليلة صعوده عام 1892م”.
عصام: “كيف كان حضرة بهاء الله يُمضي أوقاته في تلك الفترة؟”.
العمّ سعيد: “كان حضرة بهاء الله يُمضي أوقاته في تنزيل الآثار المقدّسة واستقبال الزُّوار، كما كان يحبُّ التَّنزه في حديقةٍ جميلةٍ تطلُّ على نهر النّعمين صارت تعرف باسم حديقة الرِّضوان. وقام حضرته أيضًا بزيارة لجبل الكرمل في حيفا، حيث نصب خيمته وحدّد لنجله الأرشد حضرة عبد البهاء موضع المكان الَّذي سيقام فيه مرقد حضرة الباب المُبشِّر به”.
عصام: “وكيف جرت وقائع صعوده؟”.
العمّ سعيد: “إنّ حضرة بهاء الله أفصح عن حنينهِ إلى مغادرة هذا العالم قبل صعوده بتسعة أشهر. ومنذ ذلك الوقت ازداد هذا الحنين وضوحًا في ثنايا تعليقاته لمن فازوا بلقائه، وأصبح من البيّن أنّ ختام حياته الأرضيّة وشيكٌ قريبٌ. وفي اللّيلة السّابقة لليوم 11 شوّال سنة 1309ھ – الموافق 8 مايو 1892م، ارتفعت درجة حرارته ارتفاعًا طفيفًا ثمّ زادت حرارته في اليوم التّالي، ولكنّها سرعان ما خفّت بعد ذلك. ومضى حضرته يأذن لبعض الأحبّاء والزّوار، ولكنْ سرعان ما عاودته الحمّى وارتفعت درجة حرارته أكثر من ذي قبلُ. وأخذت حالته العامّة تزدادُ سوءًا، وتلا ذلك مضاعفاتٌ انتهت بصعوده في فجر اليوم الثّاني من ذي القِعدة سنة 1309 هـ، الموافق 29 أيّار/ مايو سنة 1892م، بعد ثماني ساعات من غروب الشّمس، بالغًا من العمر خمسة وسبعين عامًّا”.
عصام: “ما هي الكلمات والوصايا الأخيرة الّتي وجَّهها للأحبّاء؟”.
العمّ سعيد: “قبل صعوده بستّة أيّام، كان حضرة بهاء الله مُستلقيًا على فراشه، وخاطب الجمع الباكي الملتفّ من حوله خطابًا رقيقًا فقال: “ إِنِّي رَاضٍ عَنْكُمْ جَمِيعًا فَلَقَدْ أَدَّيْتُمْ خِدَمَاتٍ عَدِيدَةً وَتَحَمَّلْتُمُ الْمَشَقَّةَ؛ كُنْتُمْ تَجِيئُونَ كُلَّ صَبَاحٍ وَكُنْتُمْ تَجِيئُونَ كُلَّ مَسَاءٍ. أَيَّدَكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا وَوَفَّقَكُمْ إِلَى الِاتِّحَادِ وَارْتِفَاعِ أَمْرِ مَالِكِ الْإِيجَادِ“. كما أكّد لأسرته والحاضرين أنّه قد عهد بهم إلى رعاية الغصن الأعظم عبّاس (عبد البهاء) وعنايته. لقد ترك حضرة بهاء الله وصيَّةً مكتوبةً تُعرفُ بـ”كتاب عهدي”، وأكّد فيها على ضرورة توجُّه جميع الأحبَّاء نحو مركز العهد والميثاق، المُبَيِّن المعصوم لتعاليمه؛ أي حضرة عبد البهاء وبهذا التّعيين صان وَحْدَةَ الجامعة البهائيّة من بعده”.
عصام: “كيف جرت مراسم جنازة حضرة بهاء الله؟ وأين جرى دفن جثمانه؟”.
العمّ سعيد: “منذ فجر يوم الصّعود، توافدت على القصر جموعٌ من أهالي عكّا ومن القرى المجاورة بعد انتشار الخبر الجلل. وأرسل الغصن الأعظم برقيَّةً إلى السُّلطان العثمانيّ عبد الحميد الثّاني، وصدرت على الفور الموافقة على دفن الجثمان المبارك في حرم قصر البهجة. فأُخْلِدَ حضرة بهاء الله إلى الرّاحة في الغرفة الشّماليّة القُصوى من المنزل الَّذي كان يسكنهُ زوج ابنته، وهو المنزل المتّجه إلى الشّمالِ من بين المنازل الثّلاثة الواقعة إلى الغرب من القصر والملاصقة له. وكان دفنه يوم صعوده بعد الغروب بقليلٍ. واستمرّ عددٌ كبيرٌ من النّائحين، الأغنياء والفقراء على السّواء من مُختلف الطَّوائف، يتفجّعون أسبوعًا كاملًا مع الأسرة الثّاكلةِ، وكتب كثيرٌ من النّابهين المدائح شعرًا ونثرًا. واليومُ، مرقده المُبارك هو قِبلةُ أهل البهاء، ومزارٌ ومَقْصَدٌ للزُّوار من مختلف بِقاع العالم”.
عصام: “شكرًا جزيلًا، لقد فهمتُ الآن قصّة الصُّعود وأهمِّيَّة إحياء هذه المناسبة، فهي فرصةٌ لا تُعوَّض للتّأكيد على محبَّتنا ووفائنا لحضرة بهاء الله”.